أخبار الحسين بن علي ونسبه

أخبار الحسين بن علي ونسبه

الحسين بن علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب. وقد تكرر هذا النسب في عدة مواضع ممن هذا الكتاب. واسم أبي طالب: عبد مناف، واسم عبد المطلب: شيبة، واسم هاشم: عمرو. وأم علي بن أبي طالب فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف. وكانت أول هاشمية تزوجها هاشمي، وهي أم سائر ولد أبي طالب. وأم الحسين بن علي بن أبي طالب: فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأمها خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي. وكانت خديجة تكنى أم هند، وكانت فاطمة تكنى أم أبيها ، ذكر ذلك قعنب بن محرز، قال: حدثنا أبو نعيم، عن حسين بن زيد، عن جعفر بن محمد، عن أبيه. وكان علي بن أبي طالب سمى الحسن حرباً، فسماه رسول الله صلى الله عليه وسلم الحسن . ثم ولد له الحسين فسماه حرباً، فسماه رسول الله صلى الله عليه وسلم الحسين.

حدثني بذلك أحمد بن الجعد ، قال: حدثنا عبد الرحمن بن صالح، قال: حدثنا يحيى بن عيسى قال: حدثنا الأعمش عن سالم بن أبي الجعد قال: قال علي بن أبي طالب.

كنت رجلاً أحب الحرب، فلما ولد الحسن هممت أن أسميه حرباً، فسماه رسول الله صلى الله عليه وسلم الحسن، فلما ولد الحسين هممت أن أسميه حرباً، فسماه رسول الله صلى الله عيه وسلم الحسين . ثم قال سميتهما باسمي ابني هارون: شبر وشبير .

وأخبرنا محمد بن عبد الله بن سليمان الحضرمي قال: حدثنا محمد بن يحيى الأحول قال: حدثنا خلاد المقرىء قال: حدثنا قيس بن الربيع بن أبي حصين، عن يحيى بن وثاب، عن ابن عمر، قال: كان على الحسن والحسين تعويذتان حشوهما من زغب جناح جبريل عليه السلام.

وهذا الشعر يقوله الحسين بن علي في امرأته الرباب بنت امرىء القيس بن عدي بن أوس بن جابر بن كعب بن عليم بن كلب بن وبرة بن تغلب ابن حلوان بن عمران بن إلحاف بن قضاعة، وأمها هند بنت الربيع بن مسعود بن معاذ بن حصين بن كعب بن عليم بن كلب؛ وفي ابنته منها سكينة بنت الحسين. واسم سكينة: أميمة، وقيل أمينة، وقيل آمنة، وسكينة لقب لقبت به.
قال مصعب فيما أخبرني به الطوسي عن زبير عنه: اسمها آمنة.

أخبرني أحمد بن عبد العزيز وإسماعيل بن يونس، قالا: حدثنا عمر بن شبة قال: حدثنا أبو نعيم، عن عمر بن ثابت، عن مالك بن أعين، قال: سمعت سكينة بنت الحسين تقول عاتب عمي الحسن أبي في أمي، فقال:

لعمرك إنني لأحب دارا

 

تكون بها سكينة والرباب

أحبهما وأبذل جل مالـي

 

وليس لعاتب عند عتاب

حدثنا محمد بن اليزيدي قال: حدثنا الخليل بن أسد قال: حدثنا العمري عن ابن الكلبي عن أبيه، قال: قال لي عبد الله بن الحسن بن الحسن: ما سم سكينة بنت الحسين؟ فقلت: سكينة. فقال: لا. اسمها آمنة .

وروي أن رجلاً سأل عبد الله بن الحسن عن اسم سكينة. فقال: أمينة ، فقال له:إن ابن الكلبي يقول اميمة. فقال: سل ابن الكلبي عن أمه؟ وسلني عن أمي. وقال المدائني: حدثني أبو إسحاق المالكي قال: سكينة لقب، واسمها آمنة. وهذا هو الصحيح.

حدثني أحمد بن سعيد ، قال: حدثنا يحيى بن الحسن العلوي قال: حدثنا شيخ من قريش، قال حدثنا أبو حذافة أو غيره، قال: أسلم أمرؤ القيس بن عدي على يد عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فما صلى الله صلاة حتى ولاه عمر، وما أمسى حتى خطب إليه علي عليه السلام ابنته الرباب على ابنه الحسين، فزوجه إياها. فولدت له عبد الله وسكينة ولدي الحسين عليهما السلام. وفي سكينة وأمها يقول:

لعمرك إنني لأحب دارا

 

تحل بها سكينة والرباب

وذكر البيت الآخر، وزاد على البيتين :

فلست لهم وإن غابوا مضيعا

 

حياتي أو يغيبني التـراب

ونسخت هذا الخبر من كتاب أبي عبد الرحمن الغلابي، وهو أتم قال: حدثنا علي بن صالح، عن علي بن مجاهد، عن أبي المثنى محمد بن السائب الكلبي، قال: أخبرنا عبد الله بن حسن بن حسن قال: حدثني خالي عبد الجبار بن منظور بن زبان بن سيار الفزاري؛ قال حدثني عوف بن خارجة المري، قال: والله إني لعند عمر بن الخطاب رضي الله عنه في خلافته، إذا أقبل رجل أفحج أجلى أمعر ، يتخطى رقاب الناس، حتى قام بين يدي عمر. فحياة بتحية الخلافة، فقال له عمر: فمن أنت؟ قال: أنا امرؤ نصراني، أنا امرؤ القيس بن عدي الكلبي. قال: فلم يعرفه عمر . فقال له رجل من القوم: هذا صاحب بكر بن وائل، الذي أغار عليهم في الجاهلية يوم فلج. قال: فما تريد؟ قال: أريد الإسلام. فعرضه عليه عمر رضي الله عنه، فقبله. ثم دعا له برمح، فعقد له على من أسلم بالشام من قضاعة. فأدبر الشيخ واللواء يهنز على رأسه. قال عوف: فوالله ما رأيت رجلاً لم يصل لله ركعة قط أمر على جماعة من المسلمين قبله.

ونهض علي بن أبي طالب رضوان الله عليه من المجلس، ومعه ابناه الحسن والحسين عليهم السلام حتى أدركه، فأخذ بثيابه. فقال له: يا عم، أنا علي بن أبي طالب ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وصهره، وهذان ابناي الحسن والحسين من ابنته، وقد رغبنا في صهرك فأنكحنا. فقال: قد أنكحنك يا علي المحياة بنت امرىء القيس، وأنكحنك يا حسن سلمى بنت امرىء القيس، وأنكحنك يا حين الرباب بنت امرىء القيس.

وقال هشام بن الكلبي: كانت الرباب من خيار النساء وأفضلهن: فخطب بعد قتل الحسين عليه السلام فقالت: ما كنت لأتخذ حماً بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم.

قال المدائني: حدثني أبو إسحاق المالكي، قال: قيل لسكينة واسمها آمنة، وسكينة لقب: أختك فاطمة ناسكة وأنت تمزحين كثيراً؟ فقالت: لأنكم سميتموها باسم جدتها المؤمنة-تعني فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم- وسميتموني باسم جدتي التي لم تدرك الإسلام.

تعني آمنة بنت وهب، أم رسول الله صلى الله عليه وسلم.

