أخبار ابن دارة ونسبه

أخبار ابن دارة ونسبه

نسبه

هو عبد الرحمن بن مسافع بن دارة، وقيل: بل هو عبد الرحمن بن رعبي بن مسافع بن دارة، وأخوه مسافع بن دارة، وكلاهما شاعر، وفي شعريهما جميعاً غناء يذكر ها هنا وأخوهما سالم بن مسافع بن دارة شاعر أيضاً وفي بعض شعره غناء يذكر بعد أخبار هذين. فأما سالم فمخضرم قد أدرك الجاهلية والإسلام. وأما هذان فمن شعراء الإسلام، ودارة لقب غلب على جدهم، ومسافع أبوهم، وهو ابن شريح بن يربوع الملقب بدارة بن كعب بن عدي بن جشم بن عوف بن بهثة بن عبد الله بن غطفان بن سعد بن قيس عيلان بن مضر. وهذا الشعر يقوله عبد الرحمن في حبس السمهري العكلي اللص وقتله وكان نديماً له وأخاً.

يستعدي قومه عكلاً على بني أسد: أخبرني بخبره هاشم بن محمد الخزاعي، قال: حدثنا أبو غسان دماذ، عن أبي عبيدة قال: لما أخذ السمهري العكلي وحبس وقتل، – وكانت بنو أسد أخذته وبعثت به إلى السلطان وكان نديماً لعبد الرحمن بن مسافع بن دارة، فقتل بعد طول حبس – فقال عبد الرحمن بن مسافع يهجو بني أسد ويحرض عليهم عكلاً.
صوت

إن يمس بالعينـين سـقـم فـقـد أتـى

 

لعينيك من طول البكاء علـى جـمـل

تهيم بها لا الدهـر فـان ولا الـمـنـى

 

سواها ولا تسلـى بـنـأي ولا شـغـل

كبـيضة أدحـي بـمـيث خـمـــيلة

 

يحففها جون بـجـؤجـؤة الـصـعـل

وما الشمس تبدو يوم غـيم فـأشـرقـت

 

على الشامة العنقاء فالنـير فـالـذبـل

بدا حاجب منها وضـنـت بـحـاجـب

 

بأحسن منها يوم زالت على الـحـمـل

يقولون: إزل حب جـمـل وقـربـهـا

 

وقد كذبوا ما فـي الـمـودة مـن إزل

إذا شحطـت عـنـي وجـدت حـرارة

 

على كبدي كادت بها كمـداً تـغـلـي

ولم أر مـحـزونـين أجـمـل لـوعة

 

على نائبات الدهر مني ومـن جـمـل

كلانـا يذود الـنـفـس وهـي حـزينة

 

ويضمر وجداً كالنـوافـذ بـالـنـبـل

وإنل لمبلي اليأس مـن حـب غـيرهـا

 

فأما على جـمـل فـإنـي لا أبـلـي

وإن شفاء النفس لو تسعـف الـمـنـى

 

ذوات الثنايا الغر والـحـدق الـنـجـل

أولئك إن يمنعـن فـالـمـنـع شـيمة

 

لهن وإن يعطين يحـمـدن بـالـبـذل

سأمسك بالوصل الـذي كـان بـينـنـا

 

وهل ترك الواشون والنأي مـن وصـل

ألا سـقـيانـي قـهـوة فـارســـية

 

من الأول المختوم ليست من الفـضـل

تنسي ذوي الأحلام واللـب حـلـمـهـم

 

إذا أزبدت في دنهـا زبـد الـفـحـل

ويا راكباً إمـا عـرضـت فـبـلـغـن

 

على نأيهم مني القبـائل مـن عـكـل

بأن الذي أمست تجـمـجـم فـقـعـس

 

إسار بـلا أسـر وقـتـل بـلا قـتـل

وكيف تنام اللـيل عـكـل ولـم تـنـل

 

رضى قود بالسمـهـري ولا عـقـل؟

فلا صلح حتى تنحط الخيل في الـقـنـا

 

وتوقد نار الحرب بالحطـب الـجـزل

وجرد تعـادى بـالـكـمـاة كـأنـهـا

 

تلاحظ من غيظ بـأعـينـا الـقـبـل

عليها رجـال جـالـدوا يوم مـنـعـج

 

