أخبار ابن مفرغ ونسبه

أخبار ابن مفرغ ونسبه

نسبه وسبب تلقيب جده مفرغاً

هو يزيد بن ربيعة بن مفرغ ولقب جده مفرغاً لأنه راهن على سقاء لبن أن يشربه كله فشربه كله حتى فرغه فلقب مفرغاً ويكنى أبا عثمان وهو من حمير فيما يزعم أهله وذكر ابن الكلبي وأبو عبيدة أن مفرغاً كان شعاباً بتبالة فادعى أنه من حمير. وقال علي بن محمد النوفلي: ليس أحدٌ بالبصرة من حمير إلا آل الحجاج بن ناب الحميري وبيتاً آخر ذكره ودفع بيت ابن مفرغ.

أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان قال: أخبرني أحمد بن الهيثم القرشي قال: أخبرني العمري عن لقيط بن بكر المحاربي قال: هو يزيد بن ربيعة ابن مفرغ الحميري حليف قريش ثم حليف آل خالد بن أسيد بن أبي العيص بن أمية بن عبد شمس. قال العمري: وكان ابن المكي يقول: كان مفرغ عبداً للضحاك بن عبد عوف الهلالي فأنعم عليه.

قال محمد بن خلف: أخبرني محمد بن عبد الرحمن الأسدي عن محمد بن رزين قال: قال كان ربيعة ابن مفرغ شعاباً بالمدينة وكان ينسب إلى حمير وإنما سمي مفرغاً لتفريغه العس وكان شاعراً غزلاً محسناً والسيد من ولده.

أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان قال: حدثني أبو العيناء قال: سئل الأصمعي عن شعر تبع وقصته ومن وضعهام فقال: ابن مفرغ وذلك أن يزيد بن معاوية لما سيره إلى الشام وتخلصه من عباد بن زياد أنزله الجزيرة وكان مقيماً برأس عين وزعم أنه من حمير ووضع سيرة تبع وأشعاره وكان النمر بن قاسط يدعي أنه منهم.

وقال الهيثم بن عدي: هو يزيد بن زياد بن ربيعة ابن مفرغ اليحصبي من حمير يحصب بن مالك بن زيد بن الغوث بن سعد بن عوف بن عدي بن مالك بن زيد بن سهل بن عمرو بن قيس بن معاوية بن جشم بن عبد شمس بن وائل بن الغوث بن الهميسع بن حمير بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان.

أخبرني بخبره جماعة من مشايخنا منهم أحمد بن عبد العزيز الجوهري عن عمر بن شبة ومحمد بن خلف بن المرزبان عن جماعة من أصحابه وأحمد بن عبد العزيز الجوهري عن علي بن محمد النوفلي عن أبيه فما اتفقت رواياتهم من خبره جمعتها في ذكره وما اختلفت أفردت كل منفرد منهم بروايته.

ووصيته سعيد بن عثمان

أخبرني محمد بن الحسن بن دريد قال: حدثنا أبو حاتم عن أبي عبيدة عن مسلمة بن محارب وأخبرني الجوهري قال: حدثنا عمر بن شبة وأخبرنا محمد بن العباس اليزيدي قال: قرأت على محمد بن الحسن بن دريد عن ابن الأعرابي وأخبرني محمد بن خلف بن المرزبان قال: حدثنا أحمد بن الهيثم قال: حدثنا العمري عن لقيظ بن بكير قالوا جميعاً: لما ولي سعيد بن عثمان بن عفان خراسان استصحب يزيد بن ربيعة بن مفرغ واجتهد به أن يصحبه فأبى عليه وصحب عباد بن زياد فقال له سعيد بن عثمان: أما إذ أبيت أن تصحبني وآثرت عباداً فاحفظ ما أوصيك به إن عباداً رجل لئيم فإياك والدالة عليه وإن دعاك إليها من نفسه فإنها خدعة منه لك عن نفسك وأقلل زيارته فإنه طرفٌ ملول ولا تفاخره وإن فاخرك فإنه لا يحتمل لك ما كنت أحتمله. ثم دعا سعيد بمال فدفعه إلى ابن مفرغ وقال: استعن به على سفرك فإن صلح لك مكانك من عباد وإلا فمكانك عندي ممهدٌ فائتني ثم سار سعيد إلى خراسان وتخلف ابن مفرغ عنه وخرج معه عباد.
قال ابن دريد في خبره عن مسلمة بن محارب: فلما بلغ عبيد الله بن زياد صحبة ابن مفرغ أخاه عباداً شق عليه فلما سار أخوه عبادٌ شيعه وشيع الناس معه وجعلوا يودعونه ويودع الخارجون مع عباد عبيد الله بن زياد فلما أراد عبيد الله أن يودع أخاه دعا ابن مفرغ فقال له:  إنك سألت عباداً أن تصحبه وأجابك إلى ذلك وقد شق علي فقال له ابن مفرغ: ولم أصلحك الله قال: لأن الشاعر لا يقنعه من الناس ما يقنع بعضهم من بعض لأنه يظن فيجعل الظن يقيناً ولا يعذر في موضع العذر وإن عباداً يقدم على أرض حرب فيشتغل بحروبه وخراجه عنك فلا تعذره أنت وتكسبنا شراً وعاراً فقال له: لست كما ظن الأمير وإن لمعروفه عندي لشكراً كثيراً وإن عندي – إن أغفل أمري – عذراً ممهداً قال: لا ولكن تضمن لي إن أبطأ عنك ما تحبه إلا تعجل عليه حتى تكتب إلي قال: نعم قال: امض إذاً على الطائر الميمون: قال: فقدم عبادٌ خراسان واشتغل بحربه وخراجه فاستبطأه ابن مفرغ ولم يكتب إلى عبيد الله بن زياد يشكوه كما ضمن له ولكنه بسط لسانه فذمه وهجاه.

يهجو عباداً ببيت من الشعر

وكان عبادٌ عظيم اللحية كأنها جوالق فسار يزيد بن مفرغ يوماً مع عباد فدخلت الريح فنفشتها فضحك ابن مفرغ وقال لرجل من لخم كان إلى جنبه قوله:

ألا ليت اللحى كانت حشيشاً فنعلفها خيول المسلمينا

فسعى به اللخمي إلى عباد فغضب من ذلك غضباً شديداً وقال: لا يجمل بي عقوبته في هذه الساعة مع الصحبة لي وما أؤخرها إلا لأشفي نفسي منه لأنه كان يقوم فيشتم أبي في عدة مواطن وبلغ الخبر ابن مفرغ فقال: إني لأجد ريح الموت من عباد.

يطلب من عباد الإذن في الرجوع ثم دخل عليه فقال له: أيها الأمير إني كنت مع سعيد بن عثمان وقد بلغك رأيه في ورأيت جميل أثره علي وإني اخترتك عليه فلم أحظ منك بطائل وأريد أن تأذن لي في الرجوع فلا حاجة لي في صحبتك فقال له: أما اختيارك إياي فإني اخترتك كما اخترتني واستصحبتك حين سألتني وقد أعجلتني عن بلوغ محبتي فيك وقد طلبت الإذن لترجع إلى قومك فتفضحني فيهم وأنت على الإذن قادر بعد أن أقضي حقك فأقام. وبلغ عباداً أنه يسبه ويذكره وينال من عرضه وأجرى عباد الخيل فجاء سابقاً فقال ابن مفرغ: سبق عبادٌ وصلت لحيته وطلب عليه العلل ودس إلى قوم كان لهم عليه دين فأمرهم أن يقدموه إليه ففعلوا فحبسه وأضر به فبعث إليه أن بعني الأراكة وبرداً وكانت الأراكة قينةً لابن مفرغ. وبردٌ غلامه رباهما وكان شديد الضن بهما فبعث إليه ابن مفرغ مع الرسول: أيبيع المرء نفسه أو ولده فأضر به عباد حتى أخذهما منه. هذه رواية مسلمة.

وأما لقيط وعمر بن شبة فإنهما ذكرا أنه باعهما عليه فاشتراهما رجل من أهل خراسان. قال لقيط: فلما دخلا منزله قال له برد وكان داهيةً أريباً: أتدري ما اشتريت قال: نعم اشتريتك وهذه الجارية. قال: لا والله ما اشتريت إلا العار والدمار والفضيحة أبداً ما حييت فجزع الرجل وقال له: كيف ذلك ويلك! قال: نحن ليزيد بن ربيعة بن مفرغ والله ما أصاره إلى هذه الحال إلا لسانه وشره أفتراه يهجو ابن زياد – وهو أمير خراسان وأخوه أمير العراقين وعمه الخليفة – في أن استبطأه ويمسك عنك وقد ابتعتني وابتعت هذه الجارية وهي نفسه التي بين جنبيه والله ما أرى أحداً أدخل بيته أشأم على نفسه وأهله مما أدخلته منزلك فقال: فاشهد أنك وإياها له فإن شئتما أن تمضيا إليه فامضيا على أني أخاف على نفسي إن بلغ ذلك ابن زياد وإن شئتما أن تكونا له عندي فافعلا قال: فاكتب إليه بذلك. فكتب الرجل إلى ابن مفرغ في الحبس بما فعله فكتب إليه يشكر فعله وسأله أن يكونا عنده حتى يفرج الله عنه.

