أخبار ابن ميادة ونسبه

الثاني

أخبار ابن ميادة ونسبه

نسبه

اسمه الرماح بن أبرد بن ثوبان بن سراقة بن حرملة، هكذا قال الزبير بن بكار في نسبه. وقال ابن الكلبي: ثوبان بن سراقة بن سلمى بن ظالم ويقال سراقة بن قيس بن سلمى بن ظالم بن جذيمة بن يربوع بن غيظ بن مرة بن عوف بن سعد بن ذبيان بن بغيض بن ريث بن غطفان بن سعد بن قيس بن عيلان بن مضر.
كان يزعم أن أمه فارسية وأمه ميادة أم ولدٍ بربرية، وروي أنها كانت صقلبية. ويكنى أبا شرحبيل، وقيل بل يكنى أبا شراحيل.
وكان ابن ميادة يزعم أن أمه فارسية، وذكر ذلك في شعره فقال:

أنا ابن سلمى وجـدي ظـالـم

 

وأمي حصانٌ أخلصتها الأعاجم

أليس غلامٌ بين كسرى وظالـمٍ

 

بأكرم من نيطت عليه التمـائم

كذبه موسى بن سيار أن أمه فارسية

أخبرني بذلك الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني أبو مسلمة مرهوب بن سيد وأخبرني الحرمي “قال حدثنا الزبير” قال حدثني موسى بن زهير الفزاري قال أخبرني موسى بن سيار بن نجيح المزني قال: أنشدني ابن ميادة أبياته التي يقول فيها:

أليس غلام بين كسرى وظالم

 

بأكرم من نيطت عليه التمائم

فقلت له: لقد أشحطت بدار العجوز وأبعدت بها النجعة، فهلا غربت “يريد أنها صقلبيةٌ ومحلها بناحية المغرب” فقال: إي بأبي أنت، إنه من جاع انتجع، فدعها تسر في الناس فإنه “من يسمع يخل”. قال الزبير قال ابن مسلمة: ولما قال ابن ميادة هذه الأبيات قال الحكم الخضري يرد عليه:

رد عليه الحكم الخضري فخره بأمه وهجاه

وما لك فيهم من أبٍ ذي دسيعةٍ

 

ولا ولدتك المحصنات الكـرائم

وما أنت إلا عبدهم إن تربـهـم

 

من الدهر يوماً تستربك المقاسم

رمى نهبلٌ في فرج أمك رميةً

 

بحوقاء تسقيها العروق الثواجم

قال أبو مسلمة: ونهبل عبدٌ لبني مرة كانت ميادة تزوجته بعد سيدها، وكانت صقلبية. وابن ميادة شاعرٌ فصيحٌ مقدم مخضرم من شعراء الدولتين. وجعله ابن سلام في الطبقة السابعة، وقرن به عمر بن لجأ والعجيف العقيلي والعجير السلولي.

كان يتعرض للمهاجاة ويقول لأمه اصبري على الهجو

أخبرني علي بن سليمان الأخفش قال حدثنا الحسن بن الحسين السكري قال حدثنا محمد بن حبيب عن ابن الأعرابي قال: كان ابن ميادة عريضاً للشر، طالباً مهاجاة الشعراء ومسابة الناس. وكان يضرب بيده على جنب أمه ويقول:

اعرنزمي مياد للقوافي

أي إني سأهجو الناس فيهجونك.
وأخبرنا يحيى بن علي عن أبي هفان بهذه الحكاية مثله، وزاد فيها:

اعرنزمي مياد للقوافي

 

واستسمعيهن ولاتخافي

ستجدين ابنك ذا قذاف

 

 

استنشد امرأة أمام أمه ما هجيت به

أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثنا داود بن علفة الأسدي قال: جاورة امرأةٌ من الخضر: “رهط الحكم الخضري” أبيات ابن ميادة، فجاءت ذات يوم تطلب رحىً وثفالاً لتطحن، فأعاروها إياهما فقال لها ابن ميادة: يا أخت الخضر، أتروين شيئاً مما قاله الحكم الخضري لنا، يريد بذلك أن تسمع أمه، فجعلت تأبى، فلم يزل حتى أنشدته:

أمياد قد أفسدت سيف ابن ظالم

 

ببظرك حتى عاد أثلم بـالـيا

قال: وميادة جالسةٌ تسمع. فضحك الرماح، وثارت ميادة إليها بالعمود تضربها به وتقول: أي زانية! هيا زانية! أإياي تعنين! وقام ابن ميادة يخلصها، فبعد لأيٍ ما أنقذها، وقد انتزعت منها الرحى والثفال.

إنشاده شماطيط هجاء أمه

أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني أبو حرملة منظور بن أبي عدي الفزاري قال حدثني شماطيط – وهو الذي يقول:

أنا شماطيط الذي حدثت به

 

متى أنبه للغداء أنتـبـه

حتى يقال شرهٌ ولست به

 

 

– قال: كنت جالساً مع ابن ميادة فوردت عليه أبياتٌ للحكم الخضري يقول فيها:

أأنت ابن أشبانية أدلجت بـه

 

إلى اللؤم مقلاتٍ لئيمٍ جنينها

– أشبانية: صقلبية – قال: وأمه ميادة تسمع فضرب جنبها وقال:

اعرنزمي مياد للقوافي

فقالت: هذه جنايتك يابن من خبث وشر، وأهوت إلى عصاً تريد ضربه بها؛ ففر منها وهو يقول:

يا صدقها ولم تكن صدوقا

فصحت به: أيهما المعني؟ فقال: أضرعهما خدين وألأمهما جدين؛ فضربت جنبها الآخر وقلت: فهي إذاً ميادة، وخرجت أعدو في أثر الرماح، وتبعتنا ترمينا بالحجارة وتفتري علينا حتى فتناها.

أمه ميادة وقصة تزوجها أبرد أخبرني يحيى بن علي بن يحيى قال حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه قال حدثني أبو داود الفزاري: أن ميادة كانت أمةً لرجلٍ من كلب زوجةً لعبدٍ له يقال له نهبل، فاشتراها بنو ثوبان بن سراقة فأقبلوا بها من الشأم، فلما قدموا وصبحوا بها المليحة “وهي ماءة لبني سلمى ورحل بن ظالم بن جذيمة” نظر رجلٌ من بني سلمى إليها وهي ناعسة تمايل على بعيرها، فقال: ما هذه؟ قالوا: اشتراها بنو ثوبان؛ فقال: وأبيكم إنها لميادةٌ تميد وتميل على بعيرها، فغلب عليها “ميادة”. وكان أبرد ضلةً من الضلل ورثةً من الرثث جلفاً لا تخلص إحدى يديه من الأخرى، يرعى على إخوته وأهله، وكانت إخوته كلهم ظرفاء غيره. فأرسلوا ميادة ترعى الإبل معه فوقع عليها، فلم يشعروا بها إلا قد أقعسها بطنها، فقالوا لها: لمن ما في بطنك. قالت: لأبرد، وسألوه فجعل يسكت ولا يجيبهم، حتى رمت بالرماح فرأوا غلاماً فدغما نجيباً، فأقر به أبرد. وقالت بنو سلمى: ويلكم يا بني ثوبان! ابتطنوه فلعله ينجب؛ فقالوا: والله ما له غير ميادة، فبنوا لها بيتاً وأقعدوها فيه، فجاءت بعد الرماح بثوبان وخليل وبشير بني أبرد، وكانت أول نسائه وآخرهن، وكانت امرأة صدق، ما رميت بشيء ولا سبت إلا بنهبل. قال عبد الرحمن بن جهيم الأسدي في هجائه ابن ميادة:

لعمري لئن شابت حليلة نهبلٍ

 

لبئس شباب المرء كان شبابها

ولم تدر حمراء العجان أنهبلٌ

 

أبوه أم المري تب تبابـهـا

هجا بني مازن فرد عليه رجل منهم قال أبو داود: وكان ابن ميادة هجا بني مازن وفزارة بن ذبيان، وذلك أنهم ظلموا بني الصارد – والصارد من مرة – فأخذوا مالهم وغلبوهم عليه حتى الساعة؛ فقال ابن ميادة:

فلأوردن على جماعة مـازنٍ

 

خيلاً مقلصة الحصى ورجالا

ظلوا بذي أركٍ كأن رءوسهم

 

شجرٌ تخطاه الربيع فـحـالا

فقال رجل من بني مازن يرد عليه:

يابن الخبيثة يابن طلة نهـبـلٍ

 

هلا جمعت كما زعمت رجالا

أببظر ميدة أم بخصيي نهـبـلٍ

 

أم بالفساة تنـازل الأبـطـالا

ولئن وردت على جماعة مازنٍ

 

تبغي القتال لتلـقـين قـتـالا

قال: وبنو مرة يسمون الفساة لكثرة امتيارهم التمر، وكانت منازلهم بين فدك وخيبر فلقبوا بذلك لأكلهم التمر. وقال يحيى بن علي في خبره – ولم يذكره عن أحد -: وقال ابن ميادة يفتخر بأمه: شعره في الفخر بنسبه

أنا ابن ميادة تهوي نجبـي

 

صلت الجبين حسنٌ مركبي

ترفعني أمي وينمينـي أبـي

 

فوق السحاب ودوين الكوكب

قال يحيى بن علي في خبره عن حماد عن أبيه عن أبي داود الفزاري: إن ابن ميادة قال يفخر بنسب أبيه في العرب ونسب أمه في العجم:

أليس غلامٌ بين كسرى وظالم

 

بأكرم من نيطت عليه التمائم

لو أن جميع الناس كانوا بتلعةٍ

 

وجئت بجدي ظالمٍ وابن ظالم

لظلت رقاب الناس خاضعةً لنا

 

سجوداً على أقدامنا بالجماجم

سمع الفرزدق شيئاً من شعره فانتحله

فأخبرني هاشم بن محمد الخزاعي قال حدثنا أبو غسان دماذ عن أبي عبيدة قال: كان ابن ميادة واقفاً في الموسم ينشد:

لو أن جميع الناس كانوا بتلعةٍ

وذكر تمام البيت والذي بعده. قال: والفرزدق واقف عليه في جماعة وهو متلثم، فلما سمع هذين البيتين أقبل عليه ثم قال: أنت يابن أبرد صاحب هذه الصفة! كذبت والله وكذب من سمع ذلك منك فلم يكذبك؛ فأقبل عليه فقال: فمه يا أبا فراس؛ فقال: أنا والله أولى بهما منك، ثم أقبل على روايته فقال: اضممهما إليك:

لو أن جميع الناس كانوا بتلعةٍ

 

وجئت بجدي دارمٍ وابن دارم

لظلت رقاب الناس خاضعةً لنا

 

سجوداً على أقدامنا بالجماجم

قال: فأطرق ابن ميادة فما أجابه بحرف، ومضى الفرزدق فانتحلهما.

كان له أخوان شاعران وقد أتاهم الشعر من قبل جدهم زهير

أم بني ثوبان – وهو أبرد أبو ابن ميادة والعوثبان وقريض وناعضة، وكان العوثبان وقريض شاعرين – أمهم جميعاً سلمى بنت كعب بن زهير بن أبي سلمى.
مهاجاته لعقبة بن كعب بن زهير ويقال: إن الشعر أتى ابن ميادة عن أعمامه من قبل جدهم زهير. قال إسحاق في خبره هذا: وحدثني حميد بن الحارث أن عقبة بن كعب بن زهير نزل المليحة على بني سلمى بن ظالم فأكلوا له بعيراً، وبلغ ابن ميادة أن عقبة قال في ذلك شعراً، فقال ابن ميادة يرد عليه:

ولقد حلفت برب مكة صادقاً

 

لولا قرابة نسوةٍ بالحاجـر

لكسوت عقبة كسوةً مشهورةً

 

ترد المناهل من كلامٍ عائر

وهي قصيدة؛ فقال له عقبة:

ألوماً أنني أصبحـت خـالاً

 

وذكر الخال ينقص أو يزيد

لقد قلدت من سلمى رجالاً

 

عليهم مسحةٌ وهم العبـيد

فقال ابن ميادة:

أن تك خالنا فقبحت خـالاً

 

فأنت الخال تنقص لا تزيد

فيوماً في مزينة أنت حـر

 

ويوماً أنت محتدك العبـيد

أحق الناس أن يلقى هواناً

 

ويؤكل ماله العبد الطريد

أوصاف ابن ميادة

قال إسحاق فحدثني عجرمة قال: كان ابن ميادة أحمر سبطاً عظيم الخلق طويل اللحية، وكان لباساً عطراً، ما دنوت من رجلٍ كان أطيب عرفاً منه.

مقارنة بينه وبين النابغة

قال إسحاق: وحدثني أبو داود قال: سمعت شيخاً عالماً من غطفان يقول: كان الرماح أشعر غطفان في الجاهلية والإسلام، وكان خيراً لقومه من النابغة، لم يمدح غير قريش وقيس، وكان النابغة إنما يهذي باليمن مضللاً حتى مات.

هو كثير السقط في شعره

قال إسحاق: وحدثني أبو داود أن بني ذبيان تزعم أن الرماح بن ميادة كان آخر الشعراء. قال إسحاق: وحدثني أبو صالح الفزاري أن القاسم بن جندبٍ الفزاري، وكان عالماً، قال لابن ميادة: والله لو أصلحت شعرك لذكرت به، فإني لأراه كثير السقط؛ فقال له ابن ميادة: يابن جندب، إنما الشعر كنبلٍ في جفيرك ترمى به الغرض، فطالعٌ وواقعٌ وعاصدٌ وقاصد.

كان زمن هشام وبقي إلى خلافة المنصور

أخبرنا أحمد بن عبد العزيز الجوهري قال حدثنا عمر بن شبة قال: كان ابن ميادة حديث العهد لم يدرك زمان قتيبة بن مسلم، ولا دخل فيمن عناه حين قال: “أشعر قيسٍ الملقبون من بني عامر والمنسوبون إلى أمهاتهم من غطفان”، ولكنه شاعر مجيدٌ كان في أيام هشام بن عبد الملك وبقي إلى زمن المنصور.

مدح بني أمية وبني هاشم

أخبرنا يحيى بن علي قال: كان ابن ميادة فصيحاً يحتج بشعره، وقد مدح بني أمية وبني هاشم: مدح من بني أمية الوليد بن يزيد وعبد الواحد بن سليمان، ومدح من بني هاشم المنصور وجعفر بن سليمان.

علم أنه شاعر حين وافق الحطيئة في بيت قاله

وأخبرني هاشم بن محمد الخزاعي قال حدثنا الرياشي عن الأصمعي قال أخبرني طماح ابن أخي الرماح ابن ميادة قال: قال لي عمي الرماح: ما علمت أني شاعرٌ حتى واطأت الحطيئة، فإنه قال:

عفا مسحلان من سليمى فحامره

 

تمشى به ظلمـانـه وجـآذره

فوالله ما سمعته ولا رويته فواطأته بطبعي فقلت:

فذو العش والممدور أصبح قاوياً

 

تمشى به ظلمـانـه وجـآذره

فلما أنشدتها قيل لي: قد قال الحطيئة:

تمشى به ظلمانه وجآذره

فعلمت أني شاعرٌ حينئذ.

