أخبار ابن محرز ونسبه

أخبار ابن محرز ونسبه

نسب ابن محرز

هو مسلم بن محرز. فيما روى ابن المكي، ويكنى أبا الخطاب، مولى بني عبد الدار ابن قصي. وقال ابن الكلبي: اسمه سلمٌ. قال ويقال: اسمه عبد الله. وكان أبوه من سدنة الكعبة، أصله من الفرس، وكان أصفر أحنى طويلاً.

وأخبرني الحرمي قال حدثنا الزبير قال حدثني أخي هارون عن عبد الملك بن الماجشون قال: اسم ابن محرز سلم، وهو مولى بني مخزوم. وذكر إسحاق أنه كان يسكن المدينة مرةً ومكة مرةً، فإذا أتى المدينة أقام بها ثلاثة أشهر يتعلم الضرب من عزة الميلاء، ثم يرجع إلى مكة فيقيم بها ثلاثة أشهر. ثم شخص إلى فارس فتعلم ألحان الفرس وأخذ غناءهم، ثم صار إلى الشأم فتعلم ألحان الروم وأخذ غناءهم، فأسقط من ذلك ما لا يستحسن من نغم الفريقين، وأخذ محاسنها فمزج بعضها ببعض وألف منها الأغاني التي صنعها في أشعار العرب، فأتى بما لم يسمع مثله. وكان يقال له صناج العرب.

ابن محرز أول من غنى الرمل

أخبرني عمي قال حدثني أبو أيوب المديني عن حماد بن إسحاق عن أبيه قال: قال أبي: أول من غنى الرمل ابن محرز وما غني قبله. فقلت له: ولا بالفارسية؟ قال: ولا بالفارسية، وأول من غنى رملاً بالفارسية سلمك في أيام الرشيد، استحسن لحناً من ألحان ابن محرز، فنقل لحنه إلى الفارسية وغنى فيه.

سبب خمول ذكره

قال أبو أيوب وقال إسحاق: كان ابن محرز قليل الملابسة للناس، فأخمل ذلك ذكره فما يذكر منه إلا غناؤه، وأخذت أكثر غنائه جاريةٌ كانت لصديق له من أهل مكة كانت تألفه، فأخذه الناس عنها. ومات بداءٍ كان به. وسقط إلى فارس فأخذ غناء الفرس، وإلى الشأم فأخذ غناء الروم، فتخير من نغمهم ما تغنى به غناءه. وكان يقدم بما يصيبه فيدفعه إلى صديقه ذاك فينفقه كيف شاء، لا يسأله عن شيءٍ منه، حتى إذا كاد أن ينفد جهزه وأصلح من أمره، وقال له: إذا شئت فارحل، فيرحل ثم يعود. فلم يزل كذلك حتى مات.

ابن محرز أول من غنى بزوج من الشعر واقتدى به المغنون في ذلك

“قال “: وهو أول من غنى بزوجٍ من الشعر، وعمل ذلك بعده المغنون اقتداءً به. وكان يقول: الأفراد لا تتم بها الألحان. وذكر أنه أول ما أخذ الغناء أخذه عن ابن مسجح. قال إسحاق: وكانت العلة التي مات بها الجذام، فلم يعاشر الخلفاء ولا خالط الناس لأجل ذلك.
قال أبو أيوب قال إسحاق: قدم ابن محرز يريد العراق، فلما نزل القادسية لقيه حنينٌ، فقال له: كم منتك نفسك من العراق؟ قال: ألف دينار. قال: فهذه خمسمائة دينارٍ فخذها وانصرف واحلف ألا تعود.

علو كعبه في صنعة الغناء

وقال إسحاق: وقلت ليونس: من أحسن الناس غناء؟ قال: ابن محرز. قلت: وكيف قلت ذاك. قال: إن شئت فسرت، وإن شئت أجملت. قلت: أجمل. قال: كأنه خلق من كل قلبٍ، فهو يغني لكل إنسان بما يشتهي. وهذه الحكاية بعينها قد حكيت في ابن سريج، ولا أدري أيهما الحق.
قال إسحاق: وأخبرني الفضل بن يحيى بن خالد أنه سأل بعض من يبصر الغناء: من أحسن الناس غناءً؟ فقال: أمن الرجال أم من النساء؟ فقلت: من الرجال. فقال: ابن محرز. فقلت: فمن النساء؟ فقال: ابن سريج. قال: وكان إسحاق يقول: الفحول ابن سريج، ثم ابن محرز، ثم معبد ثم الغريض، ثم مالك.
أخبرني الحسين بن يحيى قال قال حماد: قرأت على أبي حدثنا بعض أهل المدينة، وأخبرني بهذا الخبر الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني أخي هارون عن عبد الملك بن الماجشون قال: كان ابن محرز أحسن الناس غناءً، فمر بهند بنت كنانة بن عبد الرحمن بن نضلة بن صفوان بن أمية بن محرث الكناني حليف قريش، فسألته أن يجلس لها ولصواحب لها، ففعل وقال: أغنيكن صوتاً أمرني الحارث بن خالد بن العاص بن هشام أن أغنيه عائشة بنت طلحة بن عبيد الله في شعر له قاله فيها وهو يومئذ أمير مكة؟ قلن نعم. فغناهن:

صوت

فوددت إذ شحطوا وشطت دارهم

 

وعدتهم عنا عـوادٍ تـشـغـل

أنا نطاع وأن تنـقـل أرضـنـا

 

أو أن أرضهم إلينـا تـنـقـل

لترد من كثبٍ إلـيك رسـائلـي

 

بجوابها ويعود ذاك المـرسـل

عروضه من الكامل. الغناء في هذه الأبيات خفيف رملٍ مطلقٌ في مجرى البنصر، ذكر عمرو بن بانة أنه لابن محرز، وذكر إسحاق أنه لابن سريج.

ابن محرز وحنين الحيري

وقال أبو أيوب المديني في خبره: بلغني أن ابن محرز لما شخص يريد العراق لقيه حنين فقال له: غنني صوتاً من غنائك. فغناه:

صوت

وحسن الزبرجد في نظـمـه

 

على واضح الليث زان العقودا

يفـصـل ياقــوتـــه دره

 

وكالجمر أبصرت فيه الفريدا

عروضه من المتقارب. الشعر لعمر بن أبي ربيعة. والغناء لابن محرز ثاني ثقيلٍ بالسبابة في مجرى البنصر – قال: فقال له حنين حينئذ: كم أملت من العراق؟ قال: ألف دينار. فقال له: هذه خمسمائة دينارٍ فخذها وانصرف. ولما شاع ما فعل لامه أصحابه عليه؛ فقال: والله لو دخل العراق لما كان لي معه فيه خبزٌ آكله، ولا طرحت وسقطت إلى آخر الدهر. وهذا الصوت أعنى:

وحسن الزبرجد في نظمه

من صدور أغاني ابن محرز وأوائلها وما لا يتعلق بمذهبه فيه ولا يتشبه به أحدٌ. ومما يغنى فيه من قصيدة نصيب التي أولها:

أهاج هواك المنزل المتقادم

صوت

لقد راعني للبين نوح حمـامةٍ

 

على غصن بانٍ جاوبتها حمائم

هواتف أما من بكين فعـهـده

 

قديمٌ وأما شجـوهـن فـدائم

الغناء لابن سريج من رواية يونس وعمرو وابن المكي، وهو ثاني ثقيلٍ بالبنصر، وهو من جيد الألحان وحسن الأغاني، وهو مما عارض ابن سريج فيه ابن محرز وانتصف منه.

ذكر الأصوات التي رواها جحظة عن أصحابه وحكى أنها من الثلاثة المختارة صوت

إلى جيداء قد بعثوا رسـولاً

 

ليحزنها فلا صحب الرسول

كأن العام ليس بعـام حـج

 

تغيرت المواسم والشكـول

الشعر للعرجي، والغناء لإبراهيم الموصلي، ولحنه المختار ماخوري بالوسطى. وهو من خفيف الثقيل الثاني على مذهب إسحاق. وفيه لابن سريج ثاني ثقيلٍ بالسبابة. في مجرى البنصر، وذكر عمرو بن بانة أن الماخوري لابن سريج.