قال: وقال عباد لحاجبه: ما أرى هذا – يعني ابن مفرغ – يبالي بالمقام في الحبس فبع فرسه وسلاحه وأثاثه واقسم ثمنها بين غرمائه ففعل ذلك وقسم الثمن بينهم وبقيت عليه بقيةٌ حبسه بها. فقال ابن مفرغ يذكر غلامه برداً وجاريته الأراكة وبيعهما:

شريت برداً ولو ملكت صفقته لما تطلبت في بـيع لـه رشـدا

لولا الدعي ولولا ما تعرض لي من الحوادث ما فارقتـه أبـدا

يا برد ما مسنا برد أضر بنا من قبل هذا ولا بعـنـا لـه ولـدا

ا الأراك فكانت من محارمنا عيشاً لذيذاً وكانـت جـنة رغـدا

كانت لنا جنة كنا نعيش بها نغنى بها إن خشينا الأزل والنـكـدا

يا ليتني قبل ما ناب الزمان به أهلي لقيت على عدوانه الأسـدا

قد خاننا زمن لم نخش عثرته من يأمن اليوم أم من ذا يعيش غدا!

لامتني النفس في برد فقلت له لا تهلكي إثر بردٍ هكذا كـمـدا

كم من نعيمٍ أصبنا من لذاذته قلنا له إذ تـولـى لـيتـه خـلـدا

خروجه من السجن وهروبه إلى البصرة قالوا: وعلم ابن مفرغ أنه إن أقام على ذم عباد وهجائه وهو في محبسه زاد نفسه شراً فكان يقول للناس إذا سألوه عن حسبه ما سببه: رجل أدبه أميره ليقوم من أوده أو يكف من غربه وهذا لعمري خيرٌ من جر الأمير ذيله على مداهنة لصاحبه فلما بلغ عباداً قوله رق له وأخرجه من السجن فهرب حتى أتى البصرة ثم خرج منها إلى الشام وجعل يتنقل في مدنها هارباً ويهجو زياداً وولده.

وقال المدائني في خبره: لما بلغ عباد بن زياد أن ابن مفرغ قال: سبق عباد وصلت لحيته

هجاء فيه ينشده ابنه في مجلس عباد

دعا ابنه والمجلس حافلٌ فقال له: أنشدني هجاء أبيك الذي هجي به فقال: أيها الأمير ما كلف أحدٌ قط ما كلفتني فأمر غلاماً له أعجمياً وقال له: قم على رأسه فإن أنشد ما أمرته به وإلا فصب السوط على رأسه أبداً أو ينشده فأنشده أبياتاً هجي بها أبوه أولها:

قبــح الإلـــه ولا يقـــبـــح غـــيره وجـــه الـــحـــمـــار ربـــيعة بـــن مـــفـــرغ

وجعل عباد يتضاحك به فخرج ابن ابن مفرغ من عنده وهو يقول: والله لا يذهب شتم أصرمت حبلك من أمامه من بعد أيام برامه

فالـريح تـبـكـي شـــجـــوهـــا والـــبـــرق يضـــحـــك فـــي الـــغـــمـــامـــه

لهـــفـــي عـــلـــى الأمـــر الـــذي كـــانـــت عـــواقـــبـــه نــــدامـــــــه

تركـــي ســـعـــيداً ذا الـــنـــدى والـــبـــيت تـــرفـــعـــه الـــدعـــامـــــــه

فتـحــت ســـمـــرقـــنـــدٌ لـــه وبـــنـــى بـــعـــرصـــتـــهـــا خـــيامـــه

وتـــبـــعـــت عـــبـــد بـــنـــي عـــلا ج تـــلـــك أشـــراط الـــقـــيامــــه!

جاءت بـــه حـــبـــشـــيةٌ ســـكـــاء تـــحـــســـبـــهـــا نـــعــــامـــــــه

وشـــريت بـــرداً لـــيتـــنـــي مـــن بـــعـــد بـــرد كـــنـــت هــــامـــــــه

أو بـــومةً تـــدعـــو صـــدىً بـــين الـــمـــشـــقـــر والـــيمـــــــامـــــــه

فالـــهـــول يركـــبـــه الـــفـــتـــى حـــذر الـــمـــخـــازي والـــســـآمــــه

والـعـبـــد يقـــرع بـــالـــعـــصـــا والـــحـــر تـــكـــفـــيه الـــمـــلامـــه

قال: ثم لج في هجاء بني زياد حتى تغنى أهل البصرة في أشعاره فطلبه عبيد الله طلباً شديداً حتى كاد يؤخذ فلحق بالشام.
واختلفت الرواة فيمن رده إلى ابن زياد فقال بعضهم: معاوية وقال بعضهم: يزيد والصحيح أنه يزيد لأن عباد بن زياد إنما ولي سجستان في أيام يزيد. وقال بعضهم: بل الذي ولاه معاوية وهو الذي ولى سعيد بن عثمان خراسان.

معاتبة معاوية لجعله البيعة ليزيد

أخبرني محمد بن العباس اليزيدي وعبيد الله بن محمد الرازي قالا: حدثنا أحمد بن الحارث عن المدائني قال: دخل سعيد بن عثمان على معاوية بن أبي سفيان فقال: علام جعلت يزيد ولي عهدك دوني فوالله لأبي خير من أبيه وأمي خير من أمه وأنا خير منه وقد وليناك فما عزلناك وبنا نلت ما نلت فقال له معاوية: أما قولك: إن أباك خير من أبيه فقد صدقت لعمر الله إن عثمان لخير مني وأما قولك: إن أمك خير من أمه فحسب المرأة أن تكون في بيت قومها وأن يرضاها بعلها وأن ينجب ولدها. وأما قولك: إنك خيرٌ من يزيد فوالله يا بني ما يسرني أن لي بيزيد ملء الغوطة مثلك. وأما قولك: إنكم وليتموني فما عزلتموني فما وليتموني وإنما ولأني من هو خير منكم عمر فأقررتموني وما كنت بئس الوالي لكم لقد قمت بثأركم وقتلت قتلة أبيكم وجعلت الأمر فيكم وأغنيت فقيركم ورفعت الوضيع منكم فكلمه يزيد في أمره فولاه

رجع الحديث إلى سياقه أخبار ابن مفرغ

ينتقل في قرى الشام هاجياً بني زياد قالوا: فلم يزل ينتقل في قرى الشام ونواحيها ويهجو بني زياد وأشعاره فيهم ترد البصرة وتنتشر وتبلغهم فكتب عبيد الله بن زياد إلى معاوية وقال الآخرون: إنه كتب إلى يزيد وهو الصحيح يقول له: إن ابن مفرغ هجا زياداً وبنى زياد بما هتكه في قبره وفضح بنيه طول الدهر وتعدى ذلك إلى أبي سفيان فقذفه بالزنا وسب ولده فهرب من خراسان إلى البصرة وطلبته حتى لفظته الأرض فلجأ إلى الشام يتمضغ لحومنا بها ويهتك أعراضنا وقد بعثت إليك بما هجانا به لتنتصف لنا منه. ثم بعث بجميع ما قاله ابن مفرغ فيهم.
فأمر يزيد بطلبه فجعل ينتقل من بلد إلى بلد فإذا شاع خبره انتقل حتى لفظته الشام فأتى البصرة ونزل على الأحنف بن قيس فالتجأ به واستجار فقال له الأحنف: إني لا أجير على ابن سمية فأعزل وإنما يجير الرجل على عشيرته فأما على سلطانه فلا فإن شئت أجرتك من بني سعد وشعرائهم فلا يريبك أحد منهم فقال له ابن مفرغ: بأستاه بني سعد وما عساهم أن يقولوا في هذا ما لا حاجة لي فيه. ثم أتى خالد بن عبد الله بن خالد بن أسيد فاستجار به فأبى أن يجيره فأتى عمر بن عبيد الله بن معمر فوعده وأتى طلحة فوعده وأتى المنذر بن الجارود العبدي فأجاره وكانت بحرية بنت المنذر تحت عبيد الله.

المنذر بن الجارود العبدي يجيره وكان المنذر من أكرم الناس عليه فاغتر بذلك وأدل بموضعه منه وطلبه عبيد الله وقد بلغه وروده البصرة فقيل له: أجاره المنذر بن الجارود فبعث عبيد الله إلى المنذر فأتاه فلما دخل عليه بعث عبيد الله بالشرط فكبسوا داره وأتوه بابن مفرغ فلم يشعر المنذر إلا بابن مفرغ قد أقيم على رأسه فقام المنذر إلى عبيد الله فكلمه فيه فقال: أذكرك الله – أيها الأمير – أن تخفر جواري فإني قد أجرته فقال عبيد الله: يا منذر ليمدحن أباك وليمدحنك ولقد هجاني وهجا أبي ثم تجيره علي لا ها الله لا يكون ذلك أبداً ولا أغفرها له فغضب المنذر فقال له: لعلك تدل بكريمتك عندي إن شئت والله لأبيننها بتطليق البتة فخرج المنذر من عنده وأقبل عبيد الله على ابن مفرغ فقال له: بئسما صحبت به عباداً. قال: بئسما صحبني به عباد اخترته على سعيد وأنفقت على صحبته كل ما أفدته وكل ما أملكه وظننت أنه لا يخلو من عقل زياد وحلم معاوية وسماحة قريش فعدل عن ظني كله. ثم عاملين بكل قبيح وتناولني بكل مكروه من حبس وغرم وشتم وضرب فكنت كمن شام برقاً خلباً في سحاب جهام فأراق ماءه طمعاً فيه فمات عطشاً وما هربت من أخيك إلا لما خفت من أن يجري في إلى ما يندم عليه وقد صرت الآن في يدك فشأنك فاصنع بي ما أحببت فأمر بحبسه.

