أخبار ابن أرطاة ونسبه

الثاني

أخبار ابن أرطاة ونسبه

نسبه

هو عبد الرحمن بن أرطاة، وقيل: عبد الرحمن بن سيحان بن أرطاة بن سيحان بن عمرو بن نجيد بن سعد بن لاحب بن ربيعة بن شكم بن عبد الله بن عوف بن زيد بن بكر بن عمير بن علي بن جسر بن محارب بن خصفة بن قيس بن غيلان بن مضر بن نزار. وأم جسر بن محارب كأس بنت لكيز بن أقصى بن عبد القيس، وأم علي بن جسر ماوية بنت علي بن بكر بن وائل، هذه رواية أبي عمرو الشيباني أخبرني بها عمي والصولي عن الحزنبل عن عمرو بن أبي عمرو عن أبيه، قال وشكم بن عبد الله أول محاربي ساد قومه وأبذهم رأساً بنفسه، وكانوا جيراناً في هوازن؛ وآل سيحان حلفاء حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، وبمنزلة بعضهم عندهم خاصة وعند سائر بني أمية عامة.

أخبرني أحمد بن عبد العزيز قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثنا محمد بن يحيى عن عبد العزيز بن عمران قال: بنو سيحان من بني جسر بن محارب، وبنو مناف تقوي حلفهم، وهم عندي أعزاؤهم وليسوا بأحلافهم.

أخبرني أحمد بن عبيد الله بن عمار وأحمد بن عبد العزيز الجوهري قالا حدثنا عمر بن شبة قال حدثنا محمد بن يحيى أبو غسان قال: لما قتل هشام بن الوليد أبا أزيهر، بعثت قريش أرطاة بن سيحان حليف حرب بن أمية إلى الشراة يحذر من بها من تجار قريش، وخرج حاجزٌ الأزدي ليخبر قومه، فسبقه أرطاة، وقال في ذلك وقد حذرهم فنجوا:

مثل الحليف يشد عـروتـه

 

يثني العناج لها مع الكرب

زلمٌ إذا يسـروا بـه يسـرٌ

 

ومناضلٌ يحمي عن الحسب

هل تشكرن فهرٌ وتاجرهـا

 

دأب الشرى بالليل والخبب

حتى جلوت لهم يقـينـهـم

 

ببيان لا ألـسٍ ولا كـذب

وكان حليفاً لبني أمية ومدحهم

وكان عبد الرحمن شاعراً مقلاً إسلامياً ليس من الفحول المشهورين ولكنه كان يقول في الشراب والغزل والفخر ومدح أحلافه من بني أمية، وهو أحد المعاقرين للشراب والمحدودين فيه، وكان بني أمية كواحدٍ منهم إلا أن اختصاصه بآل أبي سفيان وآل عثمان خاصة كان أكثر، وخصوصه بالوليد بن عثمان ومؤانسته إياه أزيد من خصوصه بسائرهم، لأنهما كانا يتنادمان على الشراب.
وهذه الأبيات التي فيها الغناء يقولها في الوليد بن عثمان، وقيل: بل في الوليد بن عتبة. وخبره في ذلك يذكر بعد هذا.

أصابه خمار فداواه منه الوليد بن عثمان

أخبرنا محمد بن العباس اليزيدي قال عتبة بن المنهال المهلبي حدثني غير واحد من أهل الحجاز قالوا: كان ابن سيحان حليفاً لقريش ينزل بالمدينة، وكان نديماً للوليد بن عثمان، فأصابه ذات يوم خمارٌ، فذهب لسانه وسكنت أطرافه وصرخ أهله عليه، فأقبل الوليد إليه فزعاً، فلما رآه قال: أخي مخمور ورب الكعبة، ثم أمر غلاماً له فأتاه بشراب من منزله في إداوة فأمر به فأسخن ثم سقاه إياه وقيأه، وصنع له حساءً وجعل على رأسه دهناً وجعل رجليه في ماء سخن، فما لبث أن انطلق وذهب ما كان به. ومات الوليد بعد ذلك. فبينا ابن سيحان يوماً جالسٌ وبعض متاعه ينقل من بيت إلى بيت، إذ مرت الخادم بإدواة الوليد التي كان داواه بما فيها من الشراب وقد يبست وتقبضت، فانتحب وقال:

لا تبعدن إداوةٌ مطـروحةٌ

 

كانت حديثاً للشراب العاتق

وذكر باقي الأبيات.
أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهري قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثنا أحمد بن معاوية عن الواقدي قال حدثنا عبد الله بن أبي عبيدة عن أبيه قال: كان الوليد بن عثمان بن عفان يشرب مع الوليد بن عتبة بن أبي سفيان وابن سيحان وكان يخمر فأصابه من ذلك شيءٌ شديدٌ حتى خيف عليه وشق النساء عليه الجيوب، فدعي له ابن سيحان، فلما رآه قال: اخرجن عني وعن أخي، فقال له: الصبوح أبا عبد الله، فجلس مفيقاً؛ فذلك حين يقول ابن سيحان:

بأبي الوليد وأم نفسي كلـمـا

 

بدت النجوم وذر قرن الشارق

أثوى فأكرم في الثواء وقضيت

 

حاجاتنا من عند أروع باسـق

كم عنده من نائلٍ وسـمـاحةٍ

 

وفضائلٍ معـدودةٍ وخـلائق

وسماحةٍ للمعتفين إذا اعتفـوا

 

في ماله حقا وقولٍ صـادق

لا تبعـدن إداوةٌ مـطـروحةٌ

 

كانت حديثاً للشراب العاتـق

كان من ندماء الوليد بن عثمان  أخبرني الحسين بن يحيى عن حماد بن إسحاق عن أبيه قال: كان الوليد بن عثمان يكنى أبا الجهم، وكان لابن سيحان صديقاً ونديماً، وكان صاحب شراب، فمرض فعاده الوليد وقال: ما تشتهي؟ قال: شراباً، فبعث فجاءه بشراب في إدواة. ثم ذكر باقي الخبر نحو الذي قبله.

قيل إنه خرج معه إلى الحجاز لجني تمره ولما عاد أعطاه إداوة وذكره بها فمدحه

أخبرني محمد بن خلف وكيعٌ قال حدثني حماد بن إسحاق عن أبيه عن أيوب بن عباية قال: كان الوليد بن عثمان ذا غلة في الحجاز يخرج إليها في زمان التمر بنفرٍ من قومه، يجنون له ويعاونونه، فكان إذا حضر خروجهم دفع إليهم نفقاتٍ لأهليهم إلى رجعتهم، فخرج بهم مرة كما كان يخرج وفيهم ابن سيحان، فأتى ابن سيحان كتاب من أهله يسألونه القدوم لحاجةٍ لابد منها، فاستأذنه فأذن له، فقال له ابن سيحان: زودوني من شرابكم هذا، فزودوه إداوةً ملأها له من شرابهم، فكان يشربها في طريقه حتى قدم على أهله، فألقاها في جانب بيته فارغةً، فمكث زماناً لا يذكرها، ثم كنسوا البيت فرآها ملقاةً في الكناسة فقال:

لا تبـعـدن إداوةٌ مـطـروحةٌ

 

كانت حديثاً للشراب العـاتـق

إن تصبحي لا شيء فيك فربمـا

 

أترعت من كأس تلـذ لـذائق

بأبي الوليد وأم نفسي كـلـمـا

 

بدت النجوم وذر قرن الشـارق

كم عنده من نـائلٍ وسـمـاحةٍ

 

وشمـائلٍ مـيمـونةٍ وخـلائق

وكرامةٍ للمعتفين إذا اعتـفـوا

 

في ماله حقاً وقـولٍ صـادق

أثوى فأكرم في الثواء وقضـيت

 

حاجاتنا من عند أروع بـاسـق

لما أتينـاه أتـينـا مـاجـد ال

 

أخلاق سباقاً لـقـرمٍ سـابـق

قال الوليد يدي لكم رهنٌ ربمـا

 

حاولتم من صامتٍ أو نـاطـق

فإلى الوليد اليوم حنت ناقـتـي

 

تهوي بمغبر المتون سمـالـق

حنت إلى برقٍ فقلت لها قـري

 