كان ينسب بأم جحدر وشعره فيها

أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني موسى بن زهير بن مضرس قال: كان الرماح بن أبرد المعروف بابن ميادة ينسب بأم جحدر بنت حسان المرية إحدى نساء بني جذيمة، فحلف أبوها ليخرجنها إلى رجل من غير عشيرته ولا يزوجها بنجد؛ فقدم عليه رجلٌ من الشأم فزوجه إياها؛ فلقي عليها ابن ميادة شدة، فرأيته وما لقي عليها، فأتاها نساؤها ينظرن إليها عند خروج الشأمي بها. قال: فوالله ما ذكرن منها جمالاً بارعاً ولا حسناً مشهوراً، ولكنها كانت أكسب الناس لعجب. فلما خرج بها زوجها إلى بلاده اندفع ابن ميادة يقول:

ألا ليت شعري هل إلى أم جحدرٍ

 

سبيلٌ فأما الصبر عنها فلا صبرا

إذا نزلت بصرى تراخى مزارها

 

وأغلق بوابان من دونها قصـرا

فهل تأتيني الريح تدرج موهـنـاً

 

برياك تعروري بها جرعاً عفرا

قال الزبير: وزادني عمي مصعب فيها:

فلو كان نذرٌ مدنـياً أم جـحـدرٍ

 

إلي لقد أوجبت في عنقي نـذرا

ألا لا تلطي الستر يا أم جحـدرٍ

 

كفى بذرا الأعلام من دوننا سترا

لعمري لئن أمسيت يا أم جحـدرٍ

 

نأيت لقد أبليت في طلبٍ عـذرا

فبهراً لقومي إذ يبيعون مهجتـي

 

بغانيةٍ بهراً لهم بعدهـا بـهـرا

قال الزبير: بهراً ها هنا: يدعو عليهم أن ينزل بهم من الأمور ما يبهرهم، كما تقول: جدعاً وعقراً. وفي أول هذه القصيدة – على ما رواه يحيى بن علي عن حماد بن إسحاق عن أبيه عن حميد بن الحارث – يقول:

ألا لا تعدلي لوعةٌ مثل لوعـتـي

 

عليك بأدمى والهوى يرجع الذكرا

عشية ألوي بالرداء على الحـشـا

 

كأن ردائي مشعلٌ دونه جـمـرا

زاوج أم جحدر وما قاله في ذلك قال حميد بن الحارث: وأم جحدر امرأة من بني رحل بن ظالم بن جذيمة بن يربوع بن غيظ بن مرة.
أخبرني يحيى بن علي قال حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه وأخبرني الحرمي بن أبي العلاء عن الزبير عن موهوب بن رشيد عن جبر بن رباط النعامي: أن أم جحدر كانت امرأة من بني مرة ثم من بني رحل، وأن أباها بلغه مصير ابن ميادة إليها، فحلف ليزوجنها رجلاً من غير ذلك البلد، فزوجها رجلاً من أهل الشأم فاهتداها وخرج بها إلى الشأم، فتبعها ابن ميادة، حتى أدركه أهل بيته فردوه مصمتاً لا يتكلم من الوجد بها؛ فقال قصيدة أولها:

خليلي من أبنـاء عـذرة بـلـغـا

 

رسائل منا لا تـزيدكـمـا وقـرا

ألما على تيماء نـسـأل يهـودهـا

 

فإن لدى تيماء من ركبهـا خـبـرا

وبالغمر قد جازت وجاز مطـيهـا

 

عليه فسل عن ذاك نيان فالغـمـرا

ويا ليت شعري هل يحلن أهـلـهـا

 

وأهلك روضاتٍ ببطن اللوى خضرا

قصة عشقه لها  أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثني أبو سعيد “يعني عبد الله بن شبيب” قال حدثني أبو العالية الحسن بن مالك وأخبرني به الأخفش عن ثعلب عن عبد الله بن شبيب عن أبي العالية الحسن بن مالك الرياحي العذري قال حدثني عمر بن وهب العبسي قال حدثني زياد بن عثمان الغطفاني من بني عبد الله بن غطفان قال: كنا بباب بعض ولاة المدينة فغرضنا من طول الثواء، فإذا أعرابي يقول: يا معشر العرب، أما منكم رجلٌ يأتيني أعلله إذ غرضنا من هذا المكان فأخبره عن أم جحدر وعني؟ فجئت إليه فقلت: من أنت؟ فقال: أنا الرماح بن أبرد، قلت: فأخبرني ببدء أمركما؛ قال: كانت أم جحدر من عشيرتي فأعجبتني، وكانت بيني وبينها خلة، ثم إني عتبت عليها في شيء بلغني عنها، فأتيتها فقلت: يا أم جحدر إن الوصل عليك مردود؛ فقالت: ما قضى الله فهو خير. فلبثت على تلك الحال سنة، وذهبت بهم نجعةٌ فتباعدوا، واشتقت إليها شوقاً شديداً، فقلت لامرأة أخٍ لي: والله لئن دنت دارنا من أم جحدر لآتينها ولأطلبن إليها أن ترد الوصل بيني وبينها، ولئن ردته لا نقضته أبداً، ولم يكن يومان حتى رجعوا، فلما أصبحت غدوت عليهم فإذا أنا ببيتين نازلين إلى سندٍ أبرق طويل، وإذا امرأتان جالستان في كساءٍ واحدٍ بين البيتين، فجئت فسلمت، فردت إحداهما ولم ترد الأخرى، فقالت: ما جاء بك يا رماح إلينا؟ ما كنا حسبنا إلا أنه قد انقطع ما بيننا وبينك؛ فقلت: إني جعلت علي نذراً لئن دنت بأم جحدر دارٌ لآتينها ولأطلبن منها أن ترد الوصل بيني وبينها، ولئن هي فعلت لا نقضته أبداً وإذا التي تكلمني امرأة أخيها وإذا الساكتة أم جحدر؛ فقالت امرأة أخيها: فادخل مقدم البيت فدخلت، وجاءت فدخلت من مؤخره فدنت قليلاً، ثم إذا هي قد برزت، فساعة برزت جاء غرابٌ فنعب على رأس الأبرق فنظرت إليه وشهقت وتغير وجهها؛ فقلت: ما شأنك؟ قالت: لا شيء، قلت: بالله إلا أخبرتني؛ قالت: أرى هذا الغراب يخبرني أنا لا نجتمع بعد هذا اليوم إلا ببلد غير هذا البلد، فتقبضت نفسي، ثم قلت: جاريةٌ والله ما هي في بيت عيافة ولا قيافة، فأقمت عندها، ثم تروحت إلى أهلي فمكنت عندهم يومين، ثم أصبحت غادياً إليها، فقالت لي امرأة أخيها: ويحك يا رماح! أين تذهب؟ فقلت: إليكم؛ فقالت: وما تريد؟ قد والله زوجت أم جحدر البارحة، فقلت: بمن ويحك؟ قالت: برجل من أهل الشأم من أهل بيتها، جاءهم من الشأم فخطبها فزوجها وقد حملت إليه، فمضيت إليهم فإذا هو قد ضرب سرادقاتٍ، فجلست إليه فأنشدته وحدثته وعدت إليه أياماً، ثم إنه احتملها فذهب بها فقلت:

أجارتنا إن الخطـوب تـنـوب

 

علينا وبعض الآمنين تـصـيب

أجارتنا لست الـغـداة بـبـارحٍ

 

ولكن مقيمٌ ما أقـام عـسـيب

فإن تسأليني هل صبرت فإننـي

 

صبورٌ على ريب الزمان صليب

قال علي بن الحسين: هذه الأبيات الثلاثة أغار عليها ابن ميادة فأخذها بأعيانها، أما البيتان الأولان فهما لامرىء القيس قالهما لما احتضر بأنقرة في بيتٍ واحدٍ وهو:

أجارتنا إن الخطوب تنوب

 

وإني مقيمٌ ما أقام عسيب

والبيت الثالث لشاعر من شعراء الجاهلية، وتمثل به أمير المؤمنين علي بن أبي طالب في رسالة كتب بها إلى أخيه عقيل بن أبي طالب، فنقله ابن ميادة نقلاً. ونرجع إلى باقي شعر ابن ميادة:

جرى بانبتات الحبل من أم جحدرٍ

 

ظباءٌ وطيرٌ بالفراق نـعـوب

نظرت فلم أعتف وعافت فبينت

 

لها الطير قبلي واللبيب لبـيب

فقالت حرامٌ أن نرى بعد هـذه

 

جميعـين إلا أن يلـم غـريب

أجارتنا صبراً فيا رب هـالـكٍ

 

تقطع من وجدٍ عليه قـلـوب

رحل إلى الشأم لرؤيتها فردتهقال: ثم انحدرت في طلبها، وطمعت في كلمتها: “إلا أن نجتمع في بلد غير هذا البلد”. قال: فجئت فدرت الشأم زماناً فتلقاني زوجها فقال: مالك لا تغسل ثيابك هذه! أرسل بها إلى الدار تغسل، فأرسلت بها؛ ثم إني وقفت أنتظر خروج الجارية بالثياب، فقالت أم جحدر لجاريتها: إذا جاء فاعلميني؛ فلما جئت إذا أم جحدرٍ وراء الباب فقالت: ويحك يا رماح! قد كنت أحسب أن لك عقلاً! أما ترى أمراً قد حيل دونه وطابت أنفسنا عنه؟ انصرف إلى عشيرتك فإني أستحي لك من هذا المقام؛ فانصرفت وأنا أقول:

صوت

عسى إن حججنا أن نرى أم جحدرٍ

 

ويجمعنا من نخلـتـين طـريق

وتصطك أعضاد المطي وبينـنـا

 

حديثٌ مسـر دون كـل رفـيق

في هذين البيتين لحنٌ من الثقيل الثاني ذكر الهشامي أنه للحجبي شعره فيها وقال حين خرج إلى الشأم – هذه رواية ابن شبيب -:

ألا حييا رسماً بذي العش مقـفـراً

 

وربعاً بذي الممدور مستعجماً قفرا

فأعجب دارٍ دارهـا غـير أنـنـي

 

إذا ما أتيت الدار ترجعني صفـرا

عشية أثني بالرداء على الحـشـى

 

كأن الحشى من دون أشعرت جمرا

يميل بنا شحط النوى ثم نلـتـقـي

 

عداد الثريا صادفـت لـيلةً بـدرا

وبالغمر قد جازت وجاز مطـيهـا

 

فأسقى الغوادي بطن نيان فالغمـرا

خليلي من غيظ بن مـرة بـلـغـا

 

رسائل مني لا تزيدكـمـا وقـرا

ألا ليت شعري هل إلى أم جحـدر

 

سبيل، فأما الصبر عنها فلا صبرا

فإن يك نذرٌ راجـعـاً أم جـحـدرٍ

 

علي لقد أوذمت في عنقـي نـذرا

وإني لاستنشي الحديث من أجلـهـا

 

لأسمع منها وهي نـازحةٌ ذكـرا

وإني لأستحيى مـن الـلـه أن أرى

 

إذا غدر الخلان أنوي لهـا غـدرا

أخبرني محمد بن مزيد قال حدثنا حماد عن أبيه قال أنشدني أبو داود لابن ميادة وهو يضحك منذ أنشدني إلى أن سكت:

ألم تـر أن الـصـاردية جـاورت

 

ليالي بالمـمـدور غـير كـثـير

ثلاثاً فلـمـا أن أصـابـت فـؤاده

 

بسهمين من كحلٍ دعت بهـجـير

بأصهب يرمي للـزمـام بـرأسـه

 

كأن على ذفراه نـضـخ عـبـير

جلت إذ جلت عن أهل نجدٍ حمـيدةً

 

جلاء غـنـىً لا جـلاء فـقـير

وقالت وما زادت على أن تبسمـت

 

عذيرك مـن ذي شـيبةٍ وعـذيري

عدمت الهوى ما يبرح الدهر مقصداً

 

لقلبي بسهمٍ فـي الـيدين طـرير

وقد كان قلبي مات للـوجـد مـوتةً

 

فقد هم قلبي بعـدهـا بـنـشـور

قال: فقلت: وما أضحكك؟ فقال: كذب ابن ميادة، والله ما جلت إلا على حمار وهو يذكر بعيراً ويصفه وأنها جلت جلاء غنى لا جلاء فقيرٍ، فأنطقه الشيطان بهذا كله كما سمعت.

أخبرني الحرمي قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني موسى بن زهير قال: مكثت أم جحدر عند زوجها زماناً ثم مات زوجها عنها ومات ولدها منه، “فقدمت نجداً على إخوتها وقد مات أبوها “.

آخر عهده بهاأخبرني سيار بن نجيح المزني قال: لقيت ابن ميادة وهو يبكي فقلت له: ويحك! مالك؟ قال: أخرجتني أم جحدر وآلت يميناً ألا تكلمني، فانطلق فاشفع لي عندها؛ فخرجت حتى غشيت رواق بيتها فوجدتها وهي تدمك جريراً لها بين الصلاية والمدق تريد أن تخطم به بعيراً تحج عليه؛ فقالت: إن كنت جئت شفيعاً لابن ميادة فبيتي حرامٌ عليك أن تلقي فيه قدمك. قال: فحجت، ولا والله ما كلمته ولا رآها ولا رأته. قال موسى قال سيار: فقلت له: اذكر لي يوماً ما رأيته منها؛ فقال لي: أما والله لأخبرنك يا سيار بذلك: بعثت إليها عجوزاً منهم فقلت: هل ترين من رجالٍ؟ فقالت: لا والله، ما رأيت من رجل؛ فألقيت رحلي على ناقتي ثم أرسلتها حتى أنختها بين أطناب بيتهم؛ ثم جعلت أقيد الناقة، فما كان إلا ذاك حتى دخلت وقد ألقت لي فراشاً مرقوماً مطموماً، وطرحت لي وسادتين على عجز الفراش وأخريين على مقدمه؛ قال: ثم تحدثنا ساعةً وكأنما تلعقني بحديثها الرب من حلاوته، ثم إذا هي تصب في عس مخصوبٍ بالحناء والزعفران من ألبان اللقاح، فأخذت منها ذلك العس وكأنه قناةٌ فراوحته بين يدي، ما ألقمته فمي ولا دريت أنه معي حتى قالت لي عجوز: ألا تصلي يابن ميادة لا صلى الله عليك فقد أظلك صدر النهار! ولا أحسب إلا أنني في أول البكرة؛ قال: فكان ذلك اليوم آخر يومٍ كلمتها فيه حتى زوجها أبوها، وهو أظرف ما كان بيني وبينها.

أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني حكم بن طلحة الفزاري ثم المنظوري قال: قال ابن ميادة: إني لأعلم أقصر يومٍ مر بي من الدهر، قيل له: وأي يوم هو يا أبا الشرحبيل؟ قال: يومٌ جئت فيه أم جحدر باكراً فجلست بفناء بيتها فدعت لي بعس من لبن فأتيت به وهي تحدثني، فوضعته على يدي وكرهت أن أقطع حديثها إن شربت، فما زال القدح على راحتي وأنا أنظر إليها حتى فاتتني صلاة الظهر وما شربت.