عبيد الله يستأذن يزيد بن معاوية في قتله وكتب إلى يزيد بن معاوية يسأله أن يأذن له في قتله فكتب إليه: إياك وقتله ولكن عاقبه بما ينكله ويشد سلطانك ولا تبلغ نفسه فإن له عشيرةً هي جندي وبطانتي ولا ترضى بقتله مني ولا تقنع إلا بالقود منك فاحذر ذلك واعلم أنه الجد منهم ومني وأنك مرتهن بنفسه ولك في دون تلفها مندوحةٌ تشفي من الغيظ. فورد الكتاب على عبيد الله بن زياد فأمر بابن مفرغ فسقي نبيذاً حلواً قد خلط معه الشبرم فأسهل بطنه وطيف به وهو في تلك الحال وقرن بهرة وخنزرة فجعل يسلح والصبيان يتبعونه ويقولون له بالفارسية: أين جلست فيقول: آبست نبيذ است – عصارات زبيست – سمية روسبيد است: وجعل كلما جر الخنزيرة ضجت فجعل يقول:

ضجت سمية لمالزها قرني لا تجزعي إن شر الشيمة الجزع

فجعل يطاف به في أسواق البصرة والصبيان خلفه يصيحون به وألح عليه ما يخرج منه حتى أضعفه فسقط فعرف ابن زياد ذلك فقيل: إنه لما به لا نأمن أن يموت فأمر به أن يغسل ففعلوا ذلك به فلما اغتسل قال:

يغسل الماء ما فعلت وقولي راسخٌ منك في العظام البوالي

عبد الله يرده إلى الحبس فرده عبيد الله إلى الحبس وأمر أن يسلم محجماً وقدموا له علوجاً وأمر بأن يحجمهم فكان يأخذ المشارط فيقطع بها رقابهم فيتوارون منه فتركه ورده إلى محبسه وقامت الشرط على رأسه تصب عليه السياط ويقولون له: احجمهم فقال:

وما كنت حجاماً ولكني أحلني بمنزلة الحجام نأيي عن الأهل

عباد بن زياد يجمع ما هجاه به ويرسله إلى معاوية وقال عمر بن شبة في خبره: جمع عباد بن زياد كل شيء هجاه بن ابن مفرغ وكتب به إلى أخيه عبيد الله وهو يومئذ وافدٌ على معاوية فكان فيما كتب إليه قوله:

إذا أودى معاوية بن حربٍ فبشر شعب قعبك بانصداع

فأشهد أن أمك لم تباشر أبا سفيان واضعة الـقـنـاع

وقوله:

ألا ابلغ معاوية بن حرب مغلغلةً من الرجل اليمـانـي

أتغضب أن يقال أبوك عف وترضى أن يقال أبوك زاني

فأشهد أن رحمك من زياد كرحم الفيل من ولـد الأتـان

وأشهد أنها ولدت زياداً وصخرٌ من سمية غـير دانـي

فدخل عبيد الله بن زياد على معاوية فأنشده هذه الأشعار واستأذنه في قتله فلم يأذن له وقال: أدبه أدباً وجيعاً منكلاً ولا تتجاوز ذلك إلى القتل وذكر باقي الحديث كما ذكره من تقدم.
قالوا جميعاً: وقال ابن مفرغ يذكر جوار المنذر بن الجارود إياه وأمانه:

تركت قريشاً أن أجاور فيهم وجاورت عبد القيس أهل المشقر

أناسٌ أجارونا فكان جوارهم أعاصير من قسو العراق المبذر

فأصبح جاري من خزيمة قائماً ولا يمنع الجيران غير المشمر

يذكر ما فعله ابن زياد ويستشير قومه وقال أيضاً في ذلك:

ولم تكلم قريشٌ في حليفهم إذ غاب ناصره بالشام واحـتـضـروا

والله يعلم ما تخفي النفوس وما سرى أمية أو ما قال لي عـمـر

وقال لي خالدٌ قولاً قنعت به لو كنت أعلم أنى يطلـع الـقـمـر

لو أنني شهدتني حميرٌ غضبت دوني فكان لهم فيمـا رأوا عـبـر

أو كنت جار بني هندٍ تداركني عوف بن نعمان أو عمران أو مطر

وقال أيضاً يذكر ذلك وما فعل به ابن زياد:

دار سلمى بالخبث ذي الأطلال كيف نوم الأسير في الأغـلال

أين مني السلام من بعد نأي فارجعي لي تحيتـي وسـؤالـي

أين مني نجائبي وجيادي وغزالي سـقـى الإلـه غـزالـي

أين لا أين جنتي وسلاحي ومطايا سيرتـهـا لارتـحـالـي

هدم الدهر عرشنا فتداعى قبلـينـا إذ كـل عـيش بـالـي

إذ دعانا زوالـه فـأجـبـنـا كـل دنـيا ونـعـمةٍ لـزوال

أم قضينا حاجاتنا فإلى المو ت مصير الـمـلـوك والأقـيال

لا وصومي لربنا وزكاتي وصلاتي أدعو بها وابـتـهـالـي

أيها المالك المرهب بالقت ل بلغت النكـال كـل الـنـكـال

فاخش ناراً تشوي الوجوه يوماً يقذف الناس بالدواهي الثقـال

قد تعديت في القصاص وأدرك ت ذحولاً لمعـشـر أقـتـال

وكسرت السن الصحيحة مني لا تذلن فـمـنـكـرٌ إذلالـي

وقرنتم مع الخنازير هرا ويميني مـغـلـولة وشـمـالـي

وكلاباً ينهشنني من ورائي عجب الناس ما لهـن ومـالـي!

وأطلتم مع العقوبة سجناً فكم السجن أو مـتـى إرسـالـي!

يغسل الماء ما صنعت وقولي راسخٌ منك في العظام البوالـي

لو قبلت الفداء أو رمت مالي قلت: خذه فداء نفسي مـالـي

لو بغيري من معشري لعب الده ر لما ذم نصرتي واحتيالـي

كم بكاني من صاحب وخليل حافظ الغيب حامد للـخـصـال

ليت أني كنت الحليف للخـم وجـذامٍ أو طـيىء الأجـمـال

بدلاً من عصابة من قريش أسلموني للخصم عند الـنـضـال

البهاليل من بني عبد شمس فضلوا الناس بالعلا والـفـعـال

منعوا البيت بيت مكة ذا الحج ر إذ الطير عكفٌ في الظـلال

والبهاليل خالدٌ وسعيد شمـس دجـنٍ ووضـحٌ كـالـهـلال

في الأرومات والذرى من بني العي ص قرومٌ إذا تعد المعالي

كنت منهم ما حرموا فحرامٌ لم يراموا وحلهـم مـن حـلال

وذوو المجد من خزاعة كانوا أهل ودي في الخصب والإمحال

خذلوني وهم لذاك دعوني ليس حامي الـذمـار بـالـخـذال

لا تدعني فداك أهلي ومالي إن حبليك من متـين الـجـبـال

حسرتا إذ أطعت أمر غواتي وعصيت النصيح ضل ضلالـي

يهجو عباداً ويذكر سعيد بن عثمان وقال يهجو عباد بن زياد ويذكر سعيد بن عثمان:

أيها الشاتم جهلاً سعيداً وسعيدٌ في الحوادث نـاب

ما أبوكم مشبهاً لأبيه فاسألوا الناس بذاكم تجابـوا

ساد عبادٌ وملك جيشاً سبحت من ذاك صم صلاب

إن عاماً صرت فيه أميراً تملك الناس لعامٌ عجاب

قال: واتصل هجاؤه زياداً وولده وهو في الحبس فرده عبيد الله إلى أخيه عباد بسجستان ووكل به رجالاً ووجههم معه وكان لما هرب من عباد يهجوه ويكتب كل ما هجاه به على حيطان الخانات وأمر عبيد الله الموكلين به أن يأخذوه بمحو ما كتبه على الحيطان بأظافيره وأمرهم ألا يتركوه يصلي إلا إلى قبلة الناصرى إلى المشرق فكانوا إذا دخلوا بعض الخانات التي نزلها فرأوا فيها شيئاً مما كتبه من الهجاء أخذوه بأن يمحوه بأظافره فكان يفعل ذلك ويحكه حتى ذهبت أظافره فكان يمحوه بعظام أصابعه ودمه حتى سلموه إلى عباد فحبسه وضيق عليه. قال عمر بن شبة في خبره: فقال ابن مفرغ:

سرت تحت أقطاع من الليل زينب سلامٌ عليكم هل لما فات مطلب!

ويروى: ألا طرقتنا آخر الليل زينب

أصاب عذابي اللون فاللون شاحبٌ كما الرأس من هول المنية أشيب

قرنت بخنزير وهر وكلبةٍ زماناً وشان الجلـد ضـربٌ مـشـذب

وجرعتها صهباء من غير لذة تصعد في الجثمـان ثـم تـصـوب

وأطعمت ما إن لا يحل لآكلٍ وصليت شرقاً بيت مـكة مـغـرب

فلو أن لحمي إذ هوى لعبت به كرام المـلـوك أو أسـودٌ وأذؤب

لهون وجدي أو لزادت بصيرتي ولكنما أودت بلحـمـي أكـلـب

أعباد ما للوم عنـك مـحـولٌ ولا لـك أم فـي قـريش ولا أب

سينصرني من ليس تنفع عنده رقاك وقرمٌ من أمـية مـصـعـب

وقل لعبيد الله: ما لك والدٌ بحق ولا يدري امرؤ كيف تـنـسـب!

في أول هذا الشعر غناء نسبته.
صوت  

ألا طرقتنا آخر الليل زينب سلامٌ عليكم هل لما فات مطلب!

وقالت: تجنبنا ولا تقربننا فكيف وأنتم حاجتـي أتـجـنـب!

