أخبار ابن مناذر ونسبه

أخبار ابن مناذر ونسبه

نسبه وكنيته

هو محمد بن مناذر بني صبير بن يربوع ويكنى أبا جعفر وقيل: إنه كان يكنى أبا عبد الله.
ووجدت في بعض الكتب رواية عن ابن حبيب أنه كان يكنى أبا ذريح وقد كان له ابن يسمى ذريحاً فمات وهو صغير وإياه عنى بقوله:

كأنك للمنايا يا ذريح الله صـوركـا

فناط بوجهك الشعرى وبالإكليل قلدكا

ولعله اكتنى به قبل وفاته.
وقال الجاحظ: كان محمد بن مناذر مولى سليمان القهرمان وكان سليمان مولى عبيد الله بن أبي بكرة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان أبو بكرة عبداً لثقيف ثم ادعى عبيد الله بن أبي بكرة أنه ثقفي وادعى سليمان القهرمان أنه تميمي وادعى ابن مناذر أنه صليبة من بني صبير بن يربوع فابن مناذر مولى مولى مولى وهو دعي مولى دعي وهذا ما لا يجتمع في غيره قط ممن عرفناه وبلغنا خبره. ومحمد بن مناذر شاعر فصيح مقدم في العلم باللغة وإمام فيها وقد أخذ عنه أكابر أهلها وكان في أول أمره يتأله ثم عدل عن ذلك فهجا الناس وتهتك وخلع وقذف أعراض أهل البصرة حتى نفي عنها إلى الحجاز فمات هناك. وهذه الأبيات يرثي بها ابن مناذر عبد المجيد بن عبد الوهاب الثقفي وكان عبد الوهاب محدثاً جليلاً وقد روى عنه وجوه المحدثين وكبراء الرواة وكان ابن مناذر يهوى عبد المجيد هذا. فكان في أيام حياته مستوراً متألهاً جميل الأمر فلما مات عبد المجيد حال عن جميع ما كان عليه وأخبارهما تذكر في مواضعهما.

فتنته بعبد المجيد بن عبد الوهاب

أخبرني علي بن سليمان الأخفش قال: حدثنا محمد بن يزيد النحوي قال: كان ابن مناذر مولى صبير بن يربوع وكان إماماً في علم اللغة وكلام العرب وكان في أول أمره ناسكاً ملازماً للمسجد كثير النوافل جميل الأمر إلى أن فتن بعبد المجيد بن عبد الوهاب الثقفي فتهتك بعد ستره وفتك بعد نسكه ثم ترامى به الأمر بعد موت عبد المجيد بن عبد الوهاب الثقفي إلى أن شتم الأعراض وأظهر البذاء وقذف المحصنات ووجبت عليه حدودٌ فهرب إلى مكة وبقي بها حتى مات.

وكان يجالس سفيان بن عيينة عن معاني حديث النبي صلى الله عليه وسلم فيخبره بها ويقول له: كذا وكذا مأخوذ من كذا فيقول سفيان: كلام العرب بعضه يأخذ برقاب بعض. قال: وأدرك المهدي ومدحه ومات في أيام المأمون.

أخبرني علي بن سليمان قال: حدثني محمد بن يزيد وغيره: أن محمد بن مناذر كان إذا قيل له: ابن مناذر – بفتح الميم – يغضب ثم يقول: أمناذر الصغرى أم مناذر الكبرى وهما كورتان من كور الأهوار إنما هو مناذر على وزن مفاعل من ناذر فهو مناذر مثل ضارب فهو مضارب وقاتل فهو مقاتل.

وعظته المعتزلة فلم يتعظ ومنعوه دخول المسجد فنابذهم وهجاهم قال محمد بن يزيد: ولما عدل محمد بن مناذر عما كان عليه من النسك والتآله وعظته المعتزلة فلم يتعظ وأوعدته بالمكروه فلم يزدجر ومنعوه دخول المسجد فنابذهم وطعن عليهم وهجاهم وكان يأخذ المداد بالليل فيطرحه في مطاهرهم فإذا توضئوا به سود وجوههم وثيابهم وقال في توعد المعتزلة إياه:

أبلغ لديك بني تميم مألكاً عني وعرج في بنـي يربـوع

أني أخٌ لكم بدار مضيعةٍ بومٌ وغربـانٌ عـلـيه وقـوع

هبوا له فلقد أراه بنصركم يأوي إلى جبل أشـم مـنـيع

وإذا تحزبت القبائل كنتم ثقتي لكـل مـلـمةٍ وفـظـيع

إن أنتم لم تثأروا لأخيكم حتى يباء بوتـره الـمـتـبـوع

فخذوا المغازل بالأكف وأيقنوا ما عشتم بمذلةٍ وخضـوع

إن كنتم حدباً على أحسابكم سمعاً فقد أسمعت كل سمـيع

أين الصبيريون لم أر مثلهم في النائبات وأين رهط وكيع!

قال: ثم استحيا من قوله: أين الصبيريون لقلة عددهم فقال: أين الرياحيون.
أخبرني الحسن بن علي قال: حدثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال: حدثني الحسن بن علي قال: حدثني مسعود بن بشر قال: قال لي ابن مناذر: ولع بي قومٌ من المعتزلة ففرقت منهم قال: وكان مولى صبير بن يربوع فقلت: بنو صبير نفسان ونصف فمن أدعو منهم فقلت: ليس إلا إخوتهم بنو رياح فقلت أبياتاً حرضتهم فيها وحضضت بنو رياح فقلت:

أين الرياحيون لم أر مثلهم في النائبات وأين رهط وكيع!

قال: فجاء خمسون شيخاً من بني رياح فطردوهم عني.
أخبرني علي بن سليمان قال: حدثني محمد بن يزيد قال: حدثنا الجاحظ عن مسعود بن بشر عن أبي عبيدة قال: ما زادت بنو صبير بن يربوع قط على سبعة نفر كلما ولد منهم مولود مات منهم ميت.

كان من أهل عدن

أخبرني أحمد بن عبيد الله بن عمار قال: حدثني يعقوب بن نعيم قال: حدثني إسحاق بن محمد النخعي قال: حدثني أبو عثمان المازني قال: كان ابن مناذر من أهل عدن وإنما صار إلى البصرة في طلب الأدب لتوافر العلماء فيها فأقام فيها مدة ثم شغل بعبد المجيد بن عبد الوهاب الثقفي فتطاول أمره إلى أن خرج عنها وكان مقيماً بمكة فلما مات عبد المجيد نسك. وقوم يقولون: إنه كان دهرياً.

كره الناس إمامته بعد تهتكه فرد عليهم

وذكر أبو دعامة عن عطاء الملط قال: كان ابن مناذر يؤم الناس في المسجد الذي في قبيلته فلما أظهر ما أظهره من الخلاعة والمجون كرهوا أن يصلي بهم وأن يأتموا به فقالوا شعراً وذكروا ذلك فيه وهجوه وألقوا الرقعة في المحراب

نبئت قافيةً قيلت تناشدها قومٌ سأتر في أعراضهم ندبا

ناك الذين رووها أم قائلها وناك قائلها أم الذي كتبـا

ثم رمى بها إليهم ولم يعد إلى الصلاة بهم.

أول لقاء له بأبي نواس

أخبرني محمد بن عمران الصيرفي قال: حدثنا الحسن بن عليل العنزي قال: حدثنا أبو الفضل بن عبدان بن أبي حرب الصفار قال: حدثني الفضل بن موسى مولى بني هاشم قال: دخل ابن مناذر المسجد الجامع بالبصرة فوقعت عينه على غلام مستند إلى سارية فخرج والتمس غلاماً ورقعة ودواةً فكتب أبياتاً مدحه بها وسأل الغلام الذي التمسه أن يوصل الرقعة إلى الفتى المستند إلى السارية فذهب بها إلى الغلام فلما قرأها قلبها وكتب على ظهرها يقول:

مثل امتداحك لي بلا ورقٍ مثل الجدار بني على خص

وألذ عندي من مديحك لي سود النعال ولين القمـص

فلما قرأها ابن مناذر قام غليه فقال له: ويلك أأنت أبو نواس قال: نعم فسلم عليه وتعانقا وكان ذلك أول المودة بينهما.

خبره مع أبي العتاهية

أخبرني محمد بن الحسن بن دريد قال: حدثني أبو حاتم قال: اجتمع أبو العتاهية ومحمد بن مناذر فقال له أبو العتاهية: يا أبا عبد الله كيف أنت في الشعر قال: أقول في الليلة إذا سنح القول لي واتسعت القوافي عشرة أبياتٍ إلى خمسة عشر فقال له أبو العتاهية: لكني لو شئت أن أقول في الليلة ألف بيت لقلت فقال ابن مناذر: أجل والله إذا أردت أن أقول مثل قولك:

ألا يا عتبة الساعه أموت الساعة الساعه

قلت: ولكني لا أعود نفسي مثل هذا الكلام الساقط ولا أسمح لها به فخجل أبو العتاهية وقام يجر رجله.
أخبرني به الحسن بن علي قال: حدثنا ابن مهرويه قال: حدثني سهل بن محمد أبو حاتم وأحمد بن يعقوب بن المنير ابن أخت أبي بكر الأصم. قال ابن مهرويه: وحدثني به يحيى بن اجتمع أبو العتاهية وابن مناذر فاجتمع الناس إليهما وقالوا: هذان شيخا الشعراء فقال أبو العتاهية لابن مناذر: يا أبا عبد الله كم تقول في اليوم من الشعر وذكر باقي الخبر مثل المتقدم سواء.

مع خلف الأحمر

أخبرني أبو دلف هاشم بن محمد الخزاعي قال: حدثنا العباس بن ميمون طائع قال: سمعت الأصمعي يقول: حضرنا مأدبة ومعنا أبو محرز خلف الأحمر وحضرها ابن مناذر فقال لخلف الأحمر: يا أبا محرز إن يكن النابغة وامرؤ القيس وزهير قد ماتوا فهذه أشعارهم مخلدة فقس شعري إلى شعرهم واحكم فيها بالحق فغضب خلفٌ ثم أخذ صحفة مملوءة مرقاً فرمى بها عليه فملأه فقام ابن مناذر مغصباً وأظنه هجاه بعد ذلك.

الحكم بين شعره وشعر عدي بن زيد

أخبرني حبيب بن نصر المهلبي قال: حدثنا عمر بن شبة قال: حدثنا خلاد الأرقط قال: لقيني ابن مناذر بمكة فأنشدني قصيدته: كل حي لاقي الحمام فمودي ثم قال لي: أقرىء ابا عبيدة السلام وقل له: يقول لك ابن مناذر اتق الله واحكم بين شعري وشعر عدي بن زيد ولا تقل ذلك جاهلي وهذا إسلامي وذاك قديم وهذا محدث فتحكم بين العصرين ولكن احكم بين الشعرين ودع العصبية قال: وكان ابن مناذر ينحو نحو عدي بن زيد في شعره ويميل إليه ويقدمه.

ينحو نحو عدي بن زيد في شعره أخبرني الحسن بن علي قال: حدثنا ابن مهرويه قال: حدثني محمد بن عثمان الكزبري قال: أخبرني محمد بن الحجاج الجراداني قال: قلت لابن مناذر: من أشعر الناس قال: من كنت في شعره فقلت له: ومن ذاك فقال: عدي بن زيد وكان ينحو نحوه في شعره ويقدمه ويتخذه إماماً.

كان أبو عبد المجيد لا ينكر صحبة ابنه له

والأبيات التي فيها الغناء أول قصيدة لمحمد بن مناذر رثى بها عبد المجيد بن عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي وكان يهواه وكان عبد المجيد هذا فيما يقال من أحسن الناس وجهاً وأدبا ولباساً وأكملهم في كل حال وكان على غاية المحبة لابن مناذر والمساعدة له والشغف به.

وكان يبلغ خبره أباه على جلالته وسنه وموضعه من العلم فلا ينكر ذلك لأنه لم تكن تبلغه عنه ريبة وكان ابن مناذر حينئذ حميد الأمر حسن المروءة عفيفاً.

فحدثني الحسن بن علي قال: حدثنا أحمد بن حدان قال: حدثني قدامة بن نوح قال: قيل لعبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي: إن ابن مناذر قد أفسد ابنك وذكره في شرعه وشبب به فقال عبد الوهاب: أو لا يرضى ابني أن يصحبه مثل ابن مناذر ويذكره في شعره!.
خروجه إلى قبر أم عبد المجيدأخبرني أحمد بن عبيد الله بن عمار قال: حدثني علي بن محمد بن سليمان النوفلي قال: أم عبد المجيد بن عبد الوهاب الثقفي الذي كان يشبب به ابن مناذر بانة بنت أبي العاصي وهي مولاة جنان التي يشبب بها أبو نواس قال: فحدثني من رأى محمد بن مناذر يوم ثالث بانة هذه وقد خرج جواريها إلى قبرها فخرج معهن نحو الجبانة بالبصرة قال: فقلت له: يا أبا عبد الله أين تريد فقال:

الــــيوم يوم الـــــــثـــــــلاثـــــــا ويوم ثـــــــالـــــــث بـــــــانـــــــه

الـــيوم تـــكـــثـــر فـــيه الـــظـــبـــا ء فـــي الـــجـــــــبـــــــانـــــــه

قال أبو الحسن: ولدت بانة من عبد الوهاب بن عبد المجيد أولاده: عبد المجيد وأبا العاصي جفن عيني قد كاد يس قط من طول ما اختلج  

وفـــؤادي مـــن حـــــــر حـــــــب ك قـــــــد كـــــــاد أو نـــــــضـــــــج

خبـــرينـــي فـــدتـــك نـــف ســـي وأهـــلـــي مـــتـــــى الـــــــفـــــــرج!

كان مـــــــيعـــــــادنـــــــا خـــــــرو ج زيادٍ فـــــــقـــــــد خــــــــرج

قال ابن عمار: قال لي النوفلي: في هذه الأبيات غناء حلو مليح لو سمعته لشربت عليه أربعة أرطال.

قال النوفلي: وكان لعبد الوهاب ابنٌ يقال له: محمد كان أسن ولده ويقال: إنه كان يتعشق بانة ابنة أبي العاصي هذه امرأة أبيه وإن زياد بن عبد الوهاب منه وكان أشبه الناس به.

حدثني ابن عمار قال: حدثنا عمر بن شبة قال: حدثني أبي قال: خرج ابن مناذر يوماً من صلاة التراويح وهو في المسجد بالبصرة وخرج عبد المجيد بن عبد الوهاب خلفه فلم يزل يحدثه إلى الصبح وهما قائمان إذا انصرف عبد المجيد شيعه ابن مناذر إلى منزله فإذا بلغه وانصرف محمد بن مناذر شيعه عبد المجيد لا يطيب أحدهما نفساً بفراق صاحبه حتى أصبحا. فقيل لعبد الوهاب بن عبد المجيد: ابن مناذر قد أفسد ابنك فقال: أو ما يرضى ابني أن يرضى بما يرضى به ابن مناذر.

وفي عبد المجيد يقول ابن مناذر يمدحه وهو من مختار ما قال فيه أنشدنيها علي بن سليمان الأخفش عن محمد بن زيد من قصيدةٍ أولها:

شيب ريب الزمان رأسي لهفي على ريب ذا الزمان

يقدح في الصم من شرورى ويحدر الصم من أبـان

يقول فيها يمدح عبد المجيد:

مني إلى الماجد المرجى عبد المجيد الفتى الهجان

خير ثقيفٍ أباً ونفساً إذا التقت حلقتا الـبـطـان

نفسي فداءٌ له وأهلي وكل ما تـمـلـك الـيدان

كأن شمس الضحى وبدر الدجى عليه معلـقـان

نيطاً معاً فوق حاجبيه والبدر والشمس يضحكـان

مشمرٌ همه المعالي لـيس بـرث ولا بـوانـي

بنى له عزةً ومجداً في أول الـدهـر بـانـيان

بانٍ تلقاه من ثقيفٍ ومن ذرا الأزد خير بـانـي

فاسأله مما حوت يداه يهتز كالصارم اليمـانـي

أخبرني عمي قال: حدثني عبد الله بن أبي سعد قال: حدثني أبو توبة صالح بن محمد قال: مرض عبد المجيد بن عبد الوهاب الثقفي مرضاً شديداً بالبصرة وكان ابن مناذر ملازماً له يمرضه ويخدمه ويتولى أمره بنفسه لا يكله إلى أحد. فحدثني بعض أهلهم قال: حضرت يوماً عنده وقد أسخن له ماءٌ حارٌ ليشربه واشتد به الأمر فجعل يقول: آه! بصوت ضعيف فغمس ابن مناذر يده في الماء الحار وجعل يتأوه مع عبد المجيد ويده تحترق حتى كادت يده تسقط فجذبناها وأخرجناها من الماء وقلنا له: أمجنونٌ أنت! أي شيء هذا! أينتفع به ذاك! فقال: أساعده وهذا جهد من مقل ثم استقل من علته تلك وعوفي مدة طويلة ثم تردى من سطح فمات فجزع عليه جزعاً شديداً حتى كاد يفضل أهله وإخوته في البكاء والعويل وظهر منه من الجزع ما عجب الناس له ورثاه بعد ذلك بقصيدته المشهورة فرواها أهل البصرة ونيح بها على عبد المجيد وكان الناس يعجبون بها ويستحسنونها.

أخبرني الحسن بن علي قال: حدثنا محمد بن القاسم النوشجاني قال: سمعت أبي يقول: حضرت سفيان بن عيينة يقول لابن مناذر: أنشدني ما قلت في عبد المجيد فأنشده قصيدته الطويلة الدالية.

قال سفيان: بارك الله فيك فلقد تفردت بمراثي أهل العراق.

فأخبرني عمي قال: حدثني أبو هفان قال: قال جماز: تزوج عبد المجيد امرأةً من أهله فأولم عليها شهراً يجتمع عنده في كل يوم وجوه أهل البصرة وأدباؤها وشعراؤها فصعد ذات يوم إلى السطح فرأى طنباً من أطناب الستارة قد انحل فأكب عليه ليشده فتردى على رأسه ومات من سقطته فما رأيت مصيبةً قط كانت أعظم منها ولا أنكأ للقلوب. طارح محمد بن عمر الخراز رثاءه في عبد المجيد وناحا عليه به بعد أن وضعا فيه لحناً أخبرني أحمد بن عبيد الله بن عمار قال: حدثني الحسن بن عليل العنزي قال: حدثني العباس بن عبد الواحد بن جعفر بن سليمان قال: حدثني محمد بن عمر الخراز قال: قال لي ابن مناذر: ويحك! ولست أرى نساء ثقيف ينحن على عبد المجيد نياحةً على استواء قلت: فما تحب قال: تخرج معي حتى أطارحك فطارحني القصيدة التي يقول فيها:

إن عبد المجيد يوم تولى هد ركناً ما كان بالمـهـدود

هد عبد المجيد ركني وقد كن ت بركنٍ أبوء منه شديد

قال: فما زلت حتى حفظتها ووعيتها ووضعنا فيها لحناً فلما كان في الليلة التي يناح بها على عبد المجيد فيها صلينا العشاء الآخرة في المسجد الجامع ثم خرجنا إلى دارهم وقد صعد النساء على السطح ينحن عليه فسكتن سكتةً لهن فاندفعنا أنا وهو ننوح عليه فلما سمعتنا أقبلن يلطمن ويصحن حتى كدن ينقلبن من السطح إلى أسفل من شدة تشرفهن علينا وإعجابهن بما سمعنه منا وأصبح أهل المسجد ليس لهم حديث غيرنا وشاع الخبر بالبصرة وتحدث به الناس حتى نقل من مجلس إلى مجلس.

أم عبد المجيد تبر قسمه وتصيح صياحاً يقال إنه أول ما قيل في الإسلام وأخبرني الحسن بن علي قال: حدثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال لي: حدثني موسى بن حماد بن عبد الله القرشي قال: حدثني محمد بن النعمان بن جبلة الباهلي قال: لما قال ابن مناذر:

لأقيمن مأتماً كنجوم الليل زهراً يلطمن حر الخدود

موجعاتٍ يبكين للكبد الحرى عليه وللفؤاد العمـيد

قالت أم عبد المجيد: والله لأبرن قسمه فأقامت مع أخوات عبد المجيد وجواريه مأتماً عليه قامت تصيح عليه: واي ويه واي ويه فيقال: إنها أول من فعل ذلك وقاله في الإسلام.

رثاء له في عبد المجيد أخبرني علي بن سليمان الأخفش قال: حدثنا محمد بن يزيد عن محمد بن عامر النخعي قال: أنشدني محمد بن مناذر لنفسه يرثي عبد المجيد بن عبد الوهاب يقول:

يا عين حق لك البكا ء لحادث الرزء الجلـيل

فابكي على عبد المجي د وأعولي كل العويل

لا يبعد الله الفتى ال فياض ذا الباع الـطـويل

عجل الحمام به فودع نـا وآذن بـالـرحـيل

لهفي على الشعر المعف ر منك والخد الأسيل

كسفت لفقدك شمسنا والبدر آذن بالأفول

عرض قصيدته على أبي عبيدة فلم تعجبه

حدثني عمي قال: حدثنا الكراني قال: حدثني النضر بن عمرو عن المازني قال: حدثنا حيان: أن ابن مناذر دفع قصيدته الدالية إليه وقال: اعرضها على أبي عبيدة فأتيته وهو على باب أبي عمرو بن العلاء فقرأت عليه منها خمسة أبيات فلم تعجبه وقال: دعني من هذا فإني قد تشاغلت بحفظ القرآن عنه وعن مثله قال: وكان أبو عبيدة يبغضه ويعاديه لأنه هجاه.

هبود وعبود

أخبرني محمد بن مزبد بن أبي الأزهر قال: حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه قال: قال ابن مناذر: قلت: يقدح الدهر في شماريخ رضوى ثم مكثت حولاً لا أدري بم أتممه فسمعت قائلاً يقول: هبود قلت: وما هبود فقال لي: جبيل في بلادنا فقلت: ويحط الصخور من هبود قال إسحاق: وسمع أعرابي هذا البيت فقال: ما أجهل قائله بهبود! والله أنها لأكيمة ما توارى الخارىء فكيف يحط منها الصخور!.
أخبرني عمي قال: حدثنا الكراني قال: حدثني أبو حاتم قال: سمعت أبا مالك عمرو بن كركرة يقول:

يقدح الدهر في شماريخ رضوى ويحط الصخور من هبود

قلت له: هبود أي شيء هو فقال: جبل فقلت: سخنت عينك هبود والله بئر باليمامة ماؤها ملح لا يشرب منه شيء خلقه الله وقد والله خريت فيها مرات فلما كان بعد مدة وقفت عليه في مسجد البصرة وهو ينشدها فلما بلغ هذا البيت أنشدها: ويحط الصخور من عبود فقلت له: عبود أي شيء هو ذا فقال: جبل بالشام فلعلك يابن الزانية خريت عليه أيضاً فضحكت ثم قلت: لا ما خريت عليه ولا رأيته وانصرفت عنه وأنا أضحك.
أخبرني عمي قال: حدثني الكراني عن العمري عن الهيثم بن عدي قال: كان يحيى بن زياد يرمى بالزندقة وكان من أظرف الناس وأنظفهم فكان يقال: أظرف من الزنديق.

شعر له في محمد بن زياد

وكان الحاركي واسمه محمد بن زياد يظهر الزندقة تظارفاً فقال فيه ابن مناذر:

يابن زياد يا أبا جعفرٍ أظهرت ديناً غير ما تخفي

لست بزنديقٍ ولكنما أردت أن توسم بالظـرف

وقال فيه أيضاً:

يا أبا جعفرٍ كأنك قد صر ت على أجردٍ طويل الجـران

من مطايا ضوامرٍ ليس يصهل ن إذا ما ركبن يوم رهان

لم يذللن بالسروج ولا أق رح أشداقهن جذب العـنـان

قائماتٍ مسومات لدى الجس ر لأمثالكم من الـفـتـيان

انصرف الناس عن حلقته إلى حلقة عتبة النحوي فقال شعراً في ذلك

أخبرني هاشم بن محمد الخزاعي قال: حدثنا عيسى بن إسماعيل تينة عن ابن عائشة قال: كان عتبة النحوي من أصحاب سيبويه وكان صاحب نحوٍ فهماً بما يشرحه ويفسره على مذاهب أصحابه وكان ابن مناذر يتعاطى ذلك ويجلس إليه قومٌ يأخذونه عنه فجلس عتبة قريباً من حلقته فتقوض الناس إليه وتركوا ابن مناذر فلما كان في يوم الجمعة الأخرى قام ابن مناذر من حلقته فوقف على عتبة ثم أنشأ يقول:

تجمعن للشقاء إلى عتبة الخـسـار

ما لي وما لعتب ة إذ يبتغي ضراري

قال: فقام عتبة إليه فناشده ألا يزيد ومنع من كان يجلس إلى ابن مناذر من حضور حلقته وجلس هو بعيداً من ابن مناذر بعد ذلك.
كان جاره ابن عمير يغري به المعتزلة فهجاه حدثني عمي قال: حدثنا الكراني قال: حدثنا عيسى بن إسماعيل تينة قال: كان لابن مناذر جارٌ يقال له ابن عمير من المعتزلة فكان يسعى بابن مناذر إليهم ويسبه ويذكره بالفسق ويغريهم به فقال يهجوه:

بنو عمير مجدهم دارهم وكل قوم فلهم مجد

كأنهم فقع بدويةٍ وليس لهم قبلٌ ولا بـعـد

بث عميرٌ لؤمه فيهم فكلهم من لؤمه جعـد

وأخبرني بهذا الخبر الحسن بن علي عن ابن مهرويه عن النوفلي بمثله وزاد فيه: وعبد الله بن عمير – أبو هؤلاء الذين هجاهم – أخو عبد الله بن عامر لأمه أمهما دجاجة بنت إسمايل بن الصلت السلمي.

أخبرني هاشم بن محمد قال: حدثنا الخليل بن أسد قال: كان ابن مناذر من أحضر الناس جواباً قال له رجل: ما شأنك قال: عظم في أنفي.
قال: وسأله رجلٌ يوماً: ما الجرباء فأومأ بيده إلى الأرض قال: هذه يهزأ به وإنما الجرباء السماء.

خبره مع الخليل بن أحمد

أخبرني أحمد بن العباس العسكري المؤدب قال: حدثنا الحسن بن عليل العنزي قال: حدثني جعفر بن محمد عن دماذ قال: دار بين الخليل بن أحمد وبين ابن مناذر كلام فقال له الخليل: إنما أنتم معشر الشعراء تبعٌ لي وأنا سكان السفينة إن قرظتكم ورضيت قولكم نفقتم وإلا كسدتم فقال ابن مناذر: والله لأقولن في الخليفة قصيدةً أمتدحه بها ولا أحتاج إليك فيها عنده ولا إلى غيرك.

يمدح الرشيد فيجيزه

فقال في الرشيد قصيدته التي أولها:

ما هيج الشوق من مطوقةٍ أوفت على بانةٍ تغنـينـا

ولو سألنا بحسن وجهك يا هارون صوب الغمام أسقينا

قال: وأراد أن يفد بها إلى الرشيد فلم يلبث أن قدم الرشيد البصرة حاجاً ليأخذ على طريق النباج # وكان الطريق قديماً فدخلها وعديله إبراهيم الحراني فتحمل عليه ابن مناذر بعثمان بن الحكم الثقفي وأبي بكر السلمي حتى أوصلاه إلى الرشيد فأنشده إياها فلما بلغ آخرها كان فيها بيت يفتخر فيه وهو:

قومي تميمٌ عند السماك لهم مجدٌ وعزٌ فما ينالونا

فلما أنشده هذا البيت تعصب عليه قومٌ من الجلساء فقال له بعضهم: يا جاهل أتفخر في قصيدةٍ مدحت بها أمير المؤمنين. وقال آخر: هذه حماقة بصرية فكفهم عنه الرشيد ووهب له عشرين ألف درهم.
الرشيد يستشهد بشعره ويبعث له بجائزة أخبرني علي بن سليمان الأخفش قال: حدثنا محمد بن يزيد قال: حدثني سهيل السلمي: أن الرشيد استسقى في سنة قحط فسقي الناس فسر بذلك وقال: لله در ابن مناذر حيث يقول:

ولو سألنا بحسن وجهك يا هارون صوب الغمام أسقينا

وسأل عن خبره فأخبر أنه بالحجاز فبعث إليه بجائزة.
أخبرني هاشم بن محمد الخزاعي عن محمد بن عمران الصيرفي قال: حدثنا العنزي قال: حدثنا نصر بن علي الجهضمي قال: حدثني محمد بن عباد المهلبي قال: شهد بكر بن بكار عند عبيد الله بن الحسن بن الحصين بن الحر العنزي بشهادة فتبسم ثم قال له: يا بكر ما لك ولابن مناذر حيث يقول:

أعوذ بالله من النار ومنك يا بكر بن بكار

فقال: أصلح الله القاضي ذاك رجل ماجنٌ خليع لا يبالي ما قال فقال له: صدقت وزاد تبسمه وقبل شهادته وقام بكر وقد تشور وخجل. قال العنزي: فحدثني أبو غسان دماذ قال: أنشدني ابن مناذر هذا الشعر الذي قاله في بكر بن بكار وهو:

أعوذ بالله من النار ومنك يا بكر بن بكار

يا رجلاً ما كان فيما مضى لآل حـمـران بـزوار

ما منزلٌ أحدثته رابعاً معتزلاً عـن عـرصة الـدار

ما تبرح الدهر على سوأةٍ تطرح حباً للخشـنـشـار

يا معشر الأحداث يا ويحكم تعوذوا بالخالق الـبـاري

من حربةٍ نيطت على حقوه يسعى بها كالبطل الشاري

قال ابن مهرويه في خبره: والخشنشار هو معاوية الزيادي المحدث ويكنى أبا الخضر وكان جميل الوجه.

وقال العنزي في حديثه: حدثني إسحاق بن عبد الله الحمراني وقد سألته عن معنى هذا الشعر فقال: الخشنشار: غلامٌ أمرد جميل الوجه كان في محلتنا وهذا لقبه وكان بكر بن بكار يتعشقه فكان يجيء إلى أبي فيذاكره الحديث ويجالسه وينظر إلى الخشنشار.

قال العنزي: حدثني عمر بن شبة قال: بلغني أن عبيد الله بن الحسن لقي ابن مناذر فقال له: ويحك ما أردت إلى بكر بن بكار ففضحته وقلت فيه قولاً لعلك لم تتحققه فبدأ ابن مناذر يحلف له بيمين ما سمعت قط أغلظ منها أن الذي قاله في بكر شيء يقوله معه كل من يعرف بكراً ويعرف الخشنشار ويجمع عليه ولا يخالفه فيه فانصرف عبيد الله مغموماً بذلك قد بان فيه فلما بعد عنا قلت لابن مناذر: برىء الله منك ويلك ما أكذبك! أكل من يعرف بكر بن بكار يقول فيه مثل قولك حتى حلفت بهذه اليمين فقال: سخنت عينيك فإذا كنت أعمى القلب أي شيء أصنع! أفتراني كنت أكذب نفسي عند القاضي إنما موهت عليه وحلفت له أن كل من يعرفها يقول مثل قولي وعنيت ما ابتدأت به من الشعر وهو قولي: أفتعرف أنت أحداً يعرفها أو يجهلهما إلا يقول كما قلت: أعوذ بالله من النار إنما موهت على القاضي وأردت تحقيق قولي عنده.

قال مؤلف هذا الكتاب: وبكر بن بكار رجلٌ محدث قد روى عن ورقاء عن ابن أبي نجيح تفسير مجاهد وروى حديثاً صالحاً.

أخبرني حبيب بن نصر المهلبي قال: حدثنا عمر بن شبة قال: حدثنا بكر بن بكار عن عبد الله بن المحرز عن قتادة عن أنس: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” زينوا القرآن بأصواتكم “.

أخبرني الحسن بن علي قال: حدثنا ابن مهرويه قال: حدثني الأحوص بن الفضل البصري قال: حدثنا ابن معاوية الزيادي وأبوه الخشنشار الذي يقول فيه ابن مناذر: تطرح حبا للخشنشار قال: حدثني من لقي ابن مناذر بمكة فقال: ألا تشتاق إلى البصرة فقال له: أخبرني عن شمس الوزانين أعى حالها قال: نعم قال: وثيق بن يوسف الثقفي حي قال: نعم قال: فغسان بن الفضل الغلابي حي قال: نعم قال: لا والله لا دخلتها ما بقي فيها واحدٌ من الثلاثة. قال: وشمس الوزانين في طرف المربد بحضرة مسجد الأنصار في موضعٍ كان محمد بن عبد الوهاب أخو عبد المجيد يعاديه أخبرني حبيب بن نصر المهلبي قال: حدثنا عمر بن شبه قال: كان محمد بن عبد الوهاب الثقفي أخو عبد المجيد يعادي محمد بن مناذر بسبب ميله إلى أخيه عبد المجيد وكان ابن مناذر يهجوه ويسبه ويقطعه وكل واحد منهما يطلب لصاحبه المكروه ويسعى عليه فلقي محمد بن عبد الوهاب ابن مناذر في مسجد البصرة ومعه دفتر فيه كتاب العروض بدوائره ولم يكن محمد بن عبد الوهاب يعرف العروض فجعل يلحظ الكتاب ويقرؤه فلا يفهمه وابن مناذر متغافلٌ عن فعله ثم قال له: ما في كتابك هذا فخبأه في كمه وقال: وأي شيء عليك مما فيه فتعلق به ولببه فقال له ابن مناذر: يا أبا الصلت الله الله في دمي فطمع فيه وصاح يا زنديق في كمك الزندقة فاجتمع الناس إليه فأخرج الدفتر من كمه وأراهم إياه فعرفوا براءته مما قذفه به ووثبوا على محمد بن عبد الوهاب واستخفوا به وانصرف بخزيٍ وقال ابن مناذر يهجوه:

إذا أنت تعلقت بحبلٍ من أبي الـصـلـت

تعلقت بحبلٍ وا هـن الـقـوة مـنـبـت

إذا ما بلغ المجد ذوو الأحساب بـالـمـت

فلا تسمو إلى المجد فما أمرك بالـثـبـت

ولا فرعك في العيدا ن عودٌ ناضر النبـت

وما يبقي لكم يا قو م من أثلتكم نـحـتـي

فها فاسمع قريضاً من رقيقٍ حسن النعـت

يقول الحق إن قال ولا يرميك بالـبـهـت

وفي نعتٍ لوجعاء قد استرخت من الفـت

فعندي لك يا مأبو ن مثل الفالج البخـتـي

عتلٌ يعمل الكوم من السبت إلى السـبـت

له فيشله إن أد خلـت واسـعة الـخـرت

وإلا فاطل وجعاء ك بالخضخاض والزفت

ألم يبلغك تسآلي لدى العـلامة الـمـرت

فقال الشيخ سرجوي ه: داء المرء من تحت

فخذ من ورق الدفلى وخذ من ورق القـت

وخذ من جعر كيسانٍ ومن أظفار نسخت

قال: ونسخت: لقب أبي عبيدة وهو اسمٌ من أسماء اليهود لقب به تعريضاً بأن جده كان يهودياً وكان أبو عبيدة وسخاً طويل الأظفار أبداً والشعر وكان يغضب من هذا اللقب.

فأخبرني الحسن بن علي عن ابن مهرويه عن علي بن محمد النوفلي قال: لما قال ابن مناذر هذه الأبيات:

إذا أنت تعلقت بحبل من أبي الـصـلـت

تعلقت بحبل وا هـن الـقـوة مـنـبـت

وقال الشيخ سرجوي ه: داء المرء من تحت

فبلغ ذلك سرجويه فجاء إلى محمد بن عبد الوهاب فوقف عليه في مجلسه وعنده جماعة من أهله وإخوته وجيرانه فسلم عليه وكان أعجمياً لا يفصح ثم قال: ” بركست كمن كفتم أن كسر مناذر كفت: داء المرء من تحت ” فكاد القوم أن يفتضحوا من الضحك وصاح به محمد: اعزب قبحك الله فظن أنه لم يقبل عذره فأقبل يحلف له مجتهداً ما قال ذاك ومحمد يصيح به: ويلك اغرب عني وهو في الموت منه وكلما زاده من الصياح إليه زاده في العذر واجتهد في الأيمان وضحك الناس حتى غلبوا وقام محمد خجلاً فدخل منزله وتفرقوا.
قال أبو الحسن النوفلي: ثم مضى لذلك زمانٌ وهجا أبو نعامة أبا عبد الله عريسة الكاتب

روى شـيخ تـمـيمٍ خـالـدٌ أن هـريسـه

يدخل الأصلع ذا الخر جين في جوف الكنيسة

فلقي خالد بن الصباح هذا هريسة وكان يعاديه وأراد أن يخجله فحلف له مجتهداً أنه لم يقل فيه ما قاله أبو نعامة فقال هريسة: يا بارد! لم ترد أن تعتذر إنما أردت أن تتشبه بابن مناذر ومحمد بن عبد الوهاب وبأبي الشمقمق وأحمد بن المعذل ولست من هؤلاء في شيء.
شعر له في ضرير وأخرس جالسين عنده قرأت في بعض الكتب عن ابن أبي سعد قال: حدثني أبو الخطاب الحسن بن محمد عن محمد بن إسحاق البلخي قال: دخلت على ابن مناذر يوماً وعنده رجلٌ ضريرٌ جالسٌ عن يمينه ورجل بصيرٌ جالسٌ عن شماله ساكتٌ لا ينطق قال: فقلت له: ما خبرك فقال:

بين أعمى وأخرسٍ أخرس الل ه لسان الأعمى وأعمى البصيرا

قال: فوثبا فخرجا من عنده وهما يشتمانه.

خبره مع سفيان بن عيينة

ونسخت من كتاب ابن أبي الدنيا: حدثني أبو محمد التيمي قال: حدثني إبراهيم بن عبد الله عن الحسن بن علي قال: كنا عند باب سفيان بن عيينة وقد هرب منا وعنده الحسن بن علي التختاخ ورجلٌ من الحجبة ورجل من أصحاب الرشيد فدخل بهم وليس يأذن لنا فجاء ابن مناذر فقرب من الباب ثم رفع صوته فقال:

بعمرٍو وبالزهري والسلف الأولى بهم ثبتت رجلاك عند المقاوم

جعلت طوال الدهر يوماً لصالح ويوماً لصباح ويوماً لحـاتـم

وللحسن التختاخ يوماً ودونهم خصصت حسيناً دون أهل المواسم

نظرت وطال الفكر فيك فلم أجد رحاك جرت إلا لأخذ الدراهم

فخرج سفيان وفي يده عصاً وصاح: خذوا الفاسق فهرب ابن مناذر منه وأذن لنا فدخلنا.

رثاؤه سفيان بن عيينة أخبرني الحسن بن علي قال: حدثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال: حدثني أبو بكر المؤدب قال: حدثني محمد بن قدامة قال: سمعت سفيان بن عيينة يقول لابن مناذر: يا أبا عبد الله ما بقي أحدٌ أخافه غيرك وكأني بك

راحوا بسفيان على نعشه والعلم مكسوين أكفانا

إن الذي غودر بالمنحنى هد من الإسلام أركانا

لا يبعدنك الله من ميتٍ ورثنا علماً وأحـزانـا

سفيان بن عيينة يتكلم بكلام لابن مناذر أخبرني أحمد بن عبيد الله بن عمار قال: حدثني أحمد بن سليمان بن أبي شيخ قال حدثني شيخ من أهل الكوفة يقال له عوام قال: سمعت سفيان بن عيينة وقد تكلم بكلام استحسن فسأله محمد بن مناذر أن يمليه عليه فتبسم سفيان وقالل ه: هذا كلام سمعتك تتكلم به فاستحسنته فكتبته عنك قال: وعل ذلك أحب أن تمليه علي فإني إذا رويته عنك كان أنفق له من أن أنسبه إلى نفسي.

قال عوام: وأنشدني ابن عائشة لابن مناذر يرثي سفيان بن عيينة بقوله:

يجني من الحكمة نوارها ما تشتهي الأنفس ألوانـا

يا واحد الأمة في علمه لقيت من ذي العرش غفرانا

راحوا بسفيان على نعشه والعلم مكسوين أكفـانـا

أخبرني علي بن سليمان قال: حدثنا محمد بن يزيد عن محمد بن عامر الحنفي قال: لما مات عبد المجيد بن عبد الوهاب خرج ابن مناذر إلى مكة وترك النسك وعاد للمجون والخلع وقال في هذا المعنى شعراً كثيراً حتى كان إذا مدح أو فخر لم يجعل افتتاح شعره ومباديه إلا المجون وحتى قال في مدحه للرشيد:

هل عندكم رخصةٌ عن الحسن الب صري في العشق وابن سيرينا!

إن سفاهـاً بـذي الـجـلالة والـش يبة ألا يزال مـفـتـونـا

وقال أيضاً في هذا المعنى:

ألا يا قمر المسج د هل عندك تنـويل!

شفائي منك إننولتنـيشـم وتـقـبـيل

سلا كل فؤادٍ و فؤادي بك مشـغـول

لقد حملت من حبي ك ما لايحمل الفيل

خبره مع يونس النحوي

أخبرني الحسن بن علي قال: حدثني ابن مهرويه قال: حدثنا العباس بن الفضل الربعي قال: قال ابن مناذر ليونس النحوي يعرض به: أخبرني عن جبل أتنصرف أم لا وكان يونس من أهلها فقال له: قد عرفت ما أردت يابن الزانية. فانصرف ابن مناذر: فأعد شهوداً يشهدون عليه بذلك وصار إليه وسأله هل تنصرف جبل وعلم يونس ما أراد فقال له: الجواب ما سمعته أمس.

خبر زيارة حجاج الصواف له بمكة

أخبرني الحسن بن علي قال: حدثنا يعقوب بن إسرائيل قال: حدثني إسحاق بن محمد النخعي قال: حدثني إسحاق بن عمرو السعدي قال: حدثني الحجاج الصواف. وأخبرني الحسن بن علي أيضاً قال: حدثني ابن مهرويه قال: حدثني إسحاق بن محمد قال: حدثني أمية بن أبي مروان قال: حدثني حجاج الصواف الأعور قال: خرجت إلى مكة فكان خجيراي في الطريق ابن مناذر وكان لي إلفاً وخدناً وصديقاً فدخلت مكة فسألت عنه فقالوا: لا يبرح المسجد فدخلت المسجد فالتمسته فوجدته بفناء زمزم وعنده أصحاب الأخبار والشعراء يكتبون عنه فسلمت وأنا أقدر أن يكون عنده من الشوق إلي مثل ما عندي فرفع رأسه فرد السلام رداً ضعيفاً ثم رجع إلى القوم يحدثهم ولم يحفل بي فقلت في نفسي: أتراه ذهبت عنه معرفتي! فبينا أنا أفكر إذ طلع أبو الصلت بن عبد الوهاب الثقفي من باب بني شيبة داخلاً المسجد فرفع رأسه فنظر إليه ثم أقبل علي فقال: أتعرف هذا فقلت: نعم هذا الذي يقول فيه من قطع الله لسانه:

إذا أنت تعلقت بحبلٍ من أبي الصلت

تعلقت بحبل وا هن القوة منـبـت

قال: فتغافل عني وأقبل عليهم ساعة ثم أقبل علي فقال: من أي البلاد أنت قلت: من أهل البصرة قال: وأين تنزل منها قلت: بحضرة بني عائش الصوافين قال: أتعرف هناك ابن زانية يقال له: حجاج الصواف قلت: نعم تركته ينيك أم ابن زانيةٍ يقال له: ابن مناذر فضحك وقام إلي فعانقني.