ذوي التاج ضرابو الملوك على الوهـل

بضرب يزيل الهام عـن مـسـتـقـره

 

وطعن كأفـواه الـمـفـرجة الـهـدل

علام تمـشـي فـقـعـس بـدمـائكـم

 

وما هي بالفرع المنـيف ولا الأصـل؟

وكنا حسبنـا فـقـعـسـاً قـبـل هـذه

 

أذل على وقع الهـوان مـن الـنـعـل

فقد نظرت نحو السـمـاء وسـلـمـت

 

على الناس واعتاضت بخصب من المحل

رمى الله في أكبادكم أن نـجـت بـهـا

 

شعاب القنان من ضعيف ومـع وغـل

وإن أنـتـم لـم تـثـأروا بـأخـيكــم

 

فكونوا نساء للخـلـوق ولـلـكـحـل

وبيعوا الردينيات بالـحـلـي واقـعـدوا

 

على الذل وابتاعوا المغازل بـالـنـبـل

ألا حبذا من عنده القـلـب فـي كـبـل

 

ومن حبة داء وخبـل مـن الـخـبـل

ومن هو لا ينسـى ومـن كـل قـولـه

 

لدينا كطعم الراح أو كجنـى الـنـحـل

ومن إن نأى لم يحدث النـأي بـغـضـه

 

ومن إن دنا في الدار أرصد بـالـبـذل

خبر السمهري مع نديمه ومصرعه: وأما خبر المسهري ومقتله فإن علي بن سليمان الأخفش أخبرني به قال: حدثنا أبو سعيد السكري قال: حدثنا محمد بن حبيب، عن أبي عمرو الشيباني قال: لقي السمهري بن بشر بن أقيش بن مالك بن الحراث بن أقيش العكلي ويكنى أبا الديل هو وبهدل ومروان بن قرفة الطائيان عون بن جعدة بن هبيرة بن أبي وهب بن عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم بن يقظة بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب ومعه خاله: أحد بني حارثة بن لأم من طيء بالثعلبية، وهو يريد الحج من الكوفة، أو يريد المدينة، وزعم آخرون أنهم لقوه بين نخل والمدينة، فقالوا له: العراضة، أي مر لنا بشيء فقال: يا غلام، جفن لهم، فقالوا: لا والله ما الطعام نريد، فقال: عرضهم، فقالوا: ولا ذلك نريد، فارتاب بهم، فأخذ السيف فشد عليهم، وهو صائم، وكان بهدل لا يسقط له سهم، فرمى عوناً فأقصده، فلما قتلوه ندموا، فهربوا، ولم يأخذوا إبله، فتفرقت إبله، ونجا خاله الطائي، إما عرفوه فكفوا عن قتله، وإما هرب ولم يعرف القتلة، فوجد بعض إبله في يدي شافع بن واتر الأسدي.

وبلغ عبد الملك بن مروان الخبر فكتب إلى الحجاج بن يوسف، وهو عامله على العراق، وإلى هشام بن إسماعيل، وهو عامله على المدينة، وإلى عامل اليمامة أن يطلبوا قتلة عون، ويبالغوا في ذلك؛ وأن يأخذوا السعاة به أشد أخذ، ويجعلوا لمن دل عليهم جعله، وانشام السمهري في بلاد غطفان ما شاء الله.

ثم مر بنخل، فقالت عجوز من بني فزارة: أظن والله هذا العكلي الذي قتل عوناً، فوثبوا عليه، فأخذوه، ومر أيوب بن سلمة المخزومي بهم، فقالت له بنو فزارة: هذا العكلي قاتل عون ابن عمك، فأخذه منهم، فأتى به هشام بن إسماعيل المخزومي عامل عبد الملك على المدينة، فجحد وأبى أن يقر، فرفعه إلى السجن فحبسه.

