أخبار الحارث بن وعلة

أخبار الحارث بن وعلة

اسمه ونسبه الحارث بن وعلة بن عبد الله بن الحارث بن بلع بن سبيلة بن الهون بن أعجب بن قدامة بن حرم بن زبان – وهو علاف، وإليه تنسب الرحال العلافية، وهو أول من اتخذها – بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة. وقد ذكرت مقتدما الاختلاف في قضاعة، ومن نسبه معدياً، ومن نسبه حميرياً.

والرحال العلافية مشهورة عند الناس، قد ذكرتها الشعراء في أشعارها، قال ذو الرمة:

وليل كجلباب العروس ادرعتـه

 

بأربعة والشخص في العين واحد

أحم علافـي وأبـيض صـارم

 

وأعيس مهري وأروع مـاجـد

وكان وعلة الجرمي وابنه الحارث من فرسان قضاعة وأنجادها وأعلامها وشعرائها، وشهد وعلة الكلاب الثاني، فأفلت بعد أن أدركه قيس بن عاصم المنقري، وطلبه، ففاته ركضاً وعدواً، وخبره يذكر بعد هذا في موضعه إن شاء الله تعالى.

ابن الأشعث وعبد الملك يتمثلان بشعره وشعر أبيه فأخبرني عمي قال: حدثني الكراني، قال: حدثنا العمري عن العتبي قال: كتب عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث إلى الحجاج مبتدئاً: أما بعد فإن مثلي ومثلك كما قال القائل:

سائل مجاور جرم هل جنيت لـهـا

 

حربا تفرق بين الجيرة الخـلـط؟

أم هل دلفت بجـرار لـه لـجـب

 

يغشى الأماعيز بين السهل والفرط؟

والشعر لوعلة الجرمي – هذا مثلي ومثلك، فسأحملك على أصعبه، وأريحك من مركبه.

فكتب الحجاج بذلك إلى عبد الملك، فكتب إليه جوابه: أما بعد؛ فإني قد أجبت عدو الرحمن بلا حول ولا قوة إلا بالله، ولعمر الله لقد صدق، وخلع سلطان الله بيمينه، وطاعته بشماله، وخرج من الدين عرياناً، كما ولدته أمه.

ثم لم يصبر عبد الملك على أن يدع جوابه بشعر فقال: وعلى أن مثلي ومثله ما قال الآخر:

أناة وحلماً وانتظاراً بـكـم غـدا

 

فما أنا بالواني ولا الضرع الغمر

أظن صروف الدهر والجهل منهم

 

ستحملهم مني على مركب وعر

فليت شعري أسما عدو الرحمن لدعائم دين الله يهدمها؟ أم رام الخلافة أن ينالها؟ وأوشك أن يوهن الله شوكته، فاستعن بالله، واعلم أن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون.

قال مؤلف هذا الكتاب: الشعر الذي تمثل به عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث لوعلة الجرمي، والشعر الذي نمثل به عبد الملك لابنه الحارث بن وعلة.

يخذله قومه وينصره آخرون أخبرني محمد بن جعفر النحوي قال: حدثني طلحة بن عبد الله الطلحي، عن أحمد بن إبراهيم، عن أبي عبيدة قال: قتلت نهد أخا وعلة الجرمي، فاستعان بقومه، فلم يعينوه، فاستعان بحلفاء من بني نمير، وكانوا له حلفاء وإخواناً، فأعانوه حتى أدرك بثأره فقال في ذلك:

سائل مجاور جرم هل جنيت لهـا

 

حرباً تزيل بين الجيرة الخـلـط

أم هل علوت بجرار له لـجـب

 

يغشى المخارم بين السهل والفرط

حتى تركت نساء الحي ضـاحـية

 

في ساحة الدار يستوقدن بالغبـط

يفر من قيس ابن عاصم عند غزوه لليمن أخبرني هاشم بن محمد الخزاعي، قال: حدثنا الرياشي قال: خرج رجل من بني تميم – يقال إنه قيس بن عاصم قال الرياشي: وحقق أبو عبيدة أنه قيس – يوم الكلاب يلتمس أن يصيب رجلاً من ملوك اليمن له فداء، فبينا هو في ذلك إذ أدرك وعلة الجرمي، وعليه مقطعات له فقال له: على يمينك، قال: على يساري أقصد لي، قال: هيهات منك اليمن، قال: العراق مني أبعد، قال: إنك لن ترى أهلك العام، قال: ولا أهلك تراهم، وجعل وعلة يركض فرسه، فإذا ظن أنها قد أعيت وثب عنها، فعدا معها، وصاح بها، فتجري وهو يجاريها، فإذا أعيا وثب فركبها، حتى نجا. فسأل عنه قيس، فعرف أنه وعلة الجرمي، فانصرف وتركه، فقال وعلة في ذلك:

فدى لكما رحلي أمي وخالتـي

 

غداة الكلاب إذ تحز الدوابـر

نجوت نجاء لم ير الناس مثلـه

 

كأني عقاب عند تيمن كاسـر

ولما رأيت الخيل تدعو مقاعساً

 

تنازعني من ثغرة النحر جائر

فإن استطع لا تلتبس بي مقاعس

 

ولا يرني ميدنهم والمحاضـر

ولا تك لي جرارة مـضـرية

 