قال الزبير: وحدثني أبو مسلمة موهوب بن رشيد بمثل هذا، وزاد في خبره: وقال ابن ميادة فيها أيضاً:

ألم تـر أن الـصـاردية جـاورت

 

ليالي بالمـمـدور غـير كـثـير

ثلاثاً فلـمـا أن أصـابـت فـؤاده

 

بسهمين من كحل دعت بهـجـير

بأحمر ذيال الـعـسـيب مـفـرج

 

كأن على ذفراه نـضـخ عـبـير

حلفت برب الراقصات إلى مـنـىً

 

زفيف القطا يقطعن بطن هـبـير

لقد كان حب الصاردية بـعـدمـا

 

علا في سواد الرأس نبـذ قـتـير

يكون سفاهـاً أو يكـون ضـمـانة

 

على ما مضى من نعمةٍ وعصور

عدمت الهوى لا يبرح الدهر مقصداً

 

لقلبي بسهمٍ في الـفـؤاد طـرير

وقد كان قلبي مات للحـب مـوتةً

 

فقد هم قلبي بعـدهـا بـنـشـور

جلت إذ جلت عن أهل نجد حمـيدةً

 

جلاء غـنـىً لا جـلاء فـقـير

ومما يغنى فيه من أشعار ابن ميادة في النسيب بأم جحدر “قوله “:

صوت

ألا يا لقومي للهوى والتذكـر

 

وعينٍ قذى إنسانها أم جحدر

فلم تر عيني مثل قلبي لم يطر

 

ولا كضلوعٍ فوقه لم تكسـر

الغناء لإسحاق ثقيلٌ أول بالوسطى.

سيار يروي خبر جاريته

أخبرنا الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثنا حكيم بن طلحة الفزاري عن رجل من كلبٍ قال: جنيت جنايةً فغرمت فيها، فنهضت إلى أخوالي بني مرة فاستعنتهم فأعانوني، فأتيت سيار بن نجيح أحد بني سلمى بن ظالم فأعانني، ثم قال: انهض بنا إلى الرماح بن أبرد – يعني ابن ميادة – حتى يعينك، فدفعنا إلى بيتين له، فسألنا عنه فقيل: ذهب أمس؛ فقال سيار: ذهب إلى أمةٍ لبني سهيل، فخرجنا في طلبه فوقعنا عليه في قرارةٍ بيضاء بين حرتين، وفي القرارة غنمٌ من الضأن سودٌ وبيضٌ، وإذا حمارٌ مقيد مع الغنم وإذا به معها، فجلسنا فإذا شابة حلوة صفراء في دراعةٍ مورسةٍ، فسلمنا وجلسنا؛ فقال: أنشديهم مما قلت فيك شيئاً؛ فأنشدتنا:

يمنونني منك الـلـقـاء وإنـنـي

 

لأعلم لا ألقاك مـن دون قـابـل

إلى ذاك ما حارت أمورك وانجلت

 

غياية حبيك انجلاء الـمـخـايل

إذا حل أهلي بالجناب وأهـلـهـا

 

بحيث التقى الغلان من ذي أرائل

أقل خلةٌ بانت وأدبـر وصـلـهـا

 

تقطع منها بـاقـيات الـحـبـائل

وحالت شهور الصيف بين وبينـهـا

 

ورفع الأعادي كل حق وبـاطـل

أقول لعـذالـي لـمـا تـقـابـلا

 

علي بلومٍ مثل طعن الـمـعـابـل

لا تكثرا عنها الـسـؤال فـإنـهـا

 

مصلصلةٌ من بعض تلك الصلاصل

من الصفر لا ورهاء سمجٌ دلالهـا

 

وليست من السود القصار الحـوائل

ولكنها ريحانةٌ طـاب نـشـرهـا

 

وردت عليها بالضحى والأصـائل

ثم قال لها: قومي فاطرحي “عنك” دراعتك، فقالت: لا حتى يقول ليس سيار بن نجيح ذلك، فأبى سيار؛ فقال له ابن ميادة: لئن لم تفعل لافضيت حاجتكما، فقال لها فقامت فطرحتها، فما رأيت أحلى منها. فقال له “سيار”: فما لك يا أبا الشرحبيل لا تشتريها؟ فقال: إذاً يفسد حبها.

ابن ميادة وصخر بن الجعد الخضري

أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير قال حدثتني مغيرة بنت أبي عدي بن عبد الجبار بن منظور بن زبان ابن سيار الفزارية قالت أخبرني أبي قال: جمعني وابن ميادة وصخر بن الجعد الخضري، مجلسٌ، فأنشدنا ابن ميادة قوله:

يمنونني منك اللقاء وإنـنـي

 

لأعلم لا ألقاك من دون قابل

فأقبل عليه صخر فقال له: المحب المكب يرجو الفائت ويغم الطير، وأراك حسن العزاء يا أبا الشرحبيل؛ فأعرض عنه ابن ميادة. قال أبو عدي فقلت:

صادف درء السيل سيلاً يردعه

 

بهضـبةٍ تـرده وتـدفـعـه

– ويروي: درء السيل سيلٌ – فقال لي: يا أبا عدي، والله لا أتلطخ بالخضر مرتين وقد قال أخو عذرة:

هو العبد أقصى همه أن تـسـبـه

 

وكان سباب الحر أقصى مدى العبد

قال الزبير: قوله يغم الطير يقول: إذا رأى طيراً لم يزجرها مخافة أن يقع ما يكره.

قال: فلم يحر إليه صخر بن الجعد جواباً. يعني بقوله: “لا أتلطخ بالخضر مرتين” مهاجاته الحكم الخضري، وكانا تهاجيا زماناً ثم كف ابن ميادة وسأله الصلح فصالحه الحكم.

ابن ميادة والحكم الخضري أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني أبو مسلمة موهوب بن رشيد عن عبد الرحمن بن الأحول التغلبي ثم الخولاني قال: كان أول ما بدأ الهجاء بين ابن ميادة وحكم بن معمر الخضري أن ابن ميادة مر بالحكم بن معمر وهو ينشد في مصلى النبي صلى الله عليه وسلم في جماعة من الناس قوله:

لمن الديار كأنها لم تعـمـر

 

بين الكناس وبين برق محجر

حتى انتهى إلى قوله:

يا صاحبي ألم تشـيمـا بـارقـاً

 

نضح الصراد به فهضب المنحر

قد بت أرقبه وبات مـصـعـداً

 

نهض المقيد في الدهاس الموقر

فقال “له” ابن ميادة: ارفع إلي راسك أيها المنشد، فرفع حكم إليه رأسه؛ فقال له: من أنت؟ قال: أنا حكم بن معمر الخضري؛ قال: فوالله ما أنت في بيت حسبٍ، ولا في أرومة شعر؛ فقال له حكم: وماذا عبت من شعري؟ قال: عبت أنك أدهست وأوقرت؛ قال له حكم: ومن أنت؟ قال أنا ابن ميادة، قال: ويحك! فلم رغبت عن أبيك وانتسبت إلى أمك؟ قبح الله والدين خيرهما ميادة، أما والله لو وجدت في أبيك خيراً ما انتسبت إلى أمك راعية الضأن. وأما إدهاسي وإبقاري فإني لم آت خيبر إلا ممتاراً لا متحاملاً، وما عدوت أن حكيت حالك وحال قومك، فلو “كنت” سكت عن هذا لكان خيراً لك وأبقى عليك. فلم يفترقا إلا عن هجاء.

أخبرني الحرمي قال حدثنا الزبير قال حدثنا عبد الله بن إبراهيم الجمحي قال حدثني عمير بن ضمرة الخضري قال: أول ما هاج الهجاء بين ابن ميادة وبين حكم بن معمر بن قنبر بن جحاش بن سلمة بن ثعلبة بن مالك بن طريف بن محارب – قال: والخضر ولد مالك بن طريف، سموا بذلك لأن مالكاً كان شديد الأدمة، وكذلك خرج ولده فسموا الخضر – أن حكماً نزل بسمير بن سلمة بن عوسجة بن أنس بن يزيد بن معاوية بن ساعدة بن عمرو وهو خصيلة بن مرة. فأقبل ابن ميادة إلى حكم ليعرض عليه شعره وليسمع من شعره، وكان حكم أسنهما، فأنشدا جميعاً جماعة القوم، ثم قال ابن ميادة: والله لقد أعجبني بيتان قلتهما يا حكم؛ قال: أو ما أعجبك من شعري إلا بيتان! فقال: والله لقد أعجباني، يردد ذلك مراراً لا يزيده عليه؛ فقال له حكم: فأي بيتين هما؟ قال: حين تساهم بين ثوبيها وتقول:

فوالـلـه مـا أدري أزيدت مـلاحةً

 

وحسناً على النسوان أم ليس لي عقل

تساهم ثوباها فـفـي الـدرع غـادةٌ

 

وفي المرط لفاوان ردفهما عـبـل

فقال له حكم: أو ما أعجبك غير هذين البيتين؟ فقال له ابن ميادة: قد أعجباني، فقال: أو ما في شعري ما أعجبك غيرهما؟ فقال: لقد أعجباني؛ فقال له حكم: فإني سوف أعيب عليك قولك:

ولا برح الممدور ريان مخصباً

 

وجيد أعالي شعبه وأسافـلـه

فاستسقيت لأعلاه وأسفله وتركت وسطه وهو خير موضع فيه؛ فقال: وأي شيء تريد! تركته لا يزال ريان مخصباً. وتهاترا فغضب حكم فارتحل ناقته وهدر ثم قال:

فإنه يوم قريضٍ ورجز

فقال رجل من بني مرة لابن ميادة: اهدركما هدر يا رماح، فقال: إنما يغط البكر. ثم قال الرماح:

فإنه يوم قـريضٍ ورجـز

 

من كان منكم ناكزاً فقد نكز

وبين الطرف النجيب فبرز

 

 

قال الزبير: يريد بقوله ناكزاً: غائضاً قد نزف. قال الزبير: وسمعت رجلاً من أهل البادية ينزع على إبلٍ له كثيرة من قليب ويرتجز:

قد نكزت أن لم تكن خسيفاً

 

أو يكن البحر لها حليفـا

أم جحدر وهجاء الحكم وعملس لها

قال الزبير قال الجمحي قال عمير بن ضمرة: فهذا أول ما هاج التهاجي بينهما. قال الزبي قال الجمحي: وحدثني عبد الرحمن بن ضبعان المحاربي قال: كان ابن ميادة وحكم الخضري وعملس بن عقيل بن علفة متجاورين متحالين، وكانوا جميعاً يتحدثون إلى أم جحدر بنت حسان المرية، وكانت أمها مولاة، ففضلت ابن ميادة على الحكم وعملس فغضبا. وكان ابن ميادة قال في أم جحدر:

ألا ليت شعري هل إلى أم جـحـدر

 

سبيلٌ فأما الصبر عنها فلا صبـرا

ويا ليت شعري هل يحلن أهـلـهـا

 

وأهلك روضاتٍ ببطن اللوى خضرا

وقال فيها “أيضاً “:

إذا ركدت شمس النهار ووضعت

 

طنافسها ولينها الأعين الخـزرا

الأبيات؛ فقال عملس بن عقيل وحكم الخضري يهجوانها – وهي تنسب إلى حكم -:

لا عوفيت في قبرها أم جـحـدرٍ

 

ولا لقيت إلا الكلاليب والجمـرا

كما حادثت عبداً لئيماً وخـلـتـه

 

من الزاد إلا حشو ريطاته صفرا

فيا ليت شعري هل رأت أم جحدرٍ

 

أكشك أو ذاقت مغابنك القـشـرا

وهل أبصرت أرساغ أبرد أو رأت

 

قفا أم رماح إذا ما استقت دفـرا

وبالغمر قد صرت لقاحاً وحادثـت

 

عبيداً فسل عن ذاك نيان فالغمرا

وقال عملس بن عقيل بن علفة ويقال: بل قالها علفة بن عقيل:

فلا تضعا عنها الطنافـس إنـمـا

 

يقصر بالمرماة من لم يكن صقرا

وزاد يحيى بن علي مع هذا البيت عن حماد عن أبيه عن جرير بن رباط وأبي داود قال: يعرض بقوله: (من لم يكن صقرا) بابن ميادة أي إنه هجين ليس من أبوين متشابهين كما الصقر. وبعده بيت آخر من رواية يحيى ولم يروه الزبير معه:

منعمةٌ لم تلق بؤسـاً وشـفـوةً

 

بنجدٍ ولم يكشف هجينٌ لها سترا

قالوا جميعاً: فقال ابن ميادة يهجو علفة:

أعلف إن الصقر لـيس بـمـدلـجٍ

 

ولكنه بالـلـيل مـتـخـذٌ وكـرا

ومفترشٌ بين الجناحين سـلـحـه

 

إذا الليل ألقى فوق خرطومه كسرا

فإن يك صقراً بـعـد لـيلة أمـه

 

وليلة جحافٍ فأف لـه صـقـرا

تشد بكفـيهـا عـلـى جـذل أيره

 

إذا هي خافت من مطيها نـفـرا

يريد أن أم علفة من بني أنمار، وكان أبوه عقيل بن علفة ضربها، فأرسلت إلى رجل من بني أنمار يقال له جحاف، فأتاها ليلاً فاحتملها على جمل فذهب بها. وقال يحيى بن علي خاصة في خبره عن حماد عن أبيه عن أبي داود: إن جحاف بن إياد كان رجلاً من بني قتال بن يربوع بن غيظ بن مرة، وكان يتحدث إلى امرأة عقيل بن علفة – وهي أم ابنه علفة بن عقيل – ويتهم بها، وهي امرأة من بني أنمار بن بغيض بن ريث بن غطفان يقال لها سلافة، وكانت من أحسن الناس وجهاً، وكان عقيل من أغير الناس، فربطها بين أربعة أوتاد ودهنها بإهالة، وجعلها في قرية نمل، فمر بها جحاف بن إياد “ليلاً” فسمع أنينها، فأتاها فاحتملها حتى طرحها بفدك، فاستعدت واليها على عقيل. وقال عقيل من جوف الليل فأوقد عشوة ونظرها فلم يجدها ووجد أثر جحاف فعرفه وتبعه حتى صبح القرية، وخنس جحاف عنها؛ فأتى الوالي فقال: إن هذه رأتني وقد كبرت “سني” وذهب بصري فاجترأت علي، وكان عقيل رجلاً مهيباً فلم يعاقبه الوالي بما صنعه لموضعه من صهر بني مروان. قال: فعير ابن ميادة علفة بن عقيل بأمر جحاف هذا في قوله:

فإن يك صقراً بعد ليلة أمـه

 

وليلة جحاف فأف له صقرا

قال: ولج الهجاء بينهما. وقال فيه ابن ميادة وفي حكم الخضري وقد عاون علفة:

لقد ركب الخضري مني وتربـه

 

على مركب من نابيات المراكب

وقال لعلفة:

يابن عقيل لا تكن كـذوبـا

 

أأن شربت الحزر والحليبا

من شول زيد وشممت الطيبا

 