بعض الحنين فإن شجوك شائقي

حده مروان بالخمر ومنع منه معاوية

أخبرني عمي قال حدثني محمد بن عبد الله التميمي الأصبهاني المعروف بالحزنبل قال حدثني عمرو ابن أبي عمرو الشيباني عن أبيه وأخبرني الحسين بن يحيى المرداسي قال قال حماد بن إسحاق: قرأت على أبي، قالا جميعاً: كان عبد الرحمن بن سيحان قد غاظ مروان بن الحكم أيام كان معاوية يعاقب بينه وبين سعيد بن العاص في ولاية الحرمين، وأنكر عليه أشياء بلغته فغاظته: من مدحه سعيداً وانقطاعه إليه وسروره بولايته، فرصده حتى وجده خارجاً من دار الوليد بن عثمان وهو سكران فضربه الحد ثمانين سوطاً. وقدم البريد من المدينة على معاوية فسأله عن أخبار الناس فجعل يخبره بها، حتى انتهى به الحديث إلى ابن سيحان فأخبره أن مروان ضربه الحد ثمانين؛ فغضب معاوية وقال: والله لو كان حليف أبي العاص لما ضربه ولكنه ضربه لأنه حليف حرب، أليس هو الذي يقول:

وإني آمرؤٌ حلفٌ إلى أفضل الورى

 

عديداً إذا ارفضت عصا المتخلف

كذب والله مروان، لا يضربه في نبيذ أهل المدينة وشكهم وحمقهم؛ ثم قال لكاتبه: أكتب إلى مروان: فليبطل الحد عن ابن سيحان، وليخطب بذلك على المنبر، وليقل إنه كان ضربه على شبهة ثم بان له أنه لم يشرب مسكراً، وليعطه ألفي درهم. فلما ورد الكتاب على مروان عظم ذلك عليه، ودعا بابنه عبد الملك فقرأه عليه وشاوره فيه؛ فقال له عبد الملك: راجعه ولا تكذب نفسك، ولا تبطل حكمك؛ فقال مروان: أنا أعلم بمعاوية إذا عزم على شيء أو أراده، لا والله لا أراجعه. فلما كان يوم الجمعة وفرغ من الخطبة قال: وابن سيحان فإنا كشفنا أمره فإذا هو لم يشرب مسكراً، وإذا نحن قد عجلنا عليه؛ وقد أبطلت عنه الحد. ثم نزل فأرسل إليه بألفي درهم.

خبر الوليد ومروان أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهري قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثني أحمد بن معاوية عن الواقدي قال حدثني عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه قال: كان عبد الرحمن بن سيحان المحاربي شاعراً، وكان حلو الحديث، عنده أحاديث حسنةٌ غريبةٌ من أخبار العرب وأيامها وأشعارها، وكان على ذلك يصيب من الشراب، فكان كل من قدم من ولاة بني أمية وأحداثهم ممن يصيب الشراب يدعوه وينادمه، فلما ولي الوليد بن عتبة بن أبي سفيان وعزل مروان وجد مروان في نفسه وكان قد سبعه، فحقد عليه مروان واضطغنه، وكان الوليد يصيب من الشراب ويبعث إلى ابن سيحان فيشرب معه، وابن سليمان لا يطن أن مروان يفعل به الذي فعله، وقد كان مدحه ابن سليمان ووصله مروان، ولكن مروان أراد فضيحة الوليد، فرصده ليلةً في المسجد، وكان ابن سيحان يخرج في السحر من عند الوليد ثملاً فيمر في المقصورة من المسجد حتى يخرج في زقاق عاصم، وكان محمد بن عمرو يبيت في المسجد يصلي، وكذلك عبد الله بن حنظلة وغيرهما من القراء يبيتون في المسجد يتهجدون، فلما خرج ابن سيحان ثملاً من دار الوليد أخذه مروان وأعوانه، ثم دعا له محمد بن عمرو وعبد الله بن حنظلة فأشهدهما على سكره وقد سأله أن يقرأ أم القرآن فلم يقرأها، فدفعه إلى صاحب شرطته فحبسه؛ فلما أصبح الوليد بلغه الخبر وشاع في المدينة وعلم أن مروان إنما أراد أن يفضحه، وأنه لو لقي ابن سيحان ثملاً خارجاً من عند غيره لم يعرض له، فقال الوليد: لا يبرئني من هذا عند أهل المدينة إلا ضرب ابن سيحان، فأمر صاحب شرطته فضربه الحد ثم أرسله.

