أخبار إسحاق بن إبراهيم

أخبار إسحاق بن إبراهيم

قد مضى نسبه مشروحا في نسب أبيه، ويكنى أبا محمد، وكان الرشيد يولع به فيكنيه أبا صفوان، وهذه كنية أوقعها عليه إسحاق بن إبراهيم بن مصعب مزحاً. وموضعه من العلم، ومكانه من الأدب، ومحله من الرواية، وتقدمه في الشعر، ومنزلته في سائر المحاسن، أشهر من أن يدل عليه فيها بوصف؛ وأما الغناء فكان أصغر علومه وأدنى ما يوسم به وإن كان الغالب عليه وعلى ما كان يحسنه؛ فإنه كان له في سائر أدواته نظراء وأكفاء ولم يكن له في هذا نظير؛ فإنه لحق بمن مضى فيه وسبق من بقي، ولحب للناس جميعا طريقه فأوضحها، وسهل عليهم سبيله وأنارها؛ فهو إمام أهل صناعته جميعا، ورأسهم ومعلمهم؛ يعرف ذلك منه الخاص والعام، ويشهد به الموافق والمفارق، على أنه كان أكره الناس للغناء وأشدهم بغضاً لأن يدعى إليه أو يسمى به. وكان يقول: لوددت أن أضرب، كلما أراد مريد مني أن أغنني وكلما قال قائل إسحاق الموصلي المغني، عشر مقارع، لا أطيق أكثر من ذلك، وأعفى من الغناء ولا ينسبني من يذكرني إليه. وكان المأمون يقول: لولا ما سبق على ألسنة الناس وشهر به عندهم من الغناء لوليته القضاء بحضرتي، فإنه أولى به وأعف وأصدق وأكثر ديناً وأمانة من هؤلاء القضاة.

وقد روى الحديث ولقي أهله: مثل مالك بن أنس، وسفيان بن عيينة، وهشيم بن بشير، وإبراهيم بن سعد، وأبي معاوية الضرير، وروح بن عبادة، وغيرهم من شيوخ العراق والحجاز. وكان مع كراهته الغناء أضن خلق الله وأشدهم بخلاً به على كل أحد حتى على جواريه وغلمانه ومن يأخذ عنه منتسباً إليه متعصباً له فضلاً عن غيرهم.

وهو الذي صحح أجناس الغناء وطرائقه وميزه تمييزاً لم يقدر عليه أحد قبله ولا تعلق به أحد بعده، ولم يكن قديماً مميزاً على هذا الجنس، إنما كان يقال الثقيل، وثقيل الثقيل، والخفيف، وخفيف الخفيف. وهذا عمرو بن بانة، وهو من تلاميذه، يقول في كتابه: الرمل الأول، والرمل الثاني؛ ثم لا يزيد في ذكر الأصابع على الوسطى والبنصر، ولا يعرف المجاري التي ذكرها إسحاق في كتابه، مثل ما ميز الأجناس؟ فجعل الثقيل الأول أصنافا، فبدأ فيه بإطلاق الوتر في مجرى البنصر، ثم تلاه بما كان منه بالبنصر في مجراها، ثم بما كان بالسبابة في مجرى البنصر، ثم فعل هذا بما كان منه بالوسطى على هذه المرتبة؛ ثم جعل الثقيل الأول صنفين، الصنف الأول منهما هذا الذي ذكرناه، والصنف الثاني القدر الأوسط من الثقيل الأول، وأجراه المجرى الذي تقدم من تمييز الأصابع والمجاري، وألحق جميع الطرائق والأجناس بذلك وأجراها على هذا الترتيب. ثم لم يتعلق بفهم ذلك أحد بعده فضلا عن أن يصنفه في كتابه؛ فقد ألف جماعة من المغنين كتباً، منهم يحيى المكي وكان شيخ الجماعة وأستاذهم، وكلهم كان يفتقر إليه ويأخذ عنه غناء الحجاز، وله صنعة كثيرة حسنة متقدمة، وقد كان إبراهيم الموصلي وابن جامع يضطران إلى الأخذ عنه ألف كتابا جمع فيه الغناء القديم، وألحق فيه أبنه الغناء المحدث إلى آخر أيامه، فأتيا فيه في أمر الأصابع بتخليط عظيم، حتى جعلا أكثر ما جنساه من ذلك مختلطاً فاسداً، وجعلا بعضه، فيما زعما، تشترك الأصابع كلها فيه؛ وهذا محال؛ ولو اشتركت الأصابع لما احتيج إلى تمييز الأغاني وتصييرها مقسومة على صنفين: الوسطى والبنصر. والكلام في هذا طويل ليس موضعه ها هنا؛ وقد ذكرته في رسالة عملتها لبعض إخواني ممن سألني شرح هذا، فأثبته واستقصيته استقصاء يستغنى به عن غيره. وهذا كله فعله إسحاق واستخرجه بتمييزه، حتى أتى على كل ما رسمته الأوائل مثل إقليدس ومن قبله ومن بعده من أهل العلم بالموسيقى، ووافقهم بطبعه وذهنه فيما قد أفنوا فيه الدهور، من غير أن يقرأ لهم كتاباً أو يعرفه.

فأخبرني جعفر بن قدامة قال حدثني علي بن يحيى المنجم قال: كنت عند إسحاق بن إبراهيم بن مصعب، فسأل إسحاق الموصلي – أو سأله محمد بن الحسن بن مصعب – بحضرتي، فقال له: يا أبا محمد، أرأيت لو أن الناس جعلوا للعود وترا خامساً للنغمة الحادة التي هي العاشرة على مذهبك، أين كنت تخرج منه؟ فبقي إسحاق ساعة طويلة مفكراً، واحمرت أذناه وكانتا عظيمتين، وكان إذا ورد عليه مثل هذا احمرتا وكثر ولوعه بهما؛ فقال لمحمد بن الحسن: الجواب في هذا لا يكون كلاماً إنما يكون بالضرب، فإن كنت تضرب أريتك أين تخرج، فخجل وسكت عنه مغضباً، لأنه كان أميراً وقابله من الجواب بما لا يحسن، فحلم عنه. قال علي بن يحيى: فصار إلي به وقال لي: يا أبا الحسن، إن هذا الرجل سألني عما سمعت، ولم يبلغ علمه أن يستنبط مثله بقريحته، وإنما هو شيء قرأه من كتب الأوائل، وقد بلغني أن التراجمة عندهم يترجمون لهم كتب الموسيقى، فإذا خرج إليك منها شيء فأعطنيه؛ فوعدته بذلك، ومات قبل أن يخرج إليه شيء منها. وإنما ذكرت هذا بتمام أخباره كلها ومحاسنه وفضائله، لأنه من أعجب شيء يؤثر عنه: أنه استخرج بطبعه علماً رسمته الأوائل لا يوصل إلى معرفته إلا بعد علم كتاب إقليدس الأول في الهندسة ثم ما بعده من الكتب الموضوعة في الموسيقى، ثم تعلم ذلك وتوصل إليه وأستنبطه بقريحته، فوافق ما رسمه أولئك، ولم يشذ عنه شيء يحتاج إليه منه، وهو لم يقرأه ولا له مدخل إليه ولا عرفه، ثم تبين بعد هذا، بما أذكره من أخباره ومعجزاته في صناعته، فضله على أهلها كلهم وتميزه عنهم، وكونه سماء هم أرضها، وبحراً هم جداوله.

وأم إسحاق امرأة من أهل الري يقال لها شاهك؛ وذكر قوم أنها دوشار التي كانت تغنى بالدف، فهويها إبراهيم وتزوجها. وهذا خطأ، تلك لم تلد من إبراهيم إلا بنتاً، وإسحاق وسائر ولد إبراهيم من شاهك هذه.

أخبرني يحيى بن علي المنجم قال أخبرني أبي عن إسحاق قال: بقيت دهرا من دهري أغلس في كل يوم إلى هشيم فأسمع منه، ثم أصير إلى الكسائي أو الفراء أو ابن غزالة فأقرأ عليه جزءاً من القرآن، ثم آتي منصور زلزل فيضار بني طرقين أو ثلاثة، ثم آتي عاتكة بنت شهدة فآخذ منها صوتاً أو صوتين، ثم آتي الأصمعي وأبا عبيدة فأناشدهما وأحدثهما فأستفيد منهما، ثم أصير إلى أبي فأعلمه ما صنعت ومن لقيت وما أخذت وأتغدى معه، فإذا كان العشاء رحت إلى أمير المؤمنين الرشيد.
أخبرنا محمد بن مزيد بن أبي الأزهر قال حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه قال: أخذ مني منصور زلزل إلى أن تعلمت مثل ضربه بالعود أكثر من مائة ألف درهم.

أخبرنا محمد بن العباس اليزيدي قال حدثنا أحمد بن أبي خيثمة قال: كنت عند ابن عائشة فجاءه أبو محمد إسحاق بن إبراهيم الموصلي، فرحب به وقال: ها هنا يا أبا محمد إلى جنبي، فلئن بعدت بيننا الأنساب، لقد قربت بيننا الآداب.
أخبرني الحسن بن علي الخفاف قال حدثنا يزيد بن محمد المهلبي قال حدثنا ابن شبيب من جلساء المأمون عنه: أنه قال يوماً وإسحاق غائب عن مجلسه: لولا ما سبق على ألسنة الناس واشتهر به عندهم من الغناء لوليته القضاء، فما أعرف مثله ثقة وصدقاً وعفة وفقهاً. هذا مع تحصيل المأمون وعقله ومعرفته.

أخبرنا يحيى بن علي قال حدثنا الفضل بن العباس الوراق قال حدثنا المخرمى عن أبيه قال: سمعت إسحاق الموصلي يقول: صرت إلى سفيان بن عيينة لأسمع منه، فتعذر ذلك علي وصعب مرامه، فرأيته عند الفضل بن الربيع، فسألته أن يعرفه موضعي من عنايته ومكاني من الأدب والطلب وأن يتقدم إليه بحديثي؛ ففعل وأوصاه بي فقال: إن أبا محمد من أهل العلم وحملته. قال: فقلت: تفرض لي عليه ما يحدثني به؛ فسأله في ذلك، ففرض لي خمسة عشر حديثاً في كل مجلس؛ فصرت إليه فحدثني بما فرض لي؛ فقلت له: أعزك الله، صحيح كما حدثتني به؟ قال: نعم، وعقد بيده شيئاً، قلت: أفأرويه عنك؟ قال: نعم، وعقد بيده شيئا آخر، ثم قال: هذه خمسة وأربعون حديثاً، وضحك إلي وقال: قد سرني ما رأيت من تقصيك في الحديث وتشددك فيه على نفسك، فصر إلي متى شئت حتى أحدثك بما شئت.

أخبرني محمد بن يحيى الصولي قال حدثني الحسين بن يحيى أبو الجمان وعون بن محمد الكندى قالا: سمعنا إسحاق الموصلي يقول: جئت يوماً إلى أبي معاوية الضرير ومعي مائة حديث، فوجدت حاجبه يومئذ رجلاً ضريراً؛ فقال لي: إن أبا معاوية قد ولاني اليوم حجبته لينفعني؛ فقلت: معي مائة حديث وقد جعلت لك مائة درهم إذا قرأتها؛ فدخل واستأذن لي فدخلت؛ فلما عرفني أبو معاوية دعاه فقال له: أخطأت، وإنما جعلت لك مثل هذا من ضعفاء أصحاب الحديث فأما أبو محمد وأمثاله فلا؛ ثم أقبل علي يرغبني في الإحسان إليه ويذكر ضعفه وعنايته به؛ فقلت له: احتكم في أمره، فقال: مائة دينار؛ فأمرت بإحضارها الغلام، وقرأت عليه ما أردت وانصرفت.

كان يجري على ابن الأعرابي ثلثمائة دينار في كل سنة وإكبار ابن الأعرابي له: أخبرني محمد بن يحيى الصولي قال حدثني علي بن محمد الأسدي قال حدثني أحمد بن يحيى الشيباني ثعلب قال: وقف أبو عبد الله بن الأعرابي على المدائني، فقال له: إلى أين يا أبا عبد الله. فقال: أمضي إلى رجل هو كما قال الشاعر:

نحمل أشباحنا إلى ملك

 

نأخذ من ماله ومن أدبه

فقال له: ومن ذلك يا أبا عبد الله؟ قال: أبو محمد إسحاق بن إبراهيم الموصلي. قال أبو بكر: والبيت لأبي تمام الطائي.

وقد أخبرني بهذا الخبر عن ثعلب محمد بن القاسم الأنباري فقال فيه: كان إسحاق يجري على ابن الأعرابي في كل سنة ثلثمائة دينار، وأهدى له ابن الأعرابي شيئاً من كتاب النوادر كتبه له بخطه؛ فمر ابن الأعرابي يوماً على باب دار الموصلي ومعه صديق له؛ فقال له صديقه: هذه دار صديقك أبي محمد إسحاق؛ فقال: هذه دار الذي نأخذ من ماله ومن أدبه.

أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا يزيد بن محمد المهلبي قال حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه قال: رأيت في منامي كأن جريراً جالس ينشد شعره وأنا أسمع منه، فلما فرغ أخذ بيده كبة شعر فألقاها في فمي فابتلعتها؛ فأول ذلك بعض من ذكرته له أنه ورثني الشعر. قال يزيد بن محمد: وكذلك كان، لقد مات إسحاق وهو أشعر أهل زمانه.

أخبرنا يحيى بن علي بن يحيى ومحمد بن مزيد قالا حدثنا حماد بن إسحاق قال: قال لي أبي: أعطيت منصوراً زلزلاً من مالي خاصة حتى تعلمت ضربه بالعود نحواً من مائة ألف درهم سوى ما أخذته له من الخلفاء ومن أبي. قال: وكانت في زلزل قبل أن يعرف الصوت ويفهمه بلادة أول ما يسمعه، حتى لو ضرب هو وغلامه على صوت لم يعرفاه قبل لكان غلامه أقوى منه؛ فإذا تفهمه جاء فيه من الضرب بما لا يتعلق به أحد البتة.

أخبرني محمد بن العباس اليزيدي قال حدثني عمي الفضل عن إسحاق، وأخبرني به الأخفش عن الفضل عن إسحاق، وأخبرني به يحيى بن علي بن يحيى عن أبيه عن إسحاق، وأخبرني الحسن بن علي قال حدثنا يزيد بن محمد المهلبي عن إسحاق قال: قال لي أبو زياد الكلابي: أولم جار لي يكنى أبا سفيان وليمة ودعاني لها، فانتظرت رسوله حتى تصرم يومي فلم يأت، فقلت لامرأتي:

إن أبا سفيان لـيس بـمـولـم

 

فقومي فهاتي فلقة من حوارك

قال إسحاق: فقلت له: أليس غير هذا؟ فقال: لا، إنما أرسلته يتيماً، فقلت: أفلا أجيزه؟ قال: شأنك؛ ققلت له:

فبيتك خير من بيوت كـثـيرة

 

وقدرك خير من وليمة جارك

قال: فضحك ثم قال: أحسنت بأبي أنت وأمي، جئت والله به قبلاً ما انتظرت به القرب، وما ألوم الخليفة أن يجعلك في سماره ويتملح بك، وإنك لمن طراز ما رأيت بالعراق مثله، ولو كان الشباب يشترى لا ابتعته لك بإحدى عيني ويمنى يدي، وعلى أن فيك بحمد الله ومنه بقية تسر الودود، وترغم الحسود. هذا لفظ يزيد المهلبي والأخفش. وأخبرني بهذا الخبر محمد بن عبد الله بن عمار فقال حدثني عمر بن شبة قال حدثني إسحاق قال قال لي إما شداد بن عقبة وإما أبو مجيب: قالت امرأة القتال الكلابي له: هل لك في فلقة من حوار نطبخها لك؟ فقال: لا والله، نحن على وليمة أبي سفيان ودعوته، وكان أبو سفيان رجلاً من الحي زفت إليه امرأته تلك الليلة؛ فجعل ينظر دخاناً فلا يراه، فقال:

إن أبا سفيان لـيس بـمـولـم

 

فقومي فهاتي فلقة من حوارك

ثم ذكر باقي الخبر على ما تقدم من الذي قبله.