الغناء لسياط ثاني ثقيل بالوسطى عن الهشامي.
استثارته قومه ببيتين يقرآن على المصلين بجامع دمشق وقالوا جميعاً: فلما طال مقام ابن مفرغ في السجن استأجر رسولاً إلى دمشق وقال له: إذا كان يوم الجمعة فقف على درج جامع دمشق ثم اقرأ هذين البيتين بأرفع ما يمكنك من صوتك وكتبهما في رقعة وهما:

أضحى دعي زيادٍ فقع قرقرةٍ يا للعجائبيلهو بابن ذي يزن!

ففعل الرسول ما أمره به فحميت اليمانية وغضبوا له ودخلوا على معاوية فسألوه فيه فدفعهم عنه فقاموا غضاباً وعرف معاوية ذلك في وجوههم فردهم ووهبه لهم ووجه رجلاً من بني أسد يقال له خمخام – ويقال: جهثام – بريداً إلى عباد وكتب له عهداً وأمره بأن يبدأ بالحبس فيخرج ابن مفرغ منه ويطلقه قبل أن يعلم عباد فيم قدم فيغتاله ففعل ذلك به فلما خرج من الحبس قربت إليه بغلة من بغال البريد فركبها فلما استوى على ظهرها قال:

عدس ما لعبادٍ عليك إمارةٌ نجوت وهذا تحـمـلـين طـلـيق

فإن الذي نجى من الكرب بعد ما تلاحم في دربٍ عليك مضيق

أتاك بخمخامٍ فأنجاك فالحقي بأهلك لا تحبس علـيك طـريق

لعمري قد أنجاك من هوة الردى إمامٌ وحبلٌ لـلأنـام وثـيق

سأشكر ما أوليت من حسن نعمة ومثلي بشكر المنعمين حقيق

معاوية يعفو عنه قال عمر بن شبة في خبره ووافقه لقيط بن بكير: فلما أدخل على معاوية بكى وقال: ركب مني ما لم يركب من مسلم قط على غير حدث في الإسلام ولا خلع يدٍ من طاعةٍ ولا جرم

ألا أبلغ معاوية بن حربٍ مغلغلةً من الرجل اليمـانـي

أتغضب أن يقال أبوك عف وترضى أن يقال أبوك زان!

فأشهد أن رحمك من زيادٍ كرحم الفيل من ولـد الأتـان

وأشهد أنها ولدت زياداً وصخرٌ من سـمـية غـير دان

فقال: لا والذي عظم حقك يا أمير المؤمنين ما قلته ولقد بلغني أن عبد الرحمن بن الحكم قاله ونسبه إلي. قال: أفلم تقل:

شهدت بأن أمك لم تباشر أبا سفيان واضعة القناع

ولكن كان أمرٌ فيه لبسٌ على وجلٍ شديدٍ وارتياع

أو لست القائل:

إن زياداً ونافعاً وأبا بكرة عندي من أعجب العجب

إن رجالاً ثلاثةً خلقوا في رحم أنثى ما كلهم لأب

ذا قرشي كما يقول وذا مولى وهذا بزعمه عربي

في أشعار كثيرة قلتها في هجاء زياد وبنيه اذهب فقد عفوت عن جرمك ولو أيانا تعامل لم يكن شيء مما كان فاسكن أي أرضٍ شئت. فاختار الموصل فنزلها ثم ارتاح إلى البصرة فقدمها فدخل على عبيد الله بن زياد واعتذر إليه وسأله الصفح والأمان فأمنه وأقام بها مدة ثم دخل عليه بعد أن أمنه فقال: اصلح الله الأمير إني قد ظننت أن نفسك لا تطيب لي بخير أبداً ولي أعداء لا آمن سعيهم علي بالباطل وقد رأيت أن أتباعد فقال له: إلى أين شئت فقال: كرمان فكتب له إلى شريك بن الأعور وهو عليها بجائزة وقطيعة وكسوة فشخص فأقام بها حتى هرب عبيد الله من البصرة فعاد إليها. هذه رواية عمر بن شبة.

رواية أخرى في سبب إنقاذه من ابني زياد وقال محمد بن خلف في روايته عن أحمد بن الهيثم عن المدائني وعن العمري عن لقيط: أن ابن مفرغ لما طال حبسه وبلاؤه ركب طلحة الطلحات إلى الحجاز ولقي قريشاً – وكان ابن مفرغ حليفاً لبني أمية – فقال لهم طلحة: يا معشر قريش إن أخاكم وحليفكم ابن مفرغ قد ابتلي بهذه الأعبد من بني زياد وهو عديدكم وحليفكم ورجلٌ منكم ووالله ما أحب أن يجري الله عافيته على يدي دونكم ولا أفوز بالمكرمة في أمره وتخلوا منها فانهضوا معي بجماعتكم إلى يزيد بن معاوية فإن أهل اليمن قد تحركوا بالشام فركب خالد بن عبد الله بن خالد بن أسيد وأمية بن عبد الله أخوه وعمر بن عبيد الله بن معمر ووجوه خزاعة وكنانة وخرجوا إلى يزيد فبينا هم يسيرون ذات ليلة إذ سمعوا راكباً يتغنى في سواد الليل بقول ابن مفرغ ويقول:

واتباعي أخا الضراعة واللؤ م لنقصٌ وفوت شأوٍ بعـيد

قلت والليل مطبقٌ بعراه: ليتني مت قبل ترك سـعـيد

ليتني مت قبل تركي أخا النج دة والحزم والفعال السديد

عبشمي أبوه عبد منافٍ فاز منها بتاجها الـمـعـقـود

ثم جودٌ لو قيل: هل من مزيد قلت للسائلين: ما من مزيد

قل لقومي لدى الأباطح من آ ل لؤي بن غالبٍ ذي الجود:

سامني بعدكم دعي زيادٍ خطة الغادر الـلـئيم الـزهـيد

كان ما كان في الأراكة واجت ب ببرد سنام عيسى وجيدي

أوغل العبد في العقوبة والشت م وأودى بطارفي وتلـيدي

فارحلوا في حليفكم وأخيكم نحو غوث المستصرخين يزيد

فاطلبوا النصف من دعي زيادٍ وسلوني بما ادعيت شهودي

قال: فدعا القوم بالراكب فقالوا له: ما هذا الذي سمعناه منك تغني به فقال: هذا قول رجل والله إن أمره لعجب رجل ضائعٌ بين قريش واليمن وهو رجل بالناس قالوا: ومن هو قال:

ابن مفرغ قالوا: والله ما رحلنا إلا فيه وانتسبوا له فضحك وقال: أفلا أسمعكم من قوله لعمري لو كان الأسير ابن معمرٍ وصاحبه أو شكله ابن أسيد

ولـو أنــهـــم نـــالـــوا أمـــية أرقـــلـــت بـــراكـــبـــهـــا الـــوجـــنـــاء نـــحـــو يزيد

فأبـلـغـت عـذراً فـي لـــؤي بـــن غـــالـــب وأتـــلـــفـــت فـــيهـــم طـــارفـــي وتـــلـــيدي

فإن لـــم يغـــيرهـــا الإمـــام بـــحـــقـــهـــا عـــدلـــت إلـــى شـــم شـــوامـــخ صــــيد

فنـــاديت فـــيهـــم دعـــوةً يمـــنـــيةً كـــمـــا كـــان آبــــــائي دعـــــــوا وجـــــــدودي

ودافـعـت حـتـى أبـلـغ الـجـهـــد عـــنـــهـــم دفـــاع امـــرىءٍ فـــي الـــخـــير غـــير زهـــيد

فإن لـم تـكـونـوا عـنـد ظـنـي بـــنـــصـــركـــم فـــلـــيس لـــهـــا غـــير الأغـــر ســـعـــيد

بنــفـــســـي وأهـــلـــي ذاك حـــياً ومـــيتـــاً نـــضـــارٌ وعـــود الـــمـــرء أكـــرم عـــود

فكـــم مـــن مـــقـــامٍ فـــي قـــريش كـــفـــيتـــه ويومٍ يشـــيب الـــكـــاعـــبـــات شـــديد

وخـصـمٍ تـحـــامـــاه لـــؤي بـــن غـــالـــبٍ شـــبـــبـــت لـــه نـــاري فـــهـــاب وقـــودي

وخـــيرٍ كـــثـــيرٍ قـــد أفـــأت عـــلـــيكـــم وأنـــتـــم رقـــودٌ أو شـــبـــــيهُ رقـــــــود

قال: فاسترجع القوم لقوله وقالوا: والله لا نغسل رؤوسنا في العرب إن لم نغسلها بفكه. فأغذ القوم السير حتى قدموا الشام.
وفد اليمانية يذهب إلى يزيد بن معاوية وبعث ابن مفرغ رجلاً من بني الحارث بن كعب فقام على سور حمص فنادى بأعلى صوته الحصين ابن نمير – وكان والي حمص – بهذه الأبيات وكان عظيم الجبهة:

أبلغ لديك بني قحطان قاطبةً عضت بأير أبيها سادة الـيمـن

أمس دعي زيادٍ فقع قرقرةٍ يا للعجائب يلهو بابـن ذي يزن!