جهلاً تجنيت لي الذنـوبـا

قال: ثم لم يلبثه ابن ميادة أن غلبه، وهاج التهاجي بينه وبين حكم الخضري، وانقطع عنه علفة مفضوحاً. قال: وماتت أم جحدر التي كان ينسب بها ابن ميادة على تفيئة ما كان بينه وبين علفة من المهاجاة، ونعيت له فلم يصدق حتى أتاه رجل من بني رحل يقال له عمار فنعاها له؛ فقال:

ما كنت أحسب أن القوم قد صدقوا

 

حتى نعاها لي الرحلي عـمـار

وقال يرثيها:

خلت شعب الممدور لست بواجـدٍ

 

به غير بالٍ من عضاهٍ وحرمـل

تمنيت أن تلقي بـه أم جـحـدرٍ

 

وماذا تمني من صدىً تحت جندل

فللموت خيرٌ مـن حـياةٍ ذمـيمةٍ

 

وللبخل خيرٌ من عناء مـطـول

أخبرني الحرمي قال حدثنا الزبير قال حدثني عبد الله بن إبراهيم عن ساعدة ابن مرمىء، وذكره إسحاق أيضاً عن أصحابه: أن ابن ميادة وحكماً الخضري تواعدا المدينة ليتواقفا بها، وجاء نفرٌ من قريش – أمهاتهم من مرة – إلى ابن ميادة فمنعوه من مواقفة حكم، وقالوا: أتتعرض له ولست بكفئه فيشتم أمهاتنا وأخوالنا وخالاتنا وهو رجلٌ خبيث اللسان! – قال: وكان حكم يسجع سجعاً كثيراً – فقال: والله لئن واقفته لأسجعن به قبل المقارضة سجعاً أفضحه به فلم يلقه. وذكر الزبير له سجعاً طويلاً غثاً لا فائدة فيه، لأنه ليس برجز منظوم ولا كلام فصيح ولا مسجع سجعاً مؤتلفاً كائتلاف القوافي، إلا أن من أسلمه قوله: والله لئن ساجعتني سجاعاً، لتجدني شجاعاً، للجار مناعاً، ولأجدنك هياعاً، للحسب مضياعاً، ولئن باطشتك بطاشاً، لأدهشنك إدهاشاً، ولأدقن منك مشاشاً، حتى يجيء بولك رشاشاً. وهذا من غث السجع ورذله، وإنما ذكرته ليستدل به على ما هو دونه مما ألغيت ذكره. قال: ورجز به فقال:

يا معدن اللؤم وأنت جبلـه

 

وآخر اللؤم وأنـت أولـه

جاريت سباقاً بعيداً مهـلـه

 

كان إذا جارى أباك يفشله

فكيف ترجوه وكيف تأملـه

 

وأنت شر رجلٍ وأنـذلـه

ألأمه في مأزقٍ وأجهـلـه

 

أدخله بيت المخازي مدخله

فاللؤم سربالٌ له يسربـلـه

 

ثوباً إذا أنهـجـه يبـدلـه

فأجابه حكم:

يابن التي جيرانها كانت تضـر

 

وتتبع الشول وكانت تمتصـر

كيف إذا مارست حرا تنتصر

 

 

ولهما أراجيز كثيرةٌ طويلةٌ جداً أسقطتها لكثرتها وقلة فائدتها.

الحكم ولقاء ابن ميادة وتهاجيهما

أخبرني الحرمي قال حدثنا الزبير عن عبد الله بن إبراهيم قال: أخبرني بعض من لقيت من الخضر: أن حكماً الخضري خرج يريد لقاء ابن ميادة بالرقم من غير موعد فلم يلفه، إما لأنه تغيب عنه وإما لأنه لم يصادفه، فقال حكم:

فر ابن ميادة الرقطاء من حكم

 

بالصغر مثل الأعقد الـدهـم

أصبحت في أقرٍ تعلو أطاوله

 

تفر مني وقد أصبحت بالرقم

وقال إسحاق في روايته عن أصحابه: قال ابن ميادة يهجو حكماً وينسب بأم جحدرٍ:

يمنونني منك اللقاء وإنـنـي

 

لأعلم لا ألقاك من دون قابل

وقد مضى أكثر هذه الأبيات متقدماً، فذكرت ها هنا منها ما لم يمض وهو قوله:

فيا ليت رث الوصل من أم جحدر

 

لنا بجديدٍ مـن أولاك الـبـدائل

ولم يبق مما كان بيني وبـينـهـا

 

من الود إلا مخفيات الـرسـائل

وإني إذا استنبهت من حلو رقـدةٍ

 

رميت بحبيها كرمي المناضـل

صوت

فما أنس م الأشياء لا أنس قولها

 

وأدمعها يذرين حشو المكاحل

تمتع بذا اليوم القصير فـإنـه

 

رهينٌ بأيام الدهور الأطـاول

الغناء في هذين البيتين لعلي بن يحيى المنجم، ولحنه من الثقيل الثاني.

وكنت امرأً أرمي الزوائل مـرةً

 

فأصبحت قد ودعت رمي الزوائل

وعطلت قوس اللهو من سرعانها

 

وعادت سهامي بين رث وناصل

السرعان: وترٌ يعمل من عقب المتن، وهو أطول العقب.

إذا حل بيتي بين بدرٍ ومازنٍ

 

ومرة نلت الشمس كاهلي

يعني بدر بن عمرو بمن جؤية بن لوذان بن ثعلبة بن عدي بن فزارة بن ذبيان، ومرة بن عوف بن سعد بن ذبيان، ومرة بن فزارة، ومازن بن فزارة. وهي طويلة.
قال أبو الفرج الأصبهاني: أخذ إسحاق الموصلي معنى بيت ابن ميادة في قوله: “نلت الشمس واشتد كاهلي” فقال:

عطست بأنفٍ شامخ وتناولت

 

يداي الثريا قاعداً غير قائم

ولعمري لئن كان استعار معناه لقد اضطلع به وزاد فأحسن وأجاد.
وفي هذه القصيدة يقول:

فضلنا قريشاً غير رهط محمـدٍ

 

وغير بني مروان أهل الفضائل

ضربه إبراهيم بن هشام لدعواه أنه فضل قريشا

قال يحيى بن علي وأخبرني علي بن سليمان بن أيوب عن مصعب، وأخبرني به الحسن بن علي عن أحمد بن زهير عن مصعب قال: قال إبراهيم بن هشام بن إسماعيل لابن ميادة: أنت فضلت قريشاً! وجرده فضربه أسواطاً.
أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار قال: لما قال ابن ميادة:

فضلنا قريشاً غير رهط محمـد

 

وغير بني مروان أهل الفضائل

قال له الوليد بن يزيد: قدمت آل محمدٍ قبلنا، فقال: ما كنت يا أمير المؤمنين أظنه يمكن غير ذلك. فلما أفضت الخلافة إلى بني هاشم وفد ابن ميادة إلى المنصور ومدحه؛ فقال له أبو جعفر لما دخل إليه: كيف قال لك الوليد؟ فأخبره بما قال، فجعل المنصور يتعجب.

ابن ميادة والحكم بعريجاء

أخبرني الحرمي قال حدثنا الزبير قال حدثني عبد الله بن إبراهيم الجمحي قال: حدثني العباس بن سمرة بن عباد بن شماخ بن سمرة عن ريحان بن سويد الخضري، وكان رواية حكم بن معمر الخضري، قال: تواعد حكمٌ وابن ميادة عريجاء – وهي ماءة – يتواقفان عليها، فخرج كل واحد منهما في نفرٍ من قومه، وأقبل صخر بن الجعد الخضري يؤم حكماً، وهو يومئذٍ عدو لحكم لما فرط بينهما من الهجاء في أركوبٍ من بني مازن بن مالك بن طريف بن خلف بن محارب؛ فلما لقيه قال له: يا حكم، أهؤلاء الذين عرضت للموت! وهم وجوه قومك! فوالله ما دماؤهم على بني مرة إلا كدماء جداية، فعرف حكم أن قول صخر هو الحق فرد قومه، وقال لصخر: قد وعدني ابن ميادة أن يواقفني غداً بعريجاء لأن أناشده، فقال له صخر: أنا كثير الإبل – وكان حكم مقلاً – فإذا وردت إبلي فارتجز، فإن القوم لا يشجعون عليك وأنت وحدك، فإن لقيت الرجل نحر وأطعم فانحر وأطعم وإن أتيت على مالي كله. قال ريحان راويته: فورد يومئذ عريجاء وأنا معه فظل على عريجاء ولم يلق رماحاً ولم يواف لموعده، وظل ينشد يومئذٍ حتى أمسى، ثم صرف وجوه إبل صخرٍ وردها. وبلغ الخبر ابن ميادة وموافاة حكم لموعده، فأصبح على الماء وهو يرتجز ويقول:

أنا ابن ميادة عقار الجـزر

 

كل صفي ذات نابٍ منفظر

توافيهما بحمى ضرية وصلحهماوظل على الماء فنحر وأطعم. فلما بلغ حكماً ما صنع ابن ميادة من نحره وإطعامه شق عليه مشقةً شديدةً. ثم إنهما بعد توافيا بحمى ضرية. قال ريحان بن سويد: وكان ذلك العام عام جدبٍ وسنةٍ إلا بقية كلأٍبضرية. قال: فسبقنا ابن ميادة يومئذ فنزلنا على مولاةٍ لعكاشة بن مصعب بن الزبير ذات مالٍ ومنزلة من السلطان. قال: وكان حكم كريماً على الولاة هناك يتقى لسانه. قال ريحان: فبينا نحن عند المولاة وقد حططنا براذع دوابنا إذا راكبان قد أقبلا، وإذا نحن برماح وأخيه ثوبان – ولم يكن لثوبان ضريبٌ في الشجاعة والجمال – فأقبلا يتسايران، فلما رآهما حكمٌ عرفهما، فقال: يا ريحان، هذان ابنا أبرد، فما رأيك؟ أتكفيني ثوبان أم لا؟ قال: فأقبلا نحونا ورماح يتضاحك حتى قبض على يد حكم وقال: مرحبا برجل سكت عنه ولم يسكت عني، وأصبحت الغداة أطلب سلمه يسوقني الذئب والسنة، وأرجو أن أرعى الحمى بجاهه وبركته، ثم جلس إلى جنب حكم وجاء ثوبان فقعد إلى جنبي، فقال له حكم: أما ورب المرسلين يا رماح لولا أبياتٌ جعلت تعتصم بهن وترجع إليهن – يعني أبيات ابن ظالم – لاستوسقت كما استوسق من كان قبلك. قال ريحان: وأخذا في حديث أسمع بعضه ويخفى علي بعضه، فظللنا عند المرأة وذبح لنا وهما في ذلك يتحادثان، مقبلٌ كل واحد منهما على صاحبه لا ينظران شدنا، حتى كان العشاء فشددنا للرواح نؤم أهلنا، فقال رماح لحكم: يا أبا منيع – وكانت كنية حكم -: قد قضيت حاجتك وحاجة من طلبت له من هذا العامل، وإن لنا إليه حاجةً في أن يرعينا؛ فقال له حكم: قد والله قضيت حاجتي منه وإني لأكره الرجوع إليه، وما من حاجتك بد، ثم رجع معه إلى العامل، فقال له بعد الحديث معه: إن هذا الرجل من قد عرفت ما بيني وبينه، وقد سأل الصلح وأناب إليه، فأحببت أن يكون ذلك على يدك وبمحضرك. قال: فدعا به عامل ضرية وقال: هل لك حاجةٌ غير ذلك؟ قال: لا والله، ونسي حاجة رماح، فأذكرته إياها، فرجع فطلبها واعتذر بالنسيان. فقال العامل لابن ميادة: ما حاجتك؟ فقال: ترعيني عريجاء لا يعرض لي فيها أحدٌ، فأرعاه إياها. فأقبل رماح على حكم فقال: جزاك الله خيراً يا أبا منيع، فوالله لقد كان ورائي من قومي من يتمنى أن يرعى عريجاء بنصف ماله. قال فلما عزما على الانصراف ودع كل واحد منهما صاحبه وانصرفا راضيين وانصرف ابن ميادة إلى قومه فوجد بعضهم قد ركب إلى ابن هشام فاستغضبه على حكم في قوله:

وما ولدت مـريةٌ ذات لـيلةٍ

 

من الدهر إلا زاد لؤماً جنينها

فأطرده وأقسم: لئن ظفر به ليسرجنه وليحملن عليه أحدهم. فقال رماح – وساءه ما صنعوا -: عمدتم إلى رجل قد صلح ما بيني وبينه وأرعيت بوجهه فاستعديتم عليه وجئتم بإطراده! وبلغ الحكم الخبر فطار إلى الشأم فلم يبرحها حتى مات.
قال العباس بن سمرة: مات بالشأم غرقاً، وكان لا يحسن العوم فمات في بعض أنهارها. قال: وهو وجهه الذي مدح فيه أسود بن بلال المحاربي ثم السوائي في قصيدته التي يقول فيها:

واستيقنت أن لا براح من السرى

 

حتى تناخ بأسـود بـن بـلال

قرمٌ إذا نزل الوفـود بـبـابـه

 

سمت العيون إلى أشم طـوال

مناقضات حكم وابن ميادة ولحكم الخضري وابن ميادة مناقضاتٌ كثيرة وأراجيز طوال طويت ذكر أكثرها وألغيته، وذكرت منها لمعاً من جيد ما قالاه لئلا يخلو هذا الكتاب من ذكر بعض ما دار بينهما ولا يستوعب سائره فيطول. فما قاله حكمٌ في ابن ميادة قوله:

خليلي عوجا حييا الدار بالجـفـر

 

وقولا لها سقياً لعصرك من عصر

وماذا تحي من رسومٍ تـلاعـبـت

 

بها حرجفٌ تذري بأذيالها الكـدر

ومن جيد قوله فيها يفتخر:

إذا يبست عيدان قـومٍ وجـدتـنـا

 

وعيداننا تغشى على الورق الخضر

إذا الناس جاءوا بالقروم أتـيتـهـم

 

بقرم يساوي راسه غـرة الـبـدر

لنا الغور والأنجاد والخيل والقـنـا

 

عليكم وأيام المكـارم والـفـخـر

ومن جيد هجائه قوله:

فيا مر قد أخزاك في كل مـوطـنٍ

 

من اللؤم خلاتٌ يزدن على العشـر

فمنهن أن العبد حـامـي ذمـاركـم

 

وبئس المحامي العبد عن حوزة الثغر

ومنهن أن لم تمسحوا وجـه سـابـقٍ

 

جوادٍ ولم تأتوا حصاناً على طـهـر

ومنهن أن المـيت يدفـن مـنـكـم

 

فيفسو على دفانه وهو في القـبـر

ومنهن أن الجار يسكن وسـطـكـم

 

بريئاً فيلقى بـالـخـيانة والـغـدر

ومنهن أن عدتـم بـأرقـط كـودنٍ

 

وبئس المحامي أنت يا ضرطة الجفر

ومنهن أن الشـيخ يوجـد مـنـكـم

 

يدب إلى الجارات محدودب الظهـر

تبيت ضباب الضغن تخشى احتراشها

 