أخبرنا يحيى بن علي قال حدثني أبي قال! حدثني إسحاق قال: أنشدت أعرابياً فهماً شعراً لي، فقال: أقفرت والله يا أبا محمد؛ قلت: وما أقفرت؟ قال: رعيت قفرة لم ترع قبلك. يريد: أ بدعت. أخبرني علي بن سليمان الأخفش وعمي قالا حدثنا محمد بن يزيد المبرد قال حدثني بعض أصحاب السلطان بمدينة السلام قال سمعت إسحاق الموصلي يقول: دخلت على المأمون يوماً وعقيد يغنيه ارتجالاً وغيره يضرب عليه؛ فقال: يا إسحاق، كيف تسمع مغنيناً هذا؟ فقلت: هل سأل أمير المؤمنين عن هذا غيري. قال: نعم، سألت عمي إبراهيم فوصفه وقرظه واستحسنه؛ فقلت له: يا أمير المؤمنين – أدام الله سرورك، وأطاب عيشك – إن الناس قد أكثروا في أمري حتى نسبتني فرقة إلى التزيد في علمي؛ فقال لي: فلا يمنعك ذلك من قول الحق إذا لزمك؛ فقلت لعقيد: اردد هذا الصوت الذي غنيته آنفاً، وتحفظ فيه وضرب ضاربه عليه؛ فقلت لإبراهيم بن المهدي: كيف رأيته؟ فقال: ما رأيت شيئاً يكره ولا سمعته؛ فأقبلت على عقيد فقلت له حين استوفاه: في أي طريقة هذا الصوت الذي غنيته؟ قال: في الرمل؛ فقلت للضارب: في أي طريقة ضربت أنت؟ قال: في الهزج الثقيل؛ فقلت: يا أمير المؤمنين، ما عسيت أن أقول في صوت يغني مغنيه رملاً ويضرب ضاربه هزجاً، وليس هو صحيحاً في إيقاعه الذي ضرب عليه!. قال: وتفهمه إبراهيم بن المهدي بعدي، فقال: صدق يا أمير المؤمنين، الأمر فيه الآن بين؛ فغاظني، فقلت له: بأي شيء بان الآن ما لم يكن بيناً قبل؟ أتوهم أنك استنبطت معرفة هذا! وإنما قلته لما علمته من جهتي كما يقوله الغلمان العجم وسائر من حضر اتباعاً لي واقتداء بقولي. فقال له المأمون: صدق، فأمسك؛ وجعل يتعجب من ذهاب ذلك على كل من حضر، وكناني في ذلك اليوم مرتين.

أخبرني أحمد بن جعفر جحظة قال حدثني أبو عبد الله أحمد بن حمدون قال حدثني أبي: أن الأصمعي أنشد قول إسحاق يذكر ولاءه لخزيمة بن خازم:

إذا كانت الأحرار أصلي ومنصبي

 

ودافع ضيمي خازم وابن خـازم

عطست بأنف شامخ وتنـاولـت

 

يداي الثريا قاعـداً غـير قـائم

قال: فجعل الأصمعي يعجب منهما ويستحسنهما، وكان بعد ذلك يذكرهما ويفضلهما.

قال ابن حمدون: وكان السبب في تولي إسحاق خازم بن خزيمة بن خازم، أن مناظرة جرت بينه وبين ابن جامع بحضرة الرشيد فتغالظا، فقال له ابن جامع: يا من إذا قلت له يابن زانية لم أخف أن يكذبني أحد؛ فمضى إلى خازم بن خزيمة، فتولاه وانتمى إليه، فقبل ذلك منه، وقال هذين البيتين.

أخبرني يحيى بن علي قال حدثني أبي قال: قال إسحاق: كانت عندي صناجة كنت بها معجباً؛ واشتهاها أبو إسحاق المعتصم في خلافة المأمون؛ فبينا أنا ذات يوم في منزلي إذا ببابي يدق دقاً شديداً، فقلت: انظروا من هذا؛ قالوا: رسول أمير المؤمنين؛ فقلت: ذهبت صناجتي، تجده ذكرها له ذاكر فبعث إلي فيها؛ فلما مضى بي الرسول انتهيت إلى الباب وأنا مثخن، فدخلت فسلمت، فرد السلام، ونظر إلى تغير وجهي فقال: اسكن فسكنت؛ وسألني عق صوت وقال: أتدري لمن هو؟ فقلت: أسمعه ثم أخبر أمير المؤمنين إن شاء الله بذلك؛ فأمر جارية من وراء الستارة فغنته وضربت، فإذا هي قد شبهته بالقديم؛ فقلت: زدني معها عوداً آخر فإنه أثبت لي، فزادني عوداً آخر، فقلت: يا أمير المؤمنين، هذا الصوت محدث لامرأة ضاربة؛ فقال: من أين قلت ذلك؟ فقلت: لما سمعته وسمعت لينه عرفت أنه من صنعة النساء؛ ولما رأيت جودة مقاطعه علمت أن صاحبته ضاربة؛ فقال: من أين قلت ذلك؟ فقلت: لأنها قد حفظت مقاطعه وأجزاءه، ثم طلبت عوداً آخر ليكون أثبت لي فلم أشكك؛ فقال: صدقت، الغناء لعريب.

نسخت من كتاب ابن أبي سعيد: حدثني إسحاق بن إبراهيم الطاهري قال: حدثتني مخارق مولاتنا قالت: كان لمولاي الذي علمني الغناء فراش رومي، وكان يغني بالرومية صوتاً مليح اللحن؛ فقال لي مولاي: يا مخارق، خذي هذا اللحن الرومي فانقليه إلى شعر من أصواتك العربية حتى أمتحن به إسحاق الموصلي فأعلم أين يقع من معرفته، ففعلت ذلك؛ وصار إليه إسحاق فاحتبسه مولاي، فأقام وبعث إلي أن أدخلي اللحن الرومي في وسط غنائك؛ فغنيته إياه في درج أصوات مرت قبله، فأصغى إليه إسحاق، وجعل يتفهمه ويقسمه ويتفقد أوزانه ومقاطعه ويوقع عليه بيده، ثم أقبل على مولاي فقال: هذا صوت رومي اللحن، فمن أين وقع إليك؟ فكان مولاي بعد ذلك يقول: ما رأيت شيئا أحسن من استخراجه لحناً رومياً لا يعرفه ولا العلة فيه، وقد نقل إلى غناء عربي وامتزجت نغمه حتى عرفه ولم يخف عليه.

أخبرني عمي قال حدثني محمد بن موسى قال حدثنى عبد الله بن عمرو عن محمد بن عبد الله بن مالك قال حدثني علويه الأعسر، ووجدت هذا الخبر في بعض الكتب عن علي بن محمد بن نصر الشامي عن جده حمدون بن إسماعيل قال: تناظر المغنون يوماً عند الواثق، فذكروا الضراب وحذقهم، فقدم إسحاق زلزلاً على ملاحظ، ولملاحظ في ذلك الرياسة على جميعهم؛ فقال له الواثق: هذا حيف وتعد منك؛ فقال إسحاق: يا أمير المؤمنين، اجمع بينهما وامتحنهما، فإن الأمر سينكشف لك فيهما؛ فأمر بهما فأحضرا؛ فقال له إسحاق؛ إن للضراب أصواتاً معروفة، أفأمتحنهما بشيء منها؟ قال: أجل، افعل؛ فسمى ثلاثة أصوات كان أولها:

علق قلبي ظبية السيب

فضربا عليه، فتقدم زلزل وقصر عنه ملاحظ؛ فعجب الواثق من كشفه عما ادعاه في مجلس واحد. فقال له ملاحظ: فما باله يا أمير المؤمنين يحيلك على الناس! ولم لا يضرب هو! فقال: يا أمير المؤمنين، إنه لم يكن أحد في زماني أضرب مني إلا أنكم أعفيتموني، فتفلت مني؛ وعلى أن معي بقية لا يتعلق بها أحد من هذه الطبقة؛ ثم قال: يا ملاحظ، شوش عودك وهاته، ففعل ذلك ملاحظ؛ فقال: يا أمير المؤمنين، هذا يخلط الأوتار تخليط متعنت فهو لا يألو ما أفسدها، ثم أخذ العود فجسه ساعة حتى عرف مواقعه، ثم قال: يا ملاحظ، غن أي صوت شئت، فغنى ملاحظ صوتاً، وضرب عليه إسحاق بذلك العود الفاسد التسوية فلم يخرجه عن لحنه في موضع واحد حتى استوفاه عن نقرة واحدة، ويده تصعد وتنحدر على الدساتين؛ فقال له الواثق: لا والله ما رأيت مثلك ولا سمعت به! اطرح هذا على الجواري؛ فقال: هيهات يا أمير المؤمنين، هذا لا تعرفه الجواري ولا يصلح لهن، إنما بلغني أن الفهليذ ضرب يوماً بين يدي كسرى فأحسن، فحسده رجل من حذاق أهل صنعته، فترقبه حتى قام لبعض شأنه، ثم خالفه إلى عوده فشوش بعض أوتاره، فرجع فضرب وهو لا يدري، والملوك لا تصلح في مجالسها العيدان، فلم يزل يضرب بذلك العود الفاسد إلى أن فرغ، ثم قام على رجله فأخبر الملك بالقصة، فامتحن العود فعرف مما فيه، ثم قال: “زه وزه وزهان زه “، ووصله بالصلة التي كان يصل بها من خاطبه هذه المخاطبة؛ فلما تواطأت الرواية بهذا أخذت نفسي ورضتها عليه وقلت: لا ينبغي أن يكون الفهليذ أقوى على هذا مني، فما زلت أستنبطه بضع عشرة سنة حتى لم يبق في الأرض موضع على طبقة من الطبقات إلا وأنا أعرف نغمته كيف هي، والمواضع التي يخرج النغم كلها منه فيها، من أعاليها إلى أسافلها، وكل شيء منها يجانس شيئاً غيره، كما أعرف ذلك في مواضع الدساتين؛ وهذا شيء لا تفي به الجواري. قال له الواثق: صدقت، ولئن مت لتموتن هذه الصناعة معك؛ وأمر له بثلاثين ألف درهم.

علق قلبي ظبية السـيب

 

جهلاً فقد أعري بتعذيبي

نمت عليها حين مرت بنا

 

مجاسد ينفحن بالطـيب

تصدها عنا عجوز لهـا

 

منكرة ذات أعـاجـيب

فكلما همت بإتـيانـهـا

 

قالت: توقي عدوة الذيب

الشعر والغناء لإبراهيم، هزج ثقيل بالسبابة في مجرى البنصر. حدثني علي بن هارون قال حدثني محمد بن موسى اليزيدي قال حدثتني دمن جارية إسحاق الموصلي، وكانت من كبار جواريه وأحظى من عنده، ولقيتها فقلت لها: أي شيء أخذت عن مولاك من الغناء؟ فقالت: لا والله ما أخذت أنا عنه ولا واحدة من جواريه صوتا قط! كان أبخل بذلك، وما أخذت منه قط إلا صوتاً واحداً، وذلك أنه انصرف من دار الخليفة وهو مثخن سكراً، فدخل إلى بيت كان ينام فيه، فرأى عوداً معلقاً فأخذه بيده، وقال لخادمه: يا غلام، صح لي بدمن؛ فجاءني الغلام فخرجت، فلما بلغت الباب إذا هو مستلق على فراشه والعود في يده وهو يصنع هذا الصوت ويردده، وقد اسحنفر في نغمه وتنوق فيها حتى استقام له، وهو:

ألا لـيلـك لا يذهـب

 

ونيط الطرف بالكوكب

وهذا الصبـح لا يأتـي

 

ولا يدنـو ولا يقـرب

فلما سمعته علمت أني إن دخلت إليك أمسك، فوقفت أستمعه حتى فرغ منه وأخذته عنه؛ فلما فرغ منه وضع العود من يده، وذكر أنه قد طلبني فقال: يا غلام، أين دمن؟ فقلت: هأنذي؛ فقال: مذ كم أنت واقفة؟ فقلت: منذ ابتدأت بالصوت وقد أخذته؛ فنظر إلي نظر مغضب أسف، ثم قال: غنيه، فغنيته حتى استوفيته؛ فقال لي وقد فتر وخجل: قد بقيت عليك فيه بقية أنا أصلحها لك؛ فقلت: لست أحتاج إلى إصلاحك إياه، وقد والله أخذته على رغمك؛ فضحك. لحن هذا الصوت من الهزج بالبنصر، والشعر والغناء لإسحاق.

أخبرنا يحيى بن علي قال قال لي إسحاق: كنت عند المعتصم وعنده إبراهيم بن المهدي، فغنى إبراهيم صوتاً لابن جامع أخل ببعضه، ثم قال: يا أمير المؤمنين، ترك ابن جامع الناس يحجلون خلفه ولا يلحقونه. وفي هذا الصوت خاصة؛ فقلت: والله يا أمير المؤمنين، ما صدق، وما هذا الصوت بتام الأجزاء؛ فقال: كذب والله يا أمير المؤمنين؛ فقلت: يا سيدي، أنا أوقفه على نقصانه، فمره فليعد يا أمير المؤمنين؛ فأعاد البيت الأول فأقامه وطمع في الإصابة؛ فقلت: آفته في البيت الثاني، فليردده؛ فرده فنقص من أجزائه وفسمته، فعرفته فأقر به؛ فقلت: يا أمير المؤمنين، هذه صناعتي وصناعة آبائي وإبراهيم يكلمني فيها، وأنا أسأله عن ثلاثين مسألة من باب واحد في طريق الغناء لا يعرف منها مسألة واحدة؛ فقال: أو يعفيني أمير المؤمنين من كلامه؟ فأعفاه.

وقد أخبرني بهذا الخبر الحسن بن علي قال حدثنا يزيد بن محمد المهلبي عن إسحاق؛ فذكر نحواً مما ذكره يحيى، وذكر أن القصة كانت بين يدي المعتصم؛ وزاد فيها فقال: أنا أسأله عن ثلاثين مسألة وأوقفه على خطئه فيها، فإن لم يقر بذلك أقر به مخارق وعلويه؛ فقال: أو يعفيني أمير المؤمنين من كلامه! فإنه يعدل عندي البختج؛ قلت: يا أمير المؤمنين، وما يفعل البختج؟ قال: يسلح؛ قلت: قد والله فعل ذلك كلامي به، ومنه هرب؛ فضحك وغطى فاه وقام؛ فظن إسحاق بن إبراهيم المصعبي أني قد أغضبته، فضرب بيده إلى السيف؛ فقلت له: لا تحسب أني أغضبته؛ فما كنت لأكلم عمه بين يديه بهزء من غير إذنه، فأمسك؛ وكان لا يقدم أحد أن يكلم الخليفة بحضرته بما فيه الوهن إلا بادر إلى سيفه تعظيماً للأمير وإجلالاً له.

أخبرني يحيى بن علي قال حدثنا أحمد بن القاسم الهاشمي عن إسحاق، وأخبرني الحسين بن يحيى قال حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه قال: دعاني المأمون وعنده إبراهيم بن المهدي، وفي مجلسه عشرون جارية قد أجلس عشراً عن يمينه وعشراً عن يساره ومعهن العيدان يضربن بها؛ فلما دخلت سمعت من الناحية اليسرى خطأ فأنكرته؛ فقال المأمون: يا إسحاق، أتسمع خطأ؟ فقلت: نعم والله يا أمير المؤمنين؛ فقال لإبراهيم: هل تسمع خطأ؟ فقال: لا؛ فأعاد علي السؤال، فقلت: بلى والله يا أمير المؤمنين، وإنه لفي الجانب الأيسر؛ فأعاد إبراهيم سمعه إلى الناحية اليسرى ثم قال: لا والله يا أمير المؤمنين، ما في هذه الناحية خطأ؛ فقلت يا أمير المؤمنين: مر الجواري اللواتي على اليمين يمسكن، فأمرهن فأمسكن؛ فقلت لإبراهيم: هل تسمع خطأ؟ فتسمع ثم قال: ما ها هنا خطأ؛ فقلت: يا أمير المؤمنين، يمسكن وتضرب الثامنة. فأمسكن وضربت الثامنة، فعرف إبراهيم الخطأ، فقال: نعم يا أمير المؤمنين، ها هنا خطأ؛ فقال عند ذلك لإبراهيم: يا إبراهيم، لا تمار إسحاق بعدها؛ فإن رجلاً فهم الخطأ بين ثمانين وتراً وعشرين حلقاً لجدير ألا تماريه. فقال: صدقت يا أمير المؤمنين. وقال الحسين بن يحيى في خبره: وكان في الأوتار كلها مثنى فاسد التسوية. وقال فيه: فطرب أمير المؤمنين المأمون، وقال: لله درك يا أبا محمد؛ فكناني يومئذ.