هجاؤه حجاج الصواف قال مؤلف هذا الكتاب: ولابن مناذر هجاءٌ في حجاج الصواف على سبيل العبث وهو قوله:

إن ادعاء الحجاج في العرب عند ثقيف من أعجب العـجـب

وهو ابن زانٍ لألف زانيةٍ وألف علجٍ معلـهـج الـنـسـب

ولو دعاه داعٍ فقال لـه: يا ألأم الـنـاس كـلـهـم أجـب

ولو دعاه داعٍ فقال له: من المعلى في الـلـؤم قـال: أبـي

أبوه زانٍ والأم زانيةٌ بنت زنـاةٍ مـهـتـوكة الـحـجـب

تقول: عجل أدخل لنائكها اتركه في استي إن شئت أو ركبـي

من ناكني فيهما فأوسعني رهزاً دراكاً أعطـيتـه سـلـبـي

هم حري النيك فابتغوا لحري أير حمارٍ أقضـي بـه أربـي

أحب أير الحمار وابأبـي فـيشة أير الـحـمـار وابـأبـي

إذا رأته قالت: فديتك يا قرة عيني ومنـتـهـى طـلـبـي

إذا سمعت النهيق هاج حري شوقاً إليه وهاج لي طـربـي

يأخذني في أسافلي وحري مثل اضطرام الحريق في الحطب

شكت إلي نسوة فقلن لها وهي تنادي بـالـويل والـحـرب:

كفي قليلاً قالت: وكيف وبي في جوف صدعي كحكة الجرب

أرى أيور الرجال من عصبٍ ليت أيور الرجال من خـشـب

هجاء إسكاف بالبصرة فهرب منها

أخبرني الحسن بن علي قال: حدثني أحمد بن محمد الرازي أبو عبد الله قال: حدثني أبو بجير قال: كان ابن مناذر يجلس إلى إسكاف بالبصرة فلا يزال يهجوه بالأبيات فيصيح من ذلك ويقول له: أنا صديقك فاتق الله وأبق على الصداقة وابن مناذر يلح فقال الإسكاف: فإني أستعين الله عليك وأتعاطى الشعر فلما أصبح غدا عليه ابن مناذر كما كان يفعل فأخذ يعبث به ويهجوه فقال الإسكاف:

كثرت أبوته وقل عديده ورمى القضاء به فراش مـنـاذر

عبد الصبيريين لم تك شاعراً كيف ادعيت اليوم نسبة شاعر!

فشاع هذان البيتان بالبصرة ورواهما أعداؤه وجعلوا يتناشدونهما إذا رأوه فخرج من البصرة إلى مكة وجاور بها فكان هذا سبب هربه من البصرة.
أخبرني عمي قال: حدثنا الكراني عن أبي حاتم قال: قال ابن مناذر: ما مر بي شيء قط أشد علي مما مر بي من قول أبي العسعاس في:

كثرت أبوته وقل عديده ورمى القضاء به فراش مناذر

انظر بكم صنف قد هجاني في هذا البيت قبحه الله ثم منعني من مكافأته أني لم أجد له نباهة فأغضها ولا شرفاً فأهدمه ولا قدراً فأضعه.
أخبرني عمي قال: حدثني الكراني قال: حدثني بشر بن دحية الزيادي أبو معاوية قال: سمعت ابن مناذر يقول: إن الشعر ليسهل علي حتى لو شئت ألا أتكلم إلا بشعر لفعلت. أخبرني هاشم بن محمد الخزاعي قال: حدثنا العباس بن ميمون طايع قال: حدثني بعض أصحابنا قال: رأيت ابن مناذر بمكة وهو يتوكأ على رجل يمشي معه وينشد:

إذا ما كدت أشكوها إلى قلبي لها شفعا

ففرق بيننا دهرٌ يفرق بين ما اجتمعـا

فقلت: إن هذا لا يشبه شعرك فقال: إن شعري برد بعدك.
ذم امرأة محمد بن عبد الوهاب الثقفي أخبرني عيسى بن الحسين الوراق قال: حدثنا أبو أيوب المديني قال: حدثنا بعض أصحابنا أن محمد بن عبد الوهاب الثقفي تزوج امرأةً من ثقيف يقال لها عمارة وكان ابن مناذر يعاديه فقال في ذلك:

لما رأيت القصف والشاره والبز ضاقت به الحـاره

والآس والريحان يرمى به من فوق ذي الدارة والداره

قلت: لمن ذا قيل: أعجوبةٌ محـمـدٌ زوج عـمـاره

ويحك فري واعصبي فاك لي فهذه أخـتـك فـراره

قال: فوالله ما لبثت عنده إلا مديدة حتى هربت وكانت لها أختٌ قبلها متزوجة إلى بعض أهل البصرة ففركته وهربت منه فكانوا يعجبون من موافقة فعلها قول ابن مناذر.

شعر له في أبي أمية خالد

قال أبو أيوب: وحدثت أن أبا أمية واسمه خالد – وهو الذي يقول فيه أبو نواس:

أيها المقبلان من حكمان كيف خلفتما أبا عثـمـان

وابا أمية المهذب والما جد والمرتجى لريب الزمان

– كان خطب امرأة من ثقيف ثم ولد عثمان بن أب العاصي فرد عنها وتصدى للقاضي أن يضمنه مالاً من أموال اليتامى فلم يجبه إلى ذلك ولم يثق به فقال فيه ابن مناذر:

أبا أمية لا تغضب علي فما جزاء ما كان فيما بيننا الغضـب

إن كان ردك قومٌ عن فتاتهم ففي كثير من الخطاب قد رغبوا

قالوا: عليك ديورٌ ما تقوم بها في كل عام تستحدث الكـتـب

وقد تقحم من خمسين غايتها مع أنه ذو عيال بعد ما انشعبـوا

أردت أموال أيتام تضمنها وما يضمن إلا مـن لـه نـشـب

بلغه عن ابن دأب قول قبيح فهجاه أخبرني محمد بن خلف وكيع قال: حدثني أحمد بن زهير قال: سمعت إبراهيم بن المنذر الخزامي يقول: بلغ ابن مناذر عن ابن دأب قولٌ قبيحٌ قال: فدعاني وقال: اكتب:

فمن يبغ الوصاة فإن عندي وصاةً للكهول وللـشـبـاب

خذوا عن مالكٍ وعن ابن عونٍ ولا ترووا أحاديث ابن داب

ترى الغاوين يتبعون منها ملاهي مـن أحـاديث كـذاب

إذا التمست منافعها اضمحلت كما يرفض رقراق السحاب

قال: فرويت وافتضح بها ابن دأب. قال الحزامي: فلما قدمت العراق وجدتهم قد جعلوها: خذوا عن يونسٍ وعن ابن عون

رثاؤه الرشيد

أخبرني عمي قال: حدثنا الكراني قال: حدثنا أبو حاتم قال:

من كان يبكي للعلا ملكاً وللهمم الشريفه

فليبك هارون الخلي فة للخليفة والخليفه

هجاؤه خالد بن طليق

أخبرني محمد بن خلف وكيع قال: حدثنا أحمد بن أبي خيثمة عن محمد بن سلام قال: كان محمد بن طليق وسائر بني طليق أصدقاء لابن مناذر فلما ولي المهدي الخلافة استقصى خالد بن طليق وعزل عبيد الله بن الحسن بن الحر فقال ابن مناذر يهجو خالداً مجوناً وخبثاً منه:

أصبح الحاكم يالن اس من آل طليق

جالساً يحكم في النا س بحكم الجاثليق

يدع القصد ويهوي في بنيات الطريق

يا أبا الهيثم ما كن ت لهذا بخـلـيق

لا ولا كنت لما حمل لت منه بمطيق

حبله حبل غرورٍ عنده غـير وثـيق

قال ابن سلام: فقلت لابن مناذر: ويحك إذا بلغ إخوانك وأصدقاءك من آل طليق أنك هجوتهم ما يقولون لك وبأي شيء تعتذر إليهم فقال: لا يصدقون إذا بلغهم أني هجوتهم بذلك لأنهم يثقون بي.

مدح بني مخزوم لأنهم زاروه في مرضه

أخبرني الحسن بن علي قال: حدثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال: حدثني الحسن بن عليل عن مسعود بن بشر قال: حدثنا محمد بن مناذر قال: كنت بمكة فاشتكيت فلم يعدني من قريش غلا بنو مخزوم وحدهم فقلت أمدحهم:

جاءت قريشٌ تعودني زمراً فقد وعى أحرها لها الحفظه

ولم تعدني تيمٌ وإخوتها وزارني الغر من بنـي يقـظـه

لن يبرح العز منهم أبداً حتى تزول الجبال من قـرظـه

ابن عائشة يطلب سماع مرثيته في عبد المجيد

أخبرني الحسن عن ابن مهرويه عن إسحاق بن محمد النخعي قال:

كنا عند ابن عائشة فقال لعبد الرحمن ابنه: أنشدني مرثية ابن مناذر عبد المجيد فجعل ينشدها لأقيمن مأتماً كنجوم الليل زهراً يخمشن حر الخدود

فقال ابن عائشة: هذا كلام لين كأنه من كلام المخنثين فلما أتى على هذا البيت:

كنت لي عصمةً وكنت سماءً بك تحيا أرضي ويخضر عودي

فقال: هذا بيتها ثم أنشد:

إن عبد المجيد يوم تولى هد ركناً ما كان بـالـمـهـدود

ما درى نعشه ولا حاملوه ما على النعش من عفاف وجود

وأرانا كالزرع يحصدنا الده ر فمن بين قـائمٍ وحـصـيد

فقال ابن عائشة: أجعله زرعاً يحصدنا الله فليس هذا من كلام المسلمين ألا ترى إلى قوله: إنه يقول:

يحكم الله ما يشاء فيمضي ليس حكم الإله بالمردود

عاقبه الرشيد على رثائه البرامكة

أخبرني محمد بن يحيى الصولي قال: حدثني محمد بن موسى ولم يتجاوزه بالإسناد.
ونسخت هذا الخبر من كتاب ابن أبي مريم الحاسب: حدثني ابن القداح وعبد الله بن إبراهيم حج الرشيد بعد إيقاعه بالبرامكة وحج معه الفضل بن الربيع وكنت مضيقاً مملقاً فهيأت فيه قولاً أجدت تنميقه وتنوقت فيه فدخلت إليه في يوم التروية وإذا هو يسأل عني ويطلبني فبدرني الفضل بن الربيع قبل أن أتكلم فقال: يا أمير المؤمنين هذا شاعر البرامكة ومادحهم وقد كان البشر ظهر لي في وجهه لما دخلت فتنكر وعبس في وجهي فقال الفضل: مره يا أميرالمؤمنين أن ينشدك قوله فيهم: أتانا بنو الأملاك من آل برمك فقال لي: أنشد فأبيت فتوعدني وأكرهني فأنشدته:

أتانا بنو الأملاك من آل برمكٍ فيا طيب أخبارٍ ويا حسن منظـر

إذا وردوا بطحاء مكة أشرقت بيحيى وبالفضل بن يحيى وجعفر

فتظلم بغدادٌ ويجلو لنا الدجى بمكة ما حجـوا ثـلاثة أقـمـر

فما صلحت إلا لجودٍ أكفهم وأرجلهـم إلا لأعـواد مـنـبـر

إذا راض يحيى الأمر ذلت صعابه وحسبك من راعٍ له ومدبـر

ترى الناس إجلالاً له وكأنهم غرانيق ماءٍ تحت باز مصرصـر

ثم أتبعت ذلك بأن قلت: كانوا أولياءك يا أمير المؤمنين أيام مدحتهم وفي طاعتك لم يلحقهم سخطك ولم تحلل بهم نقمتك ولم أكن في ذلك مبتدعاً ولا خلا أحدٌ من نظرائي من مدحهم وكانوا قوماً قد أظلني فضلهم وأغناني رفدهم فأثنيت بما أولوا فقال: يا غلام الطم وجهه فلطمت والله حتى سدرت وأظلم ما كان بيني وبين أهل المجلس ثم قال: اسحبوه على وجهه ثم قال: والله لأحرمنك ولا تركت أحداً يعطيك شيئاً في هذا العام فسحبت حتى أخرجت وانصرفت وأنا أسوأ الناس حالاً في نفسي وحالي وما جرى علي ولا والله ما عندي ما يقيم يومئذ قوت عيالي لعيدهم فإذا بشاب قد وقف علي ثم قال: أعزز علي والله يا كبيرنا بما جرى عليك ودفع إلي صرةً وقال: تبلغ بما في هذه فظننتها دراهم فإذا هي مائة دينار – قال الصولي في خبره: فإذا هي ثلاثمائة دينار – فقلت له: من أنت جعلني الله فداءك! قال: أنا أخوك أبو نواس فاستعن بهذه الدنانير واعذرني فقبلتها وقلت: وصلك الله يا أخي وأحسن جزاءك.

كافأه جعفر بن يحيى على القراءة بعد تركه الشعر أخبرني الحسن بن علي قال: حدثنا ابن مهرويه قال: حدثنا يحيى بن الحسن الربيعي قال: حدثنا أبو معاوية الغلابي قال: قال سفيان بن عيينة: كلمني ابن مناذر في أن أكلم له جعفر بن يحيى فكلمته له وقد كان ابن مناذر ترك الشعر فقال: إن أحب أن يعود إلى الشعر أعطيته خمسين ألفاً وإن أحب أن أعطيه على القراءة أعطيته عشرة آلاف فذكرت ذلك له فقال لي: خذ لي على القراءة فإني لا آخذ على الشعر وقد تركته.

أخبرني عمي عن الكراني عن الرياشي قال: قال العتبي: جاءت قصيدة لا يدرى من قائلها فقال ابن مناذر:

هذه الدهماء تجري فيكم أرسلت عمداً تجر الرسنا

قال يصف الألفة بين الرشيد وجعفر

قال الكراني: وحدثني الرياشي قال: سمعت خلف بن خليفة يقول: قال لي ابن مناذر: قال لي جعفر بن يحيى: قل في وفي الرشيد شعراً تصف فيه الألفة بيننا فقلت:

قد تقطع الرحم القريب وتكفر الن عمى ولا كتقارب القلبين

يدني الهوى هذا ويدني ذا الهوى فإذا هما نفسٌ ترى نفسين

قال مؤلف هذا الكتاب: هذا أخذه من كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم نقلاً فإن ابن عيينة روى عن إبراهيم بن ميسرة عن طاوس عن ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” إن الرحم تقطع وإن النعم تكفر ولن ترى مثل تقارب القلوب “.

أخبرني هاشم بن محمد قال: حدثنا العباس بن ميمون قال: حدثنا سليمان الشاذكوني قال: كنا عند سفيان بن عيينة فحدث عن ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله عز وجل: ” قالوا سلاماً ” قالوا سداداً فقال ابن مناذر وهو إلى جنبي: التنزيل أبين من التفسير.

خبره مع أبي حية النميري

أخبرني عمي قال: حدثنا الكراني عن أبي حاتم وعن العتبي عن أبي معبد قال: مر بنا أبو حية النميري ونحن عند ابن مناذر فقال لنا: علام اجتمعتم فقلنا: هذا شاعر المصر فقال له: أنشدني فأنشده ابن مناذر فلما فرغ قال له أبو حية: ألم أقل لك: أنشدني فقالوا له: أنشدنا أنت يا أبا حية فأنشدهم قوله:

ألا حي من أجل الحبيب المغانيا لبسن البلى مما لبسن اللياليا

إذا ما تقاضى المرء يومٌ وليلةٌ تقاضاه شيء لا يمل التقاضيا

فلما فرغ قال له ابن مناذر ما أرى في شعرك شيئاً يستحسن فقال له ما في شعري شيءٌهجا خالد بن طليق وعيسى بن سليمان

أخبرني عمي قال: حدثني الكراني عن ابن عائشة قال: ولي خالد بن طليق القضاء بالبصرة وعيسى بن سليمان الإمارة بها فقال محمد بن مناذر يهجوهما بقوله:

الحمد لله على ما أرى خالدٌ القاضي وعيسى أمير

لكن عيسى نوكه ساعة ونوك هذا منجنـونٌ يدور

وقال في شيرويه الزيادي وشيرويه لقب واسمه أحمد وسأله حاجةً فأبى أن يقضيها إلا على أن يمدحه:

يا سمي النبي بالعربيه وسمي الليوث بالفـارسـيه

إن غضبنا فأنت عبد ثقيفٍ أو رضينا فأنت عبد أميه

فغضب شيرويه وجعل يشتمه وشاع الشعر بالبصرة فكان بعد ذلك إذا قيل لشيرويه: ابن مناذر عليك غضبان أو عنك راض يشتم من يقول له ذلك.
أخبرني الحسن بن القاسم الكوكبي قال: حدثنا ابن أبي الدنيا قال: سمعت محمد بن قدامة سمعت سفيان بن عيينة يقول لمحمد بن مناذر: كأنك بي قد مت فرثيتني فلما مات قال ابن مناذر يرثيه:

إن الذي غودر بالمنحنى هد من الإسلام أركانا

راحوا بسفيان على نعشه والعلم مكسوين أكفانا

لا يبعدنك الله من هالكٍ ورثتنا علماً وأحزانـا

يفسر كلماتٍ لعبد الله بن مروان

أخبرنا عمي قال: حدثنا عبد الله بن أبي سعد قال: حدثنا عبد الله بن مروان بن معاوية الفزاري قال: حدثنا سفيان قال: سمعت أعرابيةً تقول: من يشتري مني الحزاة فقلت لها: وما الحزاة قالت: تشتريها النساء للطشة والخافية والإقلات. قال عبد الله بن مروان: فسألت ابن مناذر عن تفسير ذلك فقال: الطشة: وجع يصيب الصبيان في رؤوسهم كالزكام. والخافية: ما خفي من العلل المنسوبة إلى أذى الجن. والإقلات: قلة الولد. وأنشدني ابن مناذر بعقب ذلك:

بغاث الطير أكثرها فراخاً وأم الصقر مقلاتٌ نزور

أخبرني محمد بن الحسن بن دريد قال: حدثني أبو حاتم قال: سمعت محمد بن مناذر يقول: العذراء: البتول والبتور والبتيل واحد وهي المنقطعة إلى ربها.

قال: وسأله – يعني 0 – أبو هريرة الصيرفي بحضرتي فقال: كيف تقول: أما لا أو إما لا فقال له مستهزئاً به: أما لا ثم التفت إلي فقال أسمعت أعجب من هذه المسألة!.
يجيب على سؤال لم يجب عنه أبو عبيدة أخبرني الحسن بن علي قال: حدثني ان مهرويه قال: حدثني العباس بن الفضل الربعي قال: حدثنا التوزي قال: سألت أبا عبيدة عن اليوم الثاني من النحر: ما كانت العرب تسميه قال: ليس عندي من ذلك علم. فلقيت ابن مناذر بمكة فأخبرته بذلك فعجب وقال: أيسقط هذا عن مثل أبي عبيدة! هي أربعة أيام متواليات كلها على الراء: أولها يوم النحر والثاني يوم القر والثالث يوم النفر والرابع يوم الصدر. فحدثته – يعني أبا عبيدة – فكتبه عن ابن مناذر وقد روى ابن مناذر الحديث المسند ونقله عنه المحدثون.