وإن هي أمست دونها ساحل البحـر          

فأجابه ابن ميادة بقصيدةٍ طويلة، منها قوله مجيباً له عن هذه الخصال التي سبهم بها:

لقد سبقت بالمخـزيات مـحـاربٌ

 

وفازت بخلاتٍ على قومها عشـر

فمنهن أن لم تـعـقـروا ذات ذروةٍ

 

لحق إذا ما احتيج يوماً إلى العقـر

ومنهن أن لم تمسـحـوا عـربـيةً

 

من الخيل يوماً تحت جل على مهر

ومنهن أن لم تضربوا بسـيوفـكـم

 

جماجم إلا فيشل القرح الـحـمـر

ومنهن أن كانت شيوخ مـحـارب

 

كما قد علمتم لا تريش ولا تبـري

ومنهن أخزى سوءةٍ لو ذكـرتـهـا

 

لكنتم عبيداً تخدمـون بـنـي وبـر

ومنهن أن الضأن كانت نـسـاءكـم

 

إذا اخضر أطراف الثمام من القطر

ومنهن أن كانت عجوز مـحـاربٍ

 

تريغ الصبا تحت الصفيح من القبر

ومنهن أن لو كان في البحر بعضكم

 

لخبث ضاحي جلده حومة البـحـر

ومما قاله ابن ميادة في حكم قوله من قصيدة أولها:

ألا حييا الأطلال طالت سنينهـا

 

بحيث التقت زبد الجناب وعينها

ويقول فيها:

فلما أتاني ما تـقـول مـحـاربٌ

 

تغنت شياطيني وجن جنـونـهـا

ألم تر أن الله غشـى مـحـاربـاً

 

إذا اجتمع الأقوام لوناً يشـينـهـا

ترى بوجوه الخضر خضر محاربٍ

 

طوابع لؤم ليس ينفت طـينـهـا

لقد ساهمتناكم سـلـيمٌ وعـامـرٌ

 

فضمناهم إنا كـذلـك نـدينـهـا

فصارت لنا أهل الضئين محـاربٌ

 

وصارت لهم جسرٌ وذاك ثمينهـا

إذا أخذت خضريةٌ قائم الـرحـى

 

تحرك قنباها فطار طحـينـهـا

وما حملت خـضـريةٌ ذات لـيلةٍ

 

من الدهر إلا ازداد لؤماً جنينهـا

فقال حكمٌ يجيبه عن هذه بقصيدته:

لأنت ابن أشبانـيةٍ أدلـجـت بـه

 

إلى اللؤم مقلاتٍ لئيمٍ جنـينـهـا

فجاءت بـرواثٍ كـأن جـبـينـه

 

إذا صغا في خرقتيها جبـينـهـا

فما حمـلـت مـرية قـط لـيلةً

 

من الدهر إلا ازداد لؤماً جنينـهـا

وما حملت إلا لألأم مـن مـشـى

 

ولا ذكرت إلا بأمـرٍ يشـينـهـا

تزوج عثوان الضئين وتبـتـغـي

 

بها الدر لا درت بخيرٍ لبـونـهـا

أظنت بنو عثوان أن لست شاتـمـاً

 

بشتمي وبعض القوم حمقى ظنونها

مدانيس أبـرامٌ كـأن لـحـاهـم

 

لحى مستهباتٍ طوالٍ قـرونـهـا

قال الزبير: فحدثني موهوب بن رشيد قال: فسمع هذه القصيدة أحد بني قتال بن مرة فقال: ما له أخزاه الله يهجو صبيتنا! وهم أجفى قوم غضباً لصبيتهم وقد هجاهم بما هجاهم به.
قال: وبلغ إبراهيم بن هشام قوله في نساء بني مرة إذ يقول:

وما حملت إلا لألأم من مشى

فغضب ثم نذر دمه فهرب من الحجاز إلى الشأم فمات بها.
أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير قال حدثني عبد الرحمن بن ضبعان الخضري قال: لقي ابن ميادة صخر بن الجعد الخضري فقال له: يا صخر، أعنت علي ابن عمك الحكم بن معمرٍ! فقال له صخر: لا والله يا أبا الشرحبيل ما أعنته عليك، ولكن خيل إليك ما كان يخيل إلي، ولقد هاجيته فكنت أظن أن شجر الوادي يعينه علي.
ومن جيد قول ابن ميادة في حكم قصيدته التي أولها:

صوت

لقد سبقتك اليوم عيناك سـبـقةً

 

وأبكاك من عهد الشباب ملاعبه

فوالله ما أدري أيغلبني الهـوى

 

إذا جد جد البين أم أنا غالـبـه

فإن أستطع أغلب وإن يغلب الهوى

 

فمثل الذي لاقيت يغلب صاحبـه

– في هذه الأبيات غناءٌ ينسب – يقول فيها في هجاء حكم:

لقد طال حبس الوفد وفد محاربٍ

 

عن المجد لم يأذن لهم بعد حاجبه

وقال لهم كروا فلـسـت بـآذنٍ

 

لكم أبداً أو يحصي الترب حاسبه

وهي قصيدة طويلة:

الوليد بن يزيد يفضله على الشعراء

أخبرني الحرمي قال حدثنا الزبير قال حدثني جلال بن عبد العزيز المري ثم الصادري عن أبيه: – قال جلال: وقد رأيت ابن ميادة في بيت أبي، قال: قال لي ابن ميادة: وصلت أنا والشعراء إلى الوليد بن يزيد وهو خليفة. وكان مولى من موالي خرشة يقال له شقران يعيب ابن ميادة ويحسده على مكانه من الوليد، فلما اجتمعت الشعراء قال الوليد بن يزيد لشقران: يا شقران، ما علمك في ابن ميادة؟ قال علمي فيه يا أمير المؤمنين أنه:

لئيمٌ يباري فيه أبرد نهبـلاً

 

لئيمٌ أتاه اللؤم من كل جانب

فقال الوليد: يابن ميادة، ما علمك في شقران؟ قال: علمي يا أمير المؤمنين أنه عبدٌ لعجوز من خرشة كاتبته على أربعين درهماً ووعدها – أو قال: وعدته – أن تجيزه بعشرين درهماً فقبضته إياها، فأغنه عني يا أمير المؤمنين، فليس له أصلٌ فاحتفره ولا فرعٌ فأهتصره، فقال له الوليد: اجتنبه يا شقران فقد أبلغ إليك في الشتيمة، فقصر شقران صاغراً، ثم أنشدته، فأقيمت الشعراء جميعاً غيري، وأمر لي بمائة لقحة وفحلها وراعيها وجاريةٍ بكرٍ وفرسٍ عتيق فاختلت ذلك اليوم وقلت:

أعطيتني مائةً صفرا مدامعهـا

 

كالنخل زين أعلى نبته الشرب

ويروى:

كأنها النخل روى نبتها الشرب

 

يسوقها يافع جعدٌ مفارقه

 

مثل الغراب غذاه الصر والحلب

وذا سبيبٍ صهيبـياً لـه عـرفٌ

 

وهامةٌ ذات فرقٍ نابها صخـب

ولم يذكر الزبير في خبره غير هذه الأبيات الثلاثة، وهي من قصيدة للرماح طويلة يمدح فيها الوليد بن يزيد، وقد أجاد فيها وأحسن؛ وذكرت من مختارها ها هنا طرفاً، وأولها:

هل تعرف الدار بالعلياء غيرها

 

سافي الرياح ومستنٌ له طنب

دارٌ لبيضاء مسود مسائحـهـا

 

كأنها ظبيةٌ ترعى وتنتصـب

المسائح: ما بين الأذن إلى الحاجب من الشعر: تقف إذا ارتاعت منتصبة تتوجس.

تحنو لأكحل ألقته بمضيعةٍ

 

فقلبها شفقاً من حوله يجب

يقول فيها:

يا أطيب الناس ريقاً بعد هجعتـهـا

 

وأملح الناس عيناً حين تـنـتـقـب

ليست تجود بنـيلٍ حـين أسـألـهـا

 

ولست عند خلاء اللهو أغتـصـب

في مرفقيها إذا ما عونقـت جـمـم

 

على الضجيع وفي أنيابها شـنـب

ولـيلةٍ ذات أهـوالٍ كـواكـبـهـا

 

مثل القناديل فيها الزيت والعطـب

قد جبتها جوب ذي المقراض ممطرةً

 

إذا استوى مغفلات البيد والـحـدب

بعنتريس كأن الدبـر يلـسـعـهـا

 

إذا ترنم حادٍ خـلـفـهـا طـرب

إلى الوليد أبي العباس ما عجـلـت

 

ودونه المعط من لبنان والـكـثـب

وبعد هذا البيت قوله:

أعطيتني مائةً صفراً مدامعها… الخ

 

لما أتيتك من نجدٍ وساكنه

 

نفحت لي نفحةً طارت بها العـرب

إني امرؤٌ أعتفي الحاجات أطلبـهـا

 

كما اعتفى سنق يلقى له العـشـب

السنق: الذي قد شبع حتى بشم، يقول: أطلب الحاجة بغير حرص ولا كلبٍ، كما يعتفي هذا البعير البشم من غير شرهٍ ولا شدة طلب.

ولا ألح على الـخـلان أسـألـهـم

 

كما يلح بعظم الغـارب الـقـتـب

ولا أخـادع نـدمـانـي لأخـدعـه

 

عن ماله حين يسترخي به اللـبـب

وأنت وابناك لم يوجد لـكـم مـثـلٌ

 

ثلاثة كلهم بالتـاج مـعـتـصـب

الطيبون إذا طـابـت نـفـوسـهـم

 

شوس الحواجب والأبصار إن غضبوا

قسني إلى شعراء النـاس كـلـهـم

 

وادع الرواة إذا ما غب ما اجتلـبـوا

إنـي وإن قـال أقـوام مـديحـهـم

 

فأحسنوه وما حابـوا ومـا كـذبـوا

أجري أمامهم جري امرىء فلج

 

عنانه حين يجري ليس يضطرب            

سبب الهجاء بينه وبين شقران

أخبرني يحيى بن علي قال أخبرنا حماد بن إسحاق عن أبيه قال أخبرني أبو الحسن – أظنه المدائني – قال أخبرني أبو صالح الفزاري قال: أقبل شقران مولى بني سلامان بن سعد هذيم أخي عذرة بن سعدا بن هذيم، قال: وهذيم عبدٌ حبشي كان حضن سعداً فغلب عليه، وهو ابن زيد بن ليث بن سود بن أسلم بن الحاف بن قضاعة من اليمامة ومعه تمر قد امتاره – فلقيه ابن ميادة فقال له: ما هذا معك؟ قال: تمرٌ امترته لأهلي يقال له: زب رباح، فقال له ابن ميادة يمازحه:

كأنك لم تقفل لأهلك تمـرةً

 

إذا أنت لم تقفل بزب رباح

فقال له شقران:

فإن كان هذا زبه فانطلق به

 

إلى نسوةٍ سود الوجوه قباح

فغضب ابن ميادة وأمضه وأنحى عليه بالسوط فضربه ضربات وانصرف مغضباً؛ فكان ذلك سبب الهجاء بينهما.
قال حماد عن أبيه وحدثني أبو علي الكلبي قال: اجتمع ابن ميادة وشقران مولى بني سلامان عند الوليد بن يزيد، فقال ابن ميادة: يا أمير المؤمنين، أتجمع بيني وبين هذا العبد وليس بمثلي في حسبي ولا نسبي ولا لساني ولا منصبي! فقال شقران:

لعمري لئن كنت ابن شيخي عشيرتي

 

هرقلٍ وكسرى وما أراني مقصرا

وما أتمنـى أن أكـون ابـن نـزوةٍ

 

نزاها ابن أرض لم تجد متمـهـرا

على حائلٍ تلوي الصرار بكـفـهـا

 

فجاءت بخوارٍ إذا عض جرجـرا

أخبرني الحرمي قال حدثنا الزبير بن بكار وأخبرنا يحيى بن علي عن أيوب المديني، عن زبير قال حدثني جلال بن عبد العزيز وقال يحيى بن خلاد عن أبي أيوب ابن عبد العزيز قال: استأذن ابن ميادة على الوليد بن يزيد وعنده شقران مولى قضاعة فأدخله في صندوق وأذن لابن ميادة؛ فلما دخل أجلسه على الصندوق واستنشده هجاء شقران فجعل ينشده، ثم أمر بفتح الصندوق فخرج عليه شقران وجعل يهدر كما يهدر الفحل ويقول:

سأكعم عن قضاعة كلب قيسٍ

 

على حجرٍ فينصت للكعـام

أسير أمـام قـيسٍ كـل يومٍ

 

وما قيسٌ بسائرةٍ أمـامـي

وقال أيضاً وهو يسمع:

إني إذا الشعراء لاقى بعضهم

 

بعضاً ببلقعةٍ يريد نضالـهـا

وقفوا المرتجز الهدير إذا دنت

 

منه البكارة قطعت أبوالهـا

فتركتهم زمراً ترمز باللحـى

 

منها عنافق قد حلقت سبالها

فقال له ابن ميادة: يا أمير المؤمنين اكفف عني هذا الذي ليس له أصلٌ فأحفره، ولا فرعٌ فأهصره؛ فقال الوليد: أشهد أنك قد جرجرت كما قا شقران:

فجاءت بخوار إذا عض جرجرا

تفاخره مع عقال بالشعر

قال يحيى في خبره: واجتمع ابن ميادة وعقال بن هاشم بباب الوليد بن يزيد، وكان عقالٌ شديد الرأي في اليمن، فغمز عقالٌ ابن ميادة واعتلاه؛ فقال ابن ميادة:

فجرنا ينابيع الكـلام وبـحـره

 

فأصبح فيه ذو الرواية يسـبـح

وما الشعر إلا شعر قيس وخندفٍ

 

وقول سواهم كلفةٌ وتـمـلـح

فقال عقالٌ يجيبه:

ألا أبلغ الرماح نقـض مـقـالةٍ

 

بها خطل الرماح أو كان يمـزح

لئن كان في قيسٍ وخندف ألسـنٌ

 

طوالٌ وشعرٌ سائرٌ لـيس يقـدح

لقد خرق الحي اليمانون قبلـهـم

 

بحور الكلام تستقى وهي تطفـح

وهم علموا من بعدهم فتعلـمـوا

 

وهم أعربوا هذا الكلام وأوضحوا

فللسابقين الفضل لا يجـحـدونـه

 

وليس لمخلوقٍ عليهم تـبـجـح

شعره في حنينه إلى وطنه وحوار الوليد إياه

أخبرني الحرمي قال حدثنا الزبير قال حدثنا جلال بن عبد العزيز عن أبيه قال حدثني ابن ميادة قال: قلت وأنا عند الوليد بن يزيد بأباين – وهو موضع كان الوليد ينزله في الربيع -:

لعمـرك إنـي نـازلٌ بـأبـاينٍ

 

لصوءر مشتاقٌ وإن كنت مكرما

أبيت كأني أرمد العين سـاهـرٌ

 

إذا بات أصحابي من الليل نوما

قال: فقال لي الوليد: يابن ميادة كأنك غرضت من قربنا، فقلت: ما مثلك يا أمير المؤمنين يغرض من قربه، ولكن:

ألا ليت شعري هـل أبـيتـن لـيلةً

 

بحرة ليلى حيث ربتـنـي أهـلـي

وهل أسمعن الدهر أصوات هجـمةٍ

 

تطالع من هجلٍ خصيبٍ إلى هجـل

بلادٌ بها نيطت عـلـي تـمـائمـي

 

وقطعن عني حين أدركني عقـلـي

فإن كنت عن تلك المواطن حابسـي

 

فأيسر علي الرزق واجمع إذاً شملي

فقال: كم الهجمة؟ قلت: مائة ناقة؛ فقال: قد صدرت بها كلها عشراء. قال ابن ميادة: فذكرت ولدانا لي بنجد إذا استطعموا الله عز وجل أطعمهم وأنا، وإذا استسقوه سقاهم الله وأنا، وإذا استكسوه كساهم الله وأنا، فقال: يابن ميادة، وكم ولدانك؟ فقلت: سبعة عشر، منهم عشرة نفرٍ وسبع نسوة، فذكرت ذلك منهم فأخذ بقلبي؛ فقال: يابن ميادة، قد أطعمهم الله وأمير المؤمنين، وسقاهم الله وأمير المؤمنين، وكساهم الله وأميرا لمؤمنين؛ أما النساء فأربع حللٍ مختلفات الألوان، وأما الرجال فثلاث حللٍ مختلفات الألوان، وأما السقي فلا أرى مائه لقحة إلا سترويهم، فإن لم تروهم زدتهم عينين من الحجاز؛ قلت: يا أمير المؤمنين، لسنا بأصحاب عيون يأكلنا بها البعوض، وتأخذنا بها الحميات؛ قال: فقد أخلفها الله عليك؛ كل عام لك فيه مثل ما أعطيتك العام: مائة لقحة وفحلها وجارية بكر وفرس عتيق.

عارض ابن القتال وانتحل بيتاً من شعره

وأخبرنا يحيى بن علي قال حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه قال حدثني شداد بن عقبة عن عبد السلام ابن القتال قال: عارضني ابن ميادة فقال: أنشدني يابن التقال، فأنشدته:

ألا ليت شعري هل أبيتـن لـيلةً

 

بصحراء ما بين التنوفة والرمل

وهل أزجرن العيس شاكية الوجى

 

كما عسل السرحان بالبلد المحل

وهل أسمعن الدهر صوت حمامةٍ

 

تغني حماماتٍ على فننٍ جـثـل

وهل أشربن الدهر مزن سحـابةٍ

 

على ثمد الأفعاة حاضره أهلـي

بلادٌ بها نيطت علي تـمـائمـي

 

وقطعن عني حين أدركني عقلي

قال: فأتاني الرواة بهذا البيت وقد اصطرفه ابن ميادة وحده.

جازه الوليد إبلاً فأرادوا إبدالها فقال شعراً

أخبرني حبيب بن نصر المهلبي قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثني إسحاق بن إبراهيم قال حدثني رجل من كلب وأخبرني يحيى بن علي بن يحيى عن حماد عن أبيه عن أبي علي الكلبي قال: أمر الوليد بن يزيد لابن ميادة بمائة من الإبل من صدقات بني كلب، فلما أتى الحول أرادوا أن يبتاعوها له من الطرائد، وهي الغرائب، وأن يمسكوا التلاد؛ فقال ابن ميادة:

ألم يبلغك أن الحي كلـبـاً

 

أرادوا في عطيتك ارتدادا

وقالوا إنها صهبٌ وورقٌ

 

وقد أعطيتها دهماً جعادا

فعلموا أن الشعر سبيلغ الوليد فيغضبه؛ فقالوا له: انطلق فخذها صفرا جعادا.

شعره في رثاء الوليد

وقال يحيى بن علي في روايته: لما قتل الوليد بن يزيد قال ابن ميادة يرثيه:

ألا يا لهفتي علـى ولـيدٍ

 

غداة أصابه القدر المتاح

ألا ابكي الوليد فتى قريش

 

وأسمحها إذا عد السمـاح

وأجبرها لذي عظمٍ مهيض

 

إذا ضنت بدرتها اللقـاح

لقد فعلت بنو مروان فعلاً

 

وأمراً ما يسوغ به القراح

قال يحيى: وغنى فيه عمر الوادي ولم يذكر طريقة غنائه.

ابن ميادة وعثمان بن عمرو ابن عثمان بن عفان

أخبرنا الحرمي قال حدثنا الزبير قال حدثنا محمد بن زهير بن مضرس الفزاري عن أبيه قال: أخصب جناب الحجاز الشأمي فمالت لذلك الخصب بنو فزارة وبنو مرة، فتحالوا جميعاً به. قال: فبينا ذات يوم أنا وابن ميادة جالسان على قارعة الطريق عشاء إذا راكبان يوجفان راحلتين حتى وقفا علينا، فإذا أحدهما بحر الريح وهو عثمان بن عمرو بن عثمان بن عفان معه مولى له، فنسبنا وانتسب لنا، وقد كان ابن ميادة يعللني بشعره، فلما انقضى كلامنا مع القرشي ومولاه استعدت ابن ميادة ما كنا فيه، فأنشدني فخراً له يقول فيه:

وعلى المليحة من جذيمة فتـيةٌ

 

يتمارضون تمـارض الأسـد

وترى الملوك الغتر تحت قبابهم

 

يمشون في الحلقات والـقـد

قال: فقال له القرشي: كذبت؛ قال ابن ميادة: أفي هذا وحده! أنا والله في غيره أكذب؛ فقال له القرشي: إن كنت تريد في مديحك قريشاً فقد كفرت بربك ودفعت قوله، ثم قرأ عليه: “لإيلاف قريشٍ” حتى أتى على آخرها، ونهض هو ومولاه وركبا راحلتيهما؛ فلما فاتا أبصارنا قال ابن ميادة:

سمين قريشٍ مانعٌ منك نفسه

 

وغث قريشٍ حيث كان سمين

ابن ميادة وسنان بن جابر

أخبرنا يحيى بن علي عن حماد عن أبيه عن أبي الحارث المري قال: كان ابن ميادة قد هاجى سنان بن جابر أحد بني حميس بن عامر بن جهينة بن زيد بن ليث بن سود بن أسلم؛ فقال ابن ميادة له فيما قال من هجائه:

لقد طالما عللت حجـراً وأهـلـه

 

بأعراض قيسٍ يا سنان بن جابـر

أأهجوا قريشاً ثم تكـره ريبـتـي

 

ويسرقني عرضي حميس بن عامر

قال: وقال فيهم أيضاً

قصار الخطى فرق الخصى زمر اللحى

 

كأنهم ظرابى اهترشن عـلـى لـحـم

ذكرت حمام الـقـيظ لـمـا رأيتـهـم

 

يمشون حولي في ثـيابـهـم الـدسـم

وتبدي الحـمـيسـيات فـي كـل زينةٍ

 

فروجاً كآثار الصغار مـن الـبـهـم

قال: ثم إن ابن ميادة خرج يبغي إبلاً له حتى ورد جباراً – وهو ماء لحميس بن عامر – فأتى بيتاً فوجد فيه عجوزاً قد أسنت، فنشدها إبله فذكرتها له وقالت: ممن أنت؟ قال: رجلٌ من سليم بن منصور؛ فأذنت له وقالت: ادخل حتى نقريك وقد عرفته وهو لا يدري؛ فلما قرته قال ابن ميادة: وجدت ريح الطيب قد نفح علي من البيت، فإذا بنتٌ لها قد هتكت الستر، ثم استقبلتني وعليها إزارٌ أحمر وهي مؤتزرةٌ به، فأطلقته وقالت: انظر يابن ميادة الزانية! أهذا كما نعت! فلم أر امرأةً أضخم قبلاً منها؛ فقالت: أهذا كما قلت!:

وتبدي الحميسيات في كل زينةٍ

 

فروجاً كآثار الصغار من البهم

قال: قلت: لا والله يا سيدتي، ما هكذا قلت ولكن قلت:

وتبدي الحميسيات في كل زينةٍ

 

فروجاً كآثار المقيسرة الدهم

وانصرف يتشبب بها، فذلك حين يقول:

نظرنا فهاجتنا على الشوق والهوى

 

لزينب نارٌ أوقـدت بـجـبـار

كأن سناها لاح لي من خصـاصةٍ

 

على غير قصدٍ والمطي سواري

حميسيةٌ بالرملتـين مـحـلـهـا

 

تمد بحلـفٍ بـينـنـا وجـوار

قال أبو داود: وكانت بنو حميس حلفاء لبني سهم بن مرة، ثم للحصين بن الحمام. وتمد وتمت واحد.

رجع إلى الشعر

تجاور من سهم بن مـرة نـسـوةٍ

 

بمجتمع النقبـين غـير عـواري

نواعم أبكـاراً كـأن عـيونـهـا

 

عيون ظبـاء أو عـيون صـوار

كأنا نراها وهـي مـنـا قـريبةٌ

 

على متن عصماء الـيدين نـوار

تتبع من حجـر ذرا مـتـمـنـع

 

لها معقلٌ في رأس كل طـمـار

يدور بها ذو أسهـم لا ينـالـهـا

 

وذو كلبات كالقـسـي ضـواري

كأن على المتنـين مـنـهـا وديةً

 

سقتها السواقـي مـن ودي دوار

يظل سحيق المسك يقطر حولهـا

 

إذا الماشطات احتفنه بـمـداري

وما روضةٌ خضراء يضربها الندى

 

بها قنةٌ مـن حـنـوةٍ وعـرار

بأطيب من ريح القرنفل ساطـعـاً

 

بما التف من درع لها وخـمـار

وما ظبيةٌ ساقت لها الريح نغـمةً

 

على غفلةٍ فاستسمعت لـخـوار

بأحسن منها يوم قامت فأتلـعـت

 

على شركٍ مـن روعةٍ ونـفـار

فليتك يا حسـنـاء يابـنة مـالـكٍ

 

يبيع لنا منـك الـمـودة شـاري

ابن ميادة وزينب بنت مالك

وأخبرني بهذا الخبر الحرمي قال حدثنا الزبير قال حدثني أبو حرملة منظور بن أبي عدي الفزاري ثم المنظوري عن أبيه قال حدثني رماح بن أبرد قال: خرجت قافلاً من السلع إلى نجد حتى إذا كنت ببعض أهضام الحرة “هكذا في نسختي، وأظنه هضاب الحرة” رفع لي بيتٌ كالطراف العظيم، وإذا بفنائه غنم لم تسرح، فقلت: بيت من بيوت بني مرة وبي من العيمة إلى اللبن ما ليس بأحد، فقلت: آتيهم فأسلم عليهم وأشرب من لبنهم، فلما كنت غير بعيد سلمت فردت علي امرأةٌ برزة بفناء البيت، وحيت ورحبت واستنزلتني فنزلت، فدعت بلبن ولبأ ورسل من رسل تلك الغنم، ثم قالت: هيا فلانة البسي شفاً واخرجي، فخرجت علي جاريةٌ كأنها ثمعة ما رأيت في الخلق لها نظيراً قبل ولا بعد، فإذا شفها ذاك ليس يواري منها شيئاً وقد نبا عن ركبها ما وقع عليه من الثوب فكأنه قعبٌ مكفأ، ثم قالت: يابن ميادة الخبيثة، أأنت القائل:

وتبدي الحميسيات في كـل زينةٍ

 

فروجاً كآثار الصغار من البهم؟

فقلت: لا والله – جعلني الله فداك يا سيدتي – ما قلت هذا قط، وإنما قلت:

وتبدي الحميسيات في كل زينةٍ

 

فروجاً كآثار المقيسرة الدهم

قال: وكان يقال للجارية الحميسية: زينب بنت مالك، وفيها قال ابن ميادة قصيدته:

ألما فزورا اليوم خير مزار

أعطاه الوليد جارية فقال فيها شعراً

أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني موهوب ابن رشيد الكلابي قال: أعطى الوليد بن يزيد ابن ميادة جاريةً طبرية أعجمية لا تفصح، حسناء جميلةً كاملةً لولا العجمة، فعشقها وقال فيها:

جزاك الله خيراً من أمير

 

فقد أعطيت مبرادا سخونا

بأهلي ما الذك عند نفسي

 

لو أنك بالكلام تعربـينـا

كأنك ظبيةٌ مضغت أراكاً

 

بوادي الجزع حين تبغمينا

ملاحاته مع رجل من بني جعفر

أخبرني الحرمي قال حدثنا الزبير قال حدثني إسحاق بن شعيب بن إبراهيم بن محمد بن طلحة قال: وردت على بني فزارة ساعياً، فأتاني ابن ميادة مسلماً علي، وجاءتني بنو فزارة ومعها رجلٌ من بني جعفر بن كلاب كان لهم جاراً وكان مخططاً موسوماً بجمال، فلما رأيته أعجبني، فأقبلت على بني فزارة وقلت لهم: أي أخوالي هذا؟ فوالله إنه ليسرني أن أرى فيكم مثله؛ فقالوا: هذا – أمتع الله بك – رجلٌ من بني جعفر بن كلاب وهو لنا جارٌ. قال: فأصغى إلي ابن ميادة، وكان قريباً مني، وقال: لا يغرنك – بأبي أنت – ما ترى من جسمه فإنه أجوف لا عقل له؛ فسمعه الجعفري فقال: أفي تقع يابن ميادة وأنت لا تقري ضيفك؟ فقال له ابن ميادة: إن لم أقره قراه ابن عمي وأنت لا تقري ولا ابن عمك. قال ابن عمران: فضحكت مما شهد به ابن ميادة على نفسه.

كان بخيلاً لا يكرم أضيافه

أخبرني الحرمي قال حدثنا الزبير قال حدثني محمد بن إسماعيل الجعفري عن المعلى بن نوح الفزاري قال حدثني خال لي كان شريفاً من سادات بني فزارة قال: ضفت ابن ميادة فأكرمني وتحفى بي وفرغ لي بيتاً فكنت فيه ليس معي أحد، ثم جاءني بقدح ضخم من لبن إبله فشربته ثم ولى، فلم ينشب أن جاءني بآخر فتناولت منه شيئاً يسيراً، فما لبثت حتى عاد بآخر فقلت: حسبك يا رماح فلا حاجة لي بشيء؛ فقال: اشرب بأبي أنت، فوالله لربما بات الضيف عندنا مدحوراً.

أخبرني الحرمي قال حدثنا الزبير قال حدثني عمي مصعب عن جدي عبد الله بن مصعب قال: أتينا ابن ميادة نتلقى منه الشعر؛ فقال لنا: هل لكم في فضل شنةٍ؟ فظنناها تمراً، فقلنا له: هات، لنبسطه بذلك، فإذا شنةٌ فيها فضلةٌ من خمر قد شرب بعضها وبقي بعضٌ، فلما رأيناها قمنا وتركناه.