أخبرني أحمد بن جعفر جحظة قال حدثني أحمد بن حمدون قال: سمعت الواثق يقول: ما غناني إسحاق قط إلا ظننت أنه قد زيد لي في ملكي، ولا سمعته يغني غناء ابن سريج إلا ظننت أن ابن سريج قد نشر، وإنه ليحضرني غيره إذا لم يكن حاضراً، فيتقدمه عندي وفي نفسي بطيب الصوت، حتى إذا اجتمعا عندي رأيت إسحاق يعلو ورأيت من ظننته يتقدمه ينقص؛ وإن إسحاق لنعمة من نعم الملك التي لم يحظ بمثلها؛ ولو أن العمر والشباب والنشاط مما يشترى لأشتريتهن له بشطر ملكي.
أخبرني جعفر بن قدامة قال حدثني علي بن يحيى المنجم قال: سأل إسحاق الموصلي المأمون أن يكون دخوله إليه مع أهل العلم والأدب والرواة لا مع المغنين، فإذا أراده للغناء غناه؛ فأجابه إلى ذلك؛ ثم سأله بعد حين أن يأذن له في الدخول مع الفقهاء؛ فأذن له. قال: فحدثني محمد بن الحارث بن بسخنر أنه كان هو ومخارق وعلويه جلوساً في حجرة لهم ينتظرون جلوس المأمون وخروج الناس من عنده، إذ دخل يحيى بن أكثم وعليه سواده وطويلته، ويده في يد إسحاق يماشيه، حتى جلس معه بين يدي المأمون، فكاد علويه أن يجن، وقال: يا قوم، أسمعتم بأعجب من هذا! يدخل قاضي القضاة ويده في يد مغن حتى يجلسا بين يدي الخليفة!. ثم مضت على ذلك مدة، فسأل إسحاق المأمون أن يأذن له في لبس السواد يوم الجمعة والصلاة معه في المقصورة؛ قال: فضحك المأمون وقال: ولا كل ذا يا إسحاق! وقد اشتريت منك هذه المسألة بمائة ألف درهم؛ وأمر له بها.

حدثني أحمد بن جعفر جحظة قال حدثني أبو عبد الله بن حمدون قال: كان المغنون جميعاً يحضرون مجلس الواثق وعيدانهم معهم إلا إسحاق، فإنه كان يحضر بلا عود للشرب والمجالسة؛ فإن أمره الخليفة أن يغني أحضر له عوداً، فإذا غنى وفرغ سل من بين يديه إلى أن يطلبه. وكان الواثق كثيرا ما يكنيه، رفعاً له من أن يدعوه باسمه؛ وكان إذا غنى وفرغ الواثق من شرب قدحه قطع الغناء ولم يعد منه حرفاً إلا أن يكون في بعض بيت فيتمه، ثم يقطع ويضع العود من يده.

أخبرنا يحيى بن علي بن يحيى عن أبيه في خبر ذكر إسحاق فيه، فقال: وعارض معبداً وابن سريج فانتصف منهما، وكان إبراهيم بن. المهدي يناظره ويجادله في الغناء وينازعه في صناعته، ولم يبلغه؛ وما رأيت بعد إسحاق مثله.

أخبرني عمي قال حدثني عبد الله بن أبي سعد قال حدثني محمد بن عبد الله بن مالك قال قال لي محمد بن راشد الخناق: سمعت علويه يقول لإسحاق بن إبراهيم الموصلي: إن إبراهيم بن المهدي يعيبك بتركك تحريك الغناء؛ فقال له إسحاق: ليتنا نفي بما علمناه، فإنا لا نحتاج إلى الزيادة فيه. أثم قال له: فإنه يزعم أن حلاوة الغناء تحريكه، وتحريكه عنده أن يكون كثير النغم، وليس يفعل ذلك، إنما يسقط بعض عمله لعجزه عنه، فإذا فعل ذلك فهو بالإضافة إلى حاله الأولى بمنزلة الأسكدار للكتاب، وهو حينئذ بأن يسمى المحذوف أشبه منه بأن يسمى المحرك؛ فضحك علويه ثم قال: فإن إبراهيم يسمي غناءكم هذا الممسك المنادي؛ قال إسحاق: هذا من لغات الحاكة؛ لأنهم يسمون الثوب الجافى الكثير العرض والطول المدالي؛ وعلى هذا القياس فينبغي لنا أن نسمي غناءه المحرك الضرابي، وهو الخفيف السخيف من الثياب في لغة الحاكة، حتى ندخل الغناء في جملة الحياكة ونخرجه عن جملة الملاهي؛ ثم قال لعلويه؛ بحياتي عليك إلا ما أعدت عليه ما جرى؛ فقال له: لا وحياتك لا فعلت؛ فإنه يعلما ميلي إليكم، ولكن عليك بأبي جعفر محمد بن راشد الخناق؛ فكلمه إسحاق وأقسم عليه أن يؤيده، ففعل وسار إلى إبراهيم فأخبره، فجعل كلما أخبره شيئاً تغيظ وشتم إسحاق بأقبح شتم؛ ثم جاءه ابن راشد فأخبره؛ فجعل كلما أخبره بشيء من ذلك ضحك وصفق سروراً لغيظ إبراهيم من قوله.

أخبرني حبيب بن نصر المهلبي قال حدثني علي بن محمد النوفلي قال أخبرني محمد بن راشد الخناق قال: إني لفي منزلي يوماً مع الظهر إذ دخل علي إسحاق بن إبراهيم الموصلي، فسررت بمكانه؛ فقال: قد جاءت بي إليك حاجة؛ قال قلت: قل ما شاء الله؛ قال: دعني في بيتك، ودع غلاميك عندي: بديحاً وسليمان – وكانا خادمين مغنيين – ومرهما أن يغنياني، وأتني بفلان ليغنيني أيضاً، بحياتي عليك، وانطلق إلى إبراهيم ابن المهدي، فإنه سيسر بمكانك، فاشرب معه أقداحاً، ثم قل له: يا سيدي، أسألك عن شيء، فإذا قال: سل، فقل له: أخبرني عن قولك:

ذهبت من الدنيا وقد ذهبت مني

أي شيء كان معنى صنعتك فيه؟ وأنت تعلم أنه لا يجوز في غنائك الذي صنعته فيه إلا أن تقول: “ذهبتو” بالواو، فإن قلت: “ذهبت” ولم تمدها انقطع اللحن والشعر، وإن مددتها قبح الكلام وصار على كلام النبط؛ فقلت له: يا أبا محمد، كيف أخاطب إبراهيم بهذا؟ فقال: هو حاجتي إليك وقد كلفتك إياها، فإن استحسنت أن تردني فأنت أعلم؛ قال: أفعل ذلك لموضعك على ما فيه علي؛ ثم أتيت إبراهيم، وجلست عنده ملياً، وتجارينا الحديث إلى أن خرجنا إلى ذكر الغناء، فخاطبته بما قال لي إسحاق، فتغير لونه وانكسر، ثم قال: يا محمد، ليس هذا من كلامك، هذا من كلام الجرمقاني ابن الزانية؛ قل له عني: أنتم تصنعون هذا للصناعة، ونحن نصنعه للهو واللعب والعبث. قال: فخرجت إلى إسحاق فحدثته بذلك فقال: الجرمقاني والله منا أشبهنا بالجرامقة لغة وهو. الذي يقول: “ذهبتو” وأقام عندي يومه فرحاً بما بلغته إبراهيم عنه من توقيفه على خطئه.

قال علي بن محمد قال لي أبي: كان محمد بن راشد صديقاً لإسحاق ثم فسد ما بينهما؛ فإنه طابق إبراهيم بن المهدي عليه، وبلغه عنه من توقيعه أنه يذكره. وكان في محمد بن راشد رداءة ونقل للأحاديث؛ فقال فيه إسحاق:

وندمان صدق لا تخـاف أذاتـه

 

ولا يلفظ الأخبار لفظ ابن راشد

دعاني إلى ما يشتهي فأجبـتـه

 

إجابة محمود الخلائق مـاجـد

فلا خير في اللذات إلا بأهلهـا

 

ولا عيش إلا بالخليل المساعـد

قال: فجمع ابن راشد عدة من الشعراء وأمرهم بهجاء إسحاق؛ فهجوه بأشعار لم تبلغ مراده، فلم يظهرها. وبلغ ذلك إسحاق فقال فيه:

وأبيات شعـر رائعـات كـأنـهـا

 

إذا انشدت في القوم من حسنها سحر

تحفز واقلـولـى لـرد جـوابـهـا

 

أبو جعفر يغلي كما غلت الـقـدر

فلم يستطعها غـير أن قـد أعـانـه

 

عليها أناس كي يكـون لـه ذكـر

فيا ضيعة الأشعار إذ يقرضونـهـا

 

وأضيع منها من يرى أنها شـعـر

قال: فعاذ محمد بن راشد بإسحاق واستكفه وصالحه، فرجع إليه.
أخبرني عمي قال حدثني علي بن محمد بن نصر الشامي قال حدثني منصور بن محمد بن واضح: أن إبراهيم بن المهدي طرح في منزل أبيه:

أمـن آل لـيلـى عـزفـت الـطـلـــولا

 

بذي حـرض مـاثـــلات مـــثـــولا

بلين وتحسب آياتهن عن فرط حولين رقاً محيلا

 

 

– الشعر لكعب بن زهير. والغناء لإسحاق، وله فيه لحنان: ثاني ثقيل مطلق في مجرى البنصر، وما خوري بالوسطى. وفيه للزبير بن دحمان خفيف ثقيل – قال: فجاءنا إسحاق يوماً، وأقام عند أبي، وأخرجنا إليه جوارينا، ومر الصوت الذي طرحه إبراهيم بن المهدي من غنائه؛ فقال إسحاق: من أين لك هذا؟ قال: طرحه أبو إسحاق إبراهيم بن المهدي أعزه الله تعالى، فقال إسحاق: وما لأبي إسحاق أعزه الله ولهذا الصوت! هذا أنا صنعته، وليس هو كما طرحه. قال: فسأله أبي أن يغنيه، فغناه وردده حتى صح لمن عنده؛ فقال لي أبي: اكتب إلى أبي إسحاق أن أبا محمد أعزه الله صار إلي فاحتبسته، وأنه غنى بحضرتي الصوت الذي ألقيته في منزلك الذي أسكنه، فزعم أنه صنعه، وأنه ليس على ما أخذه الجواري عنك، فأحببت أن أعلم ما عندك، جعلني الله فداك. قال: فكتبت الرقعة وأنفذتها إلى إبراهيم. فكتب: نعم، جعلت فداك، صدق أبو محمد أعزه الله، الصوت له، وهو على ما ذكره، لكني لعبت في وسطه لعباً أعجبني. قال: فقرأ إسحاق الرقعة فغضب غضباً شديداً، ثم قال لي: اكتب إليه: “إذا أردت يا هذا أن تلعب فالعب في غناء نفسك لا في غناء الناس، وما حاجتك إلى هذا الشعر أكثر من ذلك، فاصنع أنت إن كنت تحسن، والعب في صنعتك كما تشتهي مبتدئاً باللهو واللعب غير مشارك في جد الناس بلعبك ومفسد له بما لا تعلمه. يا أبا إسحاق، أيدك الله، ليس هذا الصوت مما يتهيأ لك أن تمخرق فيه وتقول: جندرته “. قال: وكان إبراهيم يقول: إنه يجندر صنعة القدماء ويحسنها.

قال علي بن محمد حدثني جدي حمدون: أن إسحاق قال لإبراهيم بن المهدي بحضرة المعتصم: ما تقول فيمن يزعم أن ابن سريج وابن محرز ومعبداً ومالكاً وابن عائشة لم يكونوا يحسنون تمام الصنعة ولا استيفاء الغناء، ويعجزون عما به يكمل ويتم ويحسن، وأنه أقدر على الصنعة منهم؟ قال: أقول: إنه جاهل أحمق، قال: فأنت تزعم أنه قد كانت بقيت عليهم أشياء لم يهتدوا لها ولم يحسنوها، فتنبهت عليها أنت وتممتها وحسنتها بجندرتك؛ قال: فضحك المعتصم وبقي إبراهيم واجماً مطرقاً، ولم ينتفع بنفسه بقية يومه؛ وما سمعته أنا ولا غيري بعد ذلك اليوم يتبجح بغناء يصلحه من غناء المتقدمين، حتى يطنب في صنعته ويشتهى استماعه منه، كما كان يدعي قديماً. قال: وكان حمدون يقول: كان إبراهيم يأكل المغنين أكلاً، حتى يحضر إسحاق، فيداريه إبراهيم ويطلب مكافأته، ولا يدع إسحاق تبكيته ومعارضته؛ وكان إسحاق آفته، كما أن لكل شيء آفة.
أخبرني جعفر بن قدامة قال حدثني حماد بن إسحاق عن أبيه قال: خرجت يوماً من داري وأنا مخمور أتنسم الهواء، فمررت برجل ينشد رجلا معه لذي الرمة:

ألم تعلمي يا مي أني وبـينـنـا

 

مهاو لطرف العين فيهن مطرح

ذكرتك أن مرت بنـا أم شـادن

 

أمام المطايا تشرئب وتـسـنـح

من المؤلفات الرمل أدماء حـرة

 

شعاع الضحى في متنها يتوضح

هي الشبه أعطافاً وجيداً ومقـلة

 

ومية منها بعد أبهـى وأمـلـح

كأن البرى والعاج عيجت متونه

 

على عشر نهى به السيل أبطح

لئن كانت الدنيا علي كـمـا أرى

 

تباريح من مي فللمـوت أروح

فأعجبني، فصنعت فيه لحناً غنيت به المأمون، فأخذت به منه مائة ألف درهم. لحن إسحاق في هذه الأبيات أول مطلق في مجرى البنصر.

حدثني يحيى بن محمد الطاهري قال حدثني ينشو مولى أبي أحمد بن الرشيد قال: اشتراني مولاي أبو أحمد بن الرشيد، واشترى رفيقي محموماً، فدفعنا إلى وكيل له أعجمي خراساني، وقال له: انحدر بهذين الغلامين إلى بغداد إلى إسحاق الموصلي؛ ودفع إليه مائة ألف درهم، وشهرياً بسرجه ولجامه، وثلاثة أدراج من فضة مملوءة طيباً، وسبعة تخوت من بز خراساني، وعشرة أسفاط من بز مصر، وخمسة تخوت وشي كوفي، وخمسة تخوت سوسي، وثلاثين ألف درهم للنفقة؛ وقال للرسول: عرف إسحاق أن هذين الغلامين لرجل من وجوه أهل خراسان، وجه بهما إليه ليتفضل ويعلمهما أصواتاً اختارها، وكتبها له في درج، وقال له: كلما علمهما صوتاً ادفع إليه ألف درهم، حتى يتعلما بها مائة صوت، فإذا علمهما الصوتين اللذين بعد المائة فادفع إليه الشهري، ثم إذا علمهما الثلاثة التي بعد الصوتين، فادفع إليه بكل صوت درجاً من الأدراج، ثم لكل صوت بعد ذلك تختاً أو سفطاً، حتى ينفد ما بعثت به معك؛ ففعل، وانحدرنا إلى بغداد، فأتينا إسحاق، وغنينا بحضرته، وبلغه الوكيل الرسالة؛ فلم يزل يلقى علينا الأصوات حتى أخذناها كل أمرنا سيدنا. ثم سرنا إلى سر من رأى، فدخلنا إليه وغنيناه جميع ما أخذناه فسره ذلك. وقدم إسحاق سر من رأى، ولقيه مولانا، فدعا بنا وأوصانا بما أراد، وغدا بنا إلى الواثق وقال: إنكما ستريان إسحاق بين يديه، فلا تسلما عليه ولا توهماه أنكما رأيتماه قط، وألبسنا أقبية خراسانية ومضينا معه؛ فلما دخلنا على الواثق قال له: يا سيدي، هذان غلامان اشتريا لي من خراسان يغنيان بالفارسية؛ فقال: غنياً، فضربنا ضرباً فارسياً وغنينا غناء فهليذياً؛ فطرب الواثق وقال: أحسنتما، فهل تغنيان بالعربية؟ قلنا: نعم، واندفعنا نغني ما أخذناه عن إسحاق وهو ينظر إلينا ونحن نتغافل عنه، حتى غنينا أصواتاً من غنائه؛ فقام إسحاق ثم قال للواثق: وحياتك يا سيدي وبيعتك، وإلا كل ملك لي صدقة وكل مملوك لي حر إن لم يكن هذان الغلامان من تعليمي ومن قصتهما كيت وكيت، فقال له أبو أحمد: ما أدري ما تقول! هذان اشتريتهما من رجل، نخاس خراساني؛ فقال له: بلغ ولعك إلي! ونخاس خراساني من أين يحسن أن يختار مثل تلك الأغاني!؛ فضحك أبو أحمد ثم قال: صدق، أنا احتلت عليه، ولو رمت أن يعلمهما ما أخذاه منه إذا علم أنهما لي بعشرة أضعاف ما أعطيته لما فعل؛ فقال له إسحاق: قد تمت علي حيلته. وقال أبو أحمد للواثق: إن أردتهما فخذهما؛ فقال: لا أفجعك بهما يا عم، ولكن لا تمنعني حضورهما؛ فقال له: قد بذلت لك الملك فلم تؤثره، أفتراني أمنعك الخدمة! فكنا نخدمه بنوبة.