مكث في بيته استحياء فحمله عبد الرحمن بن الحارث على الخروج إلى المسجد فجلس ابن سيحان في بيته لا يخرج حياءً من الناس، فجاءه عبد الرحمن بن الحارث بن هشام في ولده وكان له جليساً فقال له: ما يجلسك في بيتك؟ قال: الاستحياء من الناس؛ قال: اخرج أيها الرجل، وكان عبد الرحمن قد حمل له معه كسوة، فقال له: البسها ورح معنا إلى المسجد فهذا أحرى أن يكذب به مكذب، ثم ترحل إلى أمير المؤمنين فتخبره بما صنع بك الوليد فإنه يصلك ويبطل هذا الحد عنك؛ فراح مع عبد الرحمن في جماعة ولده متوسطاً لهم حتى دخل المسجد فصلى ركعتين، ثم تساند مع عبد الرحمن إلى الأسطوانة؛ فقائل يقول: لم يضرب، وقائل يقول: رحل إلى معاوية وشفع فيه يزيد فعفا عنه وكتب بذلك إلى الوليد أنا رأيته يضرب، وقائل يقول: عزر أسواطاً. فمكث أياماً ثم رحل إلى معاوية فدخل إلى يزيد فشرب معه، وكلم يزيد أباه معاوية في أمره فدعا به فأخبره بقصته وما صنعه به مروان، فقال: قبح الله الوليد ما أضعف عقله! أما استحيا من ضربك فيما شرب! وأما مروان فإني كنت لا أحسبه يبلغ هذا منك مع رأيك فيه ومودتك له، ولكنه أراد أن يضع الوليد عندي ولم يصب، وقد صير نفسه في حد كنا ننزهه عنه، صار شرطياً! ثم قال لكاتبه: اكتب: “بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله معاوية أمير المؤمنين إلى الوليد بن عتبة. أما بعد، فالعجيب لضربك ابن سيحان فيما تشرب منه، ما زدت على أن عرفت أهل المدينة ما كنت تشربه مما حرم عليك، فإذا جاءك كتابي هذا فأبطل الد عن ابن سيحان، وطف به في حلق المسجد وأخبرهم أن صاحب شرطك تعدى عليه وظلمه، وأن أمير المؤمنين قد أبطل ذلك عنه، أليس ابن سيحان الذي يقول:

وإني امرؤٌ أنمى إلى أفضل الورى

 

عديداً إذا ارفضت عصا المتحلف

إلى نضدٍ من عبد شمس كأنـهـم

 

هضاب أجا أركانها لم تقـصـف

ميامين يرضون الكفاية إن كفـوا

 

ويكفون ما ولوا بغير تـكـلـف

غطارفةٌ ساسوا البلاد فأحسـنـوا

 

سياستها حتى أقـرت لـمـردف

فمن يك منهم موسراً يفش فضلـه

 

ومن يك منهم معسراً يتعـفـف

وإن تبسط النعمى لهم يبسطوا بهـا

 

أكفا سباطا نفعها غير مـقـرف

وإن تزو عنهم لا يضجوا وتلفهـم

 

قليلي التشكي عندها والتكـلـف

إذا انصرفوا للحق يوماً تصرفـوا

 

إذا الجاهل الحيران لم يتصـرف

سموا فعلوا فوق البرية كـلـهـا

 

ببنيان عالٍ من منيفٍ ومـشـرف

قال: وكتب له بأن يعطى أربعمائة شاةٍ وثلاثين لقحة مما يوطن السيالة وأعطاه هو خمسمائة دينار، وأعطاه يزيد مائتي دينار. ثم قدم بكتاب معاوية إلى الوليد، فطاف به في المسجد، وأبطل ذلك الحد عنه، وأعطاه ما كتب به له معاوية. وكتب معاوية إلى مروان يلومه فيما يفعله بابن سيحان، وما أراده بذلك. ودعا الوليد عبد الرحمن بن سيحان إلى أن يعود للشرب معه؛ فقال: والله لا ذقت معك شراباً ابداً.