بعض روايات لهأخبرني عمي قال: حدثنا الكراني قال: حدثنا الخليل بن أسد عن محمد بن مسعدة الدارع حدثني محمد بن مناذر الشاعر قال: حدثني سفيان الثوري عن الأغر عن وهب بن منبه قال: كان يقال: الحياء من الإيمان والمذى – مكسور الميم مقصور – من النفاق فقلت: إن الناس يقولون: المذاء فقال: هو كما أخبرتك فقلت له: وما المذا قال: اللين في أمر النساء ومنه درعٌ ماذي وعسلٌ ماذي.

أخبرني الحسن بن علي قال: حدثنا ابن مهرويه قال: حدثني إبراهيم بن عبد الله بن الجنيد قال: حدثني حامد بن يحيى البلخي قال: حدثني محمد بن مناذر الشاعر قال: حدثني يحيى بن عبد الله بن مجالد عن الشعبي عن مسروق عن عبد الله قال: لما نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر إلى القتلى وهم مصرعون قال لأبي بكر: ” لو أن أبا طالب حي لعلم أن أسيافنا قد أخذت بالأماثل ” يعني قول أبي طالب:

كذبتم وبيت الله إن جد ما أرى لتلتبسن أسيافنا بالأماثل

أخبرني محمد بن خلف قال: حدثني إسحاق بن محمد النخعي قال: حدثنا ابن مناذر قال: حدثنا سفيان بن عيينة عن إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم قال: قال علي: ” ما قام بي من النساء إلا الحارقة أسماء “. قال ابن مناذر: الحارقة: التي أخبرني محمد بن عمران الصيرفي قال: حدثنا الحسن بن عليل العنزي عن العباس بن عبد الواحد عن محمد بن عمرو عن محمد بن مناذر عن سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن طاوس عن أبي هريرة قال: جاء الشيطان إلى عيسى قال: ألست تزعم أنك صادق قال: بلى قال: فأوف على هذه الشاهقة فألق نفسك منها فقال: ويلك ألم يقل الله: يابن آدم لا تبلني بهلاكك فإني أفعل ما أشاء.

كتب رقعة فيها شعر لغلام في مسجد البصرة أخبرني عيسى بن الحسين الوراق عن حماد بن إسحاق عن أبيه قال: نظر محمد بن مناذر إلى غلام حسن الوجه في مسجد البصرة فكتب إليه بهذه الأبيات:

وجدت في الآثار في بعض ما حدثنا الأشياخ في المسند

مما روى الأعمش عن جابرٍ وعامر الشعبي والأسـود

وما روى شعبة عن عاصمٍ وقاله حماد عـن فـرقـد

وصيةً جاءت إلى كل ذي خد خلا من شـعـرٍ أسـود

أن يقبلوا الراغب في وصلهم فاقبل فإني فيك لم أزهد

فلما قرأها الفتى ضحك وقلب الرقعة وكتب على ظهرها: لست شاعراً فأجيبك ولا فاتكاً فأساعدك وأنا أعوذ بالله ربك من شرك.

رواية أخرى في خبره مع أبي العتاهية أخبرني محمد بن عمران الصيرفي قال: حدثنا الحسن بن عليلي العنزي قال: حدثنا محمد بن عبد الله العبدي: قال: حدثنا علي بن المبارك الأحمر قال: لقي أبو العتاهية ابن مناذر بمكة فجعل يمازحه ويضاحكه ثم دخل على الرشيد فقال: يا أمير المؤمنين هذا ابن مناذر شاعر البصرة يقول قصيدة في سنة وأنا أقول في سنة مائتي قصيدة فقال الرشيد: أدخله إلي فأدخله إليه وقدر أنه يضعه عنده فدخل فسلم ودعا فقال: ما هذا الذي يحكيه عنك أبو العتاهية فقال ابن مناذر: وما ذاك يا أمير المؤمنين قا: زعم أنك تقول قصيدةً في سنة وأنه يقول كذا وكذا قصيدة في السنة فقال: يا أمير المؤمنين لو كنت أقول كما يقول:

ألا يا عتبة الساعه أموت الساعة الساعه

لقلت منه كثيراً ولكني الذي أقول:

إن عبد المجيد يوم تولى هد ركناً ما كان بالمهدود

فقال له الرشيد: هاتها فأنشدنيها فأنشده فقال الرشيد: ما كان ينبغي أن تكون هذه القصيدة إلا في خليفة أو ولي عهد ما لها عيبٌ إلا أنك قلتها في سوقة وأمر له بعشرة آلاف درهم فكاد أبو العتاهية يموت غماً وأسفاً.

سئل عنه يحيى بن معين فذمه أخبرني الحسن بن علي قال: حدثنا ابن مهرويه قال: حدثنا إبراهيم بن الجنيد قال: سألت يحيى بن معين عن محمد بن مناذر الشاعر فقال: لم يكن بثقةٍ ولا مأمون رجل سوء نفي من البصرة ووصفه بالمجون والخلاعة فقلت: إنما تكتب شعره وحكاياتٍ عن الخليل بن أحمد فقال: هذا نعم. وأما الحديث فلست أراه موضعاً له.

وفاته بعد أن كف بصره

أخبرني الحسن قال: حدثني ابن مهرويه قال: حدثني علي بن محمد النوفلي قال: رأيت ابن مناذر في الحج سنة ثمانٍ وتسعين ومائة قد كف بصره تقوده جويرية حرة وهو واقف يشتري ماء قربة فرأيته وسخ الثوب والبدن فلما صرنا إلى البصرة أتتنا وفاته في تلك الأيام. تذاكرنا ابن مناذر في حلقة يونس فقدح فيه أكثر أهل الحلقة حتى نسبوه إلى الزندقة فلما صرت في السقيفة التي في مقدم المسجد سمعت قراءة قريبة من حائط القبلة فدنون فإذا ابن مناذر قائمٌ يصلي فرجعت إلى الحلقة فقلت لأهلها: قلتم في الرجل ما قلتم وها هو قائمٌ يصلي حيث لا يراه إلا الله عز وجل.

خبره مع أبي خيرة

أخبرني محمد بن جعفر الصيدلاني النحوي قال: حدثنا أحمد بن القاسم البرقي قال: حدثنا أحمد بن يعقوب قال: حدثني أحمد بن يحيى الهذلي التمار عن عبد الله بن عبد الصمد الضبي قال: كنا يوماً جلوساً في حلقة هبيرة بن جرير الضبي إذ أقبل محمد بن مناذر في برد قد كسته إياه بانة بنت أبي العاص فسلم علي وحدي ولم يعرف منهم أحداً ثم قام فجلس إلى أبي خيرة فخاطبه مخاطبة خفيفة وقام مغضباً فقال لي هبيرة: من هذا فقلت: محمد بن مناذر فقال:

إنا لله قوموا بنا فقام إلى أبي خيرة فقال له: ماذا قال لك ابن مناذر قال: سألني عن شيء وكنت مشغولاً عنه فقال: يا أبا خيرة إن العشائر تغبطنا لعلمك وما جعل الله عندك فنشدناك عرادة من بقية قوم لوطٍ ألا تباً لما فعلوا تبابا

أتدري من كان عندك آنفاً قال: لا قال: ابن مناذر وما تعرض لأعراض قومٍ قط إلا هتكها وهتكهم فإذا جاءك يسألك عن شيء فأجبه ولا تعتل عليه بالبول ولا تطلب منه شيئاً وكل ما أردت من جهته ففي مالي قال: أفعل. قال: وكان أبو خيرة إذا سأله إنسان عن شيء ولم يعطه شيئاً يعتل عليه بالبول. فما شعرنا من غد إلا بابن مناذر وقد أقبل فعلمنا أنه قصد أبا خيرة فأتيناه فلما رأى جمعنا استحيا منا وسلم علينا وتبسم ثم قال: يا أبا خيرة قد قلت شعراً وقبيحٌ بمثلي أن يسأل عنه فلا يدري ما فيه وإني ذكرت فيه إنساناً فشبهته بالأفار فأي شيء هو فاحمر وجه أبي خيرة واضطرب وقال: هو التيس الوثاب الذي ينزو وقضيبه رخو فلا يصل فقال: جزيت خيراً ووثب وهو يضحك فقمنا إليه وقلنا: قد علمنا أنك عنيت هذا الشيخ فإن رأيت أن تهبه لنا فافعل فإنه شيخنا قال: والله ما عنيت غيره وقد وهبته لكم وكرامةً والله لا يسمع مني أحدٌ ما قلت فيه ولا أذكره إلا بخير أبداً وإن كان قد أساء العشرة أمس.

صوت

لا زلت تنشر أعياداً وتطويها تمضي بها لك أيامٌ وتمضيهـا

ولا تقضت بك الدنيا ولا برحت تطوي لك الدهر أياماً وتفنيها

الشعر لأشجع السلمي والغناء لإبراهيم الموصلي ثاني مطلق في مجرى البنصر وفيه لمحمد قريض لحن من الثقيل الأول وهو من مشهور غنائه ومختاره.