حدثني جحظة قال حدثني أبو عبد الله بن حمدون قال حدثني ابن فيلا الطنبوري وكان قد دخل على الواثق وغناه، قال: قال الواثق في بعض العشايا: لا يبرح أحد من المغنين الليلة، فقد عزمت على الصبوح في غد؛ فأمسكوا جميعاً عن معارضته إلا إسحاق فإنه قال له: لا وحياتك ما أبيت؛ قال: فلا والله ما كان له عند الواثق معارضة أكثر من أن قال له: فبحياتي إلا بكرت يا أبا محمد. قال: فرأيت مخارقاً وعلويه قد تقطعا غيظاً؛ وبتنا في بعض الحجر، فقالا لي: اجلس على باب الحجرة، فإذا جاء إسحاق فعرفنا حتى ندخل بدخوله؛ فلم نلبث أن جاء إسحاق مع أحمد بن أبي دواد يماشيه في زيه وسواده وطريلته مثل طويلته، فدخلت فأعلمتهما؛ فقامت على علويه القيامة وقال: يا هؤلاء، خيناكر يدخل إلى الخليفة مع قاضي القضاة! أسمعتم بأعجب من هذا البخت قط!؛ فقال له مخارق: دع هذا عنك، فقد والله بلغ ما أراد. ولم نلبث أن خرج ابن أبي دواد ودعي بنا فدخلنا، فإذا إسحاق جالس في صف الندماء لا يخرج منه، فإذا أمره الواثق أن يغني خرج عن صفهم قليلاً وأتي بعود فغنى الصوت الذي يأمره به؛ فإذا فرغ من القدح قطع الصوت الذي يأمره به حيث بلغ ولم يتمه، ورجع إلى صف الجلساء.

أخبرني محمد بن أحمد بن إسماعيل بن إبراهيم الموصلي الملفب بوسواسة قال حدثني حماد قال: قال لي أبي: كنت عند الرشيد يوماً، وعنده ندماؤه وخاصته وفيهم إبراهيم بن المهدي، فقال لي الرشيد: يا إسحاق تغن:

شربت مدامة وسقيت أخرى

 

وراح المنتشون وما انتشيت

فغنيته؛ فأقبل علي إبراهيم بن المهدي فقال لي: ما أصبت يا إسحاق ولا أحسنت؛ فقلت: ليس هذا مما تحسنه ولا تعرفه، إن شئت فغنه، فإن لم أجدك أنك تخطىء فيه منذ ابتدائك إلى انتهائك فدمي حلال. ثم أقبلت على الرشيد فقلت: يا أمير المؤمنين، هذه صناعتي وصناعة أبي، وهي التي قربتنا منك واستخدمتنا لك وأوطأتنا بساطك، فإذا نازعناها أحد بلا علم لم نجد بداً من الإيضاح والذب؛ فقال: لا غرو ولا لوم عليك؛ فقام الرشيد ليبول؛ فأقبل إبراهيم بن المهدي علي وقال: ويلك يا إسحاق! أتجترىء علي وتقول ما قلت يابن الفاعلة! لا يكني؛ فداخلني ما لم أملك نفسي معه؛ فقلت له: أنت تشتمني، وأنا لا أقدر على إجابتك وأنت ابن الخليفة وأخو الخليفة، ولولا ذلك لكنت أقول لك: يابن الزانية؛ أو ترى أني كنت لا أحسن أن أقول لك: يابن الزانية؛ ولكن قولي في ذمك ينصرف جميعه إلى خالك الأعلم، ولو لاك لذكرت صناعته ومذهبه – قال إسحاق: وكان بيطارأ – قال: ثم سكت، وعلمت أن إبراهيم يشكوني وأن الرشيد سوف يسأل من حضر مما جرى فيخبرونه، فتلافيت ذلك، ثم قلت: أنت تظن أن الخلافة تصير إليك فلا تزال تهددني بذلك وتعاديني كما تعادي سائر أولياء أخيك حسداً له ولولده على الأمر! فأنت تضعف عنه وعنهم وتستخص بأوليائهم تشفياً؛ وأرجو ألا يخرجها الله عن يد الرشيد وولده، وأن يقتلك دونها؛ فإن صارت إليك- وبالله العياذ – فحرام علي العيش يومئذ، والموت أطيب من الحياة معك، فاصنع حينئذ ما بدا لك. قال: فلما خرج الرشيد وثب إبراهيم فجلس بين يديه فقال: يا أمير المؤمنين، شتمني وذكر أمي واستخف بي؛ فغضب وقال: ما تقول. ويلك! قلت: لا أعلم، فسل من حضر؛ فأقبل على مسرور وحسين؛ فسألهما عن القصة؛ فجعلا يخبرانه ووجهه يتربد إلى أن انتهيا إلى ذكر الخلافة، فسري عنه ورجع لونه، وقال لإبراهيم: ماله ذنب، شتمته فعرفك أنه لا يقدر على جوابك، ارجع إلى موضعك وأمسك عن هذا. فلما انقضى المجلس وانصرف الناس، أمر بألا أبرح، وخرج كل من حضر حتى لم يبق غيري؛ فساء ظني وأهمتني نفسي؛ فأقبل علي وقال: ويلك يا إسحاق! أتراني لم أفهم قولك ومرادك! قد والله زنيته ثلاث مرات، أتراني لا أعرف وقائعك وأقدامك وأين ذهبت! ويلك! لا تعد؛ حدثني عنك، لو ضربك إبراهيم،! كنت أقتص لك منه فأضربه وهو أخي يا جاهل؟! أتراك لو أمر غلمانه فقتلوك أكنت أقتله بك؟! فقلت: يا أمير المؤمنين، قد والله قتلتني بهذا الكلام، ولئن بلغه ليقتلني، وما أشك في أنه قد بلغه الآن؛ فصاح بمسرور الخادم وقال: علي بإبراهيم الساعة فأحضر، وقال: قم فانصرف؟ وقلت لجماعة من الخدم، وكلهم كان لي محباً وإلي مائلاً ولي مطيعاً: أخبروني بما يجري، فأخبروني من غد أنه لما دخل وبخه وجهله وقال له: أتستخف بخادمي وصنيعتي ونديمي وابن نديمي وابن خادمي وصنيعتي وصنيعة أبي في مجلسي، وتقدم علي وتستخف بمجلسي وحضرتي؟ هاه هاه.! أتقدم على هذا وأمثاله! وأنت مالك وللغناء، وما يدريك ما هو! ومن أخذك به وطارحك إياه حتى تتوهم أنك تبلغ مبلغ إسحاق الذي غذي به وعلمه وهو صناعته! ثم تظن أنك تخطئه فيما لا تدريه، ويدعوك إلى إقامة الحجة عليك فلا تثبت لذلك وتعتصم بشتمه! أليس هذا مما يدل على السقوط وضعف العقل وسوء الأدب من دخولك فيما لا يشبهك وغلبة لذتك على مروءتك وشرفك ثم إظهارك إياه ولم تحكمه، وادعائك ما لا تعلمه حتى ينسبك الناس إلى الجهل المفرط! ألا تعلم – ويلك – أن هذا سوء أدب وقلة معرفة وقلة مبالاة بالخطأ والتكذيب والرد القبيح!. ثم قال: والله العظيم وحق رسوله، وإلا فأنا نفي من المهدي، لئن أصابه أحد بسوء، أو سقط عليه حجر من السماء، أو سقط من على دابته، أو سقط عليه سقفه، أو مات فجأة، لأقتلنك به؛ والله! والله! والله! فلا تعرض له وأنت أعلم، قم الآن فاخرج؛ فخرج وقد كاد أن يموت. فلما كان بعد ذلكدخلت إليه وإبراهيم عنده، فأعرضت عن إبراهيم؛ وجعل ينظر إليه مرة وإلي مرة ويضحك، ثم قال له: إني لأعلم محبتك في إسحاق وميلك إليه وإلى الأخذ عنه، وإن هذا لا يجيئك من جهته كما تريد إلا بعد أن يرضى، والرضا لا يكون بمكروه، ولكن أحسن إليه وأكرمه، اعرف حقه وبره وصله، فإذا فعلت ذلك ثم خالفك فيما تهواه عاقبته بيد منبسطة ولسان منطلق؛ ثم قال لي: قم إلى مولاك وابن مولاك فقبل رأسه؛ فقمت إليه وقام إلي وأصلح الرشيد بيننا.

أعاذل قد نهيت فما انتـهـيت

 

وقد طال العتاب فما ارعويت

أعاذل ما كبرت وفي ملهـى

 

ولو أدركت غايتك انتـهـيت

شربت مدامة وسقيت أخـرى

 

وراح المنتشون وما انتشـيت

أبيت معذباً قـلـقـاً كـئيبـاً

 

لما ألقاه مـن ألـم وفـوت

الغناء لابن محرز ثقيل عن ابن المكي. وفيه رمل بالوسطى.
أخبرني محمد بن مزيد بن أبي الأزهر قال حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه قال: أرسل إلي الرشيد ذات ليلة، فدخلت إليه فإذا هو جالس وبين يديه جارية عليها قميص مورد وسراويل موردة وقناع مورد كأنها ياقوتة على وردة؛ فلما رآني قال لي: اجلس، فجلست، فقال لي: غن، فغنيت:

تشكى الكميت الجري لما جهدته

 

وبين لو يستطيع أن يتكلـمـا

فقال: لمن هذا اللحن؟ فقلت: لي يا أمير المؤمنين، فقال: هات لحن ابن سريج، فغنيته إياه؛ فطرب وشرب رطلاً وسقي الجارية رطلاً وسقاني رطلاً؛ ثم قال: غن، فغنيته:

هاج شوقي بعد ما شيب أصداغي بروق

 

موهنا والبرق مما

 

ذا الـهـوى قــدمـــاً يشـــوق

فقال: لمن هذا الصوت؟ فقلت: لي؛ فقال: قد كنت سمعت فيه لحناً آخر؛ فقلت: نعم، لحن ابن محرز؛ قال: هاته، فغنيته فطرب وشرب رطلاً، ثم سقى الجارية رطلاً وسقاني رطلاً؛ ثم قال: غن، فغنيته:

أفاطم مهلاً بعـض هـذا الـتـدلـل

 

وإن كنت قد أزمعت صرمي فأجملي

فقال لي: ليس هذا اللحن أريد، غن رمل ابن سريج؛ فغنيته وشرب رطلاً وسقي الجارية رطلاً، ثم قال: حدثني، فجعلت أحدثه بأحاديث القيان والمغنين طوراً، وأحاديث العرب وأيامها وأخبارها تارة، وأنشده أشعار القدماء والمحدثين في خلال ذلك، إذ دخل الفضل بن الربيع، فحدثه حديث ثلاث جوار ملكهن ووصفهن بالحسن والإحسان والظرف والأدب؛ فقال له: يا عباسي، هل تسخو نفسك بهن؟ وهل لك من سلوة عنهن؟ فقاد له: والله يا أمير المؤمنين، إني لأسخو بهن وبنفسي، فبها فداك الله؛ ثم قام فوجه بهن إليه، فغلبن على قلبه، وهن سحر وضياء وخنث ذات الخال؛ وفيهن يقول:

إن سحراً وضياء وخنث

 

هن سحر وضياء وخنث

أخذت سحر ولا ذنب لها

 

ثلثي قلبي وترباها الثلث

حدثني الصولي قال حدثني ميمون بن هارون عن إسحاق قال: أتيت عبيد الله بن محمد بن عائشة بالبصرة، فلما دخلت إليه حصرت؛ فقال لي: إن الحصر رائد الحياء، والحياء عقيد الإيمان، فانبسط وأزل الوحشة، فلئن باعدت بيننا الأحساب، لقد قربت بيننا الآداب؛ فقلت له: والله لقد سررتني بخطابك، وزدتني ببرك عجزاً عن جوابك؛ والله در القطامي حيث يقول:

أما قريش فلن تلقـاهـم أبـداً

 

إلا وهم خير من يحفى وينتعل

أخبرني علي بن صالح بن الهيثم قال حدثني أبو هفان قال: وجه أحمد بن هشام إلى إسحاق الموصلي بزعفران رطب وكتب إليه:

اشرب على الزعفران الرطب متكئاً

 

وانعم نعمت بطول اللهو والطرب

فحرمة الكأس بين النـاس واجـبة

 

كحرمة الـود والأرحـام والأدب

قال: فكتب إليه إسحاق:

أذكر أبا جعفر حقـاً أمـت بـه

 

أني وإياك مشغوفـان بـالأدب

وأننا قد رضعنا الكأس درتـهـا

 

والكأس حرمتها أولى من النسب

حدثنا الصولي قال حدثني محمد بن موسى عن حماد بن إسحاق عن أبيه قال: لما أراد الفضل بن يحيى الخروج إلى خراسان ودعته، ثم أنشدته بعد التوديع:

فراقك مثل فراق الحـياة

 

وفقدك مثل فتقاد الـديم

عليك السلام فكم من وفاء

 

أفارق فيك وكم من كرم

قال: فضمني إليه، وأمر لي بألف دينار، وقال لي: يا أبا محمد، لو حليت هذين البيتين بصنعة وأودعتهما من يصلح من الخارجين معنا، لأهديت بذلك إلي أنساً وأذكرتني بنفسك؛ ففعلت ذلك وطرحته على بعض المغنين؛ فكان كتابه لا يزال يرد علي ومعه ألف دينار يصلني بذلك كلما غنى بهذا الصوت. قال الصولي: وهو من طريقة الرمل.

أخبرني عمي قال حدثني عمر بن شبة عن إسحاق قال: قال لي الأصمعي: لما خرجنا مع الرشيد إلى الرقة قال لي: هل حملت معك شيئا من كتبك؟ فقلت: نعم، حملت منها ما خف حمله؛ فقال: كم؟ فقلت: ثمانية عشر صندوقاً؛ فقال: هذا لما خففت، فلو ثقلت كم كنت تحمل؟ فقلت: أضعافها؛ فجعل يعجب.

أخبرنا إسماعيل بن يونس قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثني إسحاق قال: لما ولي المعتصم دخلت إليه في جملة الجلساء والشعراء؛ فهنأه القوم نظماً ونثراً وهو ينظر إلي مستنطقاً؛ فأنشدئه:

لاح بالمفرق منك القـتـير

 

وذوى غصن الشباب النضير

هزئت أسماء منى وقـالـت

 

أنت يابن الموصلي كـبـير

ورأت شيباً برأسي فصـدت

 

وابن ستين بـشـيب جـدير

لا يروعنك شيبـي فـإنـي

 

مع هذا الشيب حلو مـزير

قد يفل السيف وهو جـراز

 

ويصول الليث وهو عقـير

يا بني العباسى أنتم شـفـاء

 

وضياء للـقـلـوب ونـور

أنتم أهل الـخـلافة فـينـا

 

ولكم منبرهـا والـسـرير

لا يزال الملك فيكم مدى الده

 

ر مقيماً مـا أقـام ثـبـير

وأبو إسـحـاق خـير إمـام

 

ماله في العالمين نـظـير

ماله فـيمـا يريش ويبـري

 

غير توفيق العالمين نظـير

واضح الغرة للـخـير فـيه

 

حين يبدو شاهـد وبـشـير

زانه هدي تـقـى وجـلال

 

وعفـاف ووقـار وخـير

لو تباري جوده الريح يومـاً

 

نزعت وهي طليح حسـير

قال: فأمر لي بجائزة فضلني بها على الجماعة. ثم دخلت إليه يوم مقدمه من غزاته، فأنشدته قولي فيه:

لأسماء رسم عـفـا بـالـلـوى

 

أقام رهيناً لـطـول الـبـلـى

تعاوره الدهـر فـي صـرفـه

 

بكر الجـديدين حـتـى عـفـا

إذ البين لم تـخـش روعـاتـه

 

ولم يصرف الحي صرف الردي

وإذ ميعة اللهو تـجـري بـنـا

 

وحبل الوصال متـين الـقـوى

فذلك دهر مـضـى فـابـكـه

 

ومن ضاق ذرعاً بأمر بـكـى

وهـل يشـفـينـك مـن غـلة

 

بكاؤك في إثر ما قد مـضـى

إلى ابن الرشيد إمـام الـهـدى

 

بعثنا المطي تـجـوب الـفـلا

إلى ملـك حـل مـن هـاشـم

 

ذؤابة مجـد مـنـيف الـذرى

إذا قـيل أي فـتـى هـاشــم

 

وسيدهـا كـان ذاك الـفـتـى

به نـعـش الـلـه آمـالـنــا

 

كما نعش الأرض صوب الحـيا

إذا ما نـوى فـعـل أكـرومة

 

تجاوز مـن جـوده مـا نـوى

كسـاه الإلـه رداء الـجـمـال

 

ونور الجلال وهدى الـتـقـى

قال: فأمر لي بجائزة، وقال: لست أحسب هذا لك إلا بعد أن تقرن صناعتك فيه بالأخرى يعني أن أغني فيه وفي: “هزئت أسماء منى”؛ فصنعت في:

هزئت أسماء منى……

لحناً، وفي:

لأسماء رسم عفا باللوى

لحناً آخر وغنيته بهما، فأمر لي بألفي دينار.

هزئت أسماء منى وقالت

 

أنت يا بن الموصلي كبير

لحن إسحاق في أربعة أبيات متوالية من الشعر ثقيل أول بالوسطى. والآخر:

لأسماء رسم عفا باللوى

 

أقام رهيناً لطول البلى

الغناء لإسحاق ثاني ثقيل بالوسطى.
أخبرني يحيى بن علي قال حدثني أبي قال حدثني أحمد بن عبيد الله بن أبي العلاء قال: غنيت يوماً بين يدي الواثق لحن إسحاق في:

هزئت أسماء منى وقالت

 

أنت يا بن الموصلي كبير

قال: فنظر إلي مخارق نظراً شزراً وعض شفته علي؛ فلما خرجنا من بين يدي الواثق قلت: يا أستاذ، لم نظرت إلي ذلك النظر؟ أ أنكرت علي شيئاً أم أخطأت في غنائي؟ فقال لي: ويحك! أتدري أي صوت غنيت! إن إسحاق جعل صيحة هذا الصوت بمنزلة طريق ضيق وعر صعب المرتقى، أحد جانبي ذلك الطريق حرف الجبل، وعن جانبه الآخر الوادي؛ فإن مال مرتقيه عن محجته إلى جانب الوادي هوى، وإن مال إلى الجانب الآخر نطحه حرف الجبل فتكسر؛ صر إلي غداً حتى أصححه لك.
أخبرني علي بن سليمان الأخفش قال حدثنا محمد بن يزيد قال حدثت من غير وجه: أن إسحاق بات ليلة عند المعتصم وهو أمير، فسمع لحناً لعبد الوهاب المؤذن أذن به على باب المعتصم، فأصغى إليه فأعجبه، فأعاد المبيت ليلة أخرى عنده حتى استقام له اللحن؛ فبنى عليه لحنه:

هزئت أسماء منى وقالت

أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا يزيد بن محمد المهلبي: أن إبراهيم بن المهدي فصد يوماً، فكتب إليه إسحاق يتعرف خبره ويدعو له بالسلامة وحسن العقبى، وكتب إليه: إني سأهدي إليك هدية للفصد حسنة؛ فوجه إليه بديحاً غلامه، فغناه لحنه في:

هزئت أسماء منى وقالت

فاستحسنه إبراهيم وقال له: قد قبلنا الهدية، فإن كان أن لك في طرحه على الجواري فافعل؛ فقال له: بذلك أمرني، وقال لي: إنك ستقول لي هذا القول، فقال: إن قاله لك فقل له: لو لم آمرك بطرحه لم يكن هدية؛ فضحك إبراهيم، وألقاه بديح على جواريه. وقد ذكر علي بن محمد بن نصر هذا الخبر، فذكر أنه كتب إلى أبيه بهذه الهدية؛ وهذا خطأ، لأن الشعر في تهنئة المعتصم بالخلافة، وإبراهيم الموصلي مات في حياة الرشيد، فكيف يهدى إليه هذا الصوت!.

أخبرنا يحيى بن علي قال حدثني أبي قال حدثني أحمد بن أبي العلاء قال: اندفع محمد بن الحارث بن بسخنر يوماً يغني هذا الصوت؛ فالتفت إلينا مخارق فقال: خرج ابن الزانية!.

حدثني عمي قال حدثني أبو جعفر محمد بن الدهقانة النديم قال حدثني أحمد بن يحيى المكي قال: دعاني الفضل بن الربيع ودعا علويه ومخارقاً، وذلك في أيام المأمون بعد رجوعه ورضاه عنه إلا أن حاله كانت ناقصة متضعضعة؛ فلما اجتمعنا عنده كتب إلى إسحاق الموصلي يسأله أن يصير إليه ويعلمه الحال في اجتماعنا عنده؛ فكتب إليهم: لا تنتظروني بالأكل فقد أكلت، وأنا أصير إليكم بعد ساعة؛ فأكلنا وجلسنا نشرب حتى قرب العصر، ثم وافى إسحاق فجلس، وجاء غلامه بقطرميز نبيذ فوضعه ناحية، وأمر صاحب الشراب بإسقائه منه، وكان علويه يغني الفضل بن الربيع في لحن لسياط اقترحه الفضل عليه وأعجبه، وهو:

فإن تعجبي أو تبصري الدهر طمني

 

بأحداثه طم المقصص بالـجـلـم

فقد أترك الأصياف تندى رحالهـم

 

وأكرمهم بالمحض والتامك السنـم

ولحنه من الثقيل الثاني – فقال له إسحاق: أخطأت يا أبا الحسن في أداء هذا الصوت، وأنا أصلحه لك؛ فجن علويه واغتاظ وقامت قيامته؛ ثم أقبل على علويه فقال له: يا حبيبي، ما أردت الوضع منك بما قلته لك، وإنما أردت تهذيبك وتقويمك، لأنك منسوب الصواب والخطأ إلى أبي وإلي، فإن كرهت ذلك تركتك وقلت لك: أحسنت وأجملت؛ فقال له علويه: والله ما هذا أردت، ولا أردت إلا ما لا تتركه أبداً من سوء عشرتك! أخبرني عنك حين تجيء هذا الوقت لما دعاك الأمير وعرفك أنه قد نشط للاصطباح: ما حملك على الترفع عن مباكرته وخدمته مع صنائعه عندك، وما كان ينبغي أن يشغلك عنه شيء إلا الخليفة! ثم تجيئه ومعك قطرميز نبيل! ترفعاً عن شرابه كما ترفعت عن طعامه ومجالسته إلا كما تشتهي وحين تنشط، كما تفعل الأكفاء، بل تزيد على فعل الأكفاء؛ ثم تعمد إلى صوت قد اشتهاه واقترحه وسمعه جميع من حضر فما عابه منهم أحد فتعيبه ليتم تنغيصك إياه لذته!؛ أما والله لو الفضل بن يحيى أو أخوه جعفر دعاك إلى مثل ما دعاك إليه الأمير، بل بعض أتباعهم، لبادرن وباكرت وما تأخرت ولا اعتذرت؛ قال: فأمسك الفضل عن الجواب إعجاباً بما خاطب به علويه إسحاق؛ فقال له إسحاق: أما ما ذكرته من تأخري عنه إلى الوقت الذي حضرت فيه، فهو يعلم أني لا أتأخر عنه إلا بعائق قاطع، إن وثق بذلك مني وإلا ذكرت له الحجة سراً من حيث لا يكون لك ولا لغيرك فيه مدخل. وأما ترفعي عنه، فكيف أترفع عنه وأنا أنتسب إلى صنائعه وأستمنحه وأعيش من فضله مذ كنت، وهذا تضريب لا أبالي به منك. وأما حملي النبيذ معي، فإن لي في النبيذ شرطاً من طعمه وريحه، وإن لم أجده لم أقدر على الشرب وتنغص علي يومئذ، وإنما حملته ليتم نشاطي وينتفع بي. وأما طعني على ما اختاره، فإني لم أطعن على اختياره، وإنما أردت تقويمك، ولست والله تراني متتبعاً لك بعد هذا اليوم ولا مقوماً شيئاً من خطئك؛ وأنا أغني له – أعزه الله – هذا الصوت فيعلم وتعلم ويعلم من حضر أنك أخطأت فيه وقصرت. وأما البرامكة وملازمتي لهم فاشهر من أن أجحده، وإني لحقيق فيه بالمعذرة، وأحرى أن أشكرهم على صنيعهم وبأن أذيعه وأنشره، وذلك والله أقل ما يستحقونه مني.

ثم أقبل على الفضل- وقد غاظه مدحه لهم – فقال: اسمع مني شيئا أخبرك به مما فعلوه ليس هو بكبير في صنائعهم عندي ولا عند أبي قبلي، فإن وجدت لي عذراً وإلا فلم: كنت في ابتداء أمري نازلاً مع أبي في داره، فكان لا يزال يجري بين غلماني وغلمانه وجواري وجواريه الخصومة، كما تجري بين هذه الطبقات، فيشكونهم إليه، فأتبين الضجر والتنكر في وجهه؛ فاستأجرت داراً بقربه و انتقلت إليها أنا وغلماني وجواري، وكانت داراً واسعة، فلم أرض ما معي من الآلة لها ولا لمن يدخل إلي من إخواني أن يروا مثله عندي؛ ففكرت في ذلك وكيف أصنع، وزاد فكري حتى خطر بقلبي قبح الأحدوثة من نزول مثلي في دار بأجرة، وأني لا آمن في وقت أن يستأذن علي صاحب داري، وعندي من أحتشمه ولا يعلم حالي، فيقال صاحب دارك، أو يوجه في وقت فيطلب أجرة الدار وعندي من أحتشمه؛ فضاق بذلك صدري ضيقاً شديداً حتى جاوز الحد؛ فأمرت غلامي بأن يسرج لي حماراً كان عندي لأمضي إلى الصحراء أتفرج فيها مما دخل على قلبي، فأسرجه وركبت برداء ونعل؛ فأفضى بي المسير وأنا مفكر لاأميز الطريق التي أسلك فيها حتى هجم بي على باب يحيى بن خالد؛ فتواثب غلمانه إلي؛ وقالوا: أين هذا الطريق؟ فقلت: إلى الوزير؛ فدخلوا فاستأذنوا لي؛ وخرج الحاجب فأمرني بالدخول، وبقيت خجلاً، قد وقعت في أمرين فاضحين: إن دخلت إليه برداء ونعل وأعلمته أني قصدته في تلك الحال كان سوء أدب، وإن قلت له: كنت مجتازاً ولم أقصدك فجعلتك طريقاً كان قبيحاً؛ ثم عزمت فدخلت؛ فلما رآني تبسم وقال: ما هذا الزي يا أبا محمد! احتبسنا لك بالبر والقصد والتفقد ثم علمنا أنك جعلتنا طريقاً؛ فقلت: لا والله يا سيدي، ولكني أصدقك؛ قال: هات؛ فأخبرته القصة من أولها إلى آخرها؛ فقال: هذا حق مستو، أفهذا شغل قلبك؟ قلت: إي والله! وزاد فقال: لا تشغل قلبك بهذا، يا غلام، ردوا حماره وهاتوا له خلعة؛ فجاءوني بخلعة تامة من ثيابه فلبستها، ودعا بالطعام فأكلت ووضع النبيذ فشربت وشرب فغنيته، ودعا في وسط ذلك بدواة ورقعة وكتب أربع رقاع ظننت بعضها توقيعاً لي بجائزة، فإذا هو قد دعا بعض وكلائه فدفع إليه الرقاع وساره بشيء، فزاد طمعي في الجائزة؛ ومضى الرجل وجلسنا نشرب وأنا أنتظر شيئاً فلا أراه إلى العتمة؛ ثم اتكأ يحيى فنام، فقمت وأنا منكسر خائب فخرجت وقدم لي حماري؛ فلما تجاوزت الدار قال لي غلامي: إلى أين تمضي؟ قلت: إلى البيت؛ قال: قد والله بيعت دارك، وأشهد على صاحبها، وابتيع الدرب كله ووزن ثمنه، والمشتري جالس على بابك ينتظرك ليعرفك، وأظنه اشترى ذلك للسلطان، لأني رأيت الأمر في استعجاله واستحثاثه أمراً سلطانياً، فوقعت من ذلك فيما لم يكن في حسابي، وجئت وأنا لا أدري ما أعمل؛ فلما نزلت على باب داري إذا أنا بالوكيل الذي ساره يحيى قد قام إلي فقال لي: ادخل – أيدك الله – دارك حتى أدخل إلى مخاطبتك في أمر أحتاج إليك فيه؛ فطابت نفسي بذلك، ودخلت ودخل إلي فأقرأني توقيع يحيى: “يطلق لأبي محمد إسحاق مائة ألف درهم يبتاع له بها داره وجميع ما يجاورها ويلاصقها”. والتوقيع الثاني إلى ابنه الفضل: “قد أمرت لأبي محمد إسحاق بمائة ألف درهم يبتاع له بها داره، فأطلق إليه مثلها لينفقها على إصلاح الدار كما يريد وبنائها على ما يشتهي”. والتوقيع الثالث إلى جعفر: “قد أمرت لأبي محمد إسحاق بمائة ألف درهم يبتاع له بها منزل يسكنه، وأمر له أخوك بدفع مائة ألف درهم ينفقها على بنائها ومرمتها على ما يريد، فأطلق له أنت مائة ألف درهم يبتاع بها فرشاً لمنزله “. والتوقيع الرابع إلى محمد: “قد أمرت لأبي محمد إسحاق أنا وأخواك بثلثمائة ألف درهم لمنزل يبتاعه ونفقة ينفقها عليه وفرش يبتذله، فمر له أنت بمائة ألف درهم يصرفها في سائر نفقته”. وقال الوكيل: قد حملت المال واشتريت كل شيء جاورك بسبعين ألف درهم، وهذه كتب الابتياعات باسمي والإقرار لك، وهذا المال بورك لك فيه فاقبضه؛ فقبضته وأصبحت أحسن حالاً من أبي في منزلي وفرشي وآلتي، ولا والله ما هذا بأكبر شيء فعلوه لي، أفألام على شكر هؤلاء! فبكى الفضل بن الربيع وكل من حضر، وقالوا: لا والله لا تلام على شكر هؤلاء. ثم فال الفضل: بحياتي غن الصوت ولا تبخل على أبي الحسن بأن تقومه له؛ فقال: أفعل؛ وغناه، فتبين علويه أنه كما قال، فقام فقبل رأسه وقال: أنت أستاذنا وابن أستاذنا وأولى بتقويمنا واحتمالنا من كل أحد؛ ورده إسحاق مرات حتى استوى لعلويه.

ولقد روي في هذا الخبر بعينه أن هذه القصة كانت عند علي بن هشام، وقد أخبرني بهذا الخبر أحمد بن جعفر جحظة قال حدثني ميمون بن هارون وأبو عبد الله الهاشمي قالا: دعا علي بن هشام إسحاق الموصلي وسأله أن يصطبح عنده ويبكر فأجابه؛ فلما كان الغد وافاه ظهراً وعنده مخارق وعلويه؛ فقال له علي بن هشام: أين كنت الساعة يا أبا محمد؟ قال: عاقني أمر لم أجد من القيام به بداً؛ فدعا له بطعام فأصاب منه، ثم قعدوا على نبيذهم، وتغنى علويه صوتاً، الشعر فيه لابن ياسين، وهو:

إلهي منحت الود مني بـخـيلة

 

وأنت على تغـيير ذاك قـدير

شفاء الهوى بث الهوى واشتكاؤه

 

وإن امرأ أخفى الهوى لصبور

الغناء لسليمان أخي أحيحة، خفيف ثقيل أول بالبنصر عن عمرو – فقال له إسحاق: أخطأت ويلك! فوضع علويه العود وشرب رطلاً وشرب علي بن هشام؛ ثم تناول العود وغنى:

ولقد أسمو إلى غـرف

 

في طريق موحش جدده

حوله الأحراس تحرسـه

 

ولديه جاثـمـاً أسـده

الغناء لمعبد ثقيل أول بالوسطى عن عمرو – فقال له إسحاق: أخطأت ويلك! فوضع العود من يده ثم أقبل على إسحاق فقال له: دعاك الأمير- أعزه الله – لتبكر إليه، فجئته ظهراً، وغنيت صوتين يشتهيهما الأمير- أعزه الله – علي فخطأتني فيهما، وزعمت أنك لا تغني بين يدي الأمير- أعزه الله – ولا تغني إلا بين يدي خليفة أو ولي عهد، ولو دعاك بعض البرامكة لكنت تسرع إليه ثم تغنى منذ غدوة إلى الليل!؛ فقال إسحاق: إني والله ما أردت انتقاصاً منك، ولا أقول مثله لغيرك ولا أريد ازدراء من أحد، ولكني أردت بك خاصة التقويم والتأديب؛ فإن ساءك ذلك تركتك في خطئك. ثم أقبل على علي بن هشام، فقال له: أعزك الله، إني أحدثك عن البرامكة بما يقيم عذري فيما ذكره: دخلت على يحيى بن خالد يوماً، ولم أكن أردت الدخول عليه، وإنما ركبت متبذلاً لهم أهمني، وكنت نازلاً مع أبي في داره، فضقت صدراً بذلك وأحببت النقلة عنه، ونظرت فإذا يدي تقصر عما يصلحني؛ ثم ذكر الخبر نحواً مما قلته. وزاد فيه: أنه دخل إلى يحيى بن خالد وهو مصطبح، فلما رآه نعر وصفق، وأنه وقع له بمائتي ألف درهم، ووقع له كل من جعفر والفضل بمائة وخمسين ألفاً، وكل واحد من موسى ومحمد بمائة ألف مائة ألف. وقال فيه: فبكى علي بن هشام ومن حضر، وقالوا: لا يرى والله مثل هؤلاء أبداً؛ وأخذ إسحاق العود فغنى الصوتين فأتى فيهما بالعجائب؛ فقام علويه فقبل رأسه وقال له: أنت أستاذنا وابن أستاذنا، وما بنا عن تقويمك غنى؛ ثم غنى بعد ذلك لحنه: “تشكى الكميت الجري”، ولم يزل يغني بقية يومه كلما شرب علي بن هشام؛ ثم انصرف فأتبعه علي بن هشام بجائزة سنية.

حدثني الصولي قال حدثنا عون بن محمد قال حدثني عبد الله بن العباس الربيعي قال: أحضرني إسحاق بن إبراهيم بن مصعب، فلما جلست واطمأننت، أخرج إلي خادمه رقعة، فقال: اقرأ ما فيها واعمل بما رسمه الأمير أعزه الله؛ فقرأتها فإذا فيها قوله:

يرتاح للدجن قلبي وهو مقتـسـم

 

بين الهموم ارتياح الأرض للمطر

إني جعلت لهذا الدجن نحـلـتـه

 

ألا يزول ولي في اللهو من وطر

وتحث هذين البيتين: “تقدم- جعلت فداك – إلى من بحضرتك من المغنين بأن يغنوا في هذين البيتين، وألق جميع ما يصنعونه على فلانة؛ فإذا أخذته فأنفذها إلي مع رسولي”؛ فقلت: السمع والطاعة لأمر الأمير أعزه الله، فهل صنع فيهما أحد قبلي؟ فقال: نعم، إسحاق الموصلي؛ فقلت: والله لو كلف إبليس أن يصنع فيهما صنعة يفضل إسحاق فيها بل يساويه بل يقاربه، ما قدر على ذلك ولا بلغ مبلغه، فضحك حتى استلقى، وقال: صدقت والله! وهكذا يقول من يعمل لا كما يقول هؤلاء الحمقى، ولكن اصنع فيهما على كل حال كما أمر؛ فقلت: أفعل وقد برئت من العهدة؛ فانصرفت فصنعت فيهما صنعة كانت والله عند صنعة إسحاق بمنزلة غناء القرادين.

حدثني جحظة فال حدثني ميمون قال حدثني إسحاق الموصلي قال: قال لي المعتصم أو قال لي الواثق: لقد ضحك الشيب في عارضيك؛ فقلت: نعم يا سيدي، وبكيت؛ ثم قلت أبياتاً في الوقت وغنيت فيها:

تولى شـبـابـك إلا قـلـيلا

 

وحل المشيسب فصبراً جميلا

كفى حزناً بفراق الـصـبـا

 

وإن أصبح الشيب منه بـديلا

ولما رأى الغانيات المـشـي

 

ب أغضين دونك طرفاً كليلا

سأندب عهداً مضى للصـبـا

 

وأبكي الشباب بكاء طـويلا

فبكى الواثق وحزن وقال: والله لو قدرت على رد شبابك لفعلت بشطر ملكي؛ فلم يكن لكلامه عندي جواب إلا تقبيل البساط بين يديه.
أخبرني محمد بن مزيد فال حدثنا حماد بن إسحاق قال حدثني حمدون بن إسماعيل قال: لما صنع أبوك لحنه في:

قف بالديار التي عفا القدم

 

وغيرتها الأرواح والديم

رأيتهم “يعني المغنين” يأخذونه عنه ويجهدون فيه؛ فتوفي والله وما أخذوا منه إلا رسمه.

قف بالديار التي عفا القـدم

 

وغيرتهـا الأرواح والـديم

لما وففنا بها نـسـائلـهـا

 

فاضت من القوم أعين سجم

ذكراً لعيش مضى إذا ذكروا

 

ما فات منه فإنـه سـقـم

وكل عيش دامت غضارته

 

منقطع مرة ومنـصـرم

             

الشعر والغناء لإسحاق، ثقيل أول بالوسطى من جميع أغانيه.
حدثني أبو أيوب المديني قال حدثني هارون اليتيم قال حدثني عجيف بن عنبسة قال: كنت عند أمير المؤمنين المعتصم وعنده إسحاق الموصلي، فغناه:

قل لمن صد عاتبا

 

ونأى عنك جانبا

فأمره بإعادته، فأعاده ثلاثاً، وشرب عليه ثلاثاً، فقال له إبراهيم بن المهدي: قد استحسنت هذا الصوت يا أمير المؤمنين، أفنأخذه؟ قال: نعم، خذوه فقد أعجبني؛ فاجتمع جماعة المغنين: مخارق وعلويه وعمرو بن بانة وغيرهم، فأمره المعتصم أن يلقيه عليهم حتى يأخذوه؛ فقال عجيف: فعددت خمسين مرة قد أعاده فيها عليهم وهم يظنون أنهم قد أخذوه ولم يكونوا أخذوه. قال هارون: فنحن في هذا الحديث إذ دخل علينا محمد بن الحارث بن بسخنر، فقال له عجيف: يا أبا جعفر، كنت أحدث أبا موسى بحديثنا البارحة مع إسحاق في الصوت وأني عددت خمسين مرة؛ فقال محمد: إي والله!- أصلحك الله – ولقد عددت أنا أكثر من سبعين مرة وما في القوم أحد إلا وهو يظن أنه قد أخذه، والله ما أخذه أحد منهم وأنا أولهم ما قدرت – علم الله – على أخذه على الصحة وأنا أسرعهم أخذاً، فلا أدري: ألكثرة زوائده فيه أم لشدة صعوبته؛ ومن يقدر أن يأخذ من ذلك الشيطان شيئاً!. أخبرني محمد بن مزيد قال حدثنا حماد بن إسحاق قال حدثني عجيف بن عنبسة بهذا الخبر فذكر مثله سواء.

قال أبو أيوب وحدثني حماد عن أبيه قال: كنت يوماً عند المعتصم، فمر شعر على هذا الوزن فقال: وددت أنه على غير ما هو؛ فقلت له: أنا لك به على هذا الوزن في أحسن من هذا الشعر:

قل لمن صد عاتبا

 

ونأى عنك جانبـا

قد بلغت الذي أرد

 

ت وإن كنت لاعبا

فأعجبه، وقال لي: قد والله أحسنت! وأمر لي بألفي دينار، ووالله ما كانت قيمتهما عندي دانقين الشعر والغناء في هذين البيتين لإسحاق، ثاني ثقيل بالسبابة في مجرى الوسطى.

أخبرني يحيى بن علي قال حدثني أبو أيوب المديني قال حدثني ابن المكي عن إسحاق قال: غضب علي المخلوع فأقصاني وجفاني، فاشتد ذلك علي – قال: وجفاني وهو يومئذ بالأنبار- فحملت عليه بالفضل بن الربيع، فطلب إليه فشفعه المخلوع ودعاني وهو مصطبح، فلم أزل متوقفاً وقد لبست قباء وخفاً أحمر واعتصبت بعصابة صفراء وشددت وسطي بشقة حمراء من حرير، فلما أخذوا في الأهزاج دخلت وفي يدي صفاقتان وأنا أتغنى:

اسمع لصوت طريب

 

من صنعة الأنباري

صوت مليح خفـيف

 

يطير في الأوتـار

الشعر والغناء لإسحاق، هزج بالبنصر- فسر بذلك محمد، وكان صوتهم في يومهم ذلك، وأمر لي بثلثمائة ألف درهم. وأخبرني جحظة بهذا الخبر عن محمد بن أحمد بن يحيى المكي قال حدثني أبي أن إسحاق حدثه بهذا الخبر، وذكر مثل ما ذكره يحيى؛ وزاد فيه قال: وكان سبب تسمية محمد لي ب “الأنباري” أني دخلت عليه يوماً وقد لثت عمامتي على رأسي لوثاً غير مستحسن، فقال لي: يا إسحاق، كأن عمامتك من عمائم أهل الأنبار.

أخبرنا محمد بن العباس اليزيدي قال حدثني عمي الفضل عن إسحاق، وأخبرني علي بن سليمان الأخفش قال حدثني عمي الفضل عن إسحاق، وأخبرنا يحيى بن علي بن يحيى قال حدثني أبي: قال إسحاق: قلت في ليلة من الليالي:

هل إلى نظرة إليك سبـيل

 

يرو الصدى ويشفى الغليل

إن ما قل منك يكثر عندي

 

وكثير ممن تحب القلـيل

قال: فلما أصبحت أنشدتهما الأصمعي، فقال: هذا الديباج الخسرواني، هذا الوشي الإسكندراني، لمن هذا؟ فقلت له: إنه ابن ليلته؛ فتبينت الحسد في وجهه، وقال: أفسدته! أفسدته! أما إن التوليد فيه لبين. في هذين البيتين لإسحاق خفيف ثقيل بالبنصر.

أخبرني جعفر بن قدامة قال حدثني علي بن يحيى قال حدثني إسحاق بهذا الخبر، فذكر مثل ما ذكره من قدمت الرواية عنه، وزاد فيه: فقال لي علي بن يحيى بعقب هذا الخبر: كان إسحاق يعجب بهذا المعنى ويكرره في شعره، ويرى أنه ما سبق إليه ة فمن ذلك قوله:

أيها الظبي الغرير

 

هل لنا منك مجير

إن ما نولتني مـن

 

ك وإن قل كثـير

لحن إسحاق خفيف ثقيل بالوسطى – فقلت: إنك فد سبقت إلى هذا المعنى، فقال: ما علمت أن أحداً سبقني إليه؛ فأنشدته لأعرابي من بني عقيل:

قفي ودعينا يا مليح بنـظـرة

 

فقد حان منا يا مليح رحـيل

أليس قليلاً نظرة إن نظرتهـا

 

إليك وكلاً ليس منك قـلـيل

عقيلية أمـا مـلاث إزارهـا

 

فوعث وأما خصرها فضئيل

أيا جنة الدنيا ويا غاية المنـى

 

ويا سؤل نفسي هل إليك سبيل

أراجعة نفسي إلي فأغـتـدي

 

مع الركب لم يقتل عليك قتيل

فما كل يوم لي بأرضك حاجة

 

ولا كل يوم لي إليك رسـول

قال: فحلف أنه ما سمع بذلك قط. قال علي بن يحيى: وصدق، ما سمع بها. الغناء في الأبيات الأخيرة من أبيات العقيلى.
حدثني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الحسين بن محمد بن أبي طالب الديناري بمكة قال حدثني إسحاق بن إبراهيم الموصلي. قال: عاتبني إبراهيم بن المهدي في ترك المجيء إليه، فقال لي: من جمع لك مع المودة الصادقة رأياً حازماً، فاجمع له مع المحبة الخالصة طاعة لازمة؛ فقلت له: جعلني الله فداك، إذا ثبتت الأصول في القلوب، نطقت الألسن بالفروع، والله يعلم أن قلبي لك شاكر، ولساني بالثناء عليك ناثر؛ وما يظهر الود المستقيم، إلا من القلب السليم؛ قال: فأبرىء ساحتك عندي بكثرة مجيئك إلي؛ فقلت: أجعل مجيئي إليك في الليل والنهار نوباً أتيقظ لها كتيقظي للصلوات الخمس، وأكون بعد ذلك مقصراً؛ فضحك وقال: من يقدر على جواب المغنين!؛ فقلت: من اتخذ الغناء لنفسه ولم يتخذه لغيره؛ فضحك أيضاً، وأمر لي بخلع ودنانير وبرذون وخادم. وبلغ الخبر المعتصم، فضاعف لإبراهيم ما أعطاني، فرحت وقد ربحت وأربحت.

حدثنا الحرمي قال حدثنا الديناري قال حدثني إسحاق قال: عتب علي الفضل بن الربيع في شيء بلغه عني؛ فكتبت إليه: “إن لكل ذنب عفواً وعقوبة؛ فذنوب الخاصة عندك مستورة مغفورة، فأما مثلي من العامة فذنبه لا يغفر، وكسره لا يجبر؛ فإن كنت لا بد معاقبي فإعراض لا يؤدي إلى مقت “.

حدثني الحرمي قال حدثنا الديناري قال حدثني إسحاق قال: كان يختلف إلي رجل من الأعراب، وكان الفضل بن الربيع يقر به ويستظرف كلامه، وكان عندي يوماً وجاء رسول الفضل يطلبه فمضى إليه؛ فقال له الفضل: فيم كنتم؟ قال: كنا في قدر تفور، وكأس تدور، وغناء يصور، وحديث لا يحور.

حدثنا الحرمي قال حدثنا الحسين بن طالب قال: كان إسحاق يقول الشعر على ألسن الأعراب، وينشده للأعراب، وكان يعايي بذلك أصحابه ويغرب عليهم به؛ فمن ذلك ما أنشدنيه لأعرابي:

لفظ الخدور عليك حوراً عينـا

 

أنسين ما جمع الكناس قطينـا

فإذا بسمن فعن كمثل غـمـامة

 

أو أقحوان الرمل بات معينـا

وأصح من رأت العيون محاجراً

 

ولهن أمرض ما رأيت عيونـا

وكأنما تلـك الـوجـوه أهـلة

 

أقمرن بين العشر والعشرينـا

وكأنهن إذا نهضـن لـحـاجة

 

ينهضن بالعقدات من يبـرينـا

قال: وأنشدني أيضا مما كان ينسبه إلى الأعراب وهو له:

ومكحولة العينين من غير ما كحـل

 

مهفهفة الكشحين ذات شوى خـدل

منغمة الأطراف مفعـمة الـبـرى

 

روادفها تحكي الدهاس من الرمل

صيود لألباب الرجال، متـى رنـت

 

إلى ذي نهى جلد القوى وافر العقل

تخلى النهى عنه وحالفه الـصـبـا

 

وأسلمه الرأي الأصيل إلى الجهـل

شبيبة كثبان يروقـك تـحـتـهـا

 

عنا قيد كرم جادها غدق الـوبـل

رمتني فحلت نائطي ولم تـصـب

 

لها نائطي قلب ولا مقتلاً نبـلـي

حدثني علي بن سليمان الأخفش قال حدثنا محمد بن يزيد المبرد قال حدثت عن الأصمعي قال: دخلت أنا وإسحاق الموصلي يوماً على الرشيد فرأيناه لقس النفس؛ فأنشده إسحاق يقول:

وآمرة بالبخل قلت لها آقصـري

 

فذلك شيء مـا إلـيه سـبـيل

أرى الناس خلان الكرام ولا أرى

 

بخيلاً له حتى الممات خـلـيل

وإني رأيت البخل يزري بأهلـه

 

فأكرمت نفسي أن يقال بخـيل

ومن خير حالات الفتى لو علمته

 

إذا نال خـيراً أن يكـون ينـيل

 

فعالى فعال المكثرين تـجـمـلاً

 

وما لي كما قد تعلمـين قـلـيل

 

وكيف أخاف الفقر أو أحرم الغنى

 

ورأي أمير المؤمنـين جـمـيل

           

قال: فقال الرشيد: لا تخف إن شاء الله؛ ثم قال: لله در أبيات تأتينا بها؛ ما أشد أصولها، وأحسن فصولها، وأقل فضولها! وأمر له بخمسين ألف درهم؛ فقال له إسحاق: وصفك والله يا أمير المؤمنين لشعري أحسن منه، فعلام آخذ الجائزة! فضحك الرشيد وقال: اجعلوها لهذا القول مائة ألف درهم. قال الأصمعي: فعلمت يومئذ أن إسحاق أحذق بصيد الدراهم مني. وأخبرني بهذا الخبر جعفر بن قدامة عن حماد عن أبيه، وأخبرنا به يحيى بن علي عن أبيه عن إسحاق فذكر معنى الخبر قريبا مما ذكره الأصمعي والألفاظ تختلف.

أخبرنا إسماعيل بن يونس قال حدثنا عمر بن شبة عن إسحاق، وأخبرني به جعفر بن قدامة ووكيع عن حماد عن أبيه قال: كنت عند الفضل بن الربيع يوماً، فدخل إليه ابن ابنه عبد الله بن العباس بن الفضل وهو طفل، وكان يرق عليه لأن أباه مات في حياته، فأجلسه في حجره وضمه إليه ودمعت عليناه؛ فأنشأت أقول:

مد لك الله الحـياة مـداً

 

حتى يكون ابنك هذا جداً

مؤزراً بمجـده مـردى

 

ثم يفدى مثل ما تفـدى

أشبه منك سـنة وخـداً

 

وشيماً مرضتة ومجـدا

كأنه أنـت إذا تـبـدى

 

شمائلاً محمـودة وقـدا

قال: فتبسم الفضل وقال: أمتعني الله بك يا أبا محمد، فقد عوضت من الحزن سروراً وتسليت بقولك، وكذلك يكون إن شاء الله. قال جعفر بن قدامة: وحدثني بهذا الحديث علي بن يحيى، فذكر أن إسحاق قال هذه الأبيات للفضل بن يحيى وقد دخل عليه وفي حجره ابن له.

غنى في هذه الأبيات أبو عيسى بن المتوكل لحناً من الرمل، يقال: إنه صنعه وقد ولد للمعتمد ولد ثم غنى به. وأخبرني ذكاء وجه الرزة عن بدعة الكبيرة: أن الرمل لعريب، وأن لحن أبي عيسى خفيف رمل.

حدثني عمي قال حدثني الفضل بن محمد اليزيدي عن إسحاق قال: أتيت الفضل بن الربيع يوماً عائداً وجاءه بنو هاشم يعودونه؛ فقلت في مجلسي ذلك:

إذا ما أبو العباس عيد ولم يعـد

 

رأيت معوداً أكرم الناس عائدا

وجاء بنو العباس يبـتـدرونـه

 

مراضاً لما يشكوه مثنى وواحدا

يفدونه عند السـلام وكـلـهـم

 

مجل له يدعوه عمـاً ووالـدا

قال: وكان الفضل مضطجعاً، فأمر خادماً له فأجلسه، ثم قال لي: أعد يا أبا محمد فأعدت، فأمرني فكتبتها، وسر بها وجعل يرددها حتى حفظها.

أخبرني يحيى بن علي بن يحيى قال أخبرني أبي قال قال إسحاق، وأخبرني الحسن بن على الخفاف قال حدثنا عبد الله بن أبي سعد قال حدثنا محمد بن عبد الله بن مالك عن إسحاق قال: جاءني الزبير بن دحمان يوماً مسلماً فاحتبسته؛ فقال لي: أمرني الفضل بن الربيع بالمسير إليه؛ فقلت له:

أقم يا أبا العوام ويحـك نـشـرب

 

ونله مع اللاهين يوماً ونطـرب

إذا ما رأيت اليوم قد جـاء خـيره

 

فخذه بشكر واترك الفضل يغضب

فأقام عندي وسررنا يومنا؛ ثم صار إلى الفضل؛ فسأله عن سبب تأخره عنه؛ فحدثه الحديث وأنشده البيتين؛ فغضب وحول وجهه عني، وأمر عوناً حاجبه بألا يدخلني إليه ولا يستأذن لي عليه ولا يوصل لي رقعة؛ فقلت:

حرام علي الكأس ما دمت غضبانا

 

وما لم يعد عني رضاك كما كانا

فأحسن فإني قد أسأت ولم تـزل

 

تعودني عند الإساءة إحـسـانـا

قال: وأنشدته إياهما، فضحك ورضي عني وعاد إلى ما كان عليه. وقد أخبرني بهذا الخبر محمد بن مزيد والحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه، فذكر مثله وزاد فيه: فقلت في عون حاجبه:

عون يا عون ليس مثلك عـون

 

أنت لي عدة إذا كـان كـون

لك عندي والله إن رضى الفض

 

ل غلام يرضـيك أو بـرذون

قال: فأتى عون الفضل بالشعرين جميعاً؛ فقرأهما وضحك وقال: ويحك! إنما عرض لك بقوله: “غلام يرضيك ” بالسوءة؛ قال: قد وعدني ما سمعت، فإن شئت أن تحرمنيه فأنت أعلم!؛ فأمره أن يرسل إلي؛ فأتاني رسوله فصرت إليه فرضي عني. أخبرني جحظة قال حدثني محمد بن أحمد بن يحيى المكي المرتجل قال حدثني أبي قال حدثني الزبير بن دحمان قال: دخلت يوماً على الفضل بن الربيع مسلماً؛ فقال لي: قد عزمت غداً على الصبوح، فصر إلي بكرة؛ فكنت أنا والصبح كفرسي رهان؛ فلما أصبحت في غد جعلت طريقي على إسحاق بن إبراهيم فدخلت إليه، فلما جلست قال لي: أقم اليوم عندي؛ فعرفته خبري؛ فقال:

أقم يا أبا العوام ويحـك نـشـرب

 

ونله مع اللاهين يوماً ونطـرب

إذا ما رأيت اليوم قد جـاء خـيره

 

فخذه بشكر واترك الفضل يغضب

فقلت: إني لا آمن غضبه، وأنا بين يديك؛ فقال لي: أنت تعلم أن صبوح الفضل أبداً في وفت غبوق الناس، فأقم وارفق بنفسك ثم امض إليه؛ فأجبته إلى ذلك؛ فلما شربنا طاب لي الموضع، فأقمت حتى سكرت. وذكر باقي الخبر نحواً مما ذكر إسحاق. انتهى.

حدثني جحظة قال حدثني محمد بن المكي المرتجل قال: قلت لزرزور الكبير: كيف كان إسحاق ينفق على الخلفاء معكم وأنت وإبراهيم بن المهدي ومخارق أطيب أصواتاً وأحسن نغمة؟ قال: كنا والله يا بني نحضر معه فنجتهد في الغناء ونقيم الوهج فيه ويقبل علينا الخلفاء، حتى نطمع فيه ونظن أنا قد غلبناه، فإذا غنى عمل في غنائه أشياء من مداراته وحذقه ولطفه حتى يسقطنا كلنا ويقبل عليه الخليفة دوننا ويجيزه دوننا ويصغى إليه، ونرى أنفسنا اضطراراً دونه.

حدثنا جحظة قال حدثني محمد بن أحمد المكي قال حدثني أبي قال: كان المغنون يجتمعون مع إسحاق وكلهم أحسن صوتاً منه، ولم يكن فيه عيب إلا صوته فيطمعون فيه؛ فلا يزال بلطفه وحذقه ومعرفته حتى يغلبهم ويبذهم جميعاً ويفضلهم ويتقدمهم. قال: وهو أول من أحدث التخنيث ليوافق صوته ويشاكله، فجاء معه عجباً من العجب؛ وكان في حلقه نبو عن الوتر. أخبرني يحيى بن علي قال أخبرنا أبو العبيس بن حمدون: أن إسحاق أول من جاء بالتخنيث في الغناء ولم يكن يعرف، وإنما احتال بحذقه لمنافرة حلقه الوتر، حتى صار يجيبه ببعض التخنيث فيكون أحسن له في السمع.

أخبرنا جحظة قال حدثني الهشامي عن أبيه قال: كان المغنون إذا حضروا وليس إسحاق معهم غنوا هوينى وهم غير مفكرين؛ فإذا حضر إسحاق لم يكن إلا الجد.

أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثني إسحاق الموصلي قال: قال لي أبي وقد انصرف من دار الرشيد: رأيت الأمير جعفر بن يحيى يستبطئك ويقول: لست أراه ولا يغشاني؛ فقلت: إني لآتيه كثيراً فأحجب عنه ويصرفني نافذ حاجبه ويقول: هو على شغل؛ قال: فبلغه أبي ذلك؛ فقال له: قل له: أنكه أمه إذا فعل؛ فأقمت أياماً ثم كتبت إليه:

جعلت فداءك من كل سوء

 

إلى حسن رأيك أشكو اناسا

يحولون بيني وبين السـلام

 

فلست أسلم إلا اختـلاسـا

وأنفذت أمرك في نـافـذ

 

فما زاده ذاك إلا شماسـا

وقد أخبرني الخبر محمد بن مزيد عن حماد عن أبيه، فذكر مثله وقال: كان خادم يحجبه يقال له: نافذ، فقال: إذا حجبك فنكه؛ فلما كتبت إليه بهذه الأبيات بعث فأحضرني؛ فلما دخلت إليه أحضر نافذاً وقرأ الأبيات عليه، وقال لي: أفعلتها يا عدو الله! فغضب نافذ حتى كاد يبكي، وجعل جعفر يضحك ويصفق؛ ثم ما عاد بعد ذلك يتعرض لي.

حدثني الحسين بن أبي طالب قال حدثني عبيد الله بن المأمون، وأخبرنا اليزيدي عن عمه عبيد الله عن أبيه قال: غضب المأمون على إسحاق بن إبراهيم، ثم كلم فيه فرضي عنه ودعا به؛ فلما وقف بين يديه اعتذر وقبل الأرض بين يديه واستقاله؛ فأجابه المأمون جواباً جميلاً، ثم قال له في أثناء كلامه:

فلا أنت أعتبـت مـن زلة

 

ولا أنت بالغت في المعفرة

ولا أنت وليتنـي أمـرهـا

 

فأغفر ذنبك عن مـقـدره

هكذا في الخبر؛ وأظنه إسحاق بن إبراهيم الطاهري لا الموصلي.
أخبرنا الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الحسين بن أبي طالب قال حدثني إسحاق قال: أنشدت أبا الأشعث الأعرابي شعراً لي، فقال: والذي أصوم له مخافته ورجاءه، إنك لمن طراز ما رأيت بالعراق شيئاً منه، ولو كان شباب يشترى لاشتريته لك ولو بإحدى يدي، وإن في كبرك لما زان الجليس وسره.

أخبرنا الحرمي قال حدثنا الديناري قال حدثنا إسحاق قال: قالت لي زهراء الكلابية: ما فعل عبد الله بن خزداذبه؟ فقلت: مات؛ فقالت: غير ذميم ولا لئيم، غفر الله لصداه، لقد كان يحبك ويعجبه ما سرك. قال: فقلت لزهراء: حدثيني عن قول الشاعر:

أحبك أن أخبرت أنك فارك

 

لزوجك إني مولع بالفوارك

ما أعجبه من بغضها لزوجها؟ فقالت: عزفته أن في نفسها فضلة من جمال وشمخاً بأنفها وأبهة، فأعجبته.

أخبرني علي بن سليمان الأخفش قال حدثنا محمد بن يزيد المبرد قال حدثت عن غير واحد: أن إسحاق الموصلي دخل على المعتصم يوماً من الأيام فرآه لقس النفس، فقال له: أما ترى يا أمير المؤمنين طيب هذا اليوم وحسنه!؛ فقال المعتصم: ما يدعوني حسنه إلى شيء مما تريد ولا أنشط له؛ فقال: يا أمير المؤمنين، إنه يوم أكل وشرب؛ فاشرب حتى انشطك؛ قال: أو تفعل؟ قال: نعم ة قال: يا غلمان، قدموا الطعام والشراب ومدوا الستارة، وأحضروا الندماء والمغنين؛ فأتي بالطعام فأكل وبالشراب فشرب وحضر الندماء والمغنون؛ فغناه إسحاق:

سقيت الغيث يا قصر السلام

 

فنغم محلة الملك الهـمـام

لقد نشر الإله عليك نـوراً

 

وخصك بالسلامة والسلام

الشعر والغناء لإبراهيم الموصلي رمل بالسبابة في مجرى البنصر عن إسحاق. وذكر حبش أن فيه للزبير بن دحمان لحناً من الرمل بالوسطى – قال: فطرب المعتصم وشرب شرباً كثيراً، ولم يبق أحد بحضرته إلا وصله وخلع عليه وحمله؛ وفضل إسحاق في ذلك أجمع.

أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا ابن مهرويه قال حدثنا ابن أبي سعد قال حدثنا علي بن الصباح عن إسحاق قال: أول جائزة أخذتها من الرشيد ألف دينار في أول يوم دخلت إليه فغنيته:

علق القلب بزوعا

فاستحسنه واستعاده ثلاث مرات وشرب عليه ثلاثة أرطال وأمر لي بألف دينار؛ فكان أول جائزة أجازنيها.
أخبرني جعفر بن قدامة قال حدثني حماد بن إسحاق قال: كان أبي ذات يوم عند إسحاق بن إبراهيم بن مصعب، فلما جلسوا للشراب جعل الغلمان يسقون من حضر، وجاء غلام قبيح الوجه إلى أبي بقدح نبيذ فلم يأخذه؛ ورآه إسحاق فقال له: لم لا تشرب؟ فكتب إليه أبي:

اصبح نديمك أقداحاً يسلسلـهـا

 

من الشمول وأتبعها بـأقـداح

من كف ريم مليح الدل ريقتـه

 

بعد الهجوع كمسك أوكتـفـاح

لا أشرب الراح إلا من يدي رشأ

 

تقبيل راحته أشهى من الـراح

فضحك وقال: صدقت والله، ثم دعا بوصيفة كأنها صورة، تامة الحسن لطيفة الخصر في زي غلام عليها أقبية ومنطقة، فقال لها: تولى سقي أبي محمد؛ فما زالت تسقيه حتى سكر؛ ثم أمر بتوجيهها وكل مالها في داره إليه، فحملت معه.
أخبرني عمي قال حدثنا عبد الله بن أبي سعد قال حدثني علي بن الصباح قال: كانت امرأة من بني كلاب يقال لها زهراء تحدث إسحاق وتناشده، وكانت تميل إليه، وتكني عنه في عشيرتها إذا ذكرته بجمل؛ فال: فحدثني إسحاق أنها كتبت إليه وقد غابت عنه تقول:

وجدي بجمل على أني أحمجـمـه

 

وجد السقيم ببرء بـعـد إدنـاف

أو وجد ثكلى أصاب الموت واحدها

 

أو وجد مغترب مـن بـين آلاف

قال: فأجبتها:

أقر السلام على الزهراء إذ شحطت

 

وقل لها قد أذقت القلب ما خـافـا

أما رثيت لمن خلفت مـكـتـئبـاً

 

يذري مدامعه سحـاً وتـوكـافـا

فما وجدت علـى إلـف أفـارقـه

 

وجدي عليك وقد فـارقـت ألافـا

أخبرني عمي قال حدثني عبد الله بن أبي سعد قال حدثني محمد بن عبد الله بن مالك قال أنشدني إسحاق لنفسه:

سقى الله يوم الماوشان ومجـلـسـاً

 

به كان أحلى عندنا من جنى النحل

غداة اجتنينا اللهو غضاً ولـم نـبـل

 

حجاب أبي نصر ولا غضبة الفضل

غدونا صحاحاً ثم رحنـا كـأنـنـا

 

أطاف بنا شر شديد من الـخـبـل

فسألته أن يكتبها ففعل؛ فقلت له: ما حديث الماوشان؟ فضحك وقال: لو لم أكتبك الأبيات لما سألت عما لا يعنيك؛ ولم يخبرني.
أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا ابن مهرويه قال حدثني أحمد بن الحارث وأبو مسلم عن ابن الأعرابي: أنه كان يصف إسحاق الموصلي ويقرظه ويثني عليه ويذكر أدبه وحفظه وعلمه وصدقه، ويستحسن قوله:

هل إلى أن تنام عيني سبـيل

 

إن عهدي بالنوم عهد طـويل

غاب عني من لا أسمي فعيني

 

كل يوم وجداً عليه تـسـيل

الشعر والغناء لإسحاق رمل بالوسطى- قال: وكان إسحاق إذا غناه تفيض دموعه على لحيته ويبكي أحر بكاء. وأخبرنا به يحيى بن علي عن أبيه عن إسحاق. وحديث موسى عن حماد أتم، واللفظ له.
أخبرني الصولي والحسن بن علي قالا حدثنا محمد بن موسى عن حماد بن إسحاق قال: أول صوت صنعه أبي:

إني لأكني بأجبال عن اجبلها

 

وباسم أودية عن اسم واديها

وآخر صوت صنعة مختاراً:

قف نحي المغانيا

 

والطلول البواليا

ثم قطع الصنعة حتى أمره الواثق بأن يعارض صنعته في:

لقد بخلت حتى لو أني سألتها

قال حماد وحدثني أبي قال: كان المغنون يحسدونني مذ كنت غلاماً، فلما مات أبي صنعت هذا الصوت، فهو أول صوت صنعته بعد وفاته، و هو:

أمن آل ليلى عرفت الطلولا

 

بذي حرض ماثلات مئولا

فقالوا للرشيد: هذا من صنعة أبيه فقد انتحله؛ فقال لي الرشيد في ذلك، فقلت: هذا ومائة بعده خير منه لهم؛ فقال: اصنع في شعر الأخطل:

أعاذلتي اليوم ويحكمـا مـهـلا

 

وكفا الأذى عني ولا تكثرا العذلا

فصنعت فيه كما أمرني؛ فلما سمعوا بذلك وما جاء بعده أذعنوا، وزال عن قلب الرشيد ما كان ظنه بي. وقد ذكر غير حماد أن اللحن الذي اختبره به الرشيد قوله:

كنت صباً وقلبي الـيوم سـال

 

عن حبيب يسيء في كل حال

وذكر أن الفضل بن الربيع قال الشعر في ذلك الوقت ودفعه إليه وأمره الرشيد أن يصنع فيه ففعل. وأخبرني بذلك محمد بن يحيى الصولي قال حدثني الحسين بن يحيى عن حماد بن إسحاق، وأخبرني محمد بن مزيد قال حدثنا حماد قال: أول ما سمعه الرشيد من غناء أبي:

ألم تسأل فتخبرك المغانـي

 

وكيف وهن مذ حجج ثماني

برئت من المنازل غير شوق

 

إلى الدار التي بلوي أبـان

ديار للتي لجلجـت فـيهـا

 

ولو أغربت لج بها لسانـي

فكاد يظل للعينـين غـرب

 

بربعي دمنة لا ينطـقـان

قال: فحدثني أبي أن المغنين قالوا للرشيد: هذا من صنعة أبيه انتحله بعد وفاته؛ فقلت له: أنا أدع لهم هذا ومائة صوت بعده؛ ثم نظروا إلى ما جاء بعد ذلك فأذعنوا.

قف نحي المغانـيا

 

والطلول البوالـيا

وعلى أهلها فنـح

 

وابك إن كنت باكيا

الشعر لابن ياسين. والغناء لإسحاق ثقيل أول بالوسطى.

أمـن آل لـيلـى عـرفـت الـطـلـــولا

 

بذي حـرض مـاثـــلات مـــثـــولا

بلين وتحسب آياتهن عن فرط حولين رقاً محيلا

 

 

الشعر لكعب بن زهير. والغناء لإسحاق ثاني ثقيل بالبنصر.

أعاذلتي اليوم ويحكمـا مـهـلا

 

وكفا الأذى عني ولا تكثرا العذلا

دعاني تجد كفي بمالي فإنـنـي

 

سأصبح لا أسطيع جوداً ولا بخلا

إذا وضعوا فوق الصفيح جنـادلاً

 

علي وخلفت المطية والرحـلا

فلا أنا مجتاز إذا مـا نـزلـتـه

 

ولا أنا لاق ما ثويت بـه أهـلا

الشعر للأخطل، والغناء لإسحاق، ثقيل أول بالوسطى.

إني لأكني بأجبال عن اجبلـهـا

 

وباسم أودية عن اسـم واديهـا

عمداً ليحسبها الواشون غـانـية

 

أخرى وتحسب أني لا أباليهـا

ولا يغير ودي أن أهاجـرهـا

 

ولا فراق نوى في الدار أنويها

وللقلوص ولي منها إذا بعـدت

 

بوارح الشوق تنضيني وأنضيها

الشعر لأعرابي، والغناء لإسحاق هزج بالبنصر.
حدثني جحظة قال حدثني أبو عبد الله أحمد بن حمدون قال: قال إسحاق للواثق يوماً: الأهزاج من أملح الغناء؛ فقال الواثق: أما إذا كانت مثل صوتك:

إني لأكنى بأجبال عن اجبلها

 

وباسم أودية عن اسم واديها

فهي كذلك.
قال أحمد بن أبي طاهر حدثني أحمد بن يحيى الرازي عن محمد بن المثنى عن الحجاج بن قتيبة بن مسلم قال: قال إسحاق: بعث إلي طلحة بن طاهر وقد انصرف من وقعة للشراة وقد أصابته ضربة في وجهه؛ فقال لي الغلام: أجب؛ فقلت: وما يعمل؟ قال: يشرب؛ فمضيت إليه فإذا هو جالس قد عصب ضربته وتقلنس بقلنسوة؛ فقلت له: سبحان الله أيها الأمير! ما حملك على لبس هذا؟ قال: التبرم بغيره، ثم قال: غن:

إني لأكنى بأجبال عن اجبلها

قال: فغنيته إياه، فقال: أحسنت والله! أعد! فأعدت وهو يشرب حتى صلى العتمة وأنا. أغنيه؛ فأقبل على خادم له بالحضرة وقال له: كم عندك؟ قال: مقدار سبعين ألف درهم؛ قال: تحمل معه. فلما خرجت من عنده تبعني جماعة من الغلمان يسألوني، فوزعت المال بينهم؛ فرفع الخبر إليه فأغضبه ولم يوجه إلي ثلاثاً؛ فجلست ليلاً وتناولت الدواة والقرطاس فقلت:

علمني جودك السماح فـمـا

 

أبقيت شيئاً لدي من صلـتـك

لم أبق شيئاً إلا سمحـت بـه

 

كأن لي قدرة كمـقـدرتـك

تتلف في اليوم بالهبات وفـي

 

الساعة ما تجتنيه في سنتـك

فلست أثري من أين تنفق لـو

 

لا أن ربي يجزى على صلتك

فلما كان في اليوم الرابع بعث إلي، فصرت إليه ودخلت عليه فسلمت، فرفع بصره إلي وقال: اسقوه رطلاً فسقيته، وأمر لي بآخر وآخر فشربت لاثاً، م قال لي: غن:

إني لأكنى بأجبال عن اجبلها

فغنيته م أتبعته بالأبيات التي قلتها، وقد كنت غنيت فيها لحناً في طريقة الصوت، فقال: ادن فدنوت، وقال: اجلس فجلست، فاستعاد الصوت الذي صنعته فأعدته. فلما فهمه وعرف معنى الشعر قال لخادم له: أحضرني فلاناً فأحضره، فقال: كم قبلك من مال الضياع؟ قال: مانمائة ألف درهم، فقال: احضر بها الساعة، فجيء بثمانين بدرة، فقال للخادم: جئني بثمانين غلاماً مملوكاً، فأحضروا، فقال: احملوا هذا المال، م قال: يا أبا محمد، خذ المال والمماليك حتى لا تحتاج أن تعطي لأحد منهم شيئاً.
أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الحسين بن محمد بن طالب قال: كان إسحاق بن إبراهيم الموصلي كثير الغشيان لإسحاق بن إبراهيم بن مصعب والحضور لسمره، وكان إسحاق بن إبراهيم يرى ذلك له ويسني جوائزه ويواتر صلاته ويشاوره في بعض أموره ويسمع منه، فأصيب، إسحاق ببصره قبل موته بسنتين، فترك زيارة إسحاق وغيره ممن كان يغشاهم ولزم بيته. وخرج إسحاق يوماً إلى بستان له بباب قطربل وخرج معه ندماؤه وفيهم موسى بن صالح بن شيخ بن عميرة ومحمد بن راشد الخناق والحراني، فجرى ذكر إسحاق الموصلي، فتوجع له إسحاق وذكر أنسه به وتمنى حضوره، وذكره، القوم فأطنبوا في نشر محاسنه وشيعوا ما ذكره به إسحاق بما حسن موقعه لهم عنده وذكره محمد بن راشد ذكراً لم يحمده أصحابه عليه، وزجره إسحاق، فأمسك عنه، فلما انصرفوا من مجلسهم نمي إلى إسحاق الموصلي ما كان فيه القوم في يومهم وما جرى من ذكره، فكتب إلى موسى بن صالح:

ألا قل لموسى الخير موسى بن صالح

 

ومن هو دون الخلق إلفي وخلصاني

ومن لوسألت الناس عنه لأجمـعـوا

 

على أنه أفتى معـد وقـحـطـان

لعمري لئن كان الأمير تـمـنـانـي

 

بمجلس لـذات ونـزهة بـسـتـان

لقد زادني ما كان مـنـه صـبـابة

 

وجدد لي شوقاً إلـيه وأبـكـانـي

وما زال ممتنا علـي يخـصـنـي

 

بما لست أحصي من أياد وإحسـان

هو السيد القرم الـذي مـا يرى لـه

 

من الناس إن حصلتـه أبـداً انـي

نمته روابي مصعـب وبـنـى لـه

 

كريم المساعي في أرومته بـانـي

يعز علي أن تـفـوزوا بـقـربـه

 

ولست إليه بالقـريب ولا الـدانـي

فيا ليت شعري هل أروحـن مـرة

 

إليه فيلقاني كمـا كـان يلـقـانـي

وهل أرين يوماً غضـارة مـلـكـه

 

وسلطانه لازال في عز سلـطـان

وهل أسمعن ذاك المزاح الـذي بـه

 

إذا جئته سليت همـي وأحـزانـي

إذا قال لي “يا مرد مي خر” وكرهـا

 

علي وكناني مزاحـاً بـصـفـوان

هذا كلام بالفارسية تفسيره: يا رجل اشرب النبيذ:

فيا لك من ملهى أنيق ومجلس

 

كريم ومن مزح كثير بألوان

وهل يغمزن بي ذو الهنات ابن راشد

 

وذاك الكريم الجد مـن آل حـران

وهل أرين موسى الكريم ابن صالح

 

ينازعني صوتاً إذا هو غـنـانـي

(يريد الغناء في:

فلم أر كالتجمير منظر ناظـر

 

ولا كليالي النفر أفتن ذا هوى

إذا صاح بالتجمـير م أعـاده

 

بتحقيق إعراب صحيح وتبيان

أولئك إخواني الذين أحبـهـم

 

وأوثرهم بالود من بين إخواني

وما منهم إلا كـريم مـهـذب

 

حبيب إلى إخوانه غير خوان

فأجابه محمد بن راشد:

بعثت بشعـر فـيه أن رسـالة

 

أتتك لموسى عن جماعة إخوان

بشوق وذكر للجميل ولـم يكـن

 

لموسى لعمري في سلامته اني

ولكن نطقنا بالذي أنت أهـلـه

 

وما تستحق من صديق وندمان

وموسى كريم لم يحط بك خبره

 

كخبر ندامى قد بلوك وإخـوان

ولو قد بلاك قال فيك كقول من

 

فسدت عليه من خليل وخلصان

ولم يعره شوق إليك ولـم يجـد

 

لفقدك مسا عند نزهة بسـتـان

حمدت الندامى كلهم غير إنسان

 

ألا إنما يجني على نفسه الجاني

فلا تعتب الإخوان من بعدها فما

 

تنقض إخوان المودة من شاني

قال: فأجابه إسحاق:

عجبت لمخذول تعـرض جـانـياً

 

لليث أبي شبلين من أسد خـفـان

أتانا بشعر قاله مـثـل وجـهـه

 

تزخرف فيه واستعان بـأعـوان

فجاء بألفاظ ضـعـاف سـخـيفة

 

ومضغها تمضيغ أهوج سكـران

دعوا الشعر للشيخ الذي تعرفونـه

 

وإلا وسمتم أو رميتم بشـهـبـان

فإنكم والشـعـر إذ تـدعـونـه

 

كمعتسف في ظلمة الليل حـيران

صه لا تعودوا للجواب فـإنـمـا

 

ترومون صعباً من شماريخ هلان

أنا الأسد الـورد الـذي لا يفـلـه

 

تظاهر أعداء عـلـيه وأقـران

ومن قد أردتم جاهدين سقـاطـه

 

فأعياكم في كـل سـر وإعـلان

لعمري لئن قلتم بما أنـا أهـلـه

 

ليستنفدن القول تعظيمكم شـانـي

وجحدكم إياي ما تـعـلـمـونـه

 

وإقراركم عندي بـذلـك سـيان

ألا يزجر الجهال عنـا أمـيرنـا

 

وموسى وذاك الشيخ من آل حران

ولا سيما من بان للـنـاس شـره

 

فما يتمارى في مذاهبـه اثـنـان

حدثني أحمد بن عبيد الله بن عمار قال حدثني يعقوب بن إسرائيل قرقارة قال: قال لي محمد بن عمر الجرجاني وقد تذاكرنا إسحاق يوماً بحضرته: ما تذكرون من إسحاق شيئاً تقاربون به وصفه. كان والله إسحاق غرة في زمانه، وواحداً في دهره علماً وفقهاً وأدباً ووقاراً ووفاء وجودة رأي وصحة مودة. كان والله يخرس الناطق إذا نطق، ويحير السامع إذا تحدث، لا يمل جليسه مجلسه، ولا تمج الاذان حديثه، ولا تنبو النفوس عن مطاولته. إن حدثك ألهاك، وإن ناظرك أفادك، وإن غناك أطربك. وما كنت ترى خصلة من الأدب ولا جنساً من العلم يتكلم فيه إسحاق فيقدم أحد على مساجلته ومباراته.
أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا يزيد بن محمد المهلبي قال حدثني أحمد بن يحيى المكي قال: أمر المأمون يوماً بالفرش الصيفي أن يخرج فأخرج فيما أخرج منه بساط طبري أو أصبهبذاني، مكتوب في حواشيه:

لج بالعـين واكـف

 

من هوى لايساعف

كلما جف دمـعـه

 

هيجته المعـازف

إنما الموت أن تفـا

 

رق من أنت آلف

لك حبان في الفـؤا

 

د تلـيد وطـارف

قال: فاستحسن المأمون هذه الأبيات، وبعث إلى إسحاق فأحضره وأمره أن يصنع فيها لحناً ويعجل به، فصنع فيها الهزج الذي يغنى به اليوم. قال أحمد: وسمعها أبي منه فقال: لو كان هذا الهزج لحكم الوادي لكان قد أحسن. يريد أن حكماً كان صاحب الأهزاج.
أخبرني الحسن قال حدثني يزيد بن محمد قال حدثني ابن المكي قال: تذاكرنا يوماً عند أبي صنعة إسحاق، وقد كنا بالأمس عند المأمون فغناه إسحاق لحناً صنعه في شعر، بن ياسين:

الطلول الدوارس

 

فارقتها الأوانس

أوحشت بعد أهلها

 

فهي قفربسابس

الغناء لإسحاق خفيف قيل بالبنصر قال: فقال أبي: لو لم يكن من بدائع إسحاق غير هذا لكفى، “الطلول الدوارس ” كلمتان، و “فارقتها الأوانس! كلمتان، وقد غنى فيهما استهلالاً وبسيطاً وصاح وسجح ورجع النغمة واستوفى ذلك كله في أربع كلمات وأتي بالباقي مثله فمن شاء فليفعل مثل هذا أو ليقاربه. م قال: إسحاق والله في زماننا فوق ابن سريج والغريض ومعبد، ولو عاشوا حتى يروه لعرفوا فضله واعترفوا له به. وأخبرني عمي عن يزيد بن محمد المهلبي: أنه كان عند الواثق فغنته شجا هذا الصوت، فقال الواثق مثل هذا القول. والمذكور أن ابن المكي قاله فلا أدري أهذا وهم من يزيد، أواتفق أن قال فيه الواثق كما قال يحيى، أو اتفقت عليه قريحتاهما.

أخبرنا يحيى بن علي قال حدثني أبي عن إسحاق قال: أرسل إلي الفضل بن الربيع يوماً وإلى الزبير بن دحمان، فوافق مجيئناً شغلاً كان له، فصرنا إلى بعمض حجره، فنعست فنمت فإذا زبير يحركني فانتبهت فإذا خباز في مطبخ الفضل يضرب بالشوبق يغني:

بدير القائم الأقصى

 

غزال شفني أحوى

برى حبