أخبار السيد الحميري

أخبار السيد الحميري

نسبه: السيد لقبه. واسمه إسماعيل بن محمد بن يزيد بن ربيعة بن مفرغ الحميري. ويكنى أبا هاشم. وأمه امرأة من الأزد ثم من بني الحدان. وجده يزيد بن ربيعة، شاعر مشهور، وهو الذي هجا زياداً وبنيه ونفاهم عن آل حرب، وحبسه عبيد الله بن زياد لذلك وعذبه، ثم أطلقه معاوية. وخبره في هذا طويل يذكر في موضعه مع سائر أخباره، إذ كان الغرض ها هنا ذكر أخبار السيد.
ووجدت في بعض الكتب عن إسحاق بن محمد النخعي قال: سمعت ابن عائشة والقحذمي يقولان: هو يزيد بن مفرغ، ومن قال: إنه يزيد بن معاوية فقد أخطأ. ومفرغ لقب ربيعة، لأنه راهن أن يشرب عساً من لبن فشربه حتى فرغه، فلقب مفرغاً. وكان شعاباً بسيالة، ثم صار إلى البصرة.

شاعر متقدم مطبوع، وترك شعره لذمة الصحابة: وكان شاعراً متقدماً مطبوعاً. يقال: أن أكثر الناس شعراً في الجاهلية والإسلام ثلاثة: بشار، وأبو العتاهية، والسيد، فإنه لا يعلم أن أحد قدر على تحصيل شعر أحد منهم أجمع.

وإنما مات ذكره وهجر الناس شعره لما كان يفرط فيه من سب أصحاب رسول الله عليه وسلم وأزواجه في شعر ويستعمله من قذفهم والطعن عليهم، فتحومي شعره من هذا الجنس وغيره لذلك، وهجر الناس تخوفاً وترقباً وله طراز من الشعر ومذهب قلما يلحق فيه أو يقاربه. ولا يعرف له من الشعر كثيرٌ. وليس يخلو من مدح بني هاشم أو ذم غيرهم ممن هو عنده ضدٌ لهم. ولولا أن أخباره كلها تجري هذا المجرى ولا تخرج عنه لوجب ألا نذكر منها شيئاً؛ ولكنا شرطنا أن نأتي بأخبار من نذكره من الشعراء؛ فلم نجد بداً من ذكر أسلم ما وجدناه له وأخلاها من سيئ اختاره على قلة ذلك.

كان أبوه إباضيين ولما تشيع هما بقتله: أخبرني أحمد بن عبيد الله بن عمَّار قال حدثني علي بن محمد النوفلي عن إسماعيل بن الساحر راوية السيد، قال ابن عمار وحدثني أحمد بن سليمان بن أبي شيخ عن أبيه: أن أبوى السيد كانا إباضيين ، وكان منزلهما بالبصرة في غرفة بني ضبة، وكان السيد يقول: طالما سب أمير المؤمنين في هذه الغرفة. فإذا سئل عن التشيع من أين وقع له، قال: غاصت علي الرحمة غوصاً.

وروي عن السيد أن أبويه لما علما بمذهبه هما بقتله، فأتى عقبة بن سلم الهنائي فأخبره بذلك، فأجاره وبوأه منزلاً وهبه له، فكان فيه حتى ماتا فورثهما.

قال راويته: إنه على مذهب الكيسانية: وقد أخبرني الحسن بن علي البري عن محمد بن عامر عن القاسم بن الربيع عن أبي داود سليمان بن سفيان المعروف بالحنزق راوية السيد الحميري قال: ما مضى والله على مذهب الكيسانية . وهذه القصائد التي يقولها الناس مثل:

تجعفرت باسم الله والله أكبر

و

تجعفرت باسم الله فيمن تجعفرا

وقوله:

أيا راكباً نحو المدينة جسـرةً

 

عذافرةً تهوي بها كل سبسب

إذا ما هداك الله لاقيت جعفراً

 

فقل يا أمين الله وابن المهذب

لغلام للسيد يقال له قاسم الخياط، قالها ونحلها للسيد، وجازت على كثير من الناس ممن لم يعرف خبرها، بمحل قاسم منه وخدمته إياه.

أوصافه الجسمية ومواهبه: أخبرني أحمد بن عبيد الله بن عمار قال حدثني علي بن محمد النوفلي قال حدثني أبو جعفر الأعرج ابن بنت الفضيل بن بشار قال: كان السيد أسمر، تام القامة، أشنب ، ذا وفرةٍ ، حسن الألفاظ، جميل الخطاب، إذا تحدث في مجلس قومٍ أعطى كل رجل في المجلس نصيبه من حديثه.

حديث الفرزدق عنه وعن عمران بن حطان: أخبرني أحمد قال حدثني محمد بن عباد عن أبي عمرو الشيباني عن لبطة بن الفرزدق قال: تذاكرنا الشعراء عند أبي، فقال: إن ها هنا لرجلين لو أخذا في معنى الناس لما كنا معهما في شيء. فسألناه من هما؟ فقال: السيد الحميري وعمران بن حطان السدوسي ، ولكن الله عز وجل قد شغل كل واحد منهما بالقول في مذهبه.
كان نتن الإبطين: أخبرني عيسى بن الحسين الوراق قال حدثني علي بن محمد النوفلي قال حدثني أبو جعفر ابن بنت الفضيل بن بشار قال: كان السيد أسمر، تام الخلقة، أشنب، ذا وفرة، حسن الألفاظ، وكان مع ذلك أنتن الناس إبطين، لا يقدر أحدٌ على الجلوس معه لنتن رائحتهما.

مدح الأصمعي شعره وذم مذهبه: قال حدثني التوزي قال: رأى الأصمعي جزءاً فيه من شعر السيد، فقال: لمن هذا؟ فسترته عنه لعلمي بما عنده فيه، فأقسم علي أن أخبره فأخبرته، فقال: أنشدني قصيدةً منه، فأنشدته ثم أخرى وهو يستزيدني، ثم قال: قبحه الله ما أسلكه لطريق الفحول! لولا مذهبه ولولا ما في شعره ما قدمت عليه أحداً من طبقته.

مدح أبو عبيده شعره: أخبرني محمد بن الحسن بن دريد قال حدثنا أبو حاتم قال: سمعت أبا عبيدة يقول: أشعر المحدثين السيد الحميري وبشار.

قال راويته: إنه على مذهب محمد بن الحنفية: أخبرني عمي قال حدثني الحسن بن عليل العنزي عن أبي شراعة القيسي عن مسعود بن بشر. أن جماعةً تذاكروا أمر السيد، وأنه رجع عن مذهبه في ابن الحنفيه وقال بإمامة جعفر بن محمد. فقال ابن الساحر راويته: والله ما رجع عن ذلك ولا القصائد الجعفريات إلا منحولةٌ له قيلت بعده. وآخر عهدي به قبل موته بثلاث وقد سمع رجلاً يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لعلي عليه السلام: إنه سيولد لك بعدي ولدٌ وقد نحلته اسمي وكنيتي فقال في ذلك وهي آخر قصيدة قالها:

أشاقتك المنازل بعـد هـنـد

 

وتربيهـا وذات الـدل دعـد

منازل أقفرت منهن مـحـت

 

معالمهن من سبـلٍ ورعـد

وريحٍ حرجفٍ تستـن فـيهـا

 

بسافي الترب تلحم ما تسـدي

ألم يبلغك والأنبـاء تـنـمـي

 

مقال محمـدٍ فـيمـا يؤدي

إلى ذي علمه الهادي عـلـى

 

وخولة خادمٌ في البيت تردي

ألم تر أن خولة سوف تأتـي

 

بواري الزند صافي الخيم نجد

يفوز بكنيتي واسمـي لأنـي

 

نحلتهماه والمهـدي بـعـدي

يغيب عنهم حتـى يقـولـوا

 

تضمنه بطيبة بطـن لـحـد

سنين وأشهراً ويرى برضوى

 

بشعب بين أنـمـار وأسـد

مقـيم بـين آرامٍ وعـــينٍ

 

وحفانٍ تروح خـلال ربـد

تراعيها السباع وليس منـهـا

 

ملاقيهن مفتـرسـاً بـحـد

أمن به الردى فرتعن طـوراً

 

بلا خوف لدى مرعًى وورد

حلفت برب مكة والمصلـى

 

وبيتٍ طاهر الأركـان فـرد

يطوف به الحجيج وكل عـامٍ

 

يحل لديه وفـدٌ بـعـد وفـد

لقد كان ابن خولة غير شـك

 

صفاء ولايتي وخلوص ودي

فما أحدٌ أحـب إلـي فـيمـا

 

أسر وما أبوح بـه وأبـدي

سوى ذي الوحي أحمد أو علي

 

ولا أزكى وأطيب منه عندي

ومن ذا يا بن خولة إذ رمتني

 

بأسهمها المنية حين وعـدي

يذبب عنـكـم ويسـد مـمـا

 

تثلم من حصونكم كـسـدي

وما لي أن أمر بـه ولـكـن

 

أؤمل أن يؤخر يوم فـقـدي

فأدرك دولةً لك لست فـيهـا

 

بجبار فتوصف بالـتـعـدي

على قوم بغوا فيكم عـلـينـا

 

لتعدي منكم يا خـير مـعـد

لتعل بنا عليهم حيث كـانـوا

 

بغورٍ من تهامة أو بـنـجـد

إذا ما سرت من بلـد حـرامٍ

 

إلى من بالمدينة من مـعـد

وماذا غرهم والخير منـهـم

 

بأشوس أعصل الأنـياب ورد

وأنت لمن بغى وعداً وأذكـى

 

عليك الحرب واسترداك مرد

في البيتين الأولين من هذه القصيدة غناء، نسبته: صوت

أشاقتك المنازل بعد هنـد

 

وتربيها وذات الدل دعـد

منازل أقفرت منهن محت

 

معالمهن من سبلٍ ورعد

عروضه من الوافر. الشعر للسيد الحميري. والغناء لمعبد ثقيلٌ أول بالسبابة في مجرى البنصر عن يحيى المكي. وذكر الهشامي أنه لكردم. وذكر عمرو بن بانة أن اللحن لمالك ثقيلٌ أول بالوسطى.