ضربه مروان الحد فأبطله معاوية

أخبرني أحمد بن عبد العزيز قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثنا أبو مسلم الغفاري قال حدثني موسى بن عبد العزيز قال: أخذ ابن سيحان الجسري – هكذا قال وهو غلط – في شراب في إمارة مروان، وكان حليفاً لأبي سفيان ابن حرب، فضربه مروان ثمانين سوطاً على رؤوس الناس، فكتب إلى معاوية يشكوه، فكتب إليه معاوية: أما بعد فإنك أخذت حليف حرب فضربته ثمانين على رؤوس الناس، والله لتبطلنها عنه، أو لأقيدنه منك؛ فقال مروان لابنه عبد الملك: ماترى؟ قال: أرى والله ألا تفعل؛ قال: ويحك! أنا أعلم بعزمات معاوية منك، فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس، إنا كنا ضربنا ابن سيحان بشهادة رجل من الحرس ووجدناه غير عدلٍ ولا رضاً، فاشهدوا أني قد أبطلت ذلك الحد عنه.

أخبرني أحمد قال حدثنا عمر قال حدثني محمد بن يحيى قال حدثني عبد العزيز بن عمران قال: ضرب مروان عبد الرحمن بن سيحان في الخمر ثمانين سوطاً، فكتب إليه معاوية: أما بعد، فإنك ضربت عبد الرحمن في نبيذ أهل الشأم الذي يستعملونه وليس بحرام، وإنما ضربته حيث كان حلفه إلى أبي سفيان بن حرب، وايم الله لو كان حليفاً للحكم ما ضربته، فأبطل عنه الحد قبل أن أضرب من أخذ معه: أخاك عبد الرحمن بن الحكم؛ فأبطل مروان عنه الحد؛ فقال ابن سيحان في ذلك يذكر حلفه:

إني امرؤ عقدي إلى أفضل الورى

 

عديداً إذا ارفضت عصا المتحلف

وقال الطوسي: كان عبد الرحمن بن الحكم أخو مروان يشرب مع ابن سيحان، فلما ضربه مروان الحد كتب إليه معاوية: والله لتبطلنه عنه أو لأبعثن إلى أخيك من يضرب ظهره بالسوط في السوق، أليس ابن سيحان الذي يقول:

سموت بحلفي للطوال من الـربـى

 

ولم تلقني قناً لدى مبرك الـجـرب

إذا ما حليف الذل اقمـأ شـخـصـه

 

ودب كما دب الحسير على نـقـب

وهصت الحصى لا أخنس الأنف قابعاً

 

إذا أنا راخى لي خناقي بنو حـرب

كان مع سعيد بن عثمان حين قتله وهرب عنه ثم رثاه

أخبرني الحرمي بن أبي العلاء وأحمد بن سليمان الطوسي قالا حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني عمي مصعب وغيره قالوا: قدم سعيد بن عثمان المدينة فقتله غلمانٌ جاء بهم من الصغد، وكان معه عبد الرحمن بن أرطاة بن سيحان حليف بني حرب بن أمية، فهرب عنه لما قتلوه، فقال خالد بن عقبة بن أبي معيط يرثي سعيد بن عثمان – وعثمان أخوه لأمه -:

يا عين جودي بدمع منك تهتانـا

 

وابكي سعيد بن عثمان بن عفانا

إن ابن زينة لم تصدق مودتـه

 

وفر عنه ابن أرطاة بن سيحانا

فقال ابن سيحان يعتذر من ذلك:

يقول رجالٌ قد دعاك فلم تـجـب

 

وذلك من تلقاء مـثـلـك رائع

فإن كان نادى دعوةً فسمعـتـهـا

 

فشلت يدي واستك مني المسامع

وإلا فكانت بالذي قـال بـاطـلاً

 

ودارت عليه الدائرات القـوارع

يلومونني أن كنت في الدار حاسراً

 

وقد فر عنه خـالـدٌ هـو دارع

فقال بعض الشعراء يجيبه:

فإنك لم تسمـع ولـكـن رأيتـه

 

بعينيك إذ مجراك في الدار واسع

وأسلمته للصغد تدمي كـلـومـه

 

وفارقته والصوت في الدار شائع

وما كان فيها خالـدٌ بـمـعـذرٍ

 

سواء عليه صم أو هو سـامـع

فلا زلتما في غل سوءٍ بعـبـرةٍ

 

ودارت عليكم بالشمات القـوارع

أخبرني عمي قال حدثنا الكراني قال حدثنا العمري عن العتبي قال: لما قتل سعيد بن عثمان بن عفان قالت أمه: أشتهي أن يرثيه شاعرٌ كما في نفسي حتى أعطيه ما يحتكم؛ فقال ابن سيحان:

إن كنت باكـيةً فـتـى

 

فابكي هبلت على سعيد:

فارقت أهـلـك بـغـتةً

 

وجلبت حتفك من بعـيد

أذري دموعك والـدمـا

 

ء على الشهيد ابن الشهيد

فقالت: هكذا كنت أشتهي أن يقال فيه، ووصلت ابن سيحان. وكانت تندبه بهذا الشعر.
وقال أبو عمرو في روايته التي ذكرتها عن عمي عن الحزنبل عن عمرو بن أبي عمرو عن أبيه قال: جلس ابن سيحان وخالد بن عقبة بعد مقتل سعيد بن عثمان يتحدثان، فجرى ذكره فبكيا جميعاً عليه، فقال ابن سيحان يرثيه:

ألا إن خير الناس إن كنت سائلاً

 

سعيد بن عثمان القتيل بلا ذحل

تداعت عليه عصبةٌ فـارسـيةٌ

 

فأضحى سعيدٌ لا يمر ولا يحلي

وقال خالد بن عقبة:

ألا إن خير الناس نفسـاً ووالـداً

 

سعيد بن عثمانٍ قتيل الأعـاجـم

بكت عين من لم يبكه وسط يثربٍ

 

مدى الدهر منه بالدموع السواجم

فإن تكن الأيام أردت صروفهـا

 

سعيداً، فمن هذا عليها بسـالـم

قال الحزنبل: أنشدني عمرو بن أبي عمرو عن أبيه لابن سيحان قال عمي وأنشدني السكري عن ابن حبيب والطوسي له:

صوت

رحم الله صاحبي ابـنـي الـحـا

 

رث إذ ينهـانـنـي أن أبـوحـا

بالـتـي تـيمـت فـؤادي وأن أذ

 

ري دموعي على ردائي سفوحـا

في مغاني منـازلٍ مـن حـبـيبٍ

 

باشرت بعـده قـطـاراً وريحـا

ولقد قـلـت لـلـفـؤاد ولـكـن

 

كان قدماً إلى هـواه جـمـوحـا

قلت أقصر عن بعض حبك أروى

 

إن بعض الحباب كان فضـوحـا

فعصاني، فلـيس يسـمـع قـولاً

 

من حمامٍ على الأراك، جنـوحـا

أم يحيى تـقـبـل الـلـه يحـيى

 

بقبول كـمـا تـقـبـل نـوحـا

أم يحيى لولا طلابك قـد سـحـت

 

مع الوحش أو لبست المسـوحـا

ولـقـد قـلـت لا أحـدث سـراً

 

سر أخرى ما دامت أمشي صحيحا

الغناء لمعبد خفيف ثقيلٍ أول بالسبابة في مجرى الوسطى عن إسحاق ويونس. وفيه للغريض ثقيلٌ أول عن الهشامي. وفيه لزريق رمل.
قال أبو عمرو: وابن سيحان الذي يقول:

ألا هل هاجك الأظعا

 

ن إذ جاوزن مطلحا

بنو مطيع وذمه لهم

والناس يروونه لعمر بن أبي ربيعة لغلبته على أهل الحجاز جميعاً. وقال أبو عمرو في خبره: كان ابن سيحان يحدث قال: كنت آلف من قريش أهل بيتين سوى من كنت منقطعاً إليه من بني أمية: بني عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وبني مطيع، فلما ضربني مروان الحد جئت فجلست إلى بني مطيع كما كنت أجلس، فلما رأوني عرفت الكراهة في وجوههم، والله ما أقبلوا بوجوههم علي بحديثم ولا وسعوا لي، فانصرفت ورحت إلى بني عبد الرحمن، فلما رأوني أقبلوا بوجوههم علي وحيوا ورحبوا وسهلوا ووسعوا ورفعوني إلى حيث لم أكن أجلس وأقبلوا علي بوجوههم يحدثونني، وقالوا: لعلك خشعت للذي لحقك، أما والله لقد علم الناس أنك مظلوم، وظلموا مروان في فعله، ورأوا أنه قد أساء وأخطأ في شأنك، وقالوا: ما ضرك ذلك ولا نقصك ولا زادك إلا خيراً، ولم يزالوا حتى بسطوني، فقلت أمدحهم وأذم بني مطيع:

لقد حرمت ود بني مـطـيع

 

حرام الدهن للرجل الحـرام

وإن جنف الزمان مددت حبلاً

 

متيناً من حبال بني هـشـام

رطيبٌ عودهـم أبـداً وريقٌ

 

إذا ما اغبر عيدان الـلـئام

ما وقع له مع إمرأته بسبب سكره

وقال أبو عمرو في خبره: كان عبد الرحم بن سيحان ينادم الوليد بن عثمان على الشراب فيبيت عنده خوفاً من أن يظهر وهو سكران فيحد، فقالت له امرأته: قد صرت لا تبيت في منزلك وأظنك قد تزوجت، وإلا فما مبيتك عن أهلك! فقال لها:

لا تعدميني نديماً مـاجـداً أنـفـاً

 

لا قائلاً قاذفاً خلقاً بـبـهـتـان

أغر راووقـه مـلآن صـافـيةً

 

تنفي القذى عن جبينٍ غير خزيان

سبيئة من قرى بيروت صـافـية

 

عذراء أو سبئت من أرض بيسان

إنا لنشربها حتـى تـمـيل بـنـا

 

كما تمايل وسنـانٌ بـوسـنـان

حثه ابن عمه على شرب الخمر

أخبرني محمد بن مزيد بن أبي الأزهر قال حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه عن عاصم بن الحدثان قال: كان ابن سيحان صاحب شراب، فدخل على ابن عم له يقال له الحارث بن سريع فوجده يشرب نبيذ زبيبٍ، فجعل يعظه ويأمره بشرب الخمر، وقال له: يابن سريع، إن كنت تشربه على أن نبيذ الزبيب حلالٌ فإنك أحمق، وإن كنت تشربه على أنه حرام تستغفر الله منه وتنوي التوبة فاشرب أجوده فإن الوزر واحد، ثم قال:

دع ابن سريع شرب ما مات مـرةً

 

وخذها سلافاً حيةً مزة الطـعـم

تدعك على ملك ابن ساسان قـادراً

 

إذا حرمت قراؤنا حلب الـكـرم

فشتان بين الحي والميت فاعـتـزم

 

على مزةٍ صفراء راووقها يهمي

فإن سريعاً كان أوصى بحـبـهـا

 

بنيه وعمي جاوز الله عن عمـي

ويا رب يومٍ قد شهدت بنـي أبـي

 

عليها إلى أن غاب تالية النـجـم

حسوها صلاة العصر والشمس حيةٌ

 

تدار عليهم بالصغير وبالضـخـم

فماتوا وعاشوا والمدامة بـينـهـم

 

مشعشعة كالنجم توصف بالوهـم

أخبرني محمد بن مزيد قال حدثنا حماد عن أبيه عن عاصم بن الحدثان قال: كان ابن سيحان حليف حرب بن أمية ينادم الوليد بن عقبة بن أبي معيط، ويشرب معه الخمر، وهو القائل:

إصبح نديمك من صهباء صافـيةٍ

 

حتى يروح كريماً ناعم الـبـال

واشرب هديت أبا وهبٍ مجاهرةً

 

واختل فإنك من قوم أولى خـال

أنت الجواد أبا وهبٍ إذا جمـدت

 

أيدي الرجال بما تحويه من مال

لولا رجاؤك قد شمرت مرتحـلاً

 

عنساً تعاقب تخـويداً بـإرقـال

لما تواصوا بقتلي قمت معتزمـاً

 

حتى حميت من الأعداء أوصالي

عم الوليد بمعروفٍ عـشـيرتـه

 