إذا ما غدت قوت العيال تبادر

أما قوله: “تحز الدوابر” فإن أهل اليمن لما انهزموا قال قيس بن عاصم لقومه: لا تشتغلوا بأسرهم فيفوتكم أكثرهم، ولكن اتبعوا المنهزمين، فجزوا أعصابهم من أعقابهم ودعوهم في مواضعهم، فإذا لم يبق أحد رجعتم إليهم، فأخذتموهم. ففعلوا ذلك، وأهل اليمن يومئذ ثمانية آلاف عليهم أربعة أملاك يقال لهم: اليزيدون، وهم يزيد بن عبد المدان، ويزيد بن هوير، ويزيد بن المامور ويزيد بن مخزم. هؤلاء الأربعة اليزيدون، والخامس عبد يغوث بن وقاص، فقتل اليزيدون أربعتهم في الوقعة، وأسر عبد يغوث بن وقاص، فقتلته الرباب برجل منها، وقد ذكر خبر مقتله متقدما في صوت يغني فيه وهو:

ألا لا تلوماني كفى اللوم ما بيا

وأما قوله:

ولما رأيت الخيل تدعو مقاعساً

فإن بني تميم لما التقت مع بني الحارث بن كعب في هذا اليوم تداعت تميم في المعمعة يا آل كعب! فتنادى أهل اليمن: يا آل كعب! فتنادوا: يا آل الحارث! فتنادى أهل اليمن! يا آل الحارث! فتنادوا: يا آل مقاعس! وتميزوا بها من أهل اليمن.
صوت

والله لا نظرت عيني إليك ولـو

 

سالت مساربها شوقاً إليك دمـا

إن كنت خنت ولم أضمر خيانتكم

 

فالله يأخذ ممن خان أو ظلـمـا

سماجة لمحب خان صـاحـبـه

 

ما خان قط محب يعرف الكرما

الشعر لعلي بن عبد الله الجعفري، والغناء للقاسم بن زرزور، ولحنه ثقيل أول مطلق ابتداؤه نشيد، وكان إبراهيم بن أبي العبيس يذكر أنه لأبيه.

فلما ولي مصعب بن الزبير دعاه، فأنشده الأبيات، فقال: أما والله لأقطعن السيف في رأسك قبل أن تقطعه في رأسي، وأمر به فحبس، ثم دس إليه من قتله.

أخبرني الحسين بن يحيى، عن حماد عن أبيه، عن ابن جامع، عن يونس قال: جاء رجل من قريش إلى الغريض فقال له: بأبي أنت وأمي إني جئتك قاصداً من الطائف أسألك عن صوت تغنيني إياه، قال: وما هو؟ قال: لحنك في هذا الشعر:

تشرب لون الرازقي بـبـاضـه

 

أو الزعفران خالط المسك رادعه

فقال: لا سبيل إلى ذلك، هذا الصوت قد نهتني الجن عنه، ولكني أغنيك في شعر لمرة بن محكان، وقد طرقه ضيف في ليلة شاتية، فأنزلهم، ونحر لهم ناقته، ثم غناه قوله:

يا ربة البيت قومي غير صاغرة

 

ضمي إليك رحال القوم والقربا

فأطربه، ثم قال له الغريض: هذا لحن أخذته من عبيد بن سريج، وسأغنيك لحناً عملته في شعر على وزن هذا الشعر ورويه للحطيئة، ثم غناه:

ما نقموا من بغيض لا أبالهـم

 

في بائس جاء يحدو أينقا شزبا

جاءت به من بلاد الطور تحملـه

 

حصاء لم تترك دون العصعا شذبا

لا يخفض جبينه إلا لله حدثني اليزيدي قال: حدثنا محمد بن الحسن بن مسعود قال: أخبرني العباس بن عيسى العقيلي أن علي بن عبد الله الجعفري أنشده:

والله واللـه ربـي

 

وتلك أقصى يميني

لو شئت ألا أصلي

 

لما وضعت جبيني

أيهما يدع؟ حدثنا اليزيدي قال: حدثنا محمد بن الحسن بن مسعود قال: أخبرني العباس بن عيسى قال: حدثني علي بن عبد الله الجعفري قال: مرت بي امرأة في الطواف، وأنا جالس أنشد صديقاً لي هذا البيت:

أهوى هوى الدين واللذات تعجبني

 

فكيف لي بهوى اللذات والدين؟

فالتفتت المرأة إلي وقالت: دع أيهما شئت وخذ الآخر.

عود إلى الصوت حدثنا اليزيدي قال: حثدنا محمد بن الحسن الزرقي قال: حدثنا عبد الله بن شبيب قال: أنشدني علي بن عبد الله بن جعفر الجعفري لنفسه:

والله لا نظرت عيني إليك ولـو

 

سالت مساربها شوقاً إليك دمـا

إلا مفاجأة عنـد الـلـقـاء ولا

 

نازعتك الدهر إلا ناسياً كلـمـا

إن كنت خنت ولم أضمر خيانتكم

 

فالله يأخذ ممن خان أو ظلـمـا

سماجة لمحب خان صـاحـبـه

 

ما خان قط محب يعرف الكرما

قال عبد الله بن شبيب وأنشدني علي بن عبد الله لنفسه:

صوت

وقف الهوى بي حيث أنت فليس لي

 

متـأخـر عـنـه ولا مـتـقـدم

أجد المـلامة فـي هـواك لـذيذة

 

حباً لذكرك فليلـمـنـي الـلـوم

وأهنتني فأهنت نفسـي جـاهـداً

 

ما من يهون عليك ممـن يكـرم

أشبهت أعدائي فصرت أحـبـهـم

 

إذا صار حظي منك حظي منهـم

صوت

أتعرف رسم الدار من أم معبد

 

نعم فرماك الشوق قبل التجلد

فيا لك من شوق ويا لك عبرة

 

سوابقها مثل الجمان المبـدد

الشعر لعتيبة بن مرداس المعروف بابن فسوة، والغناء لجميلة، خفيف ثقيل بالبنصر عن ابن المكي. وذكر الهشامي أن فيه لمعبد لحناً من الثقيل الأول، وأنه يظنه من منحول يحيى إليه.