أخبرني عمي قال: حدثنا الكناني ، عن قعنب بن المحرز الباهلي، عن محمد بن الحكم، عن عوانة، قال: رثت الرباب بنت امرىء القيس أم سكينة بنت الحسين، زوجها الحسين عليه السلام حين قتل، فقالت:

إن الذي كان نوراً يستضاء بـه

 

بكربلاء قتيل غير مـدفـون

سبط النبي جزاك الله صالـحةً

 

عنا، وجنبت خرسان الموازين

قد كنت لي جبلاً صعباً ألوذ به

 

وكنت تصحبنا بالرحم والـدين

من لليتامى ومن للسائلين ومن

 

يغني ويأوي إليه كل مسكـين

والله لا أ؟بتغي صهراً بصهركم

 

حتى أغيب بين الرمل والطين

أخبرني الطوسي قال: حدثني الزبير عن همه قال: أخبرني إسماعيل بن بكار قال: حدثني أحمد بن سعيد، عن يحيى بن الحسين العلوي ، عن الزبير عن عمه، قال: وأخبرني إسماعيل بن يعقوب عن عبد الله بن موسى قالا: كان الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب خطب إلى عمه الحسين، فقال له الحسين عليهم السلام: يا بن أخير، قد كنت أنتظر هذا منك، انطلق معي، فخرج به حتى أدخله منزله، فخبره في ابنتيه فاطمة وسكينة. فاختار فاطمة، فزوجه إياها. وكان ياقل: إن امرأة تختار على سكينة لمنقطعة القرين في الحسن. وقال عبد الله بن موسى في خبره: إن الحسين خيره، فاستحيا، فقال له: قد اخترت لك فاطمة، فهي أكثرهما شبهاً بأمي فاطمة بنت رسول الله، صلى الله عليه وسلم.

حدثني أحمد بن محمد بن سعيد قال: حدثني يحيى بن الحسن العلوي قال: كتب إلي عباد بن يعقوب يخبرني عن جدي يحيى بن سلميان بن الحسين العلوي قال: كانت سكينة في مأتم فيه بنت لعثمان، فقالت بنت عثمان: أنا بنت الشهيد. فسكتت سكينة: فلما قال المؤذن. أشهد أم محمداً رسول الله، قالت سكينة: هذا أبي أو أبوك؟ فقالت العثمانية: لا جرم لا أفخر عليكم أبداً.

أخبرني أحمد بن محمد قال: حدثنا يحيى قال: حدثنا مروان بن موسى القروي قال: حدثنا بعض أصحابنا قال: كانت سكينة تجيء في ستارة يوم الجمعة، فتقوم بإزاء ابن مطيرة، وهو خالد بن عبد الملك بن الحارث بن الحكم، إذا صعد المنبر، فإذا شتم علياً، شتمته هي وجواريها، فكان يأمر الحرس فيضربون جواريها.

أخبرني الطوسي عن الزبير عن عمه مصعب، قال: كانت سكينة عفيفة سلمة برزة من النساء، تجالس الأجلة من قريش، وتجتمع إليها الشعراء، وكانت ظريفة مزاحة.

أخبرني الطوسي قال: حدثنا الزبير عن عمه قال: حدثني معاوية بن بكر، قال: قالت سكينة: أدخلت على مصعب وأنا أحسن من النار الموقدة. أخبرني الحسن بن علي قال: حدثني محمد بن موسى، عن أبي أبو المديني، عن مصعب، قال: كانت سكينة أحين الناس شعراً؛ فكانت تصفف جمتها تصفيفاً لم يرأحسن منه، حتى عرف ذلك. فكانت تلك الجمة تسمى السكسنية. وكان عمر بن عبد العزيز إذا وجد رجلاً قد صفف جمته السكينية جلده وحلقه.

أخبرني أحمد بن عبيد الله بن عمار عن أحمد بن سليمان بن أبي شيخ عن أبيه عن أبي سفيان الحميري، قال: بعثت سكينة بنت الحسين عليهما السلام إلى حبيش بن دلجة بغالية، لأنه كان من أخوالها. فلما وصلت إليه قال: فأين كانت- حبيش بن دلجة- عن الصياح ؟ يقدر أن الصياح أرفع من الغالية.

قال محمد بن سلام كانت سكينة مزاحة، فلسعتها دبرة فولولت. فقالت لها أمها: مالك يا سيدتي وجزعت؟ فقالت لسعتني دبيرة، مثل الأبيرة، فأوجعتني قطيرة .

وقال هارون بن أبي عبيد الله، حدثني ضمرة، قال: أجلست سكينة شيخاً فارسياً على سلة بيض، وبعثت إلى سليمان بن يسار، كأنها تريد أن تسأله عن شيء. فجاءها إكراماً لها، فأمرت من أخرج إليه ذلك الشيخ جالساً على السلة فيها البيض. فولى يسبح.

قال: وبعثت سكينة إلى صاحب الشرطة بالمدينة: أنه دخل علينا شامي، فابعث إلينا بالشرط. فركب ومعه الشرط. فلما أتى إلى الباب، أمرت ففتح له، وأمرت جارية من جواريها فأخرجت إليه برغوثاً. فقال: ما هذا؟ قالت: هذا الشامي الذي شكوناه. فانصرفوا يضحكون.

أخبرني محمد بن جعفر النحوي قال: حدثنا أحمد بن القاسم قال: حدثنا أبو هفان قال: حدثنا سيف بن إبراهيم صاحب إبراهيم بن المهدي قال: حدثني إبراهيم بن المهدي: أن الرشيد لما ولاه دمشق استوهبه صحبة دبية والغاضري وعبيدة بن وكم الوادي. فوهبهم له فأشخصهم معه.

قال: قكان فيما حدثني به عبيدة قال: قال إبراهيم: ركبت حمارة وهو عديلي، ونمت على ظهرها. فلما بلغنا ثنية العقاب، اشتد علي البرد، فاحتجت إلى الزيادة من الدثار. فدعوت بدواج سمور، فألقيته على ظهري، ودعوت بمن كان معي في سمري في تلك الليلة، وكانوا حولي. فقلت لابن أشعب: حدثني بأعجب ما تعلم من طمع أبيك. فقال: أعجب من طمع أبي طمع ابنه. فقلت: وما بلغ من طمعك؟ فقال: دعوت آنفاً لما اشتد عليك البرد بدواج سمور، لتستدفىء به، فلم أشك أنك دعوت به لتجعله علي. فغلبني الضحك، وخلعت عليه الدواج. ثم قلت له: ما أحسب لك قرابة بالمدينة. فقاللأ: اللهم غفرا، لي بالمدينة قرابات وأي قرابات. قلت: أيكونون عشرة؟ قال: وما عشرة؟ قلت: فعشرين؟ قال: اللهم غفرا، لا تذكر العشرات ولا المئين، وتجاوز ذكر الألوف إلى ما هو أكثر منها. قلت: ويحك! ليس بينك وبين أشعب أحد، فكيف يكون هذا؟ فقال: إن زيد بن عمرو بن عثمان بن عفان تزوج سكينة بنت الحسين. فخف أبي على قلبها، فأحسنت إليه، وكانت عطاياها خلاف عطايا مولاه. فمال إليها بكليته.

قال: وحج سليمان بن عبد الملك وهو خليفة، فاتأذن زيد بن عمرو سكينة، وأعلمها أنها أول سنة حج فيها الخليفة، وأنه لا يمكنه التخلف عن الحج معه. وكانت لزيد ضيعة ياقل له العرج، وكان له فيها جوار. فأعلمته أنها لا تأذن له إلا أن يخرج أشعب معه، فيكون عيناً لها عليه، وما نعا له من العدول إلى العرج، ومن اتخاذ جارية لنفسه في بدأته ورجعته. فقنع بذلك، وأخرج أشعب معه. وكان له فرس كثير الأوضاح، حسن المنظر، يصونه عن الركوب إلا في مسايرة خليفة أو أمير أو يوم زينة؛ وله سرج يصونه، لا يركب به غير ذلك الفرس. وكان معه طيب لايتطيب به إلا في مثل ذلك اليوم الذي يركب فيه؛ وحلة موشية يصونها عن اللبس إلا في يوم يردي التجمل فيه بها.

فحج مع سليمان، وكانت له عنده حوائج كثير، فقضاها ووصله، وأجزل صلته. وانصرف سليمان من حجة، ولم يسلك طريق المدينة. وانصرف بن عثمان يريد المدينة، فنزل على ماء لبني عامر بن صعصة. ودعا أشعب، فأحضره وصرصرة فيها أربعمائة دينار، وأعلمه أنه ليس بينه وبين العرج إلا أميال؛ وأنه إن أذن له في المسير إليها، والمبيت بها عند جواريه، غلس إليه، فوافى وقت ارتحال الناس، ووهب له أربعمائة الدينار. فقبل يده ورجله، وأذن له في السير إلى حيث أحب، وحلف له أنه يحلف لسكينة بالأيمان المحرجة، أنه ما سارإلى العرج، ولا اتخذ جارية منذ فارق سكينة إلى أن رجع إليها. فدفع إليه مولاه الدنانير ومضى. قال أبو إسحاق: قال ابن أشعب: حدثني أبي أنه لا يتوهم أن مولاه سار نصف ميل حتى رأى في الماء الذي كان عليه رحل زيد جاريتين عليهما قربتان. فألقتا القربتين، وألقتا قيا بهما عنهما، ورمتا بأنفسهما في الغدير، وعامتا فيه، ورأى من مجردهما ما أعجبه واستحسنه. فسألهما عند خروجهما من الماء عن نسبهما. فأعلمتاه أنهما من إماء نسوة خلوف، لبني عامر بن صعصعة، هن بالقرب من ذلك الغدير. فسألهما: هل سبيل إلى مولياتهما، لمحادثة شيخ حسن الخلق، طيب العشرة، كثير النوادر؟ فقالتا: وأنى لهن بمن هذه صفته؟ فقال لهما: أنا ذاك. فقالتا: انطلق معنا. فوثب إلى فرس زيد، فأسرجه بسرجه الذي كان يسرجه به ويركبه، ودعا بحلته التي كان يضن بها فلبسها، وأحضر السفط الذي كان فيه طيبه، فتطيب منه وركب الفرس، ومضى معهما حتى وافى الحي، فأقام في محادثة أهله إلى قرب وقت صلاة العصر. فأقبل في ذلك الوقت رجال الحي، وقد انصرفوا غانمين من غزائهم، وأقبلت تمر به الرعلة بعد الرعلة، فيقفون به فيقولون: ممن الرجل؟ فينتسب في نسب زيد، فيقول كل من اجتاز به: مانرى به بأساً. وينصرفون عنه إلى قرب غروب الشمس، فأقبل شيخ فانٍ على حجر هرمة هزيل، ففعل مثل ما كان يفعل من اجتاز، فسأله مثلما يسألون عنه، فأخبره بمثل ما كان يخبر من تقدمه، فقال مثل قولهم.

قال ابن أشعب: قال أبي: ثم رأيت الشيخ قد وقف بعد قوله، فأوجست منه خيفة لأني رأيته قد جعل يده اليسرى تحت حاجيه، فرفعهما، ثم استدار ليرى وجهي. فركبت الفرس، فما استويت عليه حتى سمعته يقول: أقسم بالله ما هذا قرشي، وما هذا إلا وجه عبد. فركضت وركض خلفي، فرأى حجره مقصرة . فلما يئس من اللحاق بي، انتزع سهماً فرماني به، فوقع في مؤخرة السرج، فكسرها. ودخلتني من صوته روعة أحدثت لها في الحلة. ووافيت رحل مولاي، فغسلت الحلة ونشرتها، فلم يجف ليلاً. وغلس مولاي من العرج، فوافاني في وقت الرحيل، فرأى الحلة منشورة، ومؤخرة السرج مكسورة، والفرس قد أضر بها الركض، وسفط الطيب مكسور الختم . فسألني عن السبب، فصدقته. فقال لي: ويحك! أما كقاك ما صنعت بي حتى انتسبت في نسبي، فجعلتني عند أشرف قومي من العرب جماشا ، وسكت عني، فلم يقل لي: أحسنت ولا أسأت حتى وافينا المدينة، فلما وافاها سألته سكينة عن خبره. فقال لها: يا بنت رسول الله، وما سؤالك إياي ولم يزل ثقتك معي، وهو أمين علي، فسليه عن خبري يصدقك عنه. فسأتلني، فأخبرتها أني لم أنكر عليه شيئاً، ولم أمكنه من ابتياع جارية، ولم أطلق له الاجتياز بالعرج. فاستحلفتني على ذلك، فلما حلفت لها بالأيمان المحرجة فيها طلاق أمك، وثب فوقف بين يديها، وقال: أي بنة عم، ويا بنت رسول الله، كذبك والله العلج، ولقد أخذ مني أربعمائة دينار، على أن أذن لي في المصير إلى العرج ؛ فأقمت بها يوماً وليلة، وغسلت بها عدة من جواري، وها أنا ذا تائب إلى اله مما كان مني، وقد حعلت توبنتي هبتهن لك، وتقدمت في حملهن إليك، وهن موافيات المدينة في عشية اليوم، فبيعهن أو عتقهن إليك الأمر فيه، وأنت أعلم بما ترين في العبد السوء. فامرتني بإحضار أربعمائة دينار، فأحضرتها. فأمرت بابتياع خشب بثلثمائة دينار، وأمرت بنشره، وليس عندي ولا عند أحد من اهل المدينة علم بما تريده فيه. ثم أمرت بأن يتخذ بيت كبير، وجعلت النفقة عليه في أجرة النجارين من المائة الدينار الباقية.

ثم أمرت بابتياع بيض وتبن وسرجين بما بقي من المائة الدينار بعد أجرة النجارين. ثم أدخلتني البيت، وفيه البيض والتبن والسرجين، وحلفت بحق جدها ألا اخرج من ذلك البيت حتى أحضن ذلك البيض كله إنى أن يفقس، ففعلت ذلك، ولم أزل أحضنه حتى فقس كله. فخرج منه الألوف من الفراريج، وربيت في دار سكينة، فكانت تنسبهن إلي، وتقول بنات أشعب.

قال أبو إسحاق. قال لي: وبقي ذلك النسل في أيدي الناس إلى الآن، فكلهم إخواني وأهلي. قال: فضحكت والله حتى غلبت، وأمرت له بعشرة آلاف درهم، فحملت بحضرتي إليه.

أخبرني الطوسي والحرمي قالا: حدثنا الزبير بن بكار قال: حدثني عمي مصعب قال: تزوجت سكينة بنت الحسين عليه السلام عد أواج، أولهم عبد الله بن الحسن بن علي، وهو ابن عمها وأبو عذرتها، ومصعب بن الزبير، وعبد الله بن عثمان الحزامي، وزيد بن عمرو بن عثمان، والأصبغ بن عبد العزيز بن مروان، ولم يدخل بها، وإبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، ولم يدخل بها.

قال مصعب ويحيى بن الحسن العلوي: إن عبد الله بن حسن زوجها كان يكنى أبا جعفر، وأمه بنت السليل بن عبد الله البجلي، أخي جرير بن عبد الله، قال: ثم خلفه عليها مصعب بن الزبير، زوجه إياها أخوها علي بن الحسين، ومهرها مصعب ألف ألف درهم.

قال مصعب: وحدثني مصعب بن عثمان: أن علي بن الحسين أخاها حملها إليه، فأعطاه أربعين ألف دينار.
قال مصعب: وحدثني معاوية بن بكر الباهلي قال: قالت سكينة: دخلت على مصعب وأنا أحسن من النار الموقدة في الليلة القرة.
قال: فولدت من مصعب بنتاً، فقال لها: سميها زهراء . قالت: بل أسميها باس إحدى أمهاتي وسمتها الراباب . فلما قتل مصعب ولى أخوه عروة تركته، فزوجها يعني الرباب بنت مصعب ابنه عثمان بن عروة، فماتت وهي صغيرة، فورثها عثمان بن عروة عشرة آلاف دينار.

قال الزبير: فحدثني محمد بن سلام عن شعيب بن صخر ، عن أمه سعدة بنت عبد الله بت سالم، قالت: لقيت سكينة بين مكة ومنى، فقالت: قفي لي يابنة عبد الله، فوقفت. فكشفت عن بنتها من مصعب، فإذا هي قد أثقلتها بالحلي واللؤلؤ، فقالت: ما ألبستها إياه إلا لتفضحه.

قال الزبير: وحدثني عمي. عن الماجشون ، قال: قالت سكينة لعائشة بنت طلحة: أنا أجمل منك. وقالت عائشة: بل أنا أجمل منك. وقالت عائشة: بل أنا. فاختصمنا إلى عمر بن أبي ربيعة، فقال لأقضين بينكما؛ أما أنت يا سكينة فأملح منها، وأما أنت يا عائشة فأجمل منها. فقالت سكينة: قضيت لي والله. وكانت سكينة تسمي عائشة ذات الأذنين، وكانت عظيمة الأذنين.
أخبرني الحسن بن علي قال: حدثني أحمد بن زيهر قال: حدثنا المدائني، قال: خطب سكينة بنت الحسين عليه السلام عبد الملك بن مروان. فقالت أمها: لا والله لا يتزوجها أبداً وقد قتل ابن أخي ، تعني مصعباً.

وأما محمد بن سلام الجمحي فإنه ذكر فيما أخبرني به أبو الحسن الأسدي عن الرياشي عنه: أن أبا عذرتها هو عندي عبد الله بن الحسن بن علي. ثم خلف عليها العثماني، ثم مصعب بن الزبير، ثم الأصبغ بن عبد العزيز بن مروان. فقال فيه بعض المدنيين .

نكحت سكينة بالحساب ثلاثةً

 

فإذا دخلت بها فأنت الرابع

قال: وكان يتولى مصر، فكتبت إليه: إن أرض مصر وخمة. فبنى لها مدينة تسمى مدينة الأصيغ. وبلغ عبد الملك تزوجه إياها، فنفس بها عليه. فكتب إليه. اختر مصر أو سكينة: فبعث إليها بطلاقها ولم يدخل بها، ومتعها بعشرين ألف دينار. ومروا بها في طريقها على منزل، فقالت: ما اسم هذا المنزل؟ قالوا: جوف الحمار. قالت: ما كنت لأدخل جوف الحمار أبداً.

وذكر محمد بن سلام في هذا الخبر الذي رواه الرياشي عن سعيب بن صخر أن الحزامي عبد الله بن عثمان خلف الأصبغ عليها، وولدت منه بنتاً. وذكر عن أمه سعدة بنت عبد الله أن سكينة أرتها بنتها من الحزامي، وقد أثقلتها باللؤلؤ، وهي في قبة، فقالت: والله ما ألبستها إياه إلا لتفضحه. تريد أنها تفضح الحلي بحسنها، لأنها أحسن منه.

أخبرني ابن أبي الأزهر قال: حدثنا حماد بن إسحاق، عن أبيه، عن الهيثم بن عدي، عن صالح بن حسان وغيره: أن سكينة كانت عند عمرو بن حكيم بن حزام، ثم تزوجها بعده زيد بن عمرو بن عثمان بن عفان، ثم تزوجها مصعب بن الزبير. فلما قتل مصعب، خطبها إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، فبعث إليه: أبلغ من حمقك أن تبعث إلى سكينة بنت الحسين بن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم تخطبها؟ فأمسك عن ذلك. قال: ثم تنفست يوماً بنانة جارية سكينة وتندت، حتى كادت أضلاعها تتحطم. فقالت لها سكينة: مالك ويلك! قالت: أحب أن أرى في الدار جلبة. تعني العرس. فدعت مولى لها تثق به، فقالت له: اذهب إلى إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، فقل له: إن الذي كنا ندفعك عنه قد بدا لنا فيه؛ أنت من أخوال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأحضر بيتك. قال: فجمع عدة من بني زهرة، وأفناء قريش من بني جمح وغيرهم، نحواً من سبعين رجلاً أو ثمانين. ثم أرسل إلى علي بن الحسين، والحسن بن الحسن، وغيرهم من بني هاشم. فلما أتاهم الخبر اجتمعوا، وقالوا: هذه السفيهة تريد أن تتزوج إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف. فتنادى بنو هاشم واجتمعوا، وقالوا: لا يخرجن أحد منك إلا ومعه عصا. فجاءوا وما بقي إلا الكلام. فقال: اضربوا بالعصي. فاضطربوا هم وبنو زهرة حتى تشاجوا، فشج بينهم يومئذٍ أكثر من مائة إنسان. ثم قالت بنو هاشم: أين هذه؟ قالوا: في هذا البيت. فدخلوا إليها، فقالوا: أبلغ هذا من صنعك؟ ثم جاءوا بكساء طاروقي ، فبسطوه ثم حملوها، وأخذوا بجوانبه- أو قال: بزاوياه الأربع- فالتفتت إلى بنانة فقالت: يا بنانة، أرأيت في الدار جلبة؟ قالت: إي والله إلا أنها شديدة.

وقال هارون بن الزيات: أخبرني أبو حذيفة عن مصعب، قال: كان أول أزواج سكينة عبد الله بن الحسن بن علي، قتل عنها ولم تلد له. وخلف عليها مصعب، فولدت له جارية . ثم خلف عليها عبد الله بن عثمان بن عبد الله بن حكيم بن حزام، فنشزت عليه، فطلقها ثم خلف عليها الأصبغ بن عبد العزيز فأصدقها صداقاً كثيراً. فقال الشاعر:

نكحت سكينة بالحساب ثـلاثة

 

فإذا دخلت بها فأنت الرابـع

إن البقيع إذا تتـابـع زرعـه

 

خاب البقيع وخاب فيه الزارع

وبلغ ذلك عبد الملك بن مروان فغضب، وقال: أما تزوجنا أحسابنا حتى تزوجنا أموالنا! فطلقها. فطلقها فخلف عليها العثماني، وشرطت عليه ألا يطلقها ، ولا يمنعها شيئاً تريده، وأن يقيمها حيث خلتها أم منظور، ولا يخالفها في أمر تريده. فكانت تقول له: يا بن عثمان اخرج بنا إلى مكة. فإذا خرج بها فسارت يوماً أو يومين، قالت: ارجع بنا إلى المدينة. فإذا رجع يومه ذلك، قالت: اخرج بنا إلى مكة. فقال له سليمان بن عبد الملك: أعلم أنك قد شرطت لها شروطاً لم تف بها، فطلقها. فطلقها. فخلف عليها إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، فكره ذلك أهلها، وخاصموه إلى هشام بن إسماعيل. فبعث إليها بخبرها. فجاء إبراهيم بن عبد الرحمن من حيث تسمع كلامه، فقال لها: جعلت فداءك، قد خيرتك فاختاريني. فقالت : قلت ماذا بأبي، تهزأ به. فعرف ذلك ، فانصرف وخيروها، فقالت: لا أريده.

قال: ومالت فصلى عليها شيبة بن نصاح .

وأما ابن الكلبي فذكر فيما أخبرنا به الجوهري، عن عمر بن شبة، عن عبد الله بن محمد بن حكيم، عنه: أن أول أزواجها الأصبغ، ومات ولم يرها، ثم زيد بن عمر العثماني، قال: وولدت له ابنة عثمان الذي يقال له قرين، ثم الحزامي، ثم خلف عليها مصعب، فولدت له جارية، ثم خلف عليها إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف ولم يدخل بها.

قال عمر بن شبة: وحدثني محمد بن يحيى قال: تزوج مصعب سكينة وهو يومئذ بالبصرة، عامل أخيه عبد الله بن الزبير، وكان بين مصعب وبين أخيه رسول يقال له أبو اللاس، وهو الذي جاء بنعيه، فقال ابن قيس فيه:

قد أتانا بما كرهنا أبو السلا

 

س كانت بنفسه الأوجـاع

وفي هذا الشعر غناء قد ذكر في موضعه. وهذا غلط من محمد بن يحيى، ليست قصة أبي السلاس مع مصعب، وإنما هي مع ابن جعفر.

قال محمد بن يحيى: ولما تزوج مصعب سكينة على ألف ألف، كتب عبد الله بن همام على يد ابي السلاس إلى عبد الله بن الزبير:

أبلغ أمير المؤمنين رسـالة

 

من ناصح لك لا يرد خداعا

بضع الفتاة بألف ألف كاملٍ

 

وتبيت سادات الجنود جياعا

لو لأبي حفص أقول مقالتي

 

وأبث ما أبثثتكم لا رتاعـا

قال: وكان ابن الزبير قد أوصاه ألا يعطيه أحد كتاباً إلا جاء به، فلما أتاه بهذا الكتاب قال: صدق والله، لو يقول هذه المقالة لأبي حفص لارتاع من تزويج امرأة على ألف ألف درهم. ثم قال: إن مصعباً لما وليته البصرة أغمد سيفه، وسل أبره، وعزله عن البصرة، وأمره أن يجيء على ذات الجيش، وقال: إني لأرجو أن يخفف الله بك فيها. فبلغ عبد الملك بن مروان قول عبد الله في مصعب، فقال: لكن عبد الله والله أغمد سيفه وأبره وخيره.

قال ابن زيد أخبرني محمد بن يحيى عن ابن شهاب الزهري قال: ذكر أن زيد: بن عمرو بن عثمان العثماني خرج إلى مال مغاضياً لسكينة، وعمر بن عبد العزيز يومئذٍ والي المدينة، فأقام سبعة أشهر، فاستعدته سكينة على زيد، وذكرت غيبته مع ولائده سبعة أشهر، وأنها شرطت عليه أنه إن مس امرأة، أو حال بينها وبين شيء من ماله، أو منعها مخرجاً ترديه، فهي خلية ، فبعث إليه عمر فأحضره وأمر ابن حزم أن ينظر بينهما.

قال: حدثني أبو بكر بن عبد الله، قال: بعثني عمر، وبعث معي محمد بن معقل بن يسار الأشجعي، إلى ابن حزم، وقال: اشهدا قضاءه، فدخلنا عليه وعنده زيد جالس، وفاطمة امرأة ابن حزم في الحجلة جالسة، وجاءت سكينة، فقال ابن حزم: أدخلوها وحدها. فقالت: والله لا أدخل إلا ومعي ولائدي، فأدخلن معها، فلما دخلت قال: يا جارية اثني لي هذه الوسادة. ففعلت، وجلست عليها، ولصق زيد بالسرير، حتى كان يدخل في جوفه خوفاً منها. فقال لها ابن حزم: يابنة الحسين، إن الله عز وجل يحب القصد في كل شيء، فقالت له: وما أنكرت مني، إني وإياك والله كالذي يرى الشعرة في عين صاحبه، ولا يرى الخسبة في عينه. فقال لها: أما والله لو كنت رجلاً لسطوت بك. فقالت له: يا بن فرتنى ألا تزال لتوعدني؟ وشتمته وشتمها. فلما بلغا ذلك قال ابن أبي الجهم العدوي: ما بهذا أمرنا، فأمض الحكم ولا تشاتم. فقالت لمولاة لها: من هذا؟ قالت: أبو بكر بن عبد الله بن أبي الجهم. فقالت: لا أراك ههنا وأنا أشتم بحضرتك. ثم هتفت برجال قريش، وحضت ابن أبي الجهم، وقالت: أما والله لو كان أصحاب الحرة أحياء لقتلوا هذا العبد اليهودي عند شتمه إياي، أي عدو الله، تشتمني وأبوك الخارج مع يهود صبابةً بدينهم لما أخرجهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أريحاء، يا بن فرتنى. قال: وشتمها وشتمته.

قال: ثم أحضرنا زيداً، فكلمها وخضع لها، فقالت: ما أعرفني بك يا زيد، والله لا تراني أبداً، أتراك تمكث مع جواريك سبعة أشهر لا تقربهن؟ املأ غينك الآن مني، فإنك لا تراني يعد الليلة أبداً، وجعلت تردد هذا القول ومثله، فكلما تكلمت ترفث لا بن حزم وامرأته في الحجلة، وهو يقلق لسماع امرأته ذلك فيه. ثم حكم بينهما بأن سكينة إن جاءت ببينة على ما ادعته، وإلا فاليمين على زيد. فقامت وقالت لزيد، يا بن عثمان: تزود مني بنظرة، فإنك والله لا تراني بعد الليلة أبداً، وابن حزم صامت. ثم خرجنا وجئنا إلى عمر بن عبد العزيز وهو يتنظرنا في وسط الدار في ليلة شاتية، فسألنا عن الخبر، فأخبرناه، فجعل يضحك حتى أمسك بطنه، ثم دعا زيداً من غد فأحلفه ورد سكينة عليه.

وأخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال: حدثني الزبير بن بكار عن عمه قال: قالت سكينة لأم أشعب: سمعت للناس خيراً؟ قالت: لا، فبعثت إلى إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف فتزوجته، وبلغ ذلك بني هاشم فأنكروه، وحملوا العصي، وجاءوا فقاتلوا بني زهرة حتى كثر الشجاج، ثم فرق بينهم، وخيرت سكينة فأبت نكاح إبراهيم، ثم التفتت إلى أم أشعب وقالت: أترين الآن أنه كان للناس اليوم خبر؟ قالت: إي والله- بأبي أنت- وأي خبر . قال هارون بن الزيات: وجدت في كتاب القاسم بن يوسف: حدثني الهيثم بن عدي، عن أشعب، قالال: تزيد بن عمرو بن عثمان بن عفان سكينة، وكان أبخل قرشي رأيته، فخرج حاجاً وخرجت سكينة معه، فلم تدع إوزة ولا دجاجة ولا خبيصاً ولا فاكهة إلا حملته معها، وأعطتني مائة دينار، وقالت : يا بن أم حميدة اخرج معنا . فخرجت ومعنا طعام عللى خمسة أجمال، فلما أتينا السيالة نزلنا، وأمرت بالطعام أن يقدم، فلما جيء بالأطباق، أقبل أغيلمة من الأنصار يسلمون على زيد، فلما رآهم قال: أوه. خاصرتي. باسم الله، ارفعوا الطعام، وهاتوا الترياق والماء الحار، فأتي به فجعل يتوجرهما حتى انصرفوا، ورحلنا وقد هلكت جوعاً، فلم آكل إلا مما اشتريته من السويق فلما كان من الغد أصبحت وبي من الجوع ما لله أعلم به، ودعا بالطعام وأتي به. قال: فأمر بإسخانه، وجاءته مشيخة من قريش يسلمون عليه، فلما رآهم اعتل بالخاصرة، ودعا بالترياق والماء الحار، فتوجره ورفع الطعام، فلما ذهبوا أمر بإعادته، فأتي به وقد برد، فقال لي: يا أشعب، هل إلى إسخان هذا الجاج سبيل؟ فقلت له أخبرني عن دجاجك هذا؟ أمن آل فرعون، فهو يعرض على النار غدوا وعشيا.

أخبرني أحمد بن عبيد الله بن عمار قال: حدثنا سليمان بن أبي شيخ، عن محمد بن الحكم، عن عوانة، قال: جاء قوم من أهل الكوفة يسلمون على سكينة فقالت لهم: الله يعلم أني أبغضكم: قتلتم جدي علياً، وأبي الحسين، وأخي علياً، وزوجي مصعباً، فبأي وجه تلقونني، أيتمتعوني صغيرة، وأملتموني كبيرة.

أخبرني الحسن بن علي عن أحمد بن زهير عن المدائني قال: بينما سكينة ذات ليلة تسير، إذ سمعت حادياً يحدو في الليل يقول:

لولا ثلاث هن عيش الدهر

فقالت لقائد قطارها. ألحق بنا هذا الرجل، حتى نسمع منه ما هذه الثلاث. فطال طلبه لذلك حتى أتعبها. فقالت لغلام لها: سر أنت حتى تسمع منه، فرجع إليها فقال: سمعته يقول:

الماء والنوم وأم عمرو

فقالت: قبحه الله! أتعبني منذ الليلة.

قال: وحدثني المدائني أن أشعب حج مع سكينة، فأمرت له بجمل قوي يحمل أثقاله، فأعطاه القيم جملاً ضعبفاً، فلما جاء إلى سكينة قالت له: أعطوك ما أردت؟ قال: عرسه الطلاق، لو انه حمل قتباً على الجمل لما حمله، فكيف يحمل محملاً .

أخبرني أحمد بن عبد العزيز قال: حدثنا عمر بن شبة، عن نعيم بن سالم بن علي النصاري، عن سفيان بن حرب، قال: رأيت سكينة بنت الحسين عليه السلام ترمي الجمار، فسقطت من يدها الحصاة السابعة، فرمت بخاتمها مكانها.

وقال هارون بن الزيات: حدثني أبو حذافة السهمي قال: أخبرني غير واحد، منهم محمد بن طلحة: أن سكينة ناقلت بمالها بالزوراء، إلى قصر يقال له البريدي بلزق الجماء، فلما سال العقيق، خرجت ومعها جواريها تمشي، حتى جاءت السيل، فجلست على جوفه، ومالت برجليها في السيل، ثم قالت: هذا في است المغبون . والله لهذه الساعة من هذا القصر خير من الزوراء. قال : وكان البريدي قصراً لا غلة له، وإنما يتنزه فيه، وكانت غلة الزوراء غلة وارة عظيمة .

وقال هارون: وحدثني علي بن محمد النوفلي عن أبيه، وعمه وغيرهما من مشايخ الهاشميين والطالبيين: أن سكينة بنت الحسين عليه السلام، خرجت بها سلعة في أسفل عينها، فكبرت حتى اخذت وجهها وعينها، وعظم شانها، وكان بدراقس منقطعاً إليها في خدمتها، فقالت له: ألا ترى ما قد وقعت فيه؟ فقال: لها أتصبرين على ما يمسك من الأ لم حتى أعالجك؟ قالت نعم. فاضجعها، وشق حلد وحهها حتى ظهرت السلعة، ثم كشط الجلد عنها أحمع، وسلخ اللحم من تحتها حتى ظهرت عروق السلعة، وكان منها شيء تحت الحدقة، فرفع الحدقة عنه، حتى جعلها ناحية، ثم سل عروق السلعة من تحتها. فاخرجها أجمع، ورد العين إلى موضعها، وعالجها وسكينة مضطجعة لا تتحرك ولا تئن، حتى فرغ مما أراد، فزال ذلك عنها، وبرئت منها، وبقي أثر تلك الجراحة في مؤخر عينها، فكان أحسن شيء في وجهها، وكان أحسن على وجهها من كل حلي وزينة، ولم يؤثر ذلك في نظرها، ولا في عينها. أخبرني الحسن بن علي قال: حدثنا محمد بن القاسم بن مهرويه، قال: أخبرني عيسى بن إسماعيل، عن محمد بن سلام، عن جرير المذيني، عن المدائني. وأخبرني به محمد بن أبي الأزهر، قال: حدثنا حماد بن إسحاق، عن محمد بن سلام. وأخبرني به احمد بن عبد العزيز الجوهري، عن عمر بن شبة موقوفاً عليه، قالوا: اجتمع في ضيافة سكينة بنت الحسين عليه السلام، جرير والفرزدق وكثير وجميل ونصيب، فمكثوا أياماً، ثم أذنت لهم، فدخلوا عليها، فقعدت حيث تراهم ولا يرونها، وتسمع كلامهم، ثم أخرجت وصيفة لها وضيئة وقد روت الأشعار والأحاديث، فقالت: أيكم الفرزدق؟ فقال لها: هأنذا. فقالت: أنت القائل:

هما دلتاني مـن ثـمـانـين قـامةً

 

كما انحط باز أقتم الريش كاسـره

فلما اتوت رجلاي بالأرض قالـتـا

 

أحي يرجى أم قـتـيل نـحـاذره

فقلت ارفعوا الأمراس لا يشعروا بنا

 

وأقبلت في أعجـاز لـيلٍ أبـادره

أبادر بـوابـين قـد وكـلا بـنـا

 

وأحمر من ساج تبض مسـامـره

قال: نعم. قالت: فما دعاك إلى إفشاء سرها وسرك؟ هلا سترتها وسترت نفسك ؟ خذ هذه الألف، والحق بأهلك.
ثم دخلت على مولاتها وخرجت، فقالت: أبكم جرير؟ فقال لها: هأنذا. فقالت: أنت القائل:

طرقتك صائدة القلوب وليس ذا

 

حين الزيارة فارجعي بسـلام

تجرى السواك على أغر كأنه

 

برد تحدر من متون غـمـام

لو كان عهدك كالذي حدثتـنـا

 

لوصلت ذلك فكان غير رمام

إني أواصل من أردت وصاله

 

بحبال لاصـلـف ولا لـوام

قال: نعم. قالت أفلا أخذت بيدها، ورحبت بها، وقلت لها ما يقال لمثلها؟ أنت عفيف وفيك ضعف. خذ هذه الأ لف والحق بأهلك. ثم دخلت على مولاتها وخرجت، فقالت: أيكم كثير؟ فقال: هأنذا. فقالت: أنت القائل:

وأعجبني يا عز مـنـك خـلائق

 

كرام إذا عد الـخـلائق أربـع

دونك حتى يطمع الطالب الصبـا

 

ودفعك أسباب الهوى حين يطمع

وقطعك أسباب الكريم ووصلك ال

 

لئيم وخلات المكـارم تـرفـع

فوالله ما يدري كريم مـمـاطـل

 

أينساك إذا باعدت أم يتـضـرع

قال: نعم. قالت: ملحت وشكلت. خذ هذه الثلاثة الآلاف، والحق بأهلك.

ثم دخلت إى مولاتها وخرجت فقالت: أيكم نصيب؟ قال: هأنذا. قالت:أأنت القائل:

ولولا أن يقال صبا نصـيب

 

لقلت بنفسي النشأ الصغار

بنفسي كل مهضوم حشاهـا

 

إذا ظلمت فليس لها انتصار

قال: نعم. قالت: ربيتنا صغاراً، ومدحتنا كباراً. خذ هذه الأربعة الآ لا ف، والحق بأهلك.

ثم دخلت على مولاتها وخرجت، فقالت: يا جميل، مولاتي تقرئك السلام، وتقول لك: والله مازلت مشتاقة لرؤيتك منذ سمعت قولك:

ألا ليت شعري هل أبيتن ليلةً

 

بوادي القرى إني إذا لسعيد

لكل حديثٍ بينهن بـشـاشة

 

وكل قتيل عندهن شـهـيد

جعلت حديثنا بشاشة، وقتلانا شهداء، خذ هذه الأربعة الآ لا ف الدينار، والحق باهلك أخبرني ابن أبي الأزهر قال: حدثنا حماد عن أبيه، عن أبي عبد الله الزبيري، قال: اجتمع بالمدينة راوية جرير وراوية كثير وراوية جميل وراوية نصيب وراوية الأحوص، فافتخر كل واحد منهم بصاحبه، وقال: صاحبي أشعر. فحكموا سكينة بنت الحسن بن علي عليهما السلام، لما يعرفونه من عقلها وبصرهابالشعر، فخرجوا يتقادون ، حتى استأذنوا عليها، فاذنت لهم، فذكروا لها الذي كان من أمرهم، فقالت لراوية جرير: أليس صاحبك الذي يقول:

طرقتك صائدة القلوب وليس ذا

 

حين الزيارة فارجعي بسـلام

وأي ساعة أحلى للزيارة من الطروق، قبح الله صاحبك، وقبح شعره! ألا قال: فادخلي بسلام! ثم قالت لراوية كثير: أليس صاحبك الذي يقول:

يقر بعيني ما يقر بـعـينـهـا

 

وأحسن شيء ما به العين قرت

فليس شيء أقر لعينها من النكاح، أفيحب صاحبك أن ينكح؟ قبح الله صاحبك، وقبح شعره! ثم قالت لراوية جميل: أليس صاحبك الذي يقول:

فو تركت عقلي معب ما طلبتها

 

ولكن طلابيها لما فات من عقلي

فما أرى بصاحبك من هوى، إنما يطلب عقله، قبح الله صاحبك وقبح شعره! ثم قالت لراوية نصيب: أليس صاحبك الذي يقول:

أهيم بدعد ما حييت فإن أمت

 

فيا حربا من ذا يهيم بها بعدي

فما أرى له همة إلا من يعشقها بعده! قبحه الله وقبح شعره! ألا قال:

أهيم بدعد ما حييت فإن أمت فلا صلحت دعد لذي خلة بعدي

ثم قالت لراوية الأحوص: اليس صاحبك الذي يقول:

من عاشقين تواعدا وتراسـلا

 

ليلا إذا نجم الثريا حـلـقـا

باتا بأنـعـم لـيلة وألـذهـا

 

حتى إذا وضح الصباح تفرقا

قال: نعم، قالت: قبحه الله وقبح شعره! ألا قال: تعانقا.

قال إسحاق في خبره: فلم تثن على أحد منهم في ذلك اليوم، ولم تقدمه.

قال: وذكر لي الهيثم بن عدي مثل ذلك في جميعهم إلا جميلاً، فإنه خالف هذه الرواية، وقال: فقالت لراوية جميل: أليس صاحبك الذي يقول:

فيا ليتني أعمى أصم تقودني

 

بثينة لا يخفى علي كلامها

قال: نعم. قالت: رحم الله صاحبك كان صادقاً في شعره، كان جميلاً كاسمه، فحكمت له.

وفي الأشعار المذكورة في الأخبار أغان تذكرها هنا نسبتها.
فمنها:

هما دلتاني من ثـمـانـين قـامةً

 

كما انقض باز أقتم الريش كاسره

فلما استوت رجلاي بالأرض قالتا

 

أحي يرجى أم قتـيل نـحـاذره

عروضه الطويل. الشعر للفرزدق، والغناء للحجي، رمل بالبنصر عن الهشامي وحبش .

وأخبرني: ابو خليفة في كتابه إلي قال: حدثنا محمد بن سلام عن يونس، وحدثنا به اليزيدي قال: حدثنا أحمد بن زهير قال: حدثنا محمد بن سلام عن يونس قال: كان للفرزدق غلامان، يقال لأحدهما وقاع، وللآخر زنقطة. قال: ولوقاع يقول الفرزدق:

تغلغل وقاع إليها فـأقـبـلـت

 

تخوض خداريا من الليل أخضر

لطيف إذا ما انغل أدرك ما ابتغى

 

إذا هو للظبي المروع تقـتـرا

وله يقول أيضاً:

فأبلغهن وحي القول عنـي

 

وأدخل رأسه تحت القرام

أسيد ذو خريطةٍ نـهـارا

 

من المتلقطي قرد القمـام

فقلن له نواعدك الـثـريا

 

وذاك إليه مجتمع الرجام

ثلاث واثنتان فهن خمـس

 

وسادسة تميل مع السنـام

خرجن إلي لم يطمثن قبلي

 

فهن أصح من بيض النعام

فبتن بجانبي مصـرعـاتٍ

 

وبت أفض أغلاق الختام

في هذه الأبيات الثلاثة لا بن جامع، خفيف رمل بالبنصر عن الهشامي، وفيها هزج بمان بالوسطى عن عمروبن بانة. وذكر حبش أن الهزج لفليح، وأن لحن ابن جامع ثاني ثقيل بالوسطى.
أخبرني أبو خليفة قال: حدثنا محمد بن سلام، قال: قال الفرزدق وهو بالمدينة:

هما دلتاني مـن ثـمـانـين قـامةً

 

كما انقض بازٍ أقتم الريش كاسـره

فلما استوت رجلاي بالأرض قالـتـا

 

أحي يرجـى أم قـتـيل نـحـاذره

فقلت ارفعوا الأسباب لا بفطنوا بنـا

 

ووليت في أعـجـاز لـيل أبـادره

أبـادر بـوابـين قـد وكـلا بـنـا

 

وأحمر من ساجٍ تبص مـسـامـره

وأصبحت في القوم الجلوس وأصبحت

 

معلقة دوني عـلـيهـا دسـاكـره

قال: فانكرت ذلك قريش عليه، وأزعجه مروان عن المدينة وهو واليها المعاوية، وأجله ثلاثة أيام، فقال:

يا مرو إن مطيتي محـبـوسة

 

ترجو الحباء وربها لـم ييأس

واتيتني بصحيفةٍ مـخـتـومةٍ

 

أخشى علي بها حباء النقرس

ألق الصحيفة يا فرزدق لا تكن

 

نكداء مثل صحيفة المتلمـس

وقال في ذلك:

وأخرجنى وأجلني ثلاثاً

 

كما وعدت لملكها ثمود

وذكر ذلك جرير في مناقضة إياه، فقال:

وشبهت نفسك أشقى ثمود

 

فقالوا ضللت ولم تهتـد

يعني تاجيل مروان له ثلاثاً. وقال فيه أيضاً جرير:

تدليت تزني من ثمـانـين قـامةً

 

وقصرت عن باع العلا والمكارم

وهما قصيدتان.
أخبرني أحمد بن عبد العزيز قال: حدثنا عمر بن شبة قال: قال سليمان بن عبد الملك للفرزدق: انشدني أجود شعر قلته، فأنشده قوله:

عزفت بأعشاشٍ وما كدت تعـزف

 

وانكرت من حدراء ما كنت تعرف

فقال له: زدني. فأنشده قوله:

ثلاث واثنتان فهن خمس

 

وسادسة تميل إلى الشمام

فقال له سليمان: ما أظنك إلا قد أحللت بنفسك العقوبة؛ أقررت بالزنا عندي وانا إمام، ولا بد لي من إقامة الحد عليك. قال: إن اخذت في بقول الله عز وجل لم تفعل. قال: وما قال الله عز وجل؟ قال: قال ( والشعراء يتبعهم الغاوون. ألم ترأنهم في كل واد يهيمون. وأنهم يقولون مالا يفعلون) . فضحك سليمان، وقال: تلافيتها ودرأت عن نفسك، وأمر له بجائزة سنية، وخلع عليه.

أخبرني هاشم بن محمد قال: حدثنا أبو غسان دماذ؛ عن أبي عبيدة، قال: نزل الفرزدق هو ومن معه بقوم من العرب، فأنزلوه وأكرموه، وأحسنوا قراه، فلما كان في الليل دب إلى جارية منهم، فراودها عن نفسها، فصصاحت، فتبادر القوم إليها، فأخذوها من يده وأنبوه، فجعل يفكر واهتم، فقال له الرجل الذي نزل به: مالك؟ أتحب أن أزوجك من هذه الجارية. فقال لا، والله. ما ذلك بي، ولكني كأني يأبن المراغة قد بلغه هذا الخبر، فقال في:

وكنت إذا حللت بدار قـوم

 

رحلت بخزية وتركت عارا

فقال له الرجل: لعله لا يفطن لهذا. فقال: عسى أن يكون ذلك. قال: فوالله ما لبثوا أن مر بهم راكب ينشد هذاالبيت، فسألوه عنه، فأنشدهم قصيدة لجرير بعيره بذلك الفعل، وفيها هذا البيت بعينه.
ومنها:

طرقتك صائدة القلوب وليس ذا

 

حين الزيارة فارجعي بسـلام

تجري السواك على أغر كأنه

 

برد تحدر من متون غـمـام

هيهات منزلنا بـجـو سـويقةٍ

 

ممن يحل بـواطـن الآجـام

إقر السلام على سعاد وقل لها

 

لوما ترد رسولنـا بـسـلام

الشعر لجرير. والغناء لابن سريج: ثاني ثقيل بالسبابة في مجرى البنصر عن ابن المكي. وذكره إسحاق في هذه الطريقة أيضاً ولم ينسبه إلى أحد، وأظنه من منحول يحيى. وذكره عمرو بن بانة أيضاً لابن سريج في الثاني والرابع في هذه الطريقة، وذكر علي بن يحيى أن فيه لابن سريج ثقيل أول في الثاني والثالث، وأنكر ذلك حبش ، وقال:هو بالوسطى. قال علي بن يحيى: ومن الناس من ينسبه إلى سياط. وذكر حبش أن فيه للهذلي خفيف ثقيل بالبنصر، وللغريض ثاني ثقيل بالوسطى. ومنها :

من عاشقين تراسلا وتواعـدا

 

بلقاً إذا نجم الثريا حـلـقـا

بعثا أمامهما مخـافة رقـبة

 

رصداً فمزق عنهما ما مزقا

باتا بأنـعـم لـيلة وألـذهـا

 

حتى إذا وضح الصباح تفرقا

الشعر للأحوص. والغناء لمعبد، خفيف ثقيل أول بالبنصر، عن يونس والهشامي.

رجع الحديث إلى أخبار سكينة

وروى أحمد بن الحارث الخراز عن المدائني، عن أبي يعقوب الثقفي، عن عامرٍ الشعبي، وذكر أيضاً أبو عبيدة معمر بن المثنى: أن الفرزدق خرج حاجاً، فلما قضى حجه خرج إلى المدينة، فدخل على سكينة بنت الحسين عليه السلام مسلماً، فقالت له: يا فرزدق، من أشعر الناس؟ قال: أنا. قالت: كذبت. أشعر منك الذي يقول:

بنفسي من تجنبـه عـزيز

 

علي ومن زيارته لمـام

ومن أمسي وأصبح لا أراه

 

ويطرقني إذا هجع النيام

قال: والله لئن أذنت لي لأسمعتك أحسن منه. قالت: أقيموه، فأخرج . ثم عاد إليها من الغد، فدخل عليها، فقالت: يافرزدق، من أشعر الناس؟ قال: أنا. قالت: كذبت. صاحبك أشعر منك حيث يقول:

لولا الحياء لعادني استعـبـار

 

ولزرت قبركٍ والحبيب يزار

كانت إذا هجر الضجيع فراشها

 

كتم الحديث وعفت الأسـرار

لا يلبث القرناء أن يتفـرقـوا

 

ليل يكر علـيهـم ونـهـار

فقال: والله لئن أذنت لي لأسمعنك أحسن منه. فأمرت به فأخرج؛ ثم عاد إليها في اليوم الثالث، وحولها مولدات كأنهن التماثيل، فنظر الفرزدق إلى واحدة منهن، فأعجب بها. فقالت: يافرزدق، من أشعر الناس؟ قال: أنا.

فقالت: كذبت صاحبك أشعر منك حيث يقول:

إن العيون التي في طرفها مرض

 

قتلننا ثم لـم يحـيين قـتـلانـا

يصرعن ذا اللب حتى لا حراك به

 

وهن أضعف خلق الله أركـانـا

فقال: يا بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، إن لي عليك حقاً عظيماً. ضربت إليك من مكة أريد التسليم عليك، فكان في دخولي إليك تكذيبي ومنعك إياي أن أسمعك ، وبي ما قد عيل معه صبري، وهذه المنايا تغدو وتروح، ولعلي لا أفارق المدينة حتى أموت، فإن أنا من فمري أن أدرج في كفني، وأدفن في حر تلك الجارية، يعني الجارية التي أعجبته، فضحكت سكينة، وأمرت له بالجارية، فخرج بها آخذاً بريطتها، وأمرت الجواري أن يدفعن في أقفائهما، ثم قالت: يا فرزدق، أحسن صحبتها، فإني آثرتك بها على نفسي.

أخبرني أحمد بن عبيد الله بن عمار، وأحمد بن العزيز الجوهري، قالا: حدثنا علي بن محمد النوفلي قال: حدثني أبي عن أبيه وعمومته وجماعة من شيوخ بني هاشم: أنه لم يصل على أحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم بغير إمام إلا سكينة بن الحسين عليه اللام، فغنها ماتت وعلى المدينة خالد بن عبد الملك، فأرسلوا إيه، فآذنوه بالجنازة، وذلك في أول النهار في حر شديد، فأرسل إليهم: لا تحدثوا حدثاً حتى أجيء فأصلي عليها، فوضع النعش في موضع المصلى على الجنائز، وجلسوا ينظرونه حتى جاءت الظهر، فأرسلوا إليه، فقال: لا تحدثوا فيها شيئاً حتى أجيء فجاءت العصر، ثم لم يزالوا ينتظرونه حتى صليت العشاء، كل ذلك يرسلون إليه، فلا يأذن لهم حتى صليت العتمة ولم يجيء، ومكث الناس جلوساً حتى غلبهم النعاس، فقالموا فأقبلوا يصلون عليها جمعاً جمعاً وينصرفون، فقال علي بن الحسين عليه السلام: من أعان بطيب رحمه الله! قال: وإنما أراد خالد بن عبد الملك، فيما ظن قوم، أن تنتن. قال: فأتي بالمجامر، فوضعت حول النعش، ونهض ابن أختها محمد بن عبد الله العثماني، فأتى عطاراً كان يعرف عنده عوداً، فاشتراه منه بأربعمائة دينار، ثم أتى به، فسجر حول السرير، حتى أصبح وقد فرغ منه، فلما صليت الصبح أرسل إليهم: صلوا عليها وادفنوها. فصلى عليها شيبة بن نصاح .

وذكر يحيى بن الحسين في خبره: أن عبد الله بن حسن ه الذي ابتاع لها العود بأربعمائة دينار.

وأنا الأخضر من يعرفـنـي

 

أخضر الجلدة من بيت العرب

من يساجلني يساجل مـاجـدا

 

يملأ الدلو إلى عقد الكـرب

إنما عبد مـنـاف جـوهـر

 

زين الجوهر عبد المطـلـب

كل قوم صبيغة مـن فـضة

 

وبنو عبد مناف مـن ذهـب

نحن قوم قد بنى الـلـه لـنـا

 

شرفاً فوق بيوتات الـعـرب

بنبي اللـه وابـنـي عـمـه

 

وبعباس بن عبد المـطـلـب

الشعر للفضل بن العباس اللهبي، والغناء لمعبد، ثقيل أول بالبنصر، في الأول والثاني والثالث. ولابن محرز في الأول والثاني خفيف ثقيل أول مطلق في مجرى البنصر. وذكر يونس أن فيهما لمعبد ومالك وأبن محرز وابن مسجح وابن سريج خمسة ألحان. وذكر الهشامي أن لحن ابن سريج رمل، ولحن مالك خفيف رمل، ولحن معبد خفيف ثقيل، ولحن ابن محرز ثقيل أول. وذكر ابن المكي أن الثقيل الأول المالك. وذكر عمرو بن بانة في كتابه الثاني أن لابن مسجح أو لابن محرز فيه خفيف رمل. وذكر الهشامي أن فيه رملاً آخر بالوسطى لأبي سعيد مولى فائد، ولأبي الحسن مولى سكينة، في الثالث والرابع، خفيف ثقيل . وذكر حبش أن لابن صاحب الوضوء الأول والثاني ثاني ثقيل بالبنصر، ولابن سريج ثقيل أول بالبنصر. وذكر حماد عن أبيه: أن لابن عائشة فيهما لحناً، ووافقه ابن المكي. وذكر أنه خفيف رمل. قال: وقيل إنه لدحمان . وذكر ابن خرداذبه أن الخليدة المكية في الرابع والثالث خفيف رمل، وفي الخامس والسادس والأول رمل، يقال إنه لإبراهيم، ويقال إنه لإسحاق. والخامس والسادس من هذه الأبيات، وإن كان شعر الفضل بن العباس اللهي، فليس من القصيدة التي فيها:

وأنا الأخضر من يعرفني

لكن من قصيدة له أولها:

شاب رأسي ولداتي لم تشـب

 

بعد لهو وشـبـاب ولـعـب

شيب المفـرق مـنـي وبـدا

 

في حفافي لحيتي مثل العطب

في هذين البيتين لهاشم ونفيلة خفيف رمل بالوسطى، والقصيدة التي فيها:

وأنا الأخضر من يعـرفـنـي

 

أخضر الجلدة من نسل العرب

أولها قوله:

طرب الشيخ ولا حين طرب

 

وتصابي وصبا الشيخ عجب