والأبعدون حظوا منه بإفضـال

شعره في الوليد وقد حماه من أخواله

قال: وكان ابن سيحان قد ضرب رجلاً من أخواله بالسيف فقطع يده ولم تقم عليه بينة، فتآمر به القوم ومنع منه ابن خال له منهم؛ وخاف الوليد بن عقبة أن يرجع إلى المدينة هارباً منهم وخوفاً من جنايته عليهم فيفارقه وينقطع عنه، فدعاهم وأرضاهم وأعطاهم دية صاحبهم. فلم يزل عند الوليد حتى عزل وهو نديمه وصفيه. وهو القائل في الوليد – وفيه غناء -:

صوت

بات الوليد يعاطيني مشعـشـعةً

 

حتى هويت صريعاً بين أصحابي

في الغناء: بات الكريم يعاطيني.

لا أستطيع نهوضاً إن هممت به

 

وما أنهنه من حسوٍ وتشـراب

حتى إذا الصبح لاحت لي جوانبه

 

وليت أسحب نحو الفوم أثوابـي

كأنني من حميا كأسـه جـمـلٌ

 

صحت قوائمه من بعد أوصاب

ويروى:

كأنني من حميا كأسه ظلعٌ

الغناء ليحيى المكي – وروي: ضلعٌ – خفيف ثقيلٍ بالبنصر عن الهشامي وبذل: قالت بذل: وفيه لحنٌ آخر ليحيى، ولم تذكر طريقته.

خبره مع سعيد بن العاص

أخبرني محمد بن مزيد قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني أبو فهيرة قال: دخل عبد الرحمن بن أرطاة على سعيد بن العاص وهو أمير المدينة؛ فقال له: ألست القائل:

إنا لنشربها حتى تميل بنا

 

كما تمايل وسنانٌ بوسنان

فقال له عبد الرحمن: معاذ الله أن أشربها وأنعتها، ولكني الذي أقول:

سموت بحلفي للطـوال مـن الـذرى

 

ولم تلقني كالنسر في ملتقـى جـدب

إذا ما حليف القوم أقعـى مـكـانـه

 

ودب كما يمشي الحسير من النقـب

وهصت الحصى لا أرهب الضيم قائماً

 

إذا أنا راخى لي خناقي بنـو حـرب

وقام يجر مطرفه بين الصفين حتى خرج. فأقبل عمرو بن سعيد على أبيه فقال: لو أمرت بهذا الكب فضرب مائتي سوطٍ كان خيراً له؛ فقال: يا بني، أضربه وهو حليف حرب بن أمية ومعاوية خليفةٌ بالشأم! إذاً لا يرضى! فلما حج معاوية لقيه بمنى، فقال: إيه يا سعيد! أمرك أحمقك بأن تضرب حليفي مائتي سوط! أما والله لو جلدته سوطاً لجلدتك سوطين! فقال له سعيد: ولم ذاك؟ أو لم تجلد أنت حليفك عمر بن جبلة! فقال له معاوية: هو لحمي آكله ولا أوكله. قال: وكان ابن سيحان قد قال:

يعدمني نديمي ماجداً أنـفـاً

 

لا قائلاً خالطاً زوراً ببهـتـان

أمسي أعاطيه كأساً لذ مشربها

 

كالمسك حفت بنسرينٍ وريحان

سبيئةً من قرى بيروت صافـيةً

 

أو التي سبئت من أرض بيسان

إنا لنشربها حتى تمـيل بـنـا

 

كما تمايل وسنان بـوسـنـان

انقضت أخباره.

أحد الأصوات من المائة المختارة من رواية علي بن يحيى

يا خليلي هجرا كي تروحـا

 

هجتما للرواح قلباً قريحـا

إن تريغا لتعلما سر سعـدى

 

تجداني بسر سعدى شحيحا

إن سعدى لمنية المتمـنـي

 

جمعت عفةً ووجهاً صبيحا

كلمتني وذاك ما نلت منهـا

 

إن سعدى ترى الكلام ربيحا

الشعر لابن ميادة. والغناء لحنين، ولحنه المختار من الثقيل الأول بإطلاق الوتر في مجرى البنصر عن إسحاق. وذكر عمرو بن بانة أن فيه لدحمان لحناً من الثقيل الأول بالبنصر، وأظنه هذا، وأن عمراً غلط في نسبته إلى دحمان.