ذكر إسماعيل بن الساحر مذهبه وكان راويته: وقال إسماعيل بن الساحر راوية السيد: كنت عنده يوماً في جناح له، فأجال بصره فيه ثم قال: يا إسماعيل، طال والله ما شتم أمير المؤمنين عليٌّ في هذا الجناح. قلت: ومن كان يفعل؟ قال: أبواي. وكان يذهب مذهب الكيسانية ويقول بإمامة محمد بن الحنفية، وله في ذلك شعر كثير. وقد روى بعض من لم تصح روايته أنه رجع عن مذهبه وقال بمذهبه الإمامية ، وله في ذلك:

تجعفرت باسم الله والله أكبر

 

وأيقنت أن الله يعفو ويغفر

وما وجدنا ذلك في رواية محصل، ولا شعره أيضاً من هذا الجنس ولا في هذا المذهب، لأن هذا شعر ضعيفٌ يتبين التوليد فيه، وشعره في قصائده الكيسانية مباينٌ لهذا جزالةً ومتانةً، وله رونق ومعنى ليسا لما يذكر عنه في غيره.

مدح الأصمعي شعره وذم مذهبه: أخبرني علي بن سليمان الأخفش قال حدثنا محمد بن يزيد الثمالي قال حدثني التوزي قال قال لي الأصمعي: أحب أن تأتيني بشيء من شعر هذا الحميري فعل الله به وفعل، فأتيته بشيء منه، فقرأه فقال: قاتله الله! ما أطبعه وأسلكه لسبيل الشعراء! والله لولا ما في شعره من سب السلف لما تقدمه من طبقته أحد.

مدح أبو عبيدة شعره وكان يرويه: أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهري قال حدثنا عمر بن شبة قال: أتيت أبا عبيدة معمر بن المثنى يوماً وعنده رجلٌ من بني هاشم يقرأ عليه كتاباً، فلما رآني أطبقه. فقال له أبو عبيدة: إن أبا زيد ليس ممن يحتشم منه، فأقرأ. فأخذ الكتاب وجعل يقرؤه، فإذا هو شعر السيد. فجعل أبو عبيدة يعجب منه ويستحسنه. قال أبو زيد: وكان أبو عبيدة يرويه. قال: وسمعت محمد بن أبي بكر المقدمي يقول: سمعت جعفر بن سليمان الضبعي ينشد شعر السيد.

أخبرني ابن دريد قال: سئل أبو عبيدة من أشعر المولدين؟ قال: السيد وبشار.

كثرة شعره وعدم الإحاطة به: وقال الموصلي حدثني عمي قال: جمعت للسيد في بني هاشم ألفين وثلثمائة قصيدة، فخلت أن قد استوعبت شعره، حتى جلس إلي يوماً رجلٌ ذو أطمارٍ رثةٍ، فسمعني أنشد شيئاً من شعره، فأنشدني له ثلاث قصائد لم تكن عندي. فقلت في نفسي: لو كان هذا يعلم ما عندي كله ثم أنشدني بعده ما ليس عندي لكان عجيباً، فكيف وهو لا يعلم وإنما أنشد ما حضره! وعرفت حينئذ أن شعره ليس مما يدرك ولا يمكن جمعه كله.

رأي بشار فيه: أخبرني عمي قال حدثني الكراني عن ابن عائشة قال: وقف السيد على بشار وهو ينشد الشعر، فأقبل عليه وقال:

أيها المادح العباد ليعـظـى

 

إن لله ما بأيدي الـعـبـاد

فاسأل الله ما طلبت إلـيهـم

 

وارج نفع المنزل العـواد

لا تقل في الجواد ما ليس فيه

 

وتسمي البخيل باسم الجـواد

قال بشار: من هذا؟ فعرفه، فقال: لولا أن هذا الرجل قد شغل عنا بمدح بني هاشم لشغلنا، ولو شاركنا في مذهبنا لأتعبنا. وروي في هذا الخبر أن عمران بن حطان الشاري خاطب الفرزدق بهذه المخاطبة وأجابه بهذا الجواب.

إذا قال في شعره دع ذا أتى بعده سب السلف: أخبرني علي بن سليمان الأخفش عن سعيد بن المسيب عن أبي سعيد السكري عن الطوسي قال: إذا رأيت في شعر السيد دع ذا فدعه، فإنه لا يأتي بعده إلا سب السلف أو بليةٌ م بلاياه.

قال له ابن سيرين في رؤيا قصها عليه: تكون شاعراً: وروى الحسن بن علي بن المعتز الكوفي عن أبيه عن السيد قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في النوم وكأنه في حديقةٍ سبخةٍ فيها نخل طوالٌ وإلى جانبها أرض كأنها الكافور ليس فيها شيء، فقال: أتدري لمن هذا النخل؟ قلت: لا يا رسول الله، قال: لامرىء القيس بن حجر، فاقلعها واغرسها في هذه الأرض ففعلت. وأتيت ابن سيرين فقصصت رؤياي عليه، فقال: أتقول الشعر؟ قلت: لا، قال: أما إنك ستقول شعراً مثل شعر امرىء القيس إلا أنك تقوله في قوم بررة أطهار. قال: فما انصرفت إلا وأنا أقول الشعر.

أنشد غانم الوراق من شعره لجماعة فمدحوه: قال الحسن وحدثني غانم الوراق قال: خرجت إلى بادية البصرة فصرت إلى عمرو بن تميم، فأثبتني بعضهم فقال: هذا الشيخ والله راوية. فجلسوا إلي وأنسوا بي، وأنشدتهم، وبدأت بشعر ذي الرمة فعرفوه، وبشعر جرير والفرزدق فعرفوهما، ثم أنشدتهم للسيد:

أتعرف رسماً بـالـسـويين قـد دثـر

 

عفته أهاضيب السحائب والـمـطـر

وجرت بـه الأذيال ريحـان خـلـفةً

 

صباً ودبورٌ بالعـشـيات والـبـكـر

منازل قد كانت تـكـون بـجـوهـا

 

هضيم الحشا ريا الشوى سحرها النظر

قطوف الخطا خمصـانةٌ بـخـتـريةٌ

 

كأن محياها سـنـا دارة الـقـمـر

رمتني ببعد بعد قرب بـهـا الـنـوى

 

فبانت ولما أقض من عبدة الـوطـر

ولما رأتني خشية الـبـين مـوجـعـاً

 

أكفكف مني أدمعـا فـيضـهـا درر

أشارت بأطـرافٍ إلـي ودمـعـهـا

 

كنظم جمانٍ خانه السلك فـانـتـثـر

وقد كنت مما أحـدث الـبـين حـاذراً

 

فلم يغن عني منه خوفـي والـحـذر

قال: فجعلوا يمرقون لإنشادي ويطربون، وقالوا: لمن هذا؟ فأعلمتهم، فقالوا: هو والله أحد المطبوعين، لا والله ما بقي في هذا الزمان مثله.

له من الشعر ما يجوز أن يقرأ على المنابر: أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا أحمد بن سعيد الدمشقي قال حدثنا الزبير بن بكار قال: سمعت عمي يقول: لو أن قصيدة السيد التي يقول فيها:

إن يوم التطهير يومٌ عـظـيم

 

خص بالفضل فيه أهل الكساء

قرئت على منبر ما كان فيها بأسٌ، ولو أن شعره كله كان مثله لرويناه وما عيبناه.
وأخبرني أبو الحسن الأسدي قال حدثنا العباس بن ميمون طائع قال حدثنا نافع عن التوزي بهذه الحكاية بعينها فإنه قالها في:

إن يوم التطهير يوم عظيم

قال: ولم يكن التوزي متشيعاً.

سمع أعرابي شعره ففضله على جرير: قال علي بن المغيرة حدثني الحسين بن ثابت قال: قدم علينا رجل بدويٌ وكان أروى الناس لجرير، فكان ينشدني الشيء من شعره، فأنشد في معناه للسيد حتى أكثرت. فقال لي: ويحك! من هذا؟ هو والله أشعر من صاحبنا.

مدح السفاح فأمر له بما أراد: أخبرني أبو الحسن الأسدي قال حدثني الحسن بن عليل العنزي عن ابن عائشة قال: لما استقام الأمر لبني العباس قام السيد إلى أبي العباس السفاح حين نزل عن المنبر فقال:

دونكموها يا بني هـاشـمٍ

 

فجددوا من عهدها الدارسا

دونكموها لا علا كعب من

 

كان عليكم ملكها نافـسـا

دونكموها فالبسوا تاجـهـا

 

لا تعدموا منكم له لابسـا

لو خير المنبر فرسـانـه

 

ما اختار إلا منكم فارسـا

قد ساسها قبلـكـم سـاسةٌ

 

لم يتركوا رطباً ولا يابسا

ولست من أن تملكوها إلى

 

مهبط عيسى فيكـم آيسـا

فسر أبو العباس بذلك، وقال له: أحسنت يا إسماعيل! سلني حاجتك، قال: تولي سليمان بن حبيب الأهواز، ففعل.
أنشد لجعفر بن محمد شعراً فبكى: وذكر التميمي – وهو علي بن إسماعيل – عن أبيه قال: كنت عند أبي عبد الله بن جعفر بن محمد إذ استأذن آذنه للسيد، فأمره بإيصاله، وأقعد حرمه خلف سترٍ. ودخل فسلم وجلس. فاستنشده فأنشده قوله:

امرر على جدث الحسي

 

ن فقل لأعظمه الزكيه

آأعظماً لا زلـت مـن

 

وطفاء سـاكـبةٍ رويه

وإذا مررت بـقـبـره

 

فأطل به وقف المطيه

وابك المطهـر لـلـم

 

طهر والمطهرة النقيه

كبكاء معـلـولةٍ أتـت

 

يوماً لواحدها المـنـيه

قال: فرأيت دموع جعفر بن محمد تتحدر على خديه، وارتفع الصراخ والبكاء من داره، حتى أمره بالإمساك فأمسك. قال: فحدثت أبي بذلك لما انصرفت، فقال لي: ويلي على الكيساني الفاعل ابن الفاعل! يقول:

فإذا مررت بقـبـره

 

فأطل به وقف المطيه

فقلت: يا أبت، وماذا يصنع؟ قال: أو لا ينحر! أو لا يقتل نفسه! فثكلته أمه!.

يحاكم إليه رجلان من بني دارم في أفضل الناس بعد النبي صلى الله عليه وسلم: حدثني أبو جعفر الأعرج وهو – ابن بنت الفضيل بن بشار – عن إسماعيل بن الساحر راوية السيد وهو الذي يقول فيه السيد في بعض قصائده:

وإسماعيل يبرز من فلانٍ

 

ويزعم أنه للنار صالي

قال: تلاحى رجلان من بني عبد الله بن دارم في لمفاضلة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله، فرضيا بحكم أول من يطلع. فطلع السيد، فقاما إليه وهما لا يعرفانه، فقال له مفضل علي بن أبي طالب رضي الله عنه منهما: إني وهذا اختلفنا في خير الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: علي بن أبي طالب. فقطع السيد كلامه ثم قال: وأي شيء قال هذا الآخر ابن الزانية! فضحك من حضر ووجم الرجل ولم يحر جواباً.

جعفر بن محمد وشعر السيد: وقال التميمي وحدثني أبي قال قال لي فضيل الرسان : أنشد جعفر بن محمد قصيدة السيد:

لأم عمرو باللوى مربع

 

دارسةٌ أعلامه بلقـع

فسمعت النحيب من داره. فسألني لمن هي، فأخبرته أنها للسيد، وسألني عنه فعرفته وفاته، فقال: رحمه الله. قلت: إني رأيته يشرب النبيذ في الرستاق ، قال: قال: أتعني الخمر؟ قلت نعم. قال: وما خطر ذنبٍ عند الله أن يغفره لمحب علي!.

كان يقول بالرجعة: وأخبرني الحسن بن علي قال حدثنا محمد بن موسى قال: جاء رجلٌ إلى السيد فقال: بلغني أنك تقول بالرجعة ، فقال: صدق الذي أخبرك، وهذا ديني، قال: أفتعطيني ديناراً بمائة دينار إلى الرجعة؟ قال السيد: نعم وأكثر من ذلك إن وثقت لي بأنك ترجع إنساناً. قال: وأي شيء أرجع! قال: أخشى أن ترجع كلباً أو خنزيراً فيذهب مالي، فأفحمه.

جعفر بن عفان الطائي وعمر بن حفص: أخبرني الحسن بن علي قال حدثني عبد الله بن أبي سعد قال جعفر بن عفان الطائي الشاعر: أهدى إلي سليمان بن علي مهراً أعجبني وعزمت تربيته. فلما مضت علي أشهرٌ عزمت على الحج، ففكرت في صديق لي أودعه المهر ليقوم عليه، فأجمع رأيي على رجل من أهلي يقال له عمر بن حفص، فصرت إليه فسألته أن يأمر سائسه بالقيام عليه وخبرته بمكانه من قلبي، ودعا بسائسه فتقدم إليه في ذلك، ووهبت للسائس دراهم وأوصيته به، ومضيت إلى الحج. ثم انصرفت وقلبي متعلق، فبدأت بمنزل عمر بن حفص قبل منزلي لأعرف حال المهر، فإذا هو قد ركب حتى دبر ظهره وعجف من قلة القيام عليه. فقلت له: يا أبا حفص، أهكذا أوصيتك من هذا المهر! فقال: وما ذنبي! لم ينجع فيه العلف. فانصرفت به وقلت:

من عاذري من أبي حفص وثقت به

 

وكان عندي له في نفسه خـطـر

فلم يكن عند ظني فـي أمـانـتـه

 

والظن يخلف والإنسان يخـتـبـر

أضاع مهري ولم يحسـن ولايتـه

 

حتى تبين فيه الجهـد والـضـرر

عاتبته فيه في رفق فقـلـت لـه

 

يا صاح هل لك من عذر فتعتـذر

فقال داءٌ بـه قـدمـاً أضـر بـه

 

وداؤه الجوع والإتعاب والسـفـر

قد كان لي في اسمه عنه وكنـيتـه

 

لو كنت معتبراً ناهٍ ومـعـتـبـر

فكيف ينصحني أو كيف يحفظنـي

 

يوماً إذا غبت عنه واسمه عـمـر

لو كان لي ولدٌ شتى لـهـم عـددٌ

 

فيهم سميوه إن قلوا وإن كـثـروا

لم ينصحوا لي ولم يبقوا علي ولـو

 

ساوى عديدهم الحصباء والشجـر

أرسل إلى المهدي يهجو بني عدي وبني تيم ويطلب إليه أن يقطع عطاءهم: قال وحدثني أبو سليمان الناجي قال: جلس المهدي يوماً يعطي قريشاً صلاتٍ لهم وهو ولي عهدٍ، فبدأ ببني هاشم ثم بسائر قريش. فجاء السيد فرفع إلى الربيع رقعةً مختومة وقال: إن فيها نصيحة للأمير فأوصلها إليه، فأوصلها، فإذا فيها:

قل لابن عباسٍ سمي محـمـدٍ

 

لا تعطين بني عدي درهمـا

احرم بني تيم بن مرة إنـهـم

 

شر البرية آخراً ومـقـدمـا

إن تعطهم لا يشكروا لك نعمةً

 

ويكافئوك بأن تذم وتشـتـمـا

وإن ائتمنتهم أو استعملـتـهـم

 

خانوك واتخذوا خراجك مغنما

ولئن منعتهم لـقـد بـدءوكـم

 

بالمنع إذ ملكوا وكانوا أظلمـا

منعوا تراث محمدٍ أعمـامـه

 

وابنية وابنته عديلة مـريمـا

وتأمروا من غير أن يستخلفوا

 

وكفى بما فعلوا هنالك مأثمـا

لم يشكروا لمحمد إنـعـامـه

 

أفيشكرون لغيره إن أنعـمـا

والله من عليهم بـمـحـمـد

 

وهداهم وكسا الجنوب وأطعما

ثم انبـروا لـوصـيه وولـيه

 

بالمنكرات فجرعوه العلقمـا

وهي قصيدةٌ طويلة حذف باقيها لقبح ما فيه. قال: فرمى بها إلى أبي عبيد الله ثم قال: اقطع العطاء فقطعه، وانصرف الناس، ودخل السيد إليه، فلما رآه ضحك وقال: قد قبلنا نصيحتك يا إسماعيل، ولم يعطهم شيئاً.

 

أخبرني به عمي عن محمد بن داود بن الجراح عن إسحاق النخعي عن أبي سليمان الرياحي مثله.

ناظره شيطان الطاق في الإمامة فقال شعراً: أخبرني الحسن بن محمد بن الجمهور القمي قال حدثني أبي قال حدثني أبو داود المسترق راوية السيد: أنه حضر يوماً وقد ناظره محمد بن علي بن النعمان المعروف بشيطان الطاق في الإمامة، فغلبه محمد في دفع ابن الحنفية عن الإمامة، فقال السيد:

ألا يأيها الجدل المعـنـي

 

لنا ما نحن ويحك والعناء!

أتبصر ما تقول وأنت كهلٌ

 

تراك عليك من ورع رداء

ألا إن الأئمة مـن قـريشٍ

 

ولاة الحق أربعةٌ سـواء

عليٌّ والثـلاثة مـن بـنـيه

 

هم أسبـاطـه والأوصـياء

فأنى في وصيتـه إلـيهـم

 

يكون الشك منا والـمـراء

بهم أوصاهـم ودعـا إلـيه

 

جميع الخلق لو سمع الدعاء

فسبطٌ سبط إيمـانٍ وحـلـمٍ

 

وسبطٌ غيبـتـه كـربـلاء

سقى جدثاً تضمنـه مـلـثٌّ

 

هتوف الرعد مرتجزٌ رواء

تظل مظلةً منـهـا عـزالٍ

 

عليه وتغتدي أخرى مـلاء

وسبط لا يذوق الموت حتـى

 

يقود الخيل يقدمها الـلـواء

من البيت المحجب في سراةٍ

 

شراةٍ لف بينـهـم الإخـاء

عصائب ليس دون أغر أجلى

 

بمكة قائمٍ لهـم انـتـهـاء

رآه العبدي في النوم ينشد النبي صلى الله عليه وسلم شعراً: وهذه الأبيات بعينها تروى لكثير ذكر ذلك ابن أبي سعد فقال وأخبرني أحمد بن عبد العزيز قال حدثنا علي بن محمد النوفلي قال حدثني إبراهيم بن هاشم العبدي البصري قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في المنام وبين يديه السيد الشاعر وهو ينشد:

أجد بآل فاطمة البـكـور

 

فدمع العين منهمرٌ غزير

حتى أنشده إياها على آخره وهو يسمع. قال: فحدثت هذا الحديث رجلاً جمعتني وإياه طوس عند قبر علي بن موسى الرضا، فقال لي: والله لقد كنت على خلافٍ فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم في المنام وبين يديه رجل ينشد:

أجد بآل فاطمة البكور

إلى آخرها، فاستيقطت من نومي وقد رسخ في قلبي من حب علي بن أبي طالب رضي الله عنه ما كنت أعتقده.
أخبرني وكيع قال حدثني إسحاق بن محمد قال حدثنا أبو سليمان الناجي ومحمد بن حليم الأعرج قالا: كان السيد إذا استنشد شيئاً من شعره لم يبدأ بشيء إلا بقوله:

أجد بآل فاطمة البـكـور

 

فدمع العين مثهمر غزير

مدح العتبي شعره وألفاظه في قصيدته اللامية: قال إسحاق: وسمعت العتبي يقول: ليس في عصرنا هذا أحسن مذهباً في شعره ولا أنقى ألفاظاً من السيد، ثم قال لبعض من حضر: أنشدنا قصيدته اللامية التي أنشدتناها اليوم، فأنشده قوله:

هل عند من أحببت تـنـويل

 

أم لا فإن اللـوم تـضـلـيل

أم في الحشى منك جوى باطنٌ

 

ليس تـداويه الأبـاطــيل

علقت يا مـغـرور خـداعةً

 

بالوعد منهـا لـك تـخـييل

ريا رداح النوم خـمـصـانة

 

كأنهـا أدمـاء عـطـبـول

يشفيك منها حين تخلو بـهـا

 

ضمٌّ إلى النحـر وتـقـبـيل

وذوق ريقٍ طيبٍ طـعـمـه

 

كأنه بالمـسـك مـعـلـول

في نسوةٍ مثل المـهـا خـردٍ

 

تضيق عنهن الـخـلاخـيل

يقول فيها:

أقـسـم بـالـلـه وآلائه

 

والمرء عما قال مسؤول

إن علي بن أبي طالـب

 

على التقى والبر مجبول

فقال العتبي: أحسن والله ما شاء، هذا والله الشعر الذي يهجم على القلب بلا حجاب.