يرفض وليمة ضرب الناس فيها بالسياط أخبرنا الحرمي قال حدثنا الزبير قال حدثني إبراهيم بن عبد الرحمن الكثيري قال حدثني نعمة الغفاري قال: قدم ابن ميادة المدينة فدعي في وليمة فجاء فوجد على باب الدار التي فيها الوليمة حرساً يضربون الزلالين بالسياط يمنعونهم من الدخول، فرجع وهو يقول:

لما رأيت الأصبحية قـنـعـت

 

مفارق شمطٍ حيث تلوى العمائم

تركت دفاع الباب عمـا وراءه

 

وقلت صحيحٌ من نجا وهو سالم

وسأله الوليد من تركت عند نسائك

أخبرني يحيى بن علي عن أبيه عن إسحاق قال: قال الوليد بن يزيد لابن ميادة في بعض وفاداته عليه: من تركت عند نسائك؟ قال: رقيبين لا يخالفاني طرفة عين: الجوع والعري. وهذا القول والجواب يروى أن عمر بن عبد العزيز وعقيل بن علفة تراجعاهما، وقد ذكرا في أخبار عقيل.

مدحه لأبي جعفر المنصور

أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني عمي مصعب وأخبرني محمد بن مزيد قال: حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه عن الزبير وأخبرنا يحيى بن علي قال: حدثنا أبو أيوب المديني عن مصعب: أن ابن ميادة مدح أبا جعفر المنصور بقصيدته التي يقول فيها:

طلعت علينا العيس بالرماح

ثم خرج من عند أهله يريده، فمر على إبله فحلبت له ناقةٌ من إبله، وراح عليه راعيه بلبنها فشربه ثم مسح على بطنه ثم قال: سبحان الله! إن هذا لهو الشره! يكفيني لبن بكرة وأنا شيخ كبير، ثم أخرج وأغترب في طلب المال! ثم رجع فلم يخرج. هذه القصيدة من جيد شعر ابن ميادة، أولها:

وكواعبٍ قد قلـن يوم تـواعـدٍ

 

قول المجد وهن كـالـمـزاح

يا ليتنا في غـير أمـرٍ فـادح

 

طلعت علينا العيس بالـرمـاح

بينا كذاك رأينني متـعـصـبـاً

 

بالخز فـوق جـلالةٍ سـرداح

فيهن صفراء المعاصم طـفـلةٌ

 

بيضاء مثل غريضة التـفـاح

فنظرن من خلل الحجال بأعـينٍ

 

مرضى مخالطها السقام صحاح

وارتشن حين أردن أن يرميننـي

 

تبـلاً بـلا ريشٍ ولا بـقـداح

يقول فيها في مدح المنصور وبني هاشم:

فلئن بقيت لألحقن بأبحـرٍ

 

ينمين لا قطٍع ولا أنزاح

ولآتين بني علـي إنـهـم

 

من يأتهم يتلق بالإفـلاح

قومٌ إذا جلب الثناء إليهـم

 

بيع الثناء هناك بالأرباح

ولأجلسن إلى الخليفة إنـه

 

رحب الفناء بواسع نجباح

وهي قصيدة طويلة.

قوله فيما أصاب الحاج من المطر

أخبرني الحرمي قال حدثنا الزبير قال حدثنا إسحاق بن أيوب قال: اعتمرت في رجب سنة خمس ومائة، فصادفني ابن ميادة بمكة وقدمها معتمراً، فأصابنا مطرٌ شديد تهدمت منه البيوت وتوالت فيه الصواعق، فجلس إلي ابن ميادة الغد من ذلك اليوم، فجعل يأتيني قومٌ من قومي وغيرهم فأستخبرهم عن ذلك الغيث فيقولون: صعق فلان وانهدم منزل فلان؛ فقال ابن ميادة: هذا العيث لا الغيث؛ فقلت: فما الغيث عندك؟ فقال:

سحائب لا من صيبٍ ذي صواعـقٍ

 

ولا محرقات مـاؤهـن حـمـيم

إذا ما هبطن الأرض قد مات عودها

 

يكين بها حـتـى يعـيش هـشـيم

كان ينشد من شعره فيستحسنه الناس

أخبرني الحرمي قال حدثنا الزبير قال حدثني موسى بن زهير عن أبيه قال: جلست أنا وعيسى بن عميلة وابن ميادة ذات يوم، فأنشدنا ابن ميادة شعره ملياً، ثم أنشدنا قوله:

ألا ليت شعري هل أبـيتـن لـيلةً

 

بحرة ليلى حيث ربتنـي أهـلـي

بلادٌ بها نيطت علـي تـمـائمـي

 

وقطعن عني حين أدركني عقلـي

وهل أسمعن الدهر أصوات هجمةٍ

 

تطالع من هجلٍ خصيبٍ إلى هجل

صهيبيةٍ صفراء تلقي ربـاعـهـا

 

بمنعرج الصمان والجرع السهـل

تلقى رباعها: تطرح أولادها. وواحد الرباع ربع.

وهل أجمعن الدهر كفـي جـمـعةً

 

بمهضومة الكشحين ذات شوىً عبل

محللةٍ لـي لا حـرامـاً أتـيتـهـا

 

من الطيبات حين تركض في الحجل

تميل إذا مال الضجيع بعـطـفـهـا

 

كما مال دعصٌ من ذرا عقد الرمل

فقال له عيسى بن عميلة: فأين قولك يا أبا الشرحبيل:

لقد حرمت أمي علي عدمتها

 

كرائم قومي ثم قلة مـالـيا

فقلت له: فاعطف إذاً إلى أمة بني سهيل فهي أعند وأنكد، وقد كنت أظن أن ميادة قد ضربت جأشك على اليأس من الحرائر، وأنا أداعبه وأضاحكه؛ فضحك وقال:

ألم تر قوماً ينكحون بمالهـم

 

ولو خطبت أنسابهم لم تزوج

أخبرني الحرمي قال حدثنا الزبير قال حدثني عمي مصعب وغيره: أن حسينة اليسارية كانت جميلة – وآل يسار من موالي عثمان رضوان الله عليه يسكنون تيماء، ولهم هناك عدد وجلد، وقد انتسبوا في كلب إلى يسار بن أبي هند فقبلهم بنو كلب – قال: وكانت عند رجل من قومها يقال له: عيسى بن إبراهيم بن يسار، وكان ابن ميادة يزورها؛ وفيها يقول:

ستأتينا حسينة حـيث شـئنـا

 

وإن رغمت أنوف بني يسار

قال: فدخل عليها زوجها يوماً فوجد ابن ميادة عندها، فهم به هو وأهلها؛ فقاتلهم وعاونته عليهم حسينة حتى أفلت تتابن ميادة؛ فقال في ذلك:

لقد ظلت تعاوننـي عـلـيهـم

 

صموت الحجل كاظمة السوار

وقد غادرت عيسى وهو كلـبٌ

 

يقطع سلحه خلف الـجـدار

أخبرني يحيى بن علي بن يحيى قال حدثني إبراهيم بن سعد بن شاهين قال حدثني عبد الله بن خالد بن دفيف التغلبي عن عثمان بن عبد الرحمن بن نميرة العدوي عن أبي العلاء بن وثاب قال:

ابن ميادة وعبد الواحد بن سليمان

قدم ابن ميادة المدينة زائراً لعبد الواحد بن سليمان بن عبد الملك وهو أميرها وكان يسمر عنده في الليل، فقال عبد الواحد لأصحابه: إني أهم أن أتزوج، فابغوني أيماً؛ فقال له ابن ميادة: أنا أدلك، أصلحك الله أيها الأمير؛ قال: على من يا أبا الشرحبيل؟ قال: قدمت عليك أيها الأمير فدخلت مسجدكم فإذا أشبه شيء به وبمن فيه الجنة وأهلها، فوالله لبينا أنا أمشي فيه إذ قادتني رائحة عطر رجل حتى وقفت بي عليه، فلما وقع بصري عليه استلهاني حسنه فما أقلعت عنه حتى تكلم، فخلته لما تكلم يتلو زبوراً ويدرس إنجيلاً أو يقرأ قرآناً حتى سكت فلولا معرفتي بالأمير لشككت أنه هو، ثم خرج من مصلاه إلى داره، فسألت: من هو؟ فأخبرت أنه للحيين وبين الخليفتين، وأن قد نالته ولادة من رسول الله صلى الله عليه وسلم لها “نور” ساطع من غرته وذؤابته، فنعم المنكح ونعم حشو الرحل وابن العشيرة، فإن اجتمعت أنت وهو على ولد ساد العباد وجاب ذكره البلاد. فلما قضى ابن ميادة كلامه قال عبد الواحد ومن حضره: ذاك محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان، وأمه فاطمة بنت الحسين، فقال ابن ميادة:

لهم نبوةٌ لم يعطها الله غيرهم

 

وكل قضاء الله فهو مقسـم

قال يحيى بن علي: ومما مدح به عبد الواحد لما قدم عليه قوله:

من كان أخطأه الربـيع فـإنـمـا

 

نصر الحجاز بغيث عبد الـواحـد

إن المدينة أصبحت مـعـمـورةً

 

بمتوجٍ حلو الشـمـائل مـاجـد

ولقد بلغت بغير أمـر تـكـلـفٍ

 

أعلى الحظوظ برغم أنف الحاسد

وملكت ما بين العـراق ويثـربٍ

 

ملكاً أجار لمسـلـم ومـعـاهـد

ماليهما ودميهما مـن بـعـد مـا

 

غشى الضعيف شعاع سيف المارد

التقاؤه جماعة يرتجزون بشعره

أخبرني الحرمي قال حدثنا الزبير قال حدثني سعيد بن زيد السلمي قال: إنا لنزولٌ أنا وأصحاب لي قبل الفطر بثلاث ليالٍ على ماءٍ لنا، فإذا راكبٌ يسير على جملٍ ملتفٌ بثوب والسماء تغسله حتى أناخ إلى أجم عرفته، فلما رأيناه لثقاً قمنا إليه فوضعنا رحله وقيدنا جمله، فلما أقلعت السماء عنا وهو معنا قاعدٌ قام غلمةٌ منا يرتجزون والرجل لم ينتسب لنا ولا عرفناه، فارتجز أحدهم فقال:

أنا ابن ميادة لباس الـحـلـل

 

أمر من مر وأحلى من عسل

حتى قال له الرجل: يابن أخي، أتدري، من قال هذا الشعر؟ قال: نعم، ابن ميادة قال: فأنا “هو” ابن ميادة الرماح بن أبرد، وبات يعللنا من شعره، ويقطع عنا الليل بنشيده، وسرينا راحلين فصبحنا مكة فقضينا نسكنا، ولقيه رجلان من قومه من بني مرة فعرفهما وعرفاه، وأفطرنا بمكة، فلما انصرفنا من المسجد يوم الفطر إذا نحن بفارسين مسودين وراجلين مع المريين يقولون: أين ابن ميادة؟ فقلنا: ها هو وقد برزنا من خيمة كنا فيها، فقلنا لابن ميادة: ابرز؛ فلما نظر إلى المريين قال:

إحدى عشياتك يا شميرج

– قال: وهذا رجزٌ لبعض بني سليم يقوله لفرسه:

أقول والركبة فوق المنسج

 

إحدى عشياتك يا شميرج

 ويروى: مشمرج – فقالوا لابن ميادة: أجب الأمير عبد الصمد بن علي، وخذ معك من أصحابك من أحببت؛ فخرج وخرج معه منا أربعة نفرٍ أنا أحدهم حتى وقفنا على باب دار الندوة، فدخل أحد المسودين، ثم خرج فقال: ادخل يا أبا شجرة، فدخلت على عبد الصمد بن علي فوجدته جالساً متوشحاً بملحفةٍ موردة؛ فقال لي: من أنت؟ قلت: رجلٌ من بني سليم؛ فقال: مالك تصاحب المري وقد قتلوا معاوية بن عمرو! وقالت الخنساء:

ألا ما لعينـي ألا مـا لـهـا

 

لقد أخضل الدمع سربالهـا

فآليت آسى علـى هـالـكٍ

 

وأسـأل نـائحةً مـالـهـا

أبعد ابن عمرو من ال الشري

 

د حلت به الأرض أثقالهـا

فإن تـك مـرة أودت بــه

 

فقد كان يكثر تقـتـالـهـا

أترويها؟ قلت: نعم أصلح الله الأمير، وما زال من المعركة حتى قتل به خفاف بن عمرو المعروف بابن ندبة كبش القوم مالك بن حمارٍ الفزاري ثم الشمخي، أما سمع الأمير قول خفاف بن ندبة في ذلك:

فإن تك خيلي قد أصيب صميمها

 

فعمداً على عينٍ تيممت مالكـا

تيممت كبش القوم حين رأيتـه

 

وجانبت شبان الرجال الصعالكا

أقول له والرمح يأطر متـنـه

 

تأمل خفافا إننـي أنـا ذلـكـا

وقد توسط معاوية بن عمرو خيلهم فأكثر فيهم القتل، وقتل كبش القوم الذي أصيب بأيديهم؛ فقال: لله درك! إذا ولدت النساء فليلدن مثلك! وأمر لي بالف درهم، فدفعت إلي وخلع علي. وأدخل ابن ميادة فسلم عليه بالإمرة؛ فقال له: لا سلم الله عليك يا ماص كذا من أمه: فقال ابن ميادة: ما أكثر الماصين! فضحك عبد الصمد، ودعا بدفتر فيه قصيدة ابن ميادة التي يقول فيها:

لنا الملك إلا أن شيئاً تـعـده

 

قريشٌ ولو شئنا لداخت رقابها

ثم قال لابن ميادة: أعتق ما أملك إن غادرت منها شيئاً إن لم أبلغ غيظك، فقال ابن ميادة: أعتق ما أملك إن أنكرت منها بيتاً قلته أو أقررت ببيت لم أقله؛ فقرأها عبد الصمد ثم قال له: أأنت قلت هذا؟ قال نعم؛ قال: أفكنت أمنت يابن ميادة أن ينقض عليك بازٍ من قريش فيضرب رأسك! فقال: ما أكثر البازين! أفكان ذلك البازي آمناً أن يلقاه بازٍ من قيس وهو يسير فيرميه فتشول رجلاه! فضحك عبد الصمد ثم دعا بكسوة فكساهم.

تمثل بعض ولد الحسن بشعره

أخبرني حبيب بن نصر المهلبي قال حدثنا عبد الصمد بن شبيب قال قال أبو حذافة السهمي: سب رجلٌ من قريش في أيام بني أمية بعض ولد الحسن بن علي، فأغلظ له وهو ساكتٌ، والناس يعجبون من صبره عليه، فلما أطال أقبل الحسني عليه متمثلاً بقول ابن ميادة:

أظنت سفاهاً من سفاهة رأيهـا

 

أن أهجوها لما هجتني محارب

فلا وأبيها إنني بـعـشـيرتـي

 

ونفسي عن ذاك المقام لراغب

فقام القرشي خجلاً وما رد عليه جواباً.

مدحه لجعفر بن سليمان أميرالمدينة

أخبرني أبو خليفة إجازةً عن محمد بن سلام قال: مدح ابن ميادة جعفر بن سليمان وهو على المدينة، فأخبرني مسمع بن عبد الملك أنه قام له بحاجته عند جعفر وأوصلها إليه. قال فقال “له”: جزاك الله خيراً! ممن أنت رحمك الله؟ قلت: أحد بني مسمع؛ قال: ممن؟ قلت: من قيس بن ثعلبة؛ قال: ممن؟ عافاك الله! قلت: من بكر بن وائل؛ قال: والله لو كنت سمعت ببكر بن وائل قط أو عرفتهم لمدحتك، ولكني ما سمعت ببكر قط ولا عرفتهم، ثم مدح جعفراً فقال:

لعمرك ما سيوف بني علـي

 

بنابية الظـبـاة ولا كـلال

هم القوم الألى ورثوا أباهـم

 

تراث محمدٍ غير انتـحـال

وهم تركوا المقال لهم رفيعاً

 

وما تركوا عليهم من مقـال

حذوتم قومكم ما قد حـذوتـم

 

كما يحذى المثال على المثال

فردوا في جراحكم أسـاكـم

 

فقد أبلغتم مـر الـنـكـال

يشير عليه بالعفو عن بني أمية ويذكره بأرحامهم.
أخبرنا بهذا الخبر يحيى بن علي عن سليمان المديني عن محمد بن سلام، قال يحيى قال أبو الحارث المري فيما ذكره إسحاق من أخباره: قال جعفر بن سليمان لابن ميادة: أتحب أن أعطيك مثل ما أعطاك ابن عمك رياح بن عثمان؟ فقال: لا، أيها الأمير، ولكن أعطني كما أعطاني ابن عمك الوليد بن يزيد. قال يحيى وأخبرنا حماد عن أبيه عن أبي الحارث قال قال جعفر بن سليمان لابن ميادة: أأنت الذي تقول:

بني أسدٍ أن تغضوا ثم تغضـبـوا

 

وتغضب قريشٌ تحم قيساً غضابها

قال: لا والله! ما هكذا قلت؛ قال: فكيف قلت؟ قال: قلت:

بني أسدٍ إن تغضبوا ثم تغضبوا

 

وتعدل قريشٌ تحم قيساً غضابها

هجا بني أسد وبني تميم

قال: صدقت هكذا قلت. وهذه القصيدة يهجو بها ابن ميادة بني أسد وبني تميم، وفيها يقول بعد هذا البيت الذي ذكره له جعفر بن سيمان:

وأحقر محقـورٍ تـمـيمٌ أخـوكـم

 

وإن غضبت يربوعها وربـابـهـا

ألا ما أبالي أن تخنـدف خـنـدفٌ

 

ولست أبالي أن يطـن ذبـابـهـا

ولو أن قيساً قيس عيلان أقسـمـت

 

على الشمس لم يطلع عليكم حجابها

ولو حاربتنا الجن لم نرفع الـقـنـا

 

عن الجن حتى لا تهر كـلابـهـا

لنا المـلـك إلا أن شـيئاً تـعـده

 

قريشٌ ولو شئنا لذلت رقـابـهـا

وإن غضبت من ذا قريشٌ فقل لهـا

 

معاذ الإله أن أكـون أهـابـهـا

وإن لقـوال الـجـواب وإنـنـي

 

لمفتجرٌ أشياء يعـيي جـوابـهـا

إذا غضبت قيسٌ عليك تقـاصـرت

 

يداك وفات الرجل منك ركابـهـا

ابن ميادة وسماعة بن أشول

قال إسحاق في خبره فحدثني جبر بن رباط بن عامر بن نصر قال: فقال سماعة بن أشول النعامي يعارض ابن ميادة:

لعل ابن أشبانيةٍ عـارضـت بـه

 

رعاء الشوي من مريح وعازب

يسامي فروعاً من خزيمة أحرزت

 

عليه ثنايا المجد من كل جـانـب

فقال ابن ميادة: من هذا؟ لقد أغلق علي أغلق الله عليه! قالوا: سماعة بن أشول؛ فقال: سماعة يسمع بي، وأشول يشول بي، والله لا أهاجيه أبداً، وسكت عنه.

هجاه عبد الرحمن بن جهيم الأسدي

وقال عبد الرحمن بن جهيم الأسدي أحد بني الحارث بن سعد بن ثعلبة بن دودان بن أسد يرد على ابن ميادة، وهي قصيدة طويلة ذكرت منها أبياتاً:

لقد كذب العبد ابـن مـيادة الـذي

 

ربا وهي وسط الشول تدمى كعابها

شرنبثة الأطراف لم يقن كـفـهـا

 

خضابٌ ولم تشرق بعطرٍ ثيابـهـا

أرماح إن تغضب صناديد خنـدفٍ

 

يهج لك حرباً قصبها واعتيابـهـا

ويروى اغتيابها من الغيبة. واعتيابها من العيب.

ولو أغضبت قيسٌ قريشاً لجـدعـت

 

مسامع قيسٍ وهي خضعٌ رقابـهـا

لقد جر رماح ابن واهصة الخصـى

 

على قومه حرباً عظيماً عـذابـهـا

وقد علم المملوح بـالـشـؤم رأسـه

 

قتيبة أن لم تحم قيساً غـضـابـهـا

ولم تحمهـا أيام قـتـل ابـن حـازمٍ

 

وأيام قتلى كان خزياً مـصـابـهـا

ولا يوم لاقينا نـمـيراً فـقـتـلـت

 

نميرٌ وفرت كعبـهـا وكـلابـهـا

وإن تدع قيساً لا تجبـك وحـولـهـا

 

خيول تميم سـعـدهـا وربـابـهـا

ولو أن قيساً قيس عيلان أصـحـرت

 

لأنواء غنمٍ غرقتـهـا شـعـابـهـا

ولو أن قرن الشمس كان لمـعـشـرٍ

 

لكان لنا إشراقها واحـتـجـابـهـا

ولكنـهـا لـلـه يمـلـك أمـرهـا

 

بقدرته إصعادها وانـصـبـابـهـا

لعمري لئن شابت حلـيلة نـهـبـلٍ

 

لبئس شباب المرء كان شـبـابـهـا

ولم تدر حمراء العجـان أنـهـبـلٌ

 

أبوه أم الـمـري تـب تـبـابـهـا

فإن يك رمـاح بـن مـيادة الـتـي

 

يصن إذا باتت بـأرضٍ تـرابـهـا

جرى جري موهون القوى قصرت به

 

لئمة أعراقٍ إلـيه انـتـسـابـهـا

فلن تسبق المضمار في كل موطـنٍ

 

من الخيل عند الجد إلا عـرابـهـا

ووالـلـه لـولا أن قـيســـاً أذلةٌ

 

لئامٌ فلا يرضى لحـر سـبـابـهـا

لالحقتها بالـزنـج ثـم رمـيتـهـا

 

بشنعاء يعيي القـائلـين جـوابـهـا

ابن ميادة وأبان بن سعيد

أخبرني يحيى بن علي عن حماد عن أبيه قال: وجدت في كتاب أبي عمرو الشيباني فعرضته على أبي داود فعرفه أو عامته، قال: إنا لجلوسٌ على الهجم في ظل القصر عشيةً، إذ أقبل إلينا ثلاثة نفرٍ يقودون ناقةً حتى جلسوا إلى أبان بن سعيد بن عيينة بن حصن وهو في جماعة من بني عيينة، قال: فرأيت أجلةً ثلاثةً ما رأيتهم قط، فقلنا: من القوم؟ فقال أحدهم: أنا ابن ميادة وهذان من عشيرتي؛ فقال أبان لأحد بنيه: اذهب بهذه الناقة فأطلق عنها عند بيت أمك؛ فقال له ابن ميادة: هذه يا أبا جعفر السعلاة، أفلا أنشدك ما قلت فيها؟ قال: بلى فهات؛ فقال:

قعدت على السعلاة تنفض مسحهـا

 

وتجذب مثل الأيم في برة الصفـر

تيمم خير الناس مـاءً وحـاضـراً

 

وتحمل حاجاتٍ تضمنهـا صـدري

فإني على رغم الأعـادي لـقـائلٌ

 

وجدت خيار الناس حي بني بـدر

لهم حاضرٌ بالهجم لم أر مثـلـهـم

 

من الناس حيا أهل بدوٍ ولا حضـر

وخير معد مجلساً مجـلـسٌ لـهـم

 

يفيء عليه الظل من جانب القصر

أخص بـهـا روقـي عـيينة إنـه

 

كذاك ضحاح الماء يأوي إلى الغمر

فأنتم أحق الناس أن تتـخـيروا ال

 

مياه وأن ترعوا ذرى البلد القفـر

قال: فكان أول قائم من القوم ركضة بن علي بن عيينة، وهو ابن عم أبان وعبدة بنت أبان، وكانت إبله في العطن وهي أكرم نعم بني عيينة وأكثره، فقال: ما سمعت كاليوم مديح قومٍ “قط”، حكمك ماضٍ في هذه الإبل؛ ثم قام آخر فقال مثل ذلك، وقام آخر وآخر؛ فقال ابن ميادة: يا بني عيينة، إني لم آتكم لتتبارى في شياطينكم في أموالكم، إنما كان علي دينٌ فأردت أن تعطوني أبكراً أبيعها في ديني. فأقام عند أبان بن سعيدٍ خمسة عشر يوماً، ثم راح بتسع عشرة ناقة، فيها ناقةٌ لابن أبان عشراء أو رباعيةٌ. قال يحيى في خبره: وقال يعقوب بن جعفر بن أبان بن سعيد بن عيينة: إني على الهجم يوماً إذا أقبل رجلٌ فجعل يصرف راحلته في الحياض فيرده الرجل بعد الرجل، فدعوته فقلت: اشرع في هذا الحوض؛ فلما شرع فسقى قال: من هذا الفتى؟ فقيل: هذا جعفر بن أبان بن سعيد بن عيينة؛ فقال:

بنو الصالحين الصالحون ومن يكن

 

لآباء سوءٍ يلقهـم حـيث سـيرا

فما العود إلا نابتٌ فـي أرومـه

 

أبي شجر العـيدان أن يتـغـيرا

قال إسحاق: سألت أبا داود عن قوله:

كذاك ضحاح الماء يجري إلى الغمر

فقال: أراد أن الأمر كله والسؤدد يصير إليه، كما يصير الماء إلى الغمرة حيث كانت.

ابن ميادة وأيوب بن سلمة

أخبرنا يحيى بن علي قال حدثنا أبو أيوب المديني قال أخبرني مصعب بن الزبير قال: ضاف ابن ميادة أيوب بن سلمة فلم يقره، وابن ميادة من أخوال أيوب بن سلمة، فقال فيه:

ظللنا وقوفاً عند باب ابـن أخـتـنـا

 

وظل عن المعروف والمجد في شغل

صفاً صلدٌ عنـد الـنـدى ونـعـامةٌ

 

إذا الحرب أبدت عن نواجذها العصل

ابن ميادة ورياح ابن عثمان

قال أبو أيوب وأخبرني مصعب قال: قدم ابن ميادة على رياح بن عثمان، وقد ولي المدينة وهو جادٌ في طلب محمد بن عبد الله بن حسن وإبراهيم أخيه، فقال له: اتخذ حرساً وجنداً من غطفان واترك هؤلاء العبيد الذين تعطيهم دراهمك، وحذار من قريش؛ فاستخف بقوله ولم يقبل رأيه؛ فلما قتل رياح قال ابن ميادة:

أمرتك يا رياح بأمر حـزمٍ

 

فقلت هشيمةٌ من أهل نجد

وقلت له تحفظ من قـريشٍ

 

ورقع كل حاشـيةٍ وبـرد

فوجداً ما وجدت على رياحٍ

 

وما أغنيت شيئاً غير وجدي

تشبيبه بالنساء

أخبرني عمي قال حدثني أحمد بن أبي طاهر قال حدثني أحمد بن إبراهيم بن إسماعيل قال حدثني أكثم بن صيفي المري ثم الصاردي عن أبيه قال: كان ابن ميادة رأى امرأة من بني جشم بن معاوية ثم من بني حرام يقال لها: أم الوليد، وكانوا ساروا عليه، فأعجب بها وقال فيها:

ألا حبذا أم الوليد ومربعٌ

 

لنا ولها نشتو به ونصيف

ويروي:

… ومـــربــــــع

 

لنا ولها بالمشتوى ومصـيف

حراميةٌ أما مـلاث إزارهـا

 

فوعثٌ وأما خصرها فلطيف

كأن القرون السود مقـذهـا

 

إذا زال عنها برقعٌ ونصيف

بها زرجوناتٌ بقفرٍ تنسمت

 

لها الريح حتى بينهن رفيف

قال: فلما سمع زوجها هذه الأبيات أتاها فحلف بطلاقها: لئن وجد ابن ميادة عندها ليدقن فخذها، ثم أعرض عنها واغترها، حتى وجده يوماً عند بيتها فدق فخذها، واحتمل فرحل ورحل بها معه؛ فقال ابن ميادة:

أتانا عام سار بنو كـلابٍ

 

حراميون ليس لهم حرام

كأن بيوتهم شجرٌ صغـارٌ

 

بقيعانٍ تقيل بها النـعـام

حراميون لا يقرون ضيفا

 

ولا يدرون ما خلق الكرام

قال: ثم سارت عليهم بعد ذلك بنو جعفر بن كلاب، فأعجب بامرأة منهم يقال لها أم البختري، وكان يتحدث إليها مدة مقامهم، ثم ارتحلوا فقال فيها:

أرقت لبرقٍ لا يفـتـر لامـعـه

 

بشهب الربى والليل قد نام هاجعه

أرقت له من بعد ما نام صحبتـي

 

وأعجبني إيماضه وتـتـابـعـه

يضيىء صبيرا من سحابٍ كأنـه

 

هجانٌ أرنت للحنـين نـوازعـه

هنيئاً لأم البختـري الـروي بـه

 

وإن أنهج الحبل الذي النأي قاطعه

لقد جعل المستبضع الغش بينـنـا

 

ليصرح حبلينا تجوز بضـائعـه

فما سرحةٌ تجري الجداول تحتهـا

 

بمطرد القيعان عذبٍ ينـابـعـه

بأحسن منها يوم قالت بذي الغضـا

 

أترعى جديد الحبل أم أنت قاطعه

وخطب إلى بني سلمى بن مالك فلم يزوجوه فقال شعراً

أخبرني عمي قال حدثني أحمد بن ابي طاهر قال حدثني أحمد بن إبراهيم قال: وذكر أبو الأشعث أن ابن ميادة خطب امرأة من بين سلمى بن مالك بن جعفر ثم من بني البهثة – وهم بطن يقال لهم البهثاء – فأبوا أن يزوجوه وقالوا: أنت هجينٌ ونحن أشرف منك؛ فقال:

فلو طاوعتني آل سلمى بن مالـكٍ

 

لأعطيت مهراً من مسرة غالـيا

وسربٍ كسرب العين من آل جعفرٍ

 

يغادين بالكحل العيون السـواجـيا

إذا ما هبطن النيل أو كـن دونـه

 

بسرو الحمى ألقين ثم المـراسـيا

مات في صدر خلافة المنصور

قال أحمد بن إبراهيم: مات ابن ميادة في صدر من خلافة المنصور، وقد كان مدحه ثم لم يفد إليه ولا مدحه، لما بلغه من قلة رغبته في مدائح الشعراء وقلة ثوابه لهم.