أخبار الحطيئة مع سعيد بن العاص

أخبار الحطيئة مع سعيد بن العاص

أخبرنا أحمد بن عبد العزيز الجوهري، قال: حدثنا عمر بن شبة، قال: حدثنا عبد الله بن محمد بن حكيم، عن خالد بن سعيد، عن أبيه، قال: لقيني إياس بن الحطيئة، فقال لي: يا أبا عثمان، مات أبي، وفي كسر بيته عشرون ألفاً أعطاه إياه أبوك، وقال فيه خمس قصائد، فذهب والله ما أعطيتمونا وبقي ما أعطيناكم، فقلت: صدقت والله.

شعره في مدح سعيد بن العاص

قال أبو زيد: فمما قال فيه قوله:

أمن رسم دار مـربـع ومـصـيف

 

لعينك من مـاء الـشـؤون وكـيف

إليك سعيد الخير جبت مـهـامـهـا

 

يقـابـلـنـي آل بـهـا وتـنـوف

ولولا أصيل اللب غـض شـبـابـه

 

كريم لأيام الـمـنـون عـــروف

إذا هم بالأعـداء لـم يثـن هـمـه

 

كعاب علـيهـا لـؤلـؤ وشـنـوف

حصان لها في البـيت زي وبـهـجة

 

ومشي كما تمشي القطاة قـطـوف

ولو شاء وارى الشمس من دون وجهه

 

حجاب ومطوي الـسـراة مـنـيف

ينشد شعراً لأبي الإيادي وعبيد

أخبرنا محمد بن العباس اليزيدي، وأحمد بن عبد العزيز الجوهري، قالا: حدثنا عمر بن شبة، قال: حدثنا عبد الله بن محمد بن حكيم الطائي، عن خالد بن سعيد بن العاص، عن أبيه، قال: كان سعيد بن العاص في المدينة زمن معاوية، وكان يعشي الناس، فإذا فرغ من العشاء قال الآذن: أجيزوا إلا من كان من أهل سمره. قال: فدخل الحطيئة فتعشى مع الناس، ثم أقبل فقال الآذن: أجيزوا، حتى انتهى إلى الحطيئة، فقال: أجز، فأبى، فأعاد عليه فأبى، فلما رأى سعيد إباءه قال: دعه، وأخذ في الشعر والحطيئة مطرق لا ينطق، فقال الحطيئة: والله ما أصبتم جيد الشعر، ولا شاعر الشعراء. قال سعيد: من أشعر العرب يا هذا؟ فقال: الذي يقول:

لا أعد الإقتار عدماً ولـكـن

 

فقد من قد رزئته الإعـدام

من رجال من الأقارب بانوا

 

من جذام هم الرؤوس الكرام

سلط الموت والمنون عليهـم

 

فلهم في صوى المقابر هام

وكذاكم سبـيل كـل أنـاس

 

سوف حقا تبـلـيهـم الأيام

قال: ويحك! من يقول هذا الشعر؟ قال: أبو داود الإيادي، قال: أو ترويه؟ قال: نعم، قال: فأنشدنيه، فأنشده الشعر كله، قال: ومن الثاني؟ قال: الذي يقول :

أفلح بما شئت فقد يبلغ بالض

 

عف وقـد يخـدع الأريب

قال: ومن يقول هذا؟ قال: عبيد، قال: أو ترويه؟ قال: نعم، فأنشدنيه، فأنشده، ثم قال له: ثم من؟ قال: والله لحسبك بي عند رهبة أو رغبة، إذا وضعت إحدى رجلي على الأخرى، ثم رفعت عقيرتي بالشعر، ثم عويت على أثر القوافي عواء الفيصل الصادر عن الماء.

قال: ومن أنت؟ قال: الحطيئة، قال: ويحك! قد علمت تشوقنا إلى مجلسك، وأنت تكتمنا نفسك منذ اللية! قال: نعم لمكان هذين الكلبين عندك، وكان عنده كعب بن جعيل، وأخوه. وكان عنده سويد بن مشنوء النهدي، حليف بني عدي بن جناب الكلبيين، فأنشده الحطيئة قوله :

ألست بجاعلي كابني جعيل

 

هداك الله أو كابني جنـاب

أدب فلا اقدر أن تـرانـي

 

ودونك بالمدينة ألف بـاب

وأحبس بالعراء المحل بيتي

 

ودونك عازب ضخم الذباب

العازب: الكلأ الذي لم يرع، وقد التف نبته.
فقال له سعيد: لعمر الله لأنت أشعر عندي منهم، فأنشدني، فأنشده :

سعيد وما يفعل سعيد فـإنـه

 

نجيب فلاه في الرباط نجيب

سعيد فلا يغررك قلة لحمـه

 

تخدد عنه اللحم فهو صليب

ويروى: خفة لحمه.

إذا غاب عنا غاب عنا ربيعنـا

 

ونسقى الغمام الغر حين يؤوب

فنعم الفتى تعشو إلى ضوء ناره

 

إذا الريح هبت والمكان جديب

فأمر له بعشرة آلاف درهم، ثم عاد فأنشده قصيدته التي يقول فيها:

أمن رسم دار مربع ومصيف

يقول فيها:

إذا هم بالأعداء لم يئن عزمه

 

كعاب عليها لؤلؤ وشنـوف

فأعطاه عشر آلاف أخرى.

أخبرني محمد بن الحسن بن دريد، قال: أخبرنا أبو حاتم، عن أبي عبيدة بهذا الحديث نحو ما رواه خالد بن سعيد، وزاد فيه: فانتهى الشرط إلى الحطيئة فرأوه أعرابياً قبيح الوجه، كبير السن، سيىء الحال، رث الهيئة، فأرادوا أن يقيموه، فأبى أن يقوم، وحانت من سعيد التفاتة، فقال: دعوا الرجل، وباقي الخبر مثله.

خالد بن سعيد يأمر له بكسوة وحملان

قال أبو عبيدة في هذا الخبر: وأخبرني رجل من بني كنانة، قال: أقبل الحطيئة في ركب من بني عبس، حتى قدم المدينة، فأقام مدة، ثم قال له من في رفقته: إنا قد أرذينا وأخلينا، فلو تقدمت إلى رجل شريف من أهل هذه القرية فقرانا وحملنا. فأتى خالد بن سعيد بن العاص، فسأله فاعتذر إليه، وقال: ما عندي شيء فلم يعد عليه الكلام، وخرج من عنده، فارتاب به خالد، فبعث يسأل عنه، فأخبر أنه الحطيئة، فرده. فأقبل الحطيئة، فقعد لا يتكلم، فأراد خالد أن يستفتحه الكلام، فقال: من أشعر الناس؟ فقال: الذي يقول:

ومن يجعل المعروف من دون عرضه

 

يفره ومن لا يتق الـشـتـم يشـتـم

فقال خالد لبعض جلسائه: هذه بعض عقاربه، وأمر بكسوة وحملان، فخرج بذلك من عنده.

صوت

حبذا ليلتي بتـل بـونـى

 

حين نسقى شرابنا ونغنى

إذ رأينا جوارياً عطـرات

 

وغناء وقرقفاً فنـزلـنـا

ما لهم لا يبارك الله فيهـم

 

إذ يسألون: ويحنا ما فعلنا!

عروضه الضرب الأول من الخفيف. الشعر لمالك بن أسماء بن خارجة، والغناء لحنين، رمل مطلق في مجرى البنصر عن إسحاق.