وزعم آخرون أن بني عذرة أخذوه فلما عرفت إبل عون في يدي شافع بن واتر اتهموه بقتله، فأخذوه، وقالوا: أنت قرفتنا، قتلت عوناً، وحبسوه بصل: ماء لبني أسد، وجحد، وقد كان عرف من قتله، إما أن يكون كان معهم، فوري عنهم، وبرأ نفسه، وإما أن يكون أودعوها إياه، أو باعوها منه، فقال شافع:

فإن سـركـم أن تـعـــلـــمـــوا أين ثـــأركـــم

 

فسـلـمـى مـعــان وابـــن قـــرفة ظـــالـــم

وفي السجن عكلي شريك لبهدل فولوا ذباب السيف من هو حازم

 

 

فوالله ما كنا جناة ولا بنا

 

تأوب عـونـــاً حـــتـــفـــه وهـــو صـــائم

فعرفوا من قتله، فألحوا على بهدل في الطلب، وضيقوا على المسهري في القيود والسجن، وجحد، فلما كان ذلك من إلحاحهم على المسهري أيقنت نفسه أنه غير ناج، فجعل يلتمس الخروج من السجن، فلما كان يوم الجمعة والإمام يخطب، وقد شغل الناس بالصلاة فك إحدى حلقتي قيده، ورمى بنفسه من فوق السجن، والناس في صلاتهم، فقصد نحو الحرة، فولج غاراً من الحرة، وانصرف الإمام من الصلاة فخاف أهل المدينة عامتهم أتباعه، وغلقوا أبوابهم، وقال لهم الأمير: اتبعوه فقالوا: وكيف نتبعه وحدنا، فقال لهم: أنتم ألفا رجل، فكيف تكونون وحدكم؟ فقالوا: أرسل معنا الأبليين؛ وهم حرس وأعوان من أهل الأبلة، فأعجزهم الطلب، فلما أمسى كسر الحلقة الأخرى، ثم همس ليلته طلقاً، فأصبح وقد قطع أرضاً بعيدة، فبينا هو يمضي إذ نعب غراب عن شماله، فتطير، فإذا الغراب على شجرة بان ينشنش ريشه، ويلقيه، فاعتاف شيئاً في نفسه، فمضى، وفيها ما فيها، فإذا هو قد لقي راعياً في وجهه ذلك، فسأله: من أنت؟ قال: رجل من لهب من أزد شنوءة أنتجع أهلي، فقال له هل عندك شيء من زجر قومك؟ فقال: إني لآننس من ذلك شيئاً أي لأبصر، فقص عليه حاله غير أنه ورى الذنب على غيره والعيافة، وخبره عن الغراب والشجرة، فقال اللهبي: هذا الذي فعل ما فعل، ورأى الغراب على البانة يطرح ريشه سيصلب، فقال السمهري: بفيك الحجر، فقال اللهبي: بل بفيك الحجر، استخبرتني فأخبرتك ثم تغضب. ثم مضى حتى اغترز في بلاد قضاعة، وترك بلاد غطفان وذكر بعض الرواة أنه توقف يومه وليلته فيما يعمله؛ وهل يعود من حيث جاء ثم سار. حتى أتى أرض عذرة بن سعد يستجير القوم فجاء إلى القوم متنكراً، ويستحلب الرعيان اللبن، فيحلبون له، ولقيه عبد الله الأحدب السعدي: أحد بني مخزوم من بني عبد شمس، وكان أشد منه وألص، فجنى جناية، فطلب، فترك بلاد تميم، ولحق ببلاد قضاعة، وهو على نجيبة لا تساير، فبينا السمهري يماشي راعياً لبني عذرة، ويحدثه عن خيار إبلهم، ويسأله السمهري عن ذلك – وإنما يسأله عن أنجاهن ليركبها. فيهرب بها، لئلا يفارق الأحدب – أشار له إلى ناقة، فقال السمهري: هذه خير من التي تفضلها، هذه لا تجاري، فتحين الغفلة، فلما غفل وثب عليها، ثم صاح بها فخرجت تطير به، وذلك في آخر اليل، فلما أصبحوا فقدوهاا، وفقدوه، فطلبوه في الأثر. وخرجا حتى إذا كان حجر عن يسارهما، وهو واد في جبل، أو شبه الثقب فيه استقبلتهما سعة هي أوسع من الطريق، فظنا أن الطريق فيها، فسارا ملياً فيها، ولا نجم يأتمان به، فلما عرفا أنهما حائدان، والتفت عليهما الجبال أمامهما، وجد الطلب إثر بعيريهما، ورواه وقد سلك الثقب في غير طريق عرفوا أنه سيرجع، فقعدوا له بفم الثقب ثم كرا راجعين، وجاءت الناقة، وعلى رأسها مثل الكوكب من لغامها، فلما أبصر القوم هم أن يعقر ناقتهم، فقال له الأحدب: ما هذا جزاؤها. فنزل، نزل الأحدب، فقاتلهما القوم، حتى كادوا يغشون السمهري فهتف بالأحدب، فطرد عنه القوم، حتى توقلا في الجبل، وفي ذلك يقول السمهري يعتذر من ضلاله:

وما كنت محياراً ولا فزع السرىولكن حذا حجر بغير دليل

وقال الأحدب في ذلك:

لما دعاني السـمـهـري أجـبـتـه

 

بأبيض من مـاء الـحـديد صـقـيل

وما كنت ما اشتدت على السيف قبضتي

 

لأسلم من حـب الـحـياة زمـيلـي

وقال السمهري أيضاً:

نجوت ونفسي عند ليلـى رهـينة

 

وقد غمني داج من الليل دامـس

وغامست عن نفسي بأخلق مقصل

 

ولا خير في نفس امرئ لا تغامس

ولو أن ليلى أبصرتـنـي غـدوة

 

ومطواي والصف الذين أمـارس

إذاً لبكت ليلى علـي وأعـولـت

 

وما نالت الثوب الذي أنـا لابـس

فرجع إلى صحراء منعج، وهي إلى جنب أضاخ، والحلة قريب منها، وفيها منازل عكل، فكان يتردد ولا يقرب الحلة، وقد كان أكثر الجعل فيه، فمر بابني فائد ابن حبيب من بني أسد، ثم من بني فقعس فقال: أجيراً متنكراً، فحلبا له، فشرب ومضى لا يعرفانه، وذهبا، ثم لبث السمهري ساعة، وكر راجعاً فتحدث إلى أخت ابني فائد، فوجداه منبطحاً على بطنه يحدثها، فنظر أحدهما إلى ساقه مكدحة، وإذا كدوح طرية، فأخبر أخاه بذلك، فنظر، فرأى ما أخبره أخوه، فارتابا به، فقال أحدهما: هذا والله السمهري الذي جعل فيه ما جعل، فاتفقا على مضابرته، فوثبا عليه، فقعد أحدهما على ظهره، وأخذ الآخر برجليه فوثب السمهري، فألقى الذي على ظهره، وقال: أتلعبان؟ وقد ضبط رأس الذي كان على ظهره تحت إبطه، وعالجه الآخر، فجعل رأسه تحت إبطه أيضاً، وجعلا يعالجانه، فناديا أختهما أن تعينهما، فقالت: ألي الشرك في جعلكما؟ قالا: نعم، فجاءت بجرير فجعلته في عنقه بأنشوطه ثم جذبته، وهو مشغول بالرجلين يمنعهما، فلما استحكمت العقدة، وراحت من علابيه خلى عنهما، وشد أحدهما، فجاء بصرار، فألقاه في رجله، وهو يداور الآخر، والأخرى تخنقه؛ فخر لوجهه، فربطاه، ثم انطلقا به إلى عثمان بن حيان المري، وهو في إمارته على المدينة فأخذا ما جعل لأخذه، فكتب فيه إلى الخليفة، فكتب أن أدفعه إلى ابن أخي عون: عدي، فدفع إليه، فقال السمهري: أتقتلني وأنت لا تدري أقاتل عمك أنا أم لا؟ ادن أخبرك، فأراد الدنو منه، فنودي: إياك والكلب، وإنما أراد أن يقطع أنفه، فقتله بعمه. ولما حبسه ابن حيان في السجن تذكر زجر اللهبي وصدقه، فقال:

ألا أيها البيت الذي أنا هـاجـره

 

فلا البيت منسي ولا أنـا زائره

ألا طرقت ليلى وساقي رهـينة

 

بأشهب مشدود علي مسامـره

فإن أنج يا ليلى فرب فتى نجـا

 

وإن تكن الأخرى فشيء أحاذره

وما أصدق الطير التي برحت لنا

 

وما أعيف اللهبي لا عز ناصره

رأيت غراباً ساقطاً فـوق بـانة

 

ينشنش أعلى ريشـه ويطـايره

فقال غراب باغتراب من النوى

 

وبان ببين من حبيب تـحـاذره

فكان اغتراب بالغـراب ونـية

 

وبالبان بين بـين لـك طـائره

وقال السمهري في الحبس يحرض أخاه مالكاً على ابني فائد:

فمن مبلغ عني خليلي مـالـكـاً

 

رسالة مشدود الوثـاق غـريب

ومن مبلغ حزما وتيماً ومالـكـا

 

وأرباب حامي الحفر رهط شبيب

ليبكوا التي قالت بصحراء منعـج

 

لي الشرك يا بني فائد بن حبـيب

أتضرب في لحمي بسهم ولم يكن

 

لها في سهام المسلمين نـصـيب

وقال السمهري يرقق بني أسد:

تمنت سليمى أن أقيل بأرضـهـا

 

وأني لسلمى ويبها ما تـمـنـت

ألا ليت شعري هل أزورن ساجراً

 

وقد رويت ماء الغوادي وعلـت

بني أسد هل فيكـم مـن هـوادة

 

فتغفر إن كانت بي النعل زلـت

وبنو تميم تزعم أن البيت لمرة بن محكان السعدي: وقال السمهري في الحبس يذم قومه:

لقد جمع الحداد بـين عـصـابة

 

تسائل في الأقياد ماذا ذنوبـهـا

بمنزلة أما اللـئيم فـشـامـت

 

بها وكرام القوم باد شحوبـهـا

إذا حرسي قعقع الباب أرعـدت

 

فرائص أقوام وطارت قلوبهـا

ألا ليتني من غير عكل قبيلتـي

 

ولم أدر ما شبان عكل وشيبها؟

قبيلة “من” لا يقرع الباب وقدهـا

 

لخير ولا يهدي الصواب خطيبها

نرى الباب لا نستطيع شيئاً وراءه

 

كأنا قني أسلمتها كـعـوبـهـا

وإن تك عكل سرها ما أصابنـي

 

فقد كنت مصبوباً على ما يريبها

وقال السمهري أيضاً في الحبس:

ألا حي ليلى إذ ألم لـمـامـهـا

 

وكان مع القوم الأعادي كلامها

تعلل بليلى إنـمـا أنـت هـامة

 

من الغد يدنو كل يوم حمامهـا

وبادر بليلى أوجه الركب إنهـم

 

متى يرجعوا يحرم عليك كلامها

وكيف ترجيها وقد حيل دونـهـا

 

وأقسم أقوام مخوف قسامـهـا

لأجتنبنهـا أو لـيبـتـدرنـنـي

 

ببيض عليها الأثر فعم كلامهـا

لقد طرقت ليلى ورجلي رهـينة

 

فما راعني في السجن إلا لمامها

فلما انتبهت للخيال الـذي سـرى

 

إذا الأرض قفر قد علاها قتامها

فإلا تكن ليلى طـوتـك فـإنـه

 

شبية بليلى حسنها وقـوامـهـا

ألا ليتنا نحيا جميعـاً بـغـبـطة

 

وتبلى عظامي حين تبلى عظامها

وقال أيضاً:

ألا طرقت ليلى وساقـي رهـينة

 

بأسمر مشـدود عـلـي ثـقـيل

فما البين يا سلمى بأن تشحط النوى

 

ولكن بـينـاً مـا يريد عـقـيل

فإن أنج منها أنج من ذي عظـيمة

 

وإن تكن الأخرى فتلك سـبـيل

وقال أيضاً وهو طريد:

فلا تيأسا من رحمة الله وانظرا

 

بوادي جبونا أن تهب شمـال

ولا تيأسا أن ترزقـا أريحـية

 

كعين المها أعناقهـن طـوال

من الحارثيين الذين دمـاؤهـم

 

حرام وأما مالهـم فـحـلال

وقال أيضاً:

ألم تر أني وابن أبيض قد جفـت

 

بنا الأرض إلا أن نؤم الفـيافـيا

طريدين من حيين شتى أشـدنـا

 

مخافتنا حتى نخلنا التـصـافـيا

وما لمته في أمر حزم ونـجـدة

 

ولا لامني في مرتي واحتيالـيا

وقلت له إذ حل يسقي ويستقـي

 

وقد كان ضوء الصبح ليل حاديا:

لعمري لقد لاقت ركابك مشربـاً

 