والحميري طريحٌ وسط مزبلةٍ هذا لعمركم غبنٌ من الغـبـن

والأجبه ابن نمير فوق مفرشه يدنو إلى أحور العينين ذي غنن

قوموا فقولوا: أمير المؤمنين لنا حق عليك ومن ليس كالمنـن

فاكفف دعي زيادٍ عن أكارمنا ماذا يريد على الأحقاد والإحن

فاجتمعت اليمانية إلى حصين فعيروه بما قاله ابن مفرغ فقال الحصين: ليس لي رأيٌ دون يزيد بن أسد ومخرمة بن شرحبيل فأرسل إليهما فاجتمعوا في منزل الحصين فقال لهما الحصين: اسمعا ما أهدى إلي شاعركم وقاله لكم في أخيكم – يعني نفسه – وأنشدهم فقال يزيد بن أسد: قد جئتكم بأعظم من هذا وهو قوله:

وما كنت حجاماً ولكن أحلني بمنزلة الحجام نأيي عن الأصل

فقال الحصين: والله لقد أساء إلينا أمير المؤمنين في صاحبنا مرتين إحداهما أنه هرب إليه فلم يجره وأخرى أنه أمر بعذابه غير مراقب لنا فيه وقال يزيد بن أسد: إني لأظن أن طاعتنا ستفسد ويمحوها ما فعل بابن مفرغ ولقد تطلع من نفسي شيء للموت أحب إلي منه. وقال مخرمةٌ بن شرحبيل: أيها الرجلان اعقلا فإنه لا معاوية لكما واعرفا أن صاحبكما لا تقدح فيه الغلظة فاقصدا التضرع فركب القوم إلى دمشق وقدموا على يزيد بن معاوية وقد سبقهم الرجل فنادى بذلك الشعر يوم الجمعة على درج مسجد دمشق فثارت اليمانية وتكلموا ومشى بعضهم إلى بعض وقدم وفد القرشيين في أمره مع طلحة الطلحات فسبقوا القرشيين ودخلوا على يزيد بن معاوية فتكلم الحصين بن نمير فذكرر بلاءه وبلاء قومه وطاعتهم وقال: يا أمير المؤمنين إن الذي أتاه ابن زياد إلى صاحبنا لا قرار عليه وقد سامنا عبيد الله وعبادٌ خطة خسف وقلدانا قلادة عار فأنصف كريمنا من صاحبه فوالله لئن قدرنا لنعفون ولئن ظلمنا لننتصرن. وقال يزيد بن أسد: يا أمير المؤمنين إنا لو رضينا بمثلة ابن زياد بصاحبن وعظيم ما انتهك منه لم يرض الله عز ذكره بذلك ولئن تقربنا إليك بما يسخط الله ليباعدننا الله منك وإن يمانيتك قد نفرت لصاحبها نفرةً طار غرابها وما أدري متى يقع وكل نائرةٍ تقدح في الملك وإن صغرت لم يؤمن أن تكبر وإطفاؤها خيرٌ من إضرامها لا سيما إذا كانت في أنفٍ ل يجدع ويد لا تقطع فأنصفنا من ابني زياد. وقال مخرمة بن شرحبيل: وكان متألهاً عظيما لطاعة في أهل اليمن: إنه لا يد تحجزك عن هواك ولو مثلت بأخينا وتوليت ذلك منه بنفسك لم يقم فيه قائم ولم يعاتبك فيه معاتب ولكن ابني زياد استخفانا بما يثقل عليك من حقنا وتهاونا بما تكرمه منا وأنت بيننا وبين الله ونحن بينك وبين الناس فأنصفنا من صاحبيك ولينفعنا بلاؤنا عندك.

فقال يزيد: إن صاحبكم أتى عظيماً نفى زياداً من أبي سفيان ونفى عباداً وعبيد الله من زياد وقلدهم طوق الحمامة وما شجعه على ذلك إلا نسبه فيكم وحلفه في قريش فأما إذ بلغ الأمر ما أرى وأشفى بكم على ما أشفى فهو لكم وعلي رضاكم.

وفد القرشيين يقابل يزيد بن معاوية قال: وانتهى القرشيون إلى الحاجب فاستأذن لهم وقال لليمانيين: قد أتتكم برى الذهب من أهل العراق فدخلوا وسلموا والغضب يتبين في وجوههم فظن يزيد الظنون وقال لهم: ما لكم انفتق فتقٌ أو حدث حدثٌ فيكم قالوا: لا فسكن.

فقال طلحة الطلحات: يا أمير المؤمنين أما كفى العرب ما لقيت من زياد حتى استعملت عليها ولده يستكثرون لك أحقادها ويبغضونك إليها إن عبيد الله وأخاه أتيا إلى ابن مفرغ ما قد بلغك فأنصفنا منهما إنصافاً تعلم العرب أن لنا منك خلفاً من أبيك فوالله لقد خبأ لك فعلهما خبثاً عند أهل اليمن لا تحمده لك ولا تحمده لنفسك.

وتكلم خالد بن عبد الله بن خالد بن أسيد فقال: يا أمير المؤمنين إن زياداً ربي في شر حجر ونشأ في أخبث نشء فأثبتم نصابه في قريش وحملتموه على رقاب الناس فوثب ابناه على أخينا وحليفنا وحليفك ففعلا به الأفاعيل التي بلغتك وقد غضبت له قريش والحجاز ويمن الشام ممن لا أحب والله لك غضبه فأنصفنا من ابني زياد.

وتكلم أخوه أمية بنحو ما تكلم أخوه وقال: والله يا أمير المؤمنين لا أحط رحلي ولا أخلع ثياب سفري أو تنصفنا من ابني زياد أو تعلم العرب أنك قد قطعت أرحامنا ووصلت ابني زياد بقطعنا وحكمت بغير الحق لهما علينا.

وقال ابن معمر: يا أمير المؤمنين إن ابن مفرغ طالما ناضل عن عرضك وعرض أبيك وأعراض قومك ورمى عن جمرة أهلك وقد أتى بنو زياد فيه ما لو كان معاوية حياً لم يرض به وهذا رجل له شرفٌ في قومه وقد نفروا له نفرة لها ما بعدها فأعتبهم وأنصف الرجل ولا تؤثر مرضاة ابني زيادٍ على مرضاة الله عز وجل.

فقال يزيد: مرحباً بكم وأهلاً والله لو أصابه خالدٌ ابني بما ذكرتم لأنصفته منه ولو رحلتم في جميع ما تحيط به العراق لوهبته لكم وما عندي إلا إنصاف المظلوم ولكن صاحبكم أسرف على القوم. وكتب يزيد ببناء داره ورد ماله وتخلية سبيله وألا إمرة لأحد من بني زياد عليه وقال: لولا أن في القود بعدما جرى منه فساداً في الملك لأقدته من عباد.

وسرح يزيد رجلاً من حمير يقال له خمخام وكتب معه إلى عباد بن زياد: نفسك نفسك وأن تسقط من ابن مفرغ شعرةٌ فأقيدك والله به ولا سلطان لك ولا لأخيك ولا لأحدٍ غيري عليه فجاء خمخامٌ حتى انتزعه جهاراً من الحبس بمحضر الناس وأخرجه.

دخوله على يزيد وما دار بينهما قالوا: فلما دخل على يزيد قال له: يا أمير المؤمنين اختر مني خصلةً من ثلاث خصال في كلها لي فرج إما أن تقيدني من ابن زياد وإما أن تخلي بيني وبينه وإما أن تقدمني فتضرب عنقي.

فقال له يزيد: قبح الله ما اخترته وخيرتنيه أما القود من ابن زياد فما كنت لأقيدك من عامل كان عليك ظلمته وشتمت عرضه وعرضي معه وأما التخلية بينك وبينه فلا ولا كرامة ما كنت لأخلي بينك وبين أهلي تقطع أعراضهم وأما ضرب عنقك فما كنت لأضرب عنق مسلم من غير أن يستحق ذلك ولكني أفعل ما هو خير لك مما اخترته لنفسك أعطيك ديتك فإنهم قد عرضوك للقتل واكفف عن ولد زياد فلا يبلغني أنك ذكرتهم وانزل أي البلاد شئت وأمر له بعشرة آلاف درهم.

اعتذاره لعبيد الله بن زياد فخرج حتى أتى الموصل وأقام بها ما شاء الله ثم خرج ذات يوم يتصيد فلقي دهقاناً على حمار له فقال: من أين أقبلت قال: من العراق قال: من أيها قال: من البصرة ثم من الأهواز قال: فما فعل المسرقان قال: على حاله قال: أفتعرف أناهيد بنت أعنق قال: نعم قال: ما فعلت قال: على أحسن ما عهدت.

قال: فضرب برذونه وسار حتى أتى الأهواز ولم يعلم أهله ولا غيرهم بمسيره.

ثم أتى عبيد الله بن زياد فدخل عليه واعتذر إليه وسأله الأمان فأمنه ثم سأله أن يكتب له إلى شريك بن الأعور فكتب له ووصله. عودته إلى البصرة وهجاؤه بني زياد وخرج فأقام بكرمان حتى غلب ابن الزبير على العراق وهرب ابن زياد وكان أهل البصرة قد أجمعوا على قتله فخرج عن البصرة هارباً فعاد ابن مفرغ إلى البصرة وعاود هجاء بني زياد فقال يذكر هرب عبيد الله وتركه أمه بقوله:

أسلمت أمك والرماح تنوشها يا لـيتـنـي لـك لـيلة الإفـزاع

إذ تستغيث وما لنفسك مـانـعٌ عـبـدٌ تـردده بـدار ضـياع

هلا عجوزك إذ تمد بثديها وتصيح ألا تـنـزعـن قـنـاعـي

أنقذت من أيدي العلوج كأنها ربداء مجفلةٌ بـبـطـن الـقـاع

فركبت رأسك ثم قلت: أرى العدا كثروا وأخلف موعدي أشياعي

فانجي بنفسك وابتغي نفقاً فما لي طاقةٌ بك والـسـلام وداعـي

ليس الكريم بمن يخلف أمه وفتاته في المنـزل الـجـعـجـاع

حذر المنية والرماح تنوشـه لـم يرم دون نـسـائه بـكـراع

متأبطاً سيفاً عليه يلمقٌ مـثـل الـحـمـار أثـرتـه بـيفـاع

لا خير في هذرٍ يهز لسانه بكلامه والقـلـب غـير شـجـاع

لابن الزبير غداة يذمر منذراً أولـى بـغـاية كـل يوم وقـاع

وأحق بالصبر الجميل من امرىءٍ كز أنامله قـصـير الـبـاع

جعد اليدين عن السماحة والندى وعن الضريبة فاحـش مـنـاع

كم يا عبيد الله عندك من دمٍ يسعى ليدركـه بـقـتـلـك سـاع

اذكر حسيناً وابن عروة هانئاً وابني عقيلٍ فـارس الـمـربـاع

وقال أيضاً يذكر هربه:

أقر بعيني أنه عق أمهه دعته فولاها اسـتـه وهـو يهـرب

وقال: عليك الصبر كوني سبيةً كما كنت أو موتي فذلك أقرب

وقد هتفت هندٌ: بماذا أمرتني أبن لي وحدثني إلى أين أذهـب

فقال: اقصدي للأزد في عرصاتها وبكرٍ فما إن عنهم متجنب

أخاف تميماً والمسالح دونها ونيران أعدائي علـي تـلـهـب

وولى وماء العين يغسل وجهها كأن لم يكن والدهر بالناس قلب

بما قدمت كفاك لا لك مهربٌ إلى أي قوم والدماء تصـبـب

فكم من كريمٍ قد جررت جريرةً عليه فمقبورٌ وعـانٍ يعـذب

ومن حرةٍ زهراء قامت بسحرةٍ تبكي قتيلاً أو صدى يتـأوب

فصبراً عبيد بن العبيد فإنما يقاسي الأمور المستعد المـجـرب

وذق كالذي قد ذاق منك معاشرٌ لعبت بهم إذ أنت بالناس تلعب

فلو كنت حراً أو حفظت وصيةً عطفت على هندٍ وهندٌ تسحب

وقلت لأم العبد أمك: إنني وإن كثر الأعـداء حـامٍ مـذبـب

ولكن أبى قلبٌ أطيرت بناته وعرقٌ لكم في آل ميسان يضرب

وقال في ذلك أيضاً:

ألا أبلغ عبيد الله عني عبيد اللؤم عـبـد بـنـي عـلاج

علي لكم قلائد باقياتٌ يثرن عليكـم نـقـع الـعـجـاج

تدعيت الخضارم من قريشٍ فما في الدين بعدك من حجاج

أبن لي هل بيثرب زند وردٍ قرى آبائك النبط العـجـاج!

وقال فيه أيضاً:

عبيد الله بني علاج كذاك نسبته وكـذاك كـانـا

أعبد الحارث الكندي ألا جعلت لإست أمك ديدبانا

فتستر عورةً كانت قديماً وتمنع أمك النبط البطانا

وقال يهجو عبيد الله وعباداً أنشدناه جماعة منهم هاشم بن محمد الخزاعي عن دماذ عن أبي عبيدة وهذا من قصيدة له طويلة أولها:

جرت أم الظباء ببين ليلى وكل وصال حبـلٍ لانـقـطـاع

وما لاقيت من أيام بؤس ولا أمـرٍ يضـيق بـه ذراعـي

ولم تك شيمتي عجزاً ولؤماً ولم أك بالمضلل في المساعـي

سوى يوم الهجين ومن يصاحب لئام الناس يغض على القذاع

حلفت برب مكة لو سلاحي بكفي إذ تنازعني متاعي

لباشر أم رأسك مشرفي كـذاك دواؤنـا وجـع الـصـداع

أفي أحسابنا تزري علينا هـبـلـت وأنـت زائدة الـكـراع

تبغيت الذنوب علي جهلاً جنوناً ما جننـت ابـن الـلـكـاع

فما أسفي على تركي سعيداً وإسحاق بن طلحة واتـبـاعـي

ثنايا الوبر عبد بني علاج عبـيدة فـقـع قـرقـرة بـقـاع

إذا ما رايةٌ رفعت لمـجـد وودع أهـلـهـا خـير الـوداع

فأير في است أمك من أمير كذاك يقال للـحـمـق الـيراع

ولا بلت سماؤك من أميرٍ فبئس معرس الـركـب الـجـياع

ألم تر إذ تحالف حلف حربٍ عليك غدوت من سقط المـتـاع

وكدت تموت أن صاح ابن آوى ومثلك مات من صوت السباع

إذا أودى معاوية بن حربٍ فبشر شعب قعبـك بـانـصـداع

فأشهد أن أمك لم تباشر أبـا سـفـيان واضـعة الـقـنـاع

ولكن كان أمراً فيه لبسٌ عـلـى عـجـلٍ شـديدٍ وارتـياع

قال: وكان عباد في بعض حروبه ذات ليلة نائماً في عسكره فصاحت بنات آوى فثارت الكلاب إليها ونفر بعض الدواب ففزع عباد وظنها كبسةً من العدو فركب فرسه ودهش فقال: افتحوا سيفي فعيره بذلك ابن مفرغ.
ومما قاله ابن مفرغ في هجاء بني زياد وغني فيه: صوت

كم بالدروب وأرض الهند من قدمٍ ومن جماجم قتلى ما هم قـبـروا

ومن سرابيل أبطالٍ مضرجةٍ ساروا إلى الموت ما خاموا ولا ذعروا

بقندهار ومن تحتم منيته بـقـنـدهـار يرجـم دونـه الـخـبـر

غنى في هذه الأبيات ابن جامع:

أجد أهلك لا يأتيهم خبـرٌ مـنـا ولا مـنـهـم عـينٌ ولا أثـر

ولم تكلم قريش في حليفهم إذ غاب أنصاره بالشام واحتـضـروا

رهط الأغر شراحيل بن ذي كلع ورهط ذي فائشٍ ما فوقهم بشر

قولا لطلحة ما أغنت صحيفتكم وهل لجارك إذ أوردته صـدر!

فمن لنا بشقيقٍ أو بأسرته ومن لنا ببنـي ذهـلٍ إذا خـطـروا!

هم الذين سموا والخيل عابسةٌ والناس عند زياد كـلـهـم حـذر

لولاهم كان سلامٌ بمنزلتي أولى لهم ثم أولى بعد مـا ظـفـروا

أخبرني محمد بن خلف عن أبي بكر العامري عن إسحاق بن محمد عن القحذمي قال: هجا سلامٌ الرافعي مقاتل بن مسمع فقال فيه:

ابى لك يا ذا المجد أن مقاتلاً زنى واستحل الفارسي المشعشعا

في أبيات هجاه بها فحبسه مقاتل بالعربة فركب شقيق بن ثور في جماعة من بني ذهل إلى الحبس فأخرجه فضرب به ابن مفرغ المثل في الشعر الماضي.

أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان قال: حدثني أبو عبد الله اليماني قال: حدثنا الأصمعي عن عبد الرحمن بن أبي الزناد قال: قال لي عبيد الله بن زياد: ما هجيت بشيءٍ أشد علي من قول ابن مفرغ:

فكر ففي ذاك إن فكرت معتبرٌ هل نلت مكرمةً إلا بتأمير!

وروى اليزيدي في روايته عن الأحول: قال أبو عبيدة: كان زياد يزعم أن أمه سمية بنت الأعور من بني عبد شمس بن زيد مناة بن تميم فقال ابن مفرغ يرد ذلك عليه:

فأقسم ما زيادٌ من قريشٍ ولا كانت سمية من تـمـيم

ولكن نسل عبدٍ من بغي عريق الأصل في النسب اللئيم

يتابع هجاء ابن زياد ويرميه بالأبنة أخبرني هاشم بن محمد قال: حدثنا أبو غسان دماذ قال: أنشدني أبو عبيدة لابن مفرغ يهجو ابن زياد ويرميه بالأبنة:

أبلغ قريشاً قضها وقضيضها أهل السماحة والحلوم الراجحه

أني ابتليت بحيةٍ ساورته بيدٍ لعمري لم تكن لـي رابـحـه

صفق المبخل صفقةً ملعونةً جرت عليه من البلايا فادحـه

شتان من بطحاء مكة داره وبنو المضاف إلى السباخ المالحه

جعدت أنامله ولام نجاره وبذاك تخبرنا الظباء السـانـحـه

فإذا أمية صلصلت أحسابها فبنو زياد في الكلاب النابـحـه

لم يبق أيرٌ أسودٌ أو أبيضٌ إلا له استك في الخلاء مصافحـه

مقتل عبيد الله وشعر ابن مفرغ فيه

وأخبرني إبراهيم بن السري بن يحيى قال: حدثني أبي عن شعيب عن سيف قال: لما قتل عبيد الله بن زياد يوم الزاب قتله أصحاب المختار بن أبي عبيد ويقال: إن إبراهيم بن الأشتر حمل على كتيبته فانهزموا ولقي عبيد الله فضربه فقتله وجاءه إلى أصحابه فقال: إني ضربت رجلاً فقددته نصفين فشرقت يداه وغربت رجلاه وفاح منه المسك وأظنه ابن مرجانة وأومأ لهم إلى موضعه فجاءوا إليه وفتشوا عليه فوجدوه كما ذكر وإذا هو ابن زياد فقال ابن مفرغ يهجوه:

إن الذي عاش ختاراً بذمته وعاش عبداً قتيل الـلـه بـالـزاب

العبد للعبد لا أصلٌ ولا طرفٌ ألوت به ذات أظفـار وأنـياب

إن المنايا إذا ما زرن طاغيةً هتكن عنه ستـوراً بـين أبـواب

هلا جموع نزار إذا لقيتهم كنت امرأً من نزارٍ غير مـرتـاب

لا أنت زاحمت عن ملكٍ فتمنعه ولا مددت إلى قوم بأسـبـاب

لا يترك الله أنفاً تعطسون بها بني العبيد شهوداً غـير غـياب

أقول بعداً وسحقاً عند مصرعه لابن الخبيثة وابن الكودن الكابي

الحسين بن علي يتمثل بالبيتين الأخيرين والقصيدة المذكورة بها غناء فيه منها وقال:

حي ذا الزور وانهه أن يعودا إن بالباب حارسين قعودا

من أساوير ما ينون قياماً وخلاخيل تذهل المـولـودا

وطماطيم من مشايخ جونٍ ألبسوني مع الصباح قـيودا

أي بلوى معيشة قد بلونا فنعمنا وما رجونـا خـلـودا

ودهورٍ لقينا موجعاتٍ وزمان يكسـر الـجـلـمـودا

فصبرنا على مواطن ضيقٍ وخطوبٍ تصير البيض سـودا

ظل فيها النصيح يرسل سراً لا تهالن إن سمعت الوعـيدا

أفإنسٌ ما هكذا صبر إنسٍ أم من الجن أم خلقـت حـديدا

لا ذعرت السوام في فلق الصب ح مغيراً ولا دعيت يزيدا

يوم أعطي مخافة الموت ضيماً والمنايا يرصدنني أن أحيدا

وتمثل الحسين بن علي بهذين البيتين لما خرج من المدينة إلى مكة عند بيعة يزيد:

لا ذعرت السوام في فلق الصب ح مغيراً ولا دعيت يزيدا

يوم أعطي مخافة الموت ضيماً والمنايا يرصدنني أن أحيدا

حدثني أحمد بن عيسى أبو موسى العجلي العطار بالكوفة قال: حدثني الحسين بن نصر بن مزاحم المنقري قال: حدثني أبي قال: حدثنا عمر بن سعد عن أبي مخنف قال: حدثني عبد الملك بن نوفل بن مساحق عن أبي سعيد المقبري قال: والله لرأيت حسيناً وهو يمشي بين رجلين يعتمد على هذا مرة وعلى هذا مرة حتى دخل المسجد وهو يقول: لا ذعرت السوام…. البيتين.
قال: فقلت عند ذلك إنه لا يلبث إلا قليلاً حتى يخرج فما لبث أن خرج فلحق بمكة فلما خرج من المدينة قال: ” فخرج منها خائفاً يترقب قال: رب نجني من القوم الظالمين “. ولما توجه نحو مكة قال: ” ولما توجه تلقاء مدين قال عسى ربي أن يهديني سواء السبيل “.

مروان بن الحكم يعطيه ويكسوه

أخبرني جعفر بن قدامة قال: حدثنا عبد الله بن أبي سعد قال: حدثني علي بن الصباح عن ابن الكلبي قال: لما قدم ابن مفرغ إلى معاوية مع خمخام الذي وجهه غليه فانتزعه من عباد بن زياد نزل على مروان بن الحكم وهو يومئذ عند معاوية فأعطاه وكساه وقام بأمره واسترفد له كل من قدر عليه من بني أبي العاص بن أمية فقال ابن مفرغ يمدحه من قصيدته:

وأقمتم سوق الثناء ولم تكن سوق الثناء تقام في الأسواق

فكأنما جعل الإله إليكم قبض النفوس وقسـمة الأرزاق

كان يهوى أناهيد بنت الأعنق أخبرني هاشم بن محمد الخزاعي قال: حدثنا أبو غسان دماذ عن أبي عبيدة قال: كان ابن مفرغ يهوى أناهيد بنت الأعنق وكان الأعنق دهقاناً من الأهواز له ما بين الأهواز وسرق ومناذر والسوس وكان لها أخوات يقال لهن أسماء والجمانة وأخرى قد سقط عن دماذ فكان يذكرهن جميعاً في شعره فمن ذلك قوله في صاحبته أناهيد من أبيات:

سيري أناهيد بالعيرين آمنةً قد سلم الله من قـوم بـهـم طـبـع

لا بارك الله فيهم معشراً جبناً ولا سقى دارهم قطراً ولا ربـعـوا

لا تأمنن حزامياً نزلت به قوم لديهم تناهـى الـلـؤم والـصـرع

جاور بني خلفٍ تحمد جوارهم الأعظمين دفاعاً كلـمـا دفـعـوا

والمطعمين إذا ما شتوةٌ أزمت فالناس شتى إلى أبوابـهـم شـرع

هم خير قومهم إن حدثوا صدقوا أو حاولوا النفع في أشياعهم نفعوا

المانعين من المخزاة جارهم والرافعين من الأدنين ما صـنـعـوا

انزل بطلحة يوماً إن منزله سهل المباءة بالعـلـياء مـرتـفـع

وفي اسماء أختها يقول:

تعلق من أسماء ما قد تعلقا ومثل الذي لاقى مـن الـحـب أرقـا

وحسبك من اسماء نأيٌ وأنها إذا ذكرت هاجت فـؤاداً مـعـلـقـا

سقى هزم الإرعاد منبجس العرى منازلها بالمسرقـان فـسـرقـا

وتستر لازالت خصيباً جنابها إلى مدفع السلان من بطـن دورقـا

إلى الكوثج الأعلى إلى رامهرمزٍ إلى قريات الشيح من فوق سفسقا

رامهرمز: بلد من أعمال الأهواز معروف.

بلاد بنات الفارسية إنها سقتنا على لوحٍ شراباً معتقا

أخبرني عمي قال: حدثنا الكراني قال: حدثنا العمري عن الهيثم بن عدي وأخبرنا هاشم بن محمد قال: حدثنا دماذ أبو غسان عن أبي عبيدة قالا: لما فصل ابن مفرغ من عند معاوية نزل بالموصل على أقواله من آل ذي العشراء من حمير قال الهيثم في روايته: فزوجوه امرأةً منهم – ولم يذكر ذلك أبو عبيدة – فلما كان اليوم الذي يكون البناء في ليلته خرج يتصيد ومعه غلامه برد فإذا هو بدهقان على حمار يبيع عطراً وأدهاناً.

فقال له ابن مفرغ: من اين أقبلت قال: من الأهواز قال: ويحك! كيف خلفت المسرقان وبرد مائه قال: على حاله قال: ما فعلت دهقانة يقال لها أناهيد بنت أعنق قال: أصديقة ابن مفرغ قال: نعم قال: ما تجف جفونها من البكاء عليه فقال لغلامه: أي برد أما تسمع قال: بلى قال: هو بالرحمن كافرٌ إن لم يكن هذا وجهي إليها فقال له برد: أكرمك القوم وقاموا دونك وزوجوك كريمتهم ثم تصنع هذا بهم وتقدم على ابن زياد بعد خلاصك منه من غير أمره ولا عهد منه ولا عقد! أبق أيها الرجل على نفسك وأقم بموضعك وابن بأهلك وانظر في أمرك فإن جد عزمك كنت حينئذ وما تختاره. قال: دع ذاك عنك هو بالرحمن كافر إن عدل عن الأهواز ولا عرج على شيء غيرها ومضى لوجهه من غير أن يعلم أهله وقال قصيدته:

سما برق الجمانة فاستطارا لعل البرق ذاك يحور نـارا

ديارٌ للجمانة مقفراتٌ بلين وهجن لـلـقـلـب اذكـارا

فلم أملك دموع العين مني ولا النفس التي جاشت مرارا

بسرق فالقرى من صهرتاجٍ فدير الراهب الطلل القفارا

فقلت لصاحبي: عرج قليلاً نذاكر شوقنا الدرس البـوارا

بآية ما غدوا وهم جميعٌ فكاد الصب ينتحر انـتـحـارا

فقال: بكوا لفقدك منذ حينٍ زماناً ثم إن الـحـي سـارا

بدجلة فاستمر بهم سفينٌ يشق صدورها اللجج الغـمـارا

كأن لم أغن في العرصات منها ولم أذعر بقاعتها صوارا

ولم أسمع غناءً من خليل وصوت مقرطقٍ خلع العـذارا

قال: فقدم البصرة فذكر لعبيد الله بن زياد مقدمه فلم يعرض له وأرسل إليه أن أقم آمناً فأقام بالبصرة أشهراً يختلف من البصرة إلى الأهواز فيزور أناهيد ويقيم عندها.

ثم أتى عبيد الله بن زياد فقال له: إني امرؤٌ لي أعداء ولست آمن بعضهم أن يقول شيئاً على لساني يحفظ الأمير علي وأحب أن يأذن لي أن أتنحى عنه فقال له: حل حيث شئت فخرج حتى قدم على شريك بن الأعور الحارثي وهو يومئذ عامل عبيد الله بن زياد على فارس ذهب إلى عبيد الله بن أبي بكر فأعطاه وأكرمه أخبرني أحمد بن عبيد الله بن عمار قال: حدثنا سليمان بن أبي شيخ قال: حدثني محمد بن الحكم عن عوانة: أن عبيد الله بن أبي بكرة كتب إلى يزيد بن مفرغ: إني قد توجهت إلى سجستان فالحق بي فلعلك إن قدمت علي ألا تندم ولا يذم رأيك. فتجهز ابن مفرغ وخرج حتى قدم سجستان ممسياً فدخل عليه فشغله بالحديث وأمر له بمنزل وفرش وخدم وجعل يطاوله حتى علم انه قد استتم له ما أمر له به ثم صرفه إلى المنزل الذي قد هيىء له ثم دعا به في اليوم الثاني فقال له: يابن مفرغ إنك قد تجشمت إلي شقة بعيدة واتسع لك الأمل فرحلت إلي لأقضي عنك دينك ولأغنيك عن الناس وقلت: أبو حاتم بسجستان فمن لي بالغنى بعده! فقال: والله ما أخطأت أيها الأمير ما كان في نفسي فقال عبيد الله: أما والله لأفعلن ولأقلن لبثك عندي ولأحسنن صلتك وأمر له بمائة ألف درهم ومائة وصيفة ومائة نجيبة وأمر له بما ينفقه إلى أن يبلغ بلده سوى المائة ألف وبمن يكفيه الخدمة من غلمانه وأعوانه وقال له: إن من خفة السفر ألا تهتم بخف ولا حافرٍ وكان مقامه عنده سبعة أيام.

ثم ارتحل وشيعه عبيد الله إلى قرية على أربعة فراسخ يقال لها: زالق ثم قال له: يابن مفرغ إنه ينبغي للمودع أن ينصرف وللمتكلم أن يسكت وأنا من قد عرفت فأبق على الأمل وحسن ظنك بي ورجائك في وإذا بدا لك أن تعود فعد والسلام.

قال: وسار ابن مفرغ حتى أتى رامهرمز فنزل بقرية أبجر فنزلت عليه بنت الأبجر فقالت: يابن مفرغ لمن هذا المال قال: لابنة أعنق دهقانة الأهواز وإذا رسولها في القافلة بكتابها: إنك لو كنت على العهد الأول لتعجلت إلي ولم تساير ثقلك ولكن قد علمت أن المال الذي أعطاكه عبيد الله قد شغلك عني قال: فأعطى رسولها مالاً على أن يقول فيه خيراً وقد قال لابنة أبجر في جواب قولها له:

حباني عبيد الله يابنة أبجرٍ بهذا وهذا للـجـمـانة أجـمـع

يقر بعيني أن أراها وأهلها بأفضل حالٍ ذاك مرأى ومسمع

وخبرتها قالت: لقد حال بعدنا فقد جعلت نفسي إليها تطلـع

وقلت لها لما أتاني رسولها وأي رسولٍ لا يضـر وينـفـع

أحبك ما دامت بنجد وشيجةٌ وما رفعت يوماً إلى الله إصبـع

وإني مليءٌ يا جمانة بالهوى وصدق الهوى إن كان ذلك يقنع

قال: فلما انتهت رسل عبيد الله بن أبي بكرة معه إلى الأهواز قالوا له: قد بلغنا حيث أمرنا يمدح عبيد الله بن أبي بكرة وأقام بالأهواز ودعا ندماء كانوا له من فتيان العرب فلم يبق ظريفٌ ولا مغن إلا أتاه واستماحه جماعةٌ قصدوه من أهل البصرة والكوفة والشام فأعطاهم ولم يفارق أناهيد ومعه شيء من المال وجعل القوم يسألونه عن عبيد الله بن أبي بكرة وكيف هو وأخلاقه فقال:

يسائلني أهل العراق عن الندى فقلت: عبيد الله حلف المكارم

فتى حاتمي في سجستان رحله وحسبك جوداً أن يكون كحاتم

سما لينال المكرمات فنالها بشدة ضرغام وبـذل الـدراهـم

وحلم إذا ما سورة الحقد أطلقت حبا القوم عند الفادح المتفاقم

وإن له في كل حي صنيعةً يحدثها الركبان أهل المـواسـم

دعاني إليه جوده ووفاؤه ومن دون مسراه عداة الأعـاجـم

فلم أبق إلا جمعةً في جواره ويومين حـلا مـن ألـية آثـم

إلى أن دعاني زانه الله بالعلا فأنبت ريشي من صميم القوادم

وقال: إذا ما شئت يابن مفرغ فعد عودةً ليست كأضغاث حالم

فقلت له لا يبعد الله داره :أعود إذا ما جئتكم غـير حـاشـم

فأصبح لا يرجو العراق وأهله سواه لنفع أو لدفع العظـائم

وإن عبيد الله هنأ رفده سراحاً وأعطى رفده غـير غـانـم

يخدع عمه في أناهيد وقال الهيثم في خبره: كان عمرو بن مفرغ عم يزيد بن ربيعة بن مفرغ رجلاً له جاه وقدر عند السلطان وكان ذا مال وثروة وذا دين وفضل وصلاح فكان يعنف ابن أخيه في أمر أناهيد عشيقته ويعذله ويعيره بها فلما أكثر عليه أتاه يوماً فقال له: يا عم جعلت فداك إن لي بالأهواز حاجةً ولي على قوم بها نحوٌ من ثلاثين ألف درهم قد خفت أن تتوى علي فإن رأيت أن تتجشم العناء معي إليها حتى تطالب لي بحقي وتعينني بجاهك على غرمائي. وكان عمرو بن مفرغ قد استخلفه ابن عباس عليها إذ كان عامل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه على البصرة وكان عامل الأهواز – حين سأل ابن مفرغ عمه أن يخرج معه – ميمون بن عامر أخو بني قيس بن ثعلبة الذي يقال لدراهمه اليوم الميمونية. فلم يزل ابن مفرغ بعمه حتى أجابه إلى الخروج فاستأجر سفينة وتوجه إلى الأهواز وكتب إلى أناهيد أن تهيئي وتزيني بأحسن زينتك واخرجي إلي مع جواريك فإني موافيك ومنزلها يومئذ بين سرق ورامهرمز.

فلما نزلوا منزلها خرجت إليهم. وجلست معهم في هيئتها وزيها وحليها وآلتها فلما رآها عمه قال له: قبحك الله! أفهلا إذ فعلت ما فعلت كنت علقت مثل هذه! فقال: يا عم أو قد عجبتك فقال: ومن لا تعجبه هذه قال: ألجد هكذا منك قال: نعم والله قال: فإنها والله هذه بعينها فقال: يا خبيث إنما أشخصتني لهذا يا غلام ارحل بنا. فانصرف عمه إلى البصرة وأقام هو معها ولم يزل يتردد كذلك حتى مات في الطاعون في أيام مصعب بن الزبير.

لزوم غرمائه له لديون ركبته واحتياله لقضائها أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهري وحبيب بن نصر المهلبي قالا: حدثنا عمر بن شبة قال: حدثنا القحذمي قال: لزم يزيد بن مفرغ غرماؤه بدين فقال لهم: انطلقوا نجلس على باب الأمير عسى أن يخرج الأشراف من عنده فيروني فيقضوا عني فانطلقوا به فكان أول من خرج إما عمر بن عبيد الله بن معمر وإما طلحة الطلحات فلما رآه قال: أبا عثمان ما أقعدك ها هنا قال: غرمائي هؤلاء لزموني بدين لهم علي قال: وكم هو قال: سبعون ألفاً قال: علي منها عشرة آلاف درهم.
ثم خرج الآخر على الأثر فسأله ما سأل صاحبه فقال: هل خرج أحدٌ قبلي قالوا: نعم فلان قال: فما صنع قالوا: ضمن عشرة آلاف درهم قال: فعلي مثلها.

قال: ثم جعل الناس يخرجون فمنهم من يضمن الألف إلى أكثر من ذاك حتى ضمنوا أربعين ألفاً.

وكان يأمل عبيد الله بن أبي بكرة فلم يخرج حتى غربت الشمس فخرج مبادراً فلم يره حتى كاد يبلغ بيته فقيل له: إنك مررت بابن مفرغ ملزوماً وقد مر به الأشراف فضمنوا عنه فقال: واسوأتاه! إني أخاف أن يظن أني تغافلت عنه فكر راجعاً فوجده قاعداً فقال له: أبا عثمان ما يجلسك ها هنا قال: غرمائي هؤلاء يلزمونني قال: كم عليك قال: سبعون ألفاً قال: وكم ضمن عنك قال: أربعون ألفاً قال: فاستمتع بها وعلي دينك أجمع فقال فيه يخاطب نفسه:

لو شئت لم تغني ولم تنصبي عشت بأسباب أبي حاتم

عشت بأسباب الجواد الذي لا يختم الأموال بالخاتـم

من كف بهلولٍ له عدةٌ ما إن لمن عاداه من عاصم

المطعم الناس إذ حاردت نكباؤها في الزمن العارم

والفاصل الخطة يوم اللجا للأمر عند الكربة اللازم

جاورته حيناً فأحمدته أثني وما الحامـد كـالـلائم

أذقته الموت على غرةٍ بأبيض ذي رونقٍ صـارم

بديح يغني شعراً لابن مفرغ فيصله ويكسوه أخبرني عمي قال: حدثني أبو أيوب المديني قال: حدثني حماد بن إسحاق عن أبيه قال: قدم بديح الكوفة فغنى بها دهراً وأصاب مالاً كثيراً ثم خرج إلى البصرة ثم أتى الأهواز ثم عاد إلى البصرة فصحب ابن مفرغ في سفينة حتى إذا كان في نهر معقل تغنى وهو لا يعرف ابن مفرغ بقوله:

سما برق الجمانة فاستطارا لعل البرق ذاك يعود نارا

فطرب ابن مفرغ وقال: يا ملاح كر بنا إلى الأهواز فكر وهو يغنيه ثم كر راجعاً إلى البصرة وكروا معه وهو يعيد هذا الصوت. قال: ووصل ابن مفرغ بديحاً وكساه.

صوت

رضيت الهوى إذ حل بي متخيراً نديماً وما غيري له من ينادمه

أعاطيه كأس الصبر بيني وبينه يقاسمنيها مـرةً وأقـاسـمـه

يقال: إن الشعر لبشار والغناء للزبير بن دحمان هزج بالوسطى عن الهشامي وأحمد بن المكي.