في البيتين الأولين من هذه القصيدة لمخارق رملٌ بالبنصر عن الهشامي، وذكر حبش أنه للغريض. وفيه لحنٌ لسليمان من كتب بذل غير مجنس.

كان لا يأتي في شعره بالغريب: أخبرني عمي قال حدثني محمد بن داود بن الجراح قال حدثني إسحاق بن محمد النخعي عن عبد الحميد بن عقبة عن إسحاق بن ثابت العطار قال: كنا كثيراً ما نقول للسيد: ما لك لا تستعمل في شعرك من الغريب ما تسأله عنه كما يفعل الشعراء؟ قال: لأن أقول شعراً قريباً من القلوب يلذه من سمعه خيرٌ من أن أقول شيئاً متعقداً تضل فيه الأوهام.

سب محارب بن دثار وترحم على أبي الأسود: أخبرني أحمد بن عمار قال أخبرنا يعقوب بن نعيم قال حدثني إبراهيم بن عبد الله الطلحي راوية الشعراء بالكوفة قال حدثنا أبو مسعود عمرو بن عيسى الرباح ومحمد بن سلمة، يزيد بعضهم على بعض: إن السيد لما قدم الكوفة أتاه محمد بن سهل راوية الكميت، فأقبل عليه السيد فقال: من الذي يقول:

يعيب علي أقوامٌ سفاهـاً

 

بأن أرجي أبا حسن عليا

وإرجائي أبا حسن صوابٌ

 

عن العمرين برًّا أو شقيا

فإن قدمت قوماً قال قومٌ

 

أسأت وكنت كذابـاً رديا

إذا أيقنت أن الـلـه ربـي

 

وأرسل أحمداً حقًّا نـبـياً

وأن الرسل قد بعثوا بحـق

 

وأن الله كان لـهـم ولـيا

فليس علي في الإرجاء بأسٌ

 

ولا لبسٌ ولست أخاف شيا؟

فقال محمد بن سهل: هذا يقوله محارب بن دثار الذهلي: فقال السيد: لا كان الله وليا للعاض بظر أمه! من ينشدنا قصيدة أبي الأسود:

أحب محمداً حبًّا شـديداً

 

وعباساً وحمزة والوصيا

فأنشده القصيدة بعض من كان حاضراً، فطفق يسب محارب بن دثار ويترحم على أبي الأسود. فبلغ الخبر منصوراً النمري فقال: ما كان على أبي هاشم لو هجاه بقصيدة يعارض بها أبياته، ثم قال:

يود محاربٌّ لو قد رآهـا

 

وأبصرهم حواليها جثـيا

وأن لسانه من ناب أفعـى

 

وما أرجا أبا حسن علـيا

وأن عجوزه مصعت بكلبٍ

 

وكان دماء ساقيها جـريا

متى ترجىء أبا حسن عليًّا

 

فقد أرجيت يا لكعٌ نـبـيا

كان جعفر بن سليمان كثيراً ما ينشد شعره: أخبرني محمد بن جعفر النحوي قال حدثنا أحمد بن القاسم البزي قال حدثني إسحاق بن محمد النخعي قال حدثني إبراهيم بن الحسن الباهلي قال: دخلت على جعفر بن سليمان الضبعي ومعي أحاديث لأسأله عنها وعنده قومٌ لم أعرفهم، وكان كثيراً ما ينشد شعر السيد، فمن أنكره عليه لم يحدثه، فسمعته ينشدهم:

ما تعدل الدنيا جميعاً كـلـهـا

 

من حوض أحمد شربةً من ماء

ثم جاءه خبر فقام. فقلت للذين كانوا عنده: من يقول هذا الشعر؟ قالوا: السيد الحميري.

مرت به امرأة من آل الزبير فقال شعراً: حدثني عمي والكراني قالا حدثنا عبد الله بن أبي سعد عن عبد الله بن الحسين عن أبي عمرو الشيباني عن الحارث بن صفوان، وأخبرني به الحسين بن يحيى عن حماد بن إسحاق عن أبيه: أن السيد كان بالأهواز، فمرت به امرأة من آل الزبير تزف إلى إسماعيل بن عبد الله بن العباس، وسمع الجلبة فسأل عنها فأخبر بها، فقال:

أتتنا تزف على بـغـلة

 

وفوق رحالتها قـبـه

زبيريةٌ من بنات الـذي

 

أحل الحرام من الكعبه

تزف إلى ملك ماجـد

 

فلا اجتمعا وبها الوجبة

روى هذا الخبر إسماعيل بن الساحر فقال فيه: فدخلت في طريقها إلى خربةٍ للخلاء، فنهشتها أفعى فماتت، فكان السيد يقول: لحقتها دعوتي.

خرج الناس للاستسقاء فجعل يدعو عليهم: حدثني أحمد بن عبيد الله بن عمار قال حدثني يعقوب بن إسرائيل عن أبي طالب الجعفري وهو محمد بن عبد الله بن الحسين بن عبد الله بن إسماعيل بن جعفر قال أخبرني أبي قال: خرج أهل البصرة يستسقون وخرج فيهم السيد وعليه ثياب خز وجبةٌ ومطرفٌ وعمامة، فجعل يجر مطرفه ويقول:

اهبط إلى الأرض فخذ جلمداً

 

ثم ارمهم يا مزن بالجلمـد

لا تسقهم من سبلٍ قـطـرةً

 

فإنهم حرب بنـي أحـمـد

رأى لوحاً في يد رجل فكتب فيه شعراً يعرض برواة الحديث من أهل السنة: أخبرني محمد بن العباس اليزيدي قال حدثنا محمد بن إسحاق البغوي قال حدثنا الحرمازي قال حدثني رجل قال: كنت أختلف إلى ابني قيس، وكانا يرويان عن الحسن، فلقيني السيد يوماً وأنا منصرف من عندهما، فقال: أرني ألواحك أكتب فيها شيئاً وإلا أخذتها فمحوت ما فيها. فأعطيته ألواحي فكتب فيها:

لشربةٌ من سويقٍ عند مسـغـبةٍ

 

وأكلةٌ من ثريدٍ لحـمـه واري

أشد مما روى حبًّا إلـي بـنـو

 

قيس ومما روى صلت بن دينار

مما رواه فلانٌ عن فـلانـهـم

 

ذاك الذي كان يدعوهم إلى النار

رآه زيد بن موسى في النوم ينشد النبي صلى الله عليه وسلم شعراً: أخبرني أحمد بن علي الخفاف قال حدثني أبو إسماعيل إبراهيم بن أحمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن حسن بن طباطبا قال: سمعت زيد بن موسى بن جعفر يقول: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في النوم وقدامه رجلٌ جالسٌ عليه ثيابٌ بيضٌ، فنظرت إليه فلم أعرفه، إذ التفت إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا سيد، أنشدني قولك:

لأم عمرو في اللوى مربع

فأنشده إياها كلها ما غادر منها بيتاً واحداً، فحفظتها عنه كلها في النوم. قال أبو إسماعيل: وكان يزيد بن موسى لحانةً رديء الإنشاد، فكان إذا أنشد هذه القصيدة لم يتتعتع فيها ولم يلحن.

أنشد فضيل الرسان جعفر بن علي شعر فترحم عليه وترحم عليه أهله: وقال محمد بن داود بن الجراح في روايته عن إسحاق النخعي حدثني عبد الرحمن بن محمد الكوفي عن علي بن إسماعيل الهيثمي عن فضيل الرسان قال: دخلت على جعفر بن محمدٍ أعزيه عن عمه زيد، ثم قلت له: ألا أنشدك شعر السيد؟ فقال: أنشد، فأنشدته قصيدةً يقول فيها:

فالناس يوم البعث راياتهم

 

خمسٌ فمنها هالكٌ أربع

قائدها العجل وفرعونهم

 

وسامري الأمة المفظع

ومارقٌ من دينه مخرج

 

أسود عبدٌ لكـعٌ أوكـع

ورايةٌ قائدها وجـهـه

 

كأنه الشمس إذا تطلـع

فسمعت مجيباً من وراء الستور فقال: من قائل هذا الشعر؟ فقلت: السيد! فقال: رحمه الله. فقلت: جعلت فداك! إني رأيته يشرب الخمر. فقال: رحمه الله! فما ذنبٌ على الله أن يغفره لآل علي! إن محب علي لا تزل له قدمٌ إلا تثبت له أخرى.
حدثني الأخفش عن أبي العيناء عن علي بن الحسن بن علي بن الحسين عن أبيه عن جعفر بن محمد أنه ذكر السيد فترحم عليه وقال: إن زلت له قدمٌ فقد تثبت الأخرى.

ماراه رجل في تفضيل علي فغرقه: نسخت من كتاب الشاهيني حدثني محمد بن سهل الحميري عن أبيه قال: انحدر السيد الحميري في سفينة إلى الأهواز، فماراه رجلٌ في تفضيل علي وباهله على ذلك. فلما كان الليل قام الرجل ليبول على حرف السفينة، فدفعه السيد فغرقه، فصاح الملاحون: غرق والله الرجل! فقال السيد: دعوه فإنه باهليٌّ .

هجا قوماً لم ينصتوا لشعره: أخبرني علي بن سليمان الأخفش قال حدثني محمد بن يزيد المبرد قال حدثني التوزي قال: جلس السيد يوماً إلى قوم، فجعل ينشدهم وهم يلغطون، فقال:

قد ضيع الله ما جمعت من أدب

 

بين الحمير وبين الشاء والبقـر

لا يسمعون إلى قول أجيء بـه

 

وكيف تستمع الأنعام للبـشـر

أقول ما سكتوا إنسٌ فإن نطقـوا

 

قلت الضفادع بين الماء والشجر

اغتابه رجل عند قوم فهجاه: أخبرني محمد بن جعفر النحوي قال حدثنا أحمد بن القاسم البزي قال حدثنا إسحاق بن محمد النخعي عن محمد بن الربيع عن سويد بن حمدان بن الحصين قال: كان السيد يختلف إلينا ويغشانا، فقام من عندنا ذات يومٍ، فخلفه رجل وقال: لكم شرفٌ وقدر عند السلطان، فلا تجالسوا هذا فإنه مشهور بشرب الخمر وشتم السلف. فبلغ ذلك السيد فكتب إليه:

وصفت لك الحوض يا بن الحصين

 

على صفة الـحـارث الأعـور

فإن تسـق مـنـه غـداً شـربةً

 

تفز من نـصـيبـك بـالأوفـر

فمـا لـي ذنـبٌ سـوى أنـنـي

 

ذكرت الذي فـرعـن خـيبـر

ذكرت امرأً فر عـن مـرحـبٍ

 

فرار الحمار مـن الـقـسـور

فأنـكـر ذاك جـلـيسٌ لـكــم

 

زنـيمٌ أخـو خـلـقٍ أعــور

لحانـي بـحـب إمـام الـهـدى

 

وفـاروق أمـتـنـا الأكـبـر

سأحـلـق لـحـيتـه إنـهــا

 

شهودٌ على الزور والمـنـكـر

قال: فهجر والله مشايخنا جميعاً ذلك الرجل ولزموا محبة السيد ومجالسته.

رد سوار بن عبد الله شهادته فهجاه: أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا محمد بن زكريا الغلابي قال حدثنا مهدي بن سابق.
أن السيد تقدم إلى سوار القاضي ليشهد عنده، وقد كان دافع المشهود له بذلك وقال: أعفني من الشهادة عند سوار، وبذل له مالاً فلم يعفه. فلما تقدم إلى سوار فشهد قال : ألست معروف بالسيد! قال: بلى، قال: استغفر الله من ذنب تجرأت به على الشهادة عندي، قم لا أرضى بك. فقام مغضباً من مجلسه وكتب إلى سوار رقعةً فيها يقول:

إن سوار بن عبد الل

 

ه من شر القضـاة

فلما قرأها سوار وثب عن مجلسه وقصد أبا جعفر المنصور وهو يومئذ نازل بالجسر، فسبقه السيد إليه فأنشده:

قل للإمام الذي ينجى بطاعتـه

 

يوم القيامة من بحبوحة النـار

لا تستعينن جزاك الله صالـحةً

 

يا خير من دب في حكمٍ بسوار

لا تستعن بخبيث الرأي ذي صلـفٍ

 

جم العيوب عظيم الكبـر جـبـار

تضحي الخصوم لديه من تجـبـره

 

لا يرفعون إليه لحـظ أبـصـار

تيهاً وكبراً ولولا ما رفـعـت لـه

 

من ضبعه كان عين الجائع العاري

ودخل سوارٌ، فلما رآه المنصور تبسم وقال: أما بلغك خبر إياس بن معاوية حيث قبل شهادة الفرزدق واستزاد في الشهود! فما أحوجك للتعريض للسيد ولسانه! ثم أمر السيد بمصالحته.

مدح المنصور لما ولى ابنيه العهد: وقال إسحاق بن محمد النخعي عبد الله بن محمد الجعفري قال حدثني محمد بن عبد الله الحميري قال: دخل السيد علي المهدي لما بايع لابنيه موسى وهارون، فأنشأ يقول:

ما بال مجرى دمعك الساجـم

 

أمن قذًى بـات بـهـا لازم

أم من هوًى أنت له سـاهـر

 

صبابةً من قلـبـك الـهـائم

آلـيت لا أمـدح ذا نـــائلٍ

 

من معشر غير بني هـاشـم

أولتهم عندي يد المصطـفـى

 

ذي الفضل والمن أبي القاسم

فإنها بـيضـاء مـحـمـودةٌ

 

جزاؤها الشكر على العـالـم

جزاؤها حفظ أبي جـعـفـر

 

خليفة الرحـمـن والـقـائم

وطاعة المهـدي ثـم ابـنـه

 

موسى علي ذي الإربة الحازم

وللرشيد الرابع المرتـضـى

 

مفترضٌ من حقـه الـلازم

ملكهم خمـسـون مـعـدودةً

 

برغم أنف الحاسد الـراغـم

ليس علينا ما بقـوا غـيرهـم

 

في هذه الأمة مـن حـاكـم

حتى يردوهـا إلـى هـابـط

 

عليه عيسى منـهـم نـاجـم

كان يأتي الأعمش فيكتب عنه فضائل علي بن أبي طالب: وقال علي بن المغيرة حدثني بن عبد الله السدوسي عن المدائني قال: كان السيد يأتي الأعمش فيكتب عنه فضائل علي رضي الله عنه ويخرج من عنده ويقول في تلك المعاني شعراً. فخرج ذات يوم من عند بعض أمراء الكوفة وقد حمله على فرس وخلع عليه، فوقف بالكناسة ثم قال: يا معشر الكوفيين، من جاءني منكم بفضيلة لعلي بن أبي طالب لم أقل فيها شعراً أعطيته فرسي هذا وما علي. فجعلوا يحدثونه وينشدهم، حتى أتاهم رجل منهم وقال: سمع عن علي قصة فنظمها: إن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه عزم على الركوب، فلبس ثيابه وأراد لبس الخف فلبس أحد خفيه، ثم أهوى إلى الآخر ليأخذه فانقض عقابٌ من السماء فحلق به ثم ألقاه فسقط منه أسود وانساب فدخل جحراً، فلبس عليٌّ رضي الله عنه الخف. قال: ولم يكن قال في ذلك شيئاً، ففكر هنيهةً ثم قال:

ألا يا قوم للعجب العـجـاب

 

لخف أبي الحسين وللحبـاب

أتى خفًّا له وانـسـاب فـيه

 

لينهش رجله منـه بـنـاب

فخر من السماء له عـقـابٌ

 

من العقبان أو شبه العقـاب

فطار به فحلق ثـم أهـوى

 

به للأرض من دون السحاب

إلى جحرٍ له فانسـاب فـيه

 

بعيد القعر لم يرتج بـبـاب

كريه الوجه أسود ذو بصيصٍ

 

حديد الناب أزرق ذو لعـاب

ودوفع عن أبي حسن علـيٍّ

 

نقيع سمامه بعد انـسـياب

ثم حرك فرسه ومضى وجعل تشبيبها بعد ذلك:

صبوت إلى سليمى والرباب

 

وما لأخي المشيب وللتصابي

أخبرني أحمد بن محمد بن محمد بن سعيد قال حدثني عبد الله بن أحمد بن مستورد قال: وقف السيد يوماً بالكوفة، فقال: من أتاني بفضيلة لعلي بن أبي طالب ما قلت فيها شعراً فله دينارٌ، وذكر باقي الحديث. فأما العقاب الذي انقض على خف علي بن أبي طالب رضي الله عنه فحدثني بخبره أحمد بن محمد بن محمد بن سعيد الهمذاني قال حدثني جعفر بن علي بن نجيح قال حدثنا أبو عبد الرحمن المسعودي عن أبي داود الطهوي عن أبي الزعل المرادي قال: قام علي بن أبي طالب رضي الله عنه فتطهر للصلاة، ثم نزع خفه فانساب فيه أفعى، فما عاد ليلبسه انقضت عقابٌ فأخذته فحلقت به ثم ألقته فخرج الأفعى منه. وقد روي مثل هذا لرسول الله صلى الله عليه وسلم.

حدثني به أحمد بن محمد بن محمد بن سعيد قال حدثني محمد بن عبيد بن عقبة قال حدثنا محمد بن الصلت قال حدثنا حيان بن علي بن أبي سعيد بن عكرمة عن ابن عباس قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أراد حاجةً تباعد حتى لا يراه أحد، فنزع خفه فإذا عقاب قد تدلى فرفعه فسقط منه أسود سالخ. فكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: “اللهم إني أعوذ بك من شر ما يمشي على بطنه ومن شر ما يمشي على رجليه ومن شر ما يمشي على أربع ومن شر الجن والإنس”.
قال أبو سعيد وحدثنا محمد بن إسماعيل الراشدي قال حدثنا عثمان بن سعيد قال حدثنا حيان بن علي عن سعد بن طريف عن عكرمة عن ابن عباس مثله.

بلغه أن الحسن والحسين ركبا ظهر النبي صلى الله عليه وسلم فقال شعراً: أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهري قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثنا حاتم بن قبيصة قال: سمع السيد محدثاً يحدث أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ساجداً، فركب الحسن والحسين على ظهره، فقال عمر رضي الله عنه: نعم المطي مطيكما! فقال النبي صلى الله عليه وسلم: “ونعم الراكبان هما”. فانصرف السيد من فوره فقال في ذلك:

أتى حسناً والحسين الـنـبـي

 

وقد جلسا حجرةً يلـعـبـان

ففداهـمـا ثـم حـياهـمـا

 

وكانا لديه بذاك الـمـكـان

فراحا وتحتهمـا عـاتـقـاه

 

فنعم المطية والـراكـبـان

ولـيدان أمـهـمـا بــرةٌ

 

حصانٌ مطهرةٌ للحـصـان

وشيخهما ابن أبـي طـالـب

 

فنعم الولـيدان والـوالـدان

خليلي لا ترجـيا واعـلـمـا

 

بأن الهدى غير ما تزعمـان

وأن عمى الشك بعد الـيقـين

 

وضعف البصيرة بعد العيان

ضلالٌ فلا تلججا فـيهـمـا

 

فبئست لعمركما الخصلتـان

أيرجى عليٌّ إمـام الـهـدى

 

وعثمان ما أعند المـرجـيان

ويرجى ابن حربٍ وأشياعـه

 

وهوج الخوارج بالنهـروان

يكون إمامهم في الـمـعـاد

 

خبيث الهوى مؤمن الشيصبان

مدح المنصور وعنده سوار فعارضه فهجاه: وذكر إسماعيل بن الساحر قال أخبرنا أحمد بن عبد العزيز الجوهري قال حدثني محمد بن أبيه قال حدثني أبي وعمي عن أحمد بن إبراهيم بن سليمان بن يعقوب بن سعيد بن عمرو قال حدثنا الحارث بن عبد المطلب قال: كنت جالساً في مجلس أبي جعفر المنصور وهو بالجسر وهو قاعدٌ مع جماعة على دجلة بالبصرة وسوار بن عبد الله العنبري قاضي البصرة جالسٌ عنده والسيد بن محمد بين يديه ينشد قوله:

إن الأله الذي لا شيء يشـبـهـه

 

أعطاكم الملك للـدنـيا ولـلـدين

أعطاكم الله ملـكـاً لا زوال لـه

 

حتى يقاد إليكم صاحب الـصـين

وصاحب الهند مأخوذاً بـرمـتـه

 

وصاحب الترك محبوساً على هون

والمنصور يضحك سروراً بما ينشده، فحانت منه التفاتةٌ فرأى وجه سوارٍ يتربد غيظاً ويسود حنقاً ويدلك إحدى يديه بالأخرى ويتحرق، فقال له المنصور: ما لك! أرابك شيءٌ؟ قال: نعم، هذا الرجل يعطيك بلسانه ما ليس في قلبه، والله يا أمير المؤمنين ما صدقك ما في نفسه، وإن الذين يواليهم لغيركم. فقال المنصور: مهلاً! هذا شاعرنا وولينا، وما عرفت منه إلا صدق محبة وإخلاص نية. فقال له السيد: يا أمير المؤمنين، والله ما تحملت غضكم لأحد، وما وجدت أبوي عليه فافتتنت بهما، وما زلت مشهوراً بموالاتكم في أيام عدوكم. فقال له: صدقت. قال: ولكن هذا وأهلوه أعداء الله ورسوله قديماً والذين نادوا رسول الله صلى الله عليه وسلم من وراء الحجرات ، فنزلت فيهم آيةٌ من القرآن “أكثرهم لا يعقلون”. وجرى بينهما خطابٌ طويل. فقال السيد قصيدته التي أولها:

قف بنا يا صاح واربع

 

بالمغاني الموحشـات

أنشدها أحمد بن عبيد الله بن عمار عن النوفلي، وأخبرنا محمد بخبره مع سوار بالقصة من ها هنا إلى آخرها، وقال فيها:

يا أمين اللـه يا مـن

 

صور يا خير الولاة

إن سوار بـن عـب

 

د الله من شر القضاة

نعثلـيٌ جـمـلـيٌّ

 

لكـم غـير مـوات

جده سـارق عـنـزٍ

 

فجرةً من فجـرات

لرسول الله والـقـا

 

ذفه بالمـنـكـرات

وابن من كان ينـادي

 

من وراء الحجرات

يا هناة اخرج إلـينـا

 

إننا أهـل هـنـات

مدحنا المدح ومن نر

 

م يصب بالزفرات

فاكفنيه لا كفـاه ال

 

له شر الطارقـات

اعتذر إلى سوار فلم يعذره: فشكاه سوار إلى أبي جعفر، فأمره بأن يصير إليه معتذراً، ففعل فلم يعذره، فقال:

أتيت دعي بني الـعـنـبـر

 

أروم اعتذاراً فـلـم أعـذر

فقلت لنفسي وعاتـبـتـهـا

 

على اللؤم في فعلها أقصري

أيعتذر الحـر مـمـا أتـى

 

إلى رجل من بني العنـبـر

أبوك ابن سارق عنز النبـي

 

وأمك بنت أبـي جـحـدر

ونحن على رغمك الرافضو

 

ن لأهل الضلالة والمنكـر

بلغه أن سواراً يريد قطعه في سرقة فشكاه إلى المنصور: قال: وبلغ السيد أن سواراً قد أعد جماعةً يشهدون عليه بسرقة ليقطعه، فشكاه إلى أبي جعفر، فدعا بسوارٍ وقال له: قد عزلتك عن الحكم للسيد أو عليه. فما تعرض له بسوء حتى مات.

رماه أبو الخلال عند عقبة بن سلم بس الصحابة فقال شعراً: وروى عب الله بن أبي بكر العتكي أن أبا الخلال العتكي دخل على عقبة بن سلم والسيد عنده وقد أمر له بجائزة، وكان أبو الخلال شيخ العشيرة وكبيرها، فقال له: أيها الأمير، أتعطي هذه العطايا رجلاً ما يفتر عن سب أبي بكر وعمر! فقال هل عقبة: ما علمت ذاك ولا أعطيته إلا على العشرة والمودة القديمة وما يوجبه حقه وجواره مع ما هو عليه من موالاة قومٍ يلزمنا حقهم ورعايتهم. فقال له أبو الخلال: فمره إن كان صادقاً أن يمدح أبا بكر وعمر حتى نعرف براءته مما ينسب إليه من الرفض . فقال: قد سمعك، فإن شاء فعل. فقال السيد:

إذا أنا لم أحفظ وصـاة مـحـمـدٍ

 

ولا عهده يوم الغدير الـمـؤكـدا

فإني كمن يشري الضلالة بالهـدى

 

تنصر من بعد التقـى وتـهـودا

وما لي وتـيم أو عـدي وإنـمـا

 

أولو نعمتي في الله من آل أحمـدا

تتم صلاتي بالـصـلاة عـلـيهـم

 

وليست صلاتي بعد أن أتشـهـدا

بكاملةٍ إن لـم أصـل عـلـيهـم

 

وأدع لهم ربًّا كريمـاً مـمـجـدا

بذلت لهم ودي ونصحي ونصرتـي

 

مدى الدهر ما سميت يا صاح سيدا

وإن امرأً يلحى على صدق ودهـم

 

أحق وأولـى فـيهـم أن يفـنـدا

فإن شئت فاختر عاجل الغم صـلةً

 

وإلا فأمسك كي تصان وتحـمـدا

ثم نهض مغضباً. فقام أبو الخلال إلى عقبة فقال: أعذني من شره أعاذك الله من السوء أيها الأمير، قال: قد فعلت على ألا تعرض له بعدها.

قصته مع امرأة تميمية إباضية تزوجها: ومما يحكى عنه أنه اجتمع في طريقه بامرأة تميمية إباضية، فأعجبها وقالت: أريد أن أتزوج بك ونحن على ظهر الطريق. قال: يكون كنكاح أم خارجةً قبل حضور وليٍّ وشهودٍ. فاستضحكت وقالت: ننظر في هذا، وعلى ذلك فمن أنت ؟ فقال:

إن تسألني بقومي تـسـألـي رجـلاً

 

في ذروة العز من أحـياء ذي يمـن

حولي بها ذو كلاعٍ في مـنـازلـهـا

 

وذو رعـينٍ وهـمـــدانٌ وذويزن

والأزد أزد عـمـان الأكـرمـون إذا

 

عدت مآثرهم في سالـف الـزمـن

بانت كريمتـهـم عـنـي فـدارهـم

 

داري وفي الرحب من أوطانهم وطني

لي منزلان بلـحـجٍ مـنـزلٌ وسـطٌ

 

منها ولي منزلٌ للـعـز فـي عـدن

ثم الولاء الذي أرجـو الـنـجـاة بـه

 

من كبة النار للهـادي أبـي حـسـن

فقالت: قد عرفناك، ولا شيء أعجب من هذا: يمانٍ وتميميةٌ، ورافضيٌّ وإباضية، فكيف يجتمعان!. فقال: بحسن رأيك في تسخو نفسك، ولا يذكر أحدنا سلفاً ولا مذهباً. قالت: أفليس التزويج إذا علم انكشف معه المستور، وظهرت خفيات الأمور! قال: فأنا أعرض عليك أخرى. قالت: ما هي؟ قال: المتعة التي لا يعلم بها أحد. قالت: تلك أخت الزنا. قال: أعيذك بالله أن تكفري بالقرآن بعد الإيمان! قالت: فكيف؟ قال: قال الله تعالى: “فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضةً ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة”. فقالت: أستخير الله وأقلدك أن كنت صاحب قياس. ففعلت . فانصرفت معه وبات معرساً بها. وبلغ أهلها من الخوارج أمرها، فتوعدوها بالقتل وقالوا: تزوجت بكافر! فجحدت ذلك ولم يعلموا بالمتعة. فكانت هذه تختلف إليه على هذه السبيل من المتعة وتواصله حتى افترقا.

عارضه ابن لسليمان بن علي في مذهبه بباب عقبة بن سلم فأجابه: وقال الحسن بن علي بن المغيرة حدثني أبي قال: كنت مع السيد على باب عقبة ومعنا ابنٌ لسليمان بن علي ننتظره وقد أسرج له ليركب، إذ قال ابن سليمان بن علي يعرض بالسيد: أشعر الناس والله الذي يقول:

محمد خير من يمشي على قدمٍ

 

وصاحباه وعثمان بن عفانـا

فوثب السيد وقال: أشعر والله منه الذي يقول:

سائل قريشاً إذا ما كنت ذا عمهٍ

 

من كان أثبتها في الدين أوتادا

من كان أعلمها علماً وأحلمهـا

 

حلماً وأصدقها قولاً وميعـادا

إن يصدقوك فلن يعدوا أبا حسنٍ

 

إن أنت لم تلق للأبرار حسادا

ثم أقبل على الهاشمي فقال: يا فتى، نعم الخلف أنت لشرف سلفك! أراك تهدم شرفك، وتثلب سلفك، وتسعى بالعداوة على أهلك، وتفضل من ليس أصلك من أصله على من فضلك من فضله، وسأخبر أمير المؤمنين عنك بذا حتى يضعك. فوثب الفتى خجلاً ولم ينتظر عقبة بن سلم. وكتب إليه صاحب خبره بما جرى عند الركوبة حتى خرجت الجائزة للسيد.

جلس مع قوم يخوضون في ذكر الزرع والنخل فقام وقال شعراً: أخبرني محمد بن جعفر النحوي قال حدثنا ابن القاسم البزي عن إسحاق بن محمد النخعي عن عقبة بن مالك الديلي عن الحسن بن علي بن أبي حرب بن أبي الأسود الدؤلي قال: كنا جلوساً عند أبي عمرو بن العلاء، فتذاكرنا السيد، فجاء فجلس، وخضنا في ذكر الزرع والنخل ساعةً فنهض. فقلنا: يا أبا هاشم، مم القيام؟ فقال:

إني لأكره أن أطيل بمجلـس

 

لا ذكر فيه لفضل آل محمد

لا ذكر فيه لأحمـد ووصـيه

 

وبنيه ذلك مجلسٌ نطفٌ ردي

إن الذي ينساهم في مجلـس

 

حتى يفارقه لغير مـسـدد

سكر بالأهوازن فحبسه العسس وكتب شعراً لواليها فأطلقه وأجازه: وروى أبو سليمان الناجي: أن السيد قدم الأهواز وأبو بجير بن سماك الأسدي يتولاها، وكان له صديقاً. وكان لأبي بجير مولى يقال له يزيد بن مذعور يحفظ شعر السيد ينشده أبا بجير، وكان أبو بجير يتشيع. فذهب السيد إلى قوم من إخوانه بالأهواز فنزل بهم وشرب عندهم، فلما أمسى انصرف، فأخذه العسس فحبس. فكتب من غده بهذه الأبيات وبعث بها إلى يزيد بن مذعور. فدخل على أبي بجير وقال: قد جنى عليك صاحب عسسك ما لا قوام لك به. قال: وما ذلك؟ قال: اسمع هذه الأبيات، كتبها السيد من الحبس، فأنشده يقول:

قف بالـديار وحـيهـا يا مـربـع

 

واسأل وكيف يجيب من لا يسمـع

إن الديار خلت ولـيس بـجـوهـا

 

إلا الضوابح والحـمـام الـوقـع

ولقد تكون بها أوانس كـالـدمـى

 

جملٌ وعزة والـربـاب وبـوزع

حورٌ نواعم لا ترى في مثـلـهـا

 

أمثالهـن مـن الـصـيانة أربـع

فعرين بعـد تـألـفٍ وتـجـمـع

 

والدهر صاح مشتتٌ ما تجـمـع

فاسلم فإنك قد نزلـت بـمـنـزل

 

عند الأمير تضر فـيه وتـنـفـع

تؤتى هواك إذا نطقـت بـحـاجةٍ

 

فيه وتشفـع عـنـده فـيشـفـع

هب لي الذي أحببته فـي أحـمـد

 

وبنيه إنك حـاصـدٌ مـا تـزرع

يختص آل مـحـمـد بـمـحـبة

 

في الصدر قد طويت عليها الأضلع

في هذا الغناء لسعيد.
ضمن رثاءه لعباد بن حبيب هجواً لسوار القاضي بعد موته: وحكى ابن الساحر: أن السيد دعي لشهادة عند سوار القاضي، فقال لصاحب الدعوى: أعفني من الشهادة عند سوارٍ، فلم يعفه صاحبها منها حبااأوطالبه بإقامتها عند سوار. فلما حضر عنده وشهد قال له: ألم أعرفك وتعرفني! وكيف مع معرفتك بي تقدم على الشهادة عندي! فقال له: إني تخوفت إكراهه، ولقد افتديت شهادتي عندك بمال فلم يقبل مني فأقمتها ، فلا يقبل الله لك صرفاً ولا عدلاً إن قبلتها، وقام من عنده، ولم يقدر سوارٌ له على شيء لما تقدم به المنصور إليه في أمره، واغتاظ غيظاً شديداً وانصرف من مجلسه فلم يقض يومئذ بين اثنين. ثم إن سواراً اعتل علته التي مات فيها فلم يقدر السيد على هجائه في حياته لنهي المنصور إياه عن ذلك. ومات سوار فأخرج عشياً وحفر له، فوقع الحفر في موضع كنيف. وكان بين الأزد وبين تميم عداوةٌ، فمات عقب موته عباد بن حبيب بن المهلب، فهجا السيد سواراً في قصيدة رثى بها عباداً ودفعها إلى نواتج الأزد لما بينهم وبين تميم من العداوة ولقربهم من دار سوار ينحن بها، وأولها:

يا من غدا حاملاً جثمان سـوار

 

من داره طاعناً منها إلى النـار

لا قدس الله روحاً كان هيكلهـا

 

فقد مضت بعظيم الخزي والعار

حتى هوت قعر برهوتٍ معـذبةً

 

وجسمه في كنيف بـين أقـذار

لقد رأيت من الرحمن معـجـبةً

 

فيه وأحكامه تجري بمـقـدار

فاذهب عليك من الرحمن بهلتـه

 

يا شر حي براه الخالق البـاري

مازح صديقاً له زنجياً بشعر: أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهري قال حدثني علي بن محمد البقال قال حدثنا شيبان بن محمد الحراني وكان يلقب بعوضة وصار من سادات الأزد قال: كان السيد جاري، وكان أدلم ، وكان ينادم فتياناً من فتيان الحي فيهم فتًى مثله أدلم غليظ الأنف والشفتين مزنج الخلقة. وكان السيد من أنتن الناس إبطين. وكانا يتمازحان، فيقول له السيد: أنت زنجي الأنف والشفتين، ويقول الفتى للسيد: أنت زنجي اللون والإبطين. فقال السيد:

أعارك يوم بعنـاه ربـاحٌ

 

مشافره وأنفك ذا القبيحـا

وكانت حصتي إبطي منه

 

ولوناً حالكاً أمسى فضوحا

فهل لك في مبادلتيك إبطي

 

بأنفك تحمد البيع الربيحـا

فإنك أقبح الفتـيان أنـفـاً

 

وإبطي أنتن الآباط ريحـا

كان له صديق ينفق عليه من ماله فلامته امرأته لذلك فهجاها: أخبرني أحمد قال حدثني شيبان قال: مات منا رجلٌ موسرٌ وخلف ابناً له فورث ماله وأتلفه بالإسراف، وأقبل على الفساد واللهو، وقد تزوج امرأةً تسمى ليلى، واجتمع على السيد وكان من أظرف الناس، وكان الفتى لا يصبر عنه، وأنفق عليه مالاً كثيراً، وكانت ليلى تعذله على إسرافه وتقول له: كأني بك قد افتقرت فلم يغن عنك شيئاً. فهجاها السيد. وكان مما قال فيها:

أقول يا ليت ليلي في يدي حنـقٍ

 

من العداوة من أعدى أعـاديهـا

يعلو بها فوق رعنٍ ثم يحـدرهـا

 

في هوة فتدهدى يومهـا فـيهـا

أوليتها في عمار البحر قد عصفت

 

فيه الرياح فهاجت من أواذيهـا

أوليتها قرنت يوماً إلى فـرسـي

 

قد شد منها إلى هاديه هـاديهـا

حتى يرى لحمها من حضره زيماً

 

وقد أتى القوم بعد الموت ناعيهـا

فمن بكاها فلا جفت مـدامـعـه

 

لا أسخن الله إلا عين بـاكـيهـا

أهدى له بعض ولاة الكوفة رداء فقال شعراً يمدحه ويستزيده: أخبرني الحسن بن علي قال حدثني محمد بن القاسم بن مهرويه قال حدثني إسحاق بن محمد النخعي وعبد الحميد بن عقبة قالا حدثنا الحسن بن علي بن المغيرة الكسلان عن محمد بن كناسة قال: أهدى بعض ولاة الكوفة إلى السيد رداءً عدنياً، فكتب إليه السيد فقال:

وقد أتانا رداءٌ مـن هـديتـكـم

 

فلا عدمتك طول الدهر من وال

هو الجمال جزاك الله صالـحةً

 

لو أنه كان موصولاً بسـربـال

فبعث إليه بخلعة تامةٍ وفرسٍ جواد وقال: يقطع عتاب أبي هاشم واستزادته إيانا.

سمع قاصاً بباب أبي سفيان يمدح الشيخين فسبهما: حدثني عمي قال حدثنا الكراني عن بعض البصريين عن سليمان بن أرقم قال: كنت مع السيد، فمر بقاصٍّ على باب أبي سفيان بن العلاء وهو يقول: يوزن رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم القيامة في كفة بأمته أجمع فيرجع بهم، ثم يؤتى بفلان فيوزن بهم فيرجح ثم يؤتى بفلان فيوزن بهم فيرجح. فأقبل على أبي سفيان فقال: لعمري إن رسول الله صلى الله عليه وسلم ليرجح على أمته في الفضل، والحديث حقٌّ، وإنما رجح الآخران الناس في سيئاتهم، لأن من سن سنة سيئة فعمل بها بعده كان عليه وزرها ووزر من عمل بها. قال: فما أجابه أحد. فمضى فلم يبق أحدٌ من القوم إلا سبه.

صادف بنت الفجاءة وأنشدها شعراً له متغزلاً فيها: وقال أبو جعفر الأعرج حدثني إسماعيل بن الساحر قال: خرجت من منزل نصر بن مسعود أنا وكاتب عقبة بن سلم والسيد ونحن سكارى. فلما كنا بزهران لقيتنا بنت الفجاءة بن عمرو بن قطري بن الفجاءة، وكانت امرأةً برزةً حسناء فصيحةً، فواقفها السيد وتخاطب عليها وأنشدها من شعره بتجميش ، فأعجب كل واحد منهما صاحبه. فقال السيد :

من ناكثين وقاسـطـين الأروع

 

حول الأمين وقال هات ليسمعوا

قم يا بن مذعورٍ فأنشد نكـسـوا

 

خضع الرقاب بأعين لا ترفـع

لولا حذار أبي بجير أظـهـروا

 

شنآنهم وتفرقوا وتـصـدعـوا

لا تجزعوا فلقد صبرنا فاصبروا

 

سبعين عاماً والأنوف تـجـدع

إذ لا يزال يقـوم كـل عـروبةٍ

 

منكم بصاحبنا خطيبٌ مصقـع

مسحنفرٌ في غـيه مـتـتـايعٌ

 

في الشتم مثله بخيل يسـجـع

ليس مخلوقاً ويسخط خـالـقـاً

 

إن الشقي بكل شـرٍّ مـولـع

فلما سمعها أبو بجير دعا صاحب عسسه فشتمه وقال: جنيت علي ما لا يد لي به، اذهب صاغراً إلى الحبس وقل: أيكن أبو هاشم، فإذا أجابك فأخرجه واحمله على دابتك وامش معه صاغراً حتى تأتيني به ففعل. فأبى السيد ولم يجبه إلى الخروج إلا بعد أن يطلق له كل من أخذ معه. فرجع إلى أبي بجير فأخبره، فقال: الحمد لله الذي لم يقل أخرجهم وأعط كل واحدٍ منهم مالاً، فما كنا نقدر على خلافه، افعل ما أحب برغم أنفك الآن. فمضى فخلى سبيله وسبيل كل من كان معه ممن أخذ في تلك الليلة، وأتي به إلى أبي بجير. فتناوله بلسانه وقال: قدمت علينا فلما تأتنا وأتيت بعض أصحابك الفساق وشربت ما حرم عليك حتى جرى ما جرى، فاعتذر من ذلك إليه، فأمر له أبو بجير بجائزة سنية وحمله وأقام عنده مدةً.

عاتب قوم أبا بجير على التشيع فاستنشد مولاه شعر السيد وطردهم: قال النوفلي وحدثني أبي: أن جماعة من أهل الثغور قدموا على أبي بجير بتسبيب بهم فأطلقهم، ثم جاءوه فعاتبوه على التشيع وسألوه الرجوع، فغضب من ذلك ودعا بمولاه يزيد بن مذعور فقال: أنشدني ويلك لأبي هاشم. فأنشده قوله:

يا صاحبي لدمنتين عفاهمـا

 

مر الرياح عليهما فمحاهما

حتى فرغ. ثم قال: هات النونية، فأنشده:

يا صاحبي تروحا وذرانـي

 

ليس الخلي كمسعر الأحزان

فلما فرغ قال: أنشدني الدماغة الرائية، فأنشده إياها. فلما فرغ أقبل عليه الثغريون فقالوا له: ما أعتبتنا فيما عاتبناك عليه. فقال: يا حمير! هل في الجواب أكثر مما سمعتم! والله لولا أني لا أعلم كيف يقع فعلي من أمير المؤمنين لضربت أعناقكم! قوموا إلى غير حفظ الله فقاموا. وبلغ السيد الخبر فقال:

إذا قال الأمير أبـو بـجـيرٍ

 

أخو أسدٍ لمـنـشـده يزيدا

طربت إلى الكرام فهات فيهم

 

مديحاً من مديحك أو نشـيدا

رأيت لمن بحضرته وجوهـاً

 

من الشكاك والمرجين سودا

كأن يزيد ينشد بـامـتـداح

 

أبا حسنٍ نصارى أو يهـودا

نقد العبدي شعر له فصدقه وقال إنه أشعر منه: وروى أبو داود المسترق: أن السيد والعبدي اجتمعا، فأنشد السيد:

إني أدين بما دان الوصي به

 

يوم الخريبة من قتل المحلينا

وبالذي دان يوم النهروان به

 

وشاركت كفه كفي بصفينا

فقال له العبدي: أخطأت، لو شاركت كفك كفه كنت مثله، ولكن قل: تابعت كفي كفه لتكون تابعاً لا شريكاً. فكان السيد بعد ذلك يقول: أنا أشعر الناس إلا العبدي.

سب الشيخين في شعر له وسكر فرفع أمره إلى أبي بجير فأهانه: وقال إسحاق النخعي عن عبد الحميد بن عقبة عن أبي جعفر الأعرج عن إسماعيل بن الساحر قال: كنت مع السيد وقد اكترينا سفينة إلى الأهواز، فجلس فيها معنا قومٌ شراةٌ، فجعلوا ينالون من عثمان. فأخرج السيد رأسه إليهم وقال:

شفيت من نعثلٍ في نحتت أثلتـه

 

فاعمد هديت إلى نحت الغويين

اعمد هديت إلى نحت اللذين هما

 

كانا عن الشر لو شاءا غنـيين

قال إسماعيل: فلما قدمنا الأهواز قدم السيد وقد سكر، فأتي به أبا بجير بن سماك الأسدي، وكان ابن النجاشي عند ابن سماك بعد العشاء الآخرة، وكان يعرفه باسمه ولم يعرفه. فقال له: يا شيخ السوء، تخرج سكران في هذا الوقت! لأحسنن أدبك. فقال له: والله لا فعلت، ولتكرمني ولتخلعن علي وتحملني وتجيزني. قال: أو تهزأ أيضاً! قال: لا والله! ثم اندفع ينشده فقال:

من كان معتذراً من شتمه عمراً

 

فابن النجاشي منه غير معتـذر

وابن النجاشي براءٌ غير محتشم

 

في دينه من أبي بكر ومن عمر

ثم أنشده قوله:

إحداهما نمت عـلـيه حـديثـه

 

وبغت عليه نفسه إحـداهـمـا

فهما اللتان سمعت رب محـمـد

 

في الذكر قص على العباد نباهما

فقال: أبو هاشم؟ فقال نعم. قال: ارتفع. فحمله وأجازه، وقال: والله لأصدقن قولك في جميع ما حلفت عليه.
أباح له أبو بجير شرب النبيذ: قال إسماعيل: رأى أبو بجير السيد متغير اللون، فسأله عن حاله، فقال: فقدت الشراب الذي ألفته لكراهة الأمير إياه، قال: اشربه، فإننا نحتمله لك. قال: ليس عندي. قال لكاتبه: اكتب له بمائتي دورق ميبختج . فقال له السيد: ليس هذا من البلاغة. قال: وما هي؟ قال: البلاغة أن تأتي من الكلام بما تحتاج إليه وتدع ما يستغنى عنه. قال: وكيف ذلك؟ قال: اكتب بمائتي دورق مي ولا تكتب بختج، فإنك تستغني عنه. فضحك، ثم أمر فكتب له بذلك. قال: والمي: النبيذ.

أظهرت المرجئة الشماتة بأبي بجير لما مرض فقال هو شعراً: قال إسماعيل: وبلغ السيد وهو بالأهواز أن أبا بجير قد أشرف على الموت، فأظهرت المرجئة الشماتة به. فخرج السيد محترفاً حتى اكترى سفينةً وخرج إليها، وأنشأ يقول:

تباشر أهل تدمر إذ أتاهـم

 

بأمر أميرنا لهـم بـشـير

ولا لأميرنا ذنـبٌ إلـيهـم

 

صغيرٌ في الحياة ولا كبير

سوى حب النبي وأقربـيه

 

ومولاهم بحبـهـم جـدير

وقالوا لي لكيما يحزنونـي

 

ولكن قولهم إفـكٌ وزور

لقد أمسى أخوك أبو بجـير

 

بمـنـزلة يزار ولا يزور

وظلت شيعة الهادي علـيٍّ

 

كأن الأرض تحتهم تمـور

فبت كأنني مما رمـونـي

 

به في قد ذي حلقٍ أسـير

كأن مدامعي وجفون عيني

 

توخز بالقتاد فهـن عـور

أقول علي للرحمـن نـذرٌ

 

صحيحٌ حيث تحتبس النذور

بمكة إن لقيت أبا بـجـيرٍ

 

صحيحاً واللواء له يسـير

وهي قصيدة طويلة.
رأى النبي صلى الله عليه وسلم في النوم وأنشده قصيدته العينية: وروى محمد بن عاصم عن أبي داود المسترق عن السيد: أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم في النوم، فاستنشده فأنشده قوله:

لأم عمرو باللوى مربع

 

طامسةٌ أعلامه بلقـع

حتى انتهى إلى قوله:

قالوا له لو شئت أعلمتنا

 

إلى من الغاية والمفزع

فقال: حسبك! ثم نقض يده وقال: قد والله أعلمتهم.
مرضه ووفاته: وروى أبو داود وإسماعيل بن الساحر: أنهما حضرا السيد عند وفاته بواسط وقد أصابه شرًى وكربٌ فجلس ثم قال: اللهم أهكذا جزائي في حب آل محمد! قال: فكأنها كانت ناراً فطفئت عنه.
قال شعراً وهو يحتضر في التبرؤ من عثمان والشيخين: وأخبرني محمد بن العباس اليزيدي بإسنادٍ له لم يحضرني وأنا أخرجه إن شاء الله تعالى قال: حدثني من حضر السيد وقد احتضر فقال:

برئت إلى الأله من ابن أروى

 

ومن دين الخوارج أجمعينـا

ومن فعلٍ برئت ومن فعـيل

 

غداة دعي أمير المؤمنـينـا

ثم كأن نفسه كانت حصاةً فسقطت.
بلغ المنصور أن أهل واسط لم يدفنوه فقال لئن صح لأحرقنها: أخبرنا أحمد بن عبد العزيز الجوهري قال حدثنا عمر بن شبة عن أبي الهذيل العلاف عن أبي جعفر المنصور قال: بلغني أن السيد مات بواسط فلم يدفنوه. والله لئن تحقق عندي لأحرقنها!.

ترحم عليه جعفر بن محمد: ووجدت في بعض الكتب: حدثني محمد بن يحيى اللؤلئي قال حدثني محمد بن عباد بن صهيب عن أبيه قال: كنت عند جعفر بن محمد، فأتاه نعي السيد، فدعا له وترحم عليه. فقال رجلٌ: يا بن رسول الله، تدعو له وهو يشرب الخمر ويؤمن بالرجعة! فقال: حدثني أبي عن جدي أن محبي آل محمد لا يموتون إلا تائبين وقد تاب، ورفع مصلًّى كانت تحته، فأخرج كتاباً من السيد يعرفه فيه أنه قد تاب ويسأله الدعاء له.

عاش إلى خلافة الرشيد ومدحه: وذكر محمد بن إدريس العتبي أن معاذ بن يزيد الحميري حدثه أن السيد عاش إلى خلافة هارون الرشيد وفي أيامه مات، وأنه مدحه بقصيدتين فأمر له ببدرتين ففرقهما. فبلغ ذلك الرشيد فقال: أحسب أبا هاشم تورع عن قبول جوائزنا.

لما مات أحضر له سبعون كفناً: أخبرني ابن عمار قال حدثنا يعقوب بن نعيم قال حدثنا إبراهيم بن عبد الله الطلحي قال حدثني إسحاق بن محمد بن بشير بن عمار الصيرفي عن جده بشير بن عمار قال: حضرت وفاة السيد في الرميلة ببغداد، فوجه رسولاً إلى صف الجزارين الكوفيين يعلمهم بحاله ووفاته، فغلط الرسول فذهب إلى صف السموسين ، فشتموه ولعنوه، فعلم أنه قد غلط، فعاد إلى الكوفيين يعلمهم بحاله ووفاته، فوافاه سبعون كفناً. قال: وحضرناه جميعاً وإنه ليتحسر تحسراً شديداً وإن وجهه لأسود كالقار وما يتكلم، إلى أنا أفاق إفاقةً وفتح عينيه فنظر إلى ناحية القبلة ثم قال: يا أمير المؤمنين، أتفعل هذا بوليك! قالها ثلاث مرات مرةً بعد أخرى. قال: فتجلى والله في جبهته عرق بياض، فما زال يتسع ويلبس وجهه حتى صار كله كالبدر ، وتوفي فأخذنا في جهازه ودفناه في الجنينة ببغداد، وذلك في خلافة الرشيد.