لئن هي لم تضبح عليهن عالـيا

بعض أخباره: وأخذت طيئ ببهدل ومروان أخيه أشد الأخذ، وحبسوا، فقالوا: إن حبسنا لم نقدر عليهما ونحن محبوسون، ولكن خلوا عنا، حتى نتجسس عنهما، فنأتيكم بهما، وكانا تأبدا مع الوحش يرميان الصيد فهو رزقهما. ولما طال ذلك على مروان هبط إلى راع، فتحدث إليه فسقاه، وبسطه، حتى اطمأن إليه، ولم يشعره أنه يعرفه، فجعل يأتيه بين الأيام، فلا ينكره، فانطلق الراعي، فأخبره باختلافه إليه، فجاء معه الطلب، وأكمنهم، حتى إذا جاء مروان إلى الراعي كما كان يفعل ساقاه، وحدثه فلم يشعر حتى أطافوا به، فأخذوه، وأتوا به عثمان بن حيان أيضاً عامل الوليد بن عبد الملك على المدينة، فأعطى الذي دل عليه جعله، وقتله.

نهاية بهدل: وأما بهدل فكان يأوي إلى هضبة سلمى، فبلغ ذلك سيداً من سلمى، من طيء، فقال: قد أخيفت طيء، وشردت من السهل من أجل هذا الفاسق الهارب، فجاء حتى حل بأهله أسفل تلك الهضبة ومعه أهلات من قومه، فقال لهم: إنكم بعيني الخبيث، فإذا كان النهار فليخرج الرجال من البيوت، وليخلوا النساء، فإنه إذا رأى ذلك انحدر إلى القباب، وطلب الحاجة والعل فكانوا يخلون الرجال نهاراً فإذا أظلموا ثابوا إلى رحالهم أياماً، فظن بهدل أنهم يفعلون ذلك لشغل يأتيهم، فانحدر إلى قبة السيد، وقد أمر النساء: إن انحدر إليكن رجل فإنه ابن عمكن، فأطعمنه وادهن رأسه.

وفي قبة السيد ابنتان له فسألهما: من أنتما؟ فأخبرتاه، وأطعمتاه، ثم انصرف فلما راح أبوهما أخبرتاه، فقال: أحسنتما إلى ابن عمكما، فجعل ينحدر إليهما، حتى اطمأن، وغسلتا رأسه، وفلتاه ودهنتاه، فقال الشيخ لابنتيه: أفلياه، ولا تدهناه إذا أتاكما هذه المرة، واعقدا خصل لمته إذا نعس رويداً بخمل القطيفة.

ثم إذا شددنا عليه فأقلبا القطيفة على وجهه، وخذا أنتما بشعره من ورائه فمدا به إليكما، ففعلتا، واجتمع له أصحابه، فكروا إلى رحالهم قبل الوقت الذي كانوا يأتونها، وشدوا عليه، فربطوه، فدفعوه إلى عثمان بن حيان، فقتله، فقالت بنت بهدل ترثيه:

فيا ضيعة الفتيان إذ يعتـلـونـه

 

ببطن الشرى مثل الفنيق المسدم

دعا دعوة لما أتى أرض مالـك

 

ومن لا يجب عند الحفيظة يسلم

أما كان في قيس من ابن حفيظة

 

من القوم طلاب التراث غشمشم

فيقتل جبراً بامرئ لم يكـن بـه

 

بواء ولكن لا تـكـايل بـالـدم

وكان دعا: يا لمالك لينتزعوه، فلم يجبه أحد.

مساجلة بينه وبين الكميت: قال: ولما قال عبد الرحمن بن دارة ابن عم سالم بن دارة هذه القصيدة يحض عكلاً على بني فقعس اعترض الكميت بن معروف الفقعسي، فعيره بقتل سالم حين قتله زميل الفزاري، فقال قوله:

فلا تكثروا فيه الضجـاج فـإنـه

 

محا السيف ما قال ابن دارة أجمعا

فقال عبد الرحمن بن دارة:

فيا راكباً إما عـرضـت فـبـلـغـن

 

مغلغللة عني القبـائل مـن عـكـل

جلت حمماً عنها القصاف وما جـلـت

 

قشير وفي الشدات والحرب ما يجلىي

فإن يك باع الفقـعـسـي دمـاءهـم

 

بوكس فقد كانت دماؤكـم تـغـلـي

وكيف تنام اللـيل عـكـل ولـم يكـن

 

لها قود بالسـمـهـري ولا عـقـل

رمى الله في أكبادهم إن نجـت بـهـا

 

حروف القنان من ذليل ومـن وغـل

وكنا حسبنا فقـعـسـاً قـبـل هـذه

 

أذل على طول الهوان من الـنـعـل

فإن أنـتـم لـم تـثـأروا بـأخـيكـم

 

فكونوا بغايا للخلـوق ولـلـكـحـل

وبيعوا الردينيات بالحـلـي واقـعـدوا

 

على الوتر وابتاعوا المغازل بالنـبـل

فإن الذي كانت تجمـجـم فـقـعـس

 

قتيل بلا قتلـى وتـبـل بـلا تـبـل

فلا سلم حتى تنحط الخيل بـالـقـنـا

 

وتوقد نار الحرب بالحطب الـجـزل

يقتلون ابن سعدة وأمه: فلما بلغ قوله مالكاً أخا السمهري بخراسان، انحط من خراسان، حتى قدم بلاد عكل فاستجاش نفراً من قومه، فعلقوا في أرض بني أسد يطلبون الغرة فوجدوا بثادق رجلاً معه امرأة من فقعس، فقتلوه، وحزوا رأسه، وذهبوا بالرأس، وتركوا جسده، كما قتلوها أيضاً، وذكر لي: أن الرجل ابن سعدة والمرأة التي كانت معه هي سعدة أمه، فقال عبد الرحمن في ذلك:

ما لقتيل فقعس لا رأس له

 

هلا سألت فقعساً من جدله

لا يتبعن فقعسي جـمـلـه

 

فرداً إذا ما الفقعسي أعمله

لا يلقين قاتلاً فـيقـتـلـه

 

بسيفه قد سمه وصقـلـه

وقال عبد الرحمن أيضاً:

لما تمالى القوم في رأد الضحـى

 

نظراً وقد لمع السراب فـجـالا

نظر ابن سعدة نظرة ويلاً لـهـا

 

كانت لصحبك والمطي خـبـالا

لماً رأى من فـوق طـود يافـع

 

بعض العـداة وجـنة وظـلالا

عيرتني طلب الحمول وقـد أرى

 

لم آتهـن مـكـفـفـاً بـطـالا

فانظر لنفسك يا بن سعدة هل ترى

 

ضبعاً تجـر بـثـادق أوصـالا

أوصال سعدة والكمـيت وإنـمـا

 

كان الكميت على الكميت عـيالا

وقال عبد الرحمن في ذلك:

أصبحتم ثكلى لئاما وأصـبـحـت

 

شياطين عكل قد عراهن فقعـس

قضى مالك ما قد قضى ثم قلصت

 

به في سواد الليل وجناء عرمس

فأضحت بأعلى ثادق وكـأنـهـا

 

محالة غرب تستمر وتـمـرس

مصرعه: وحدثني علي بن سليمان الأخفش أن بني أسد ظفرت بعبد الرحمن بن دارة بالجزيرة بعدما أكثر من سبهم وهجائهم وتآمروا في قتله، فقثال بعضهم: لا تقتلوه، ولتأخذوا عليه أن يمدحنا ونحسن إليه فيمحو بمدحه ما سلف من هجائه، فعزموا على ذلك، ثم إن رجلاً منهم كان قد عضه بهجائه، اغتفله فضربه بسيفه، فقتله وقال في ذلك:

قتل ابن دارة بالجزيرة سبنا

 

وزعمت أن سبابنا لا يقتل

قال علي بن سليمان: وقد روي أن البيت المتقدم:

فلا تكثروا فيه الضجـاج فـإنـه

 

محا السيف ما قال ابن دارة أجمعا

لهذا الشاعر الذي قتل ابن دارة، وهو من بني أسد، وهكذا ذكر السكري.

صوت

كلانـا يرى الـجـوزاء يا جـــمـــل إذا بـــدت

 

ونـجـم الـثــريا والـــمـــزار بـــعـــيد

فكيف بكم يا جمل أهلاً ودونكم بحور يقمصن السفين وبيد

 

 

إذ قلت: قد حان القفول يصدنا

 

سلـيمـان عــن أهـــوائنـــا وســـعـــيد

الشعر لمسعود بن خرشة المازني، والغناء لبحر، خفيف ثقيل بالوسطى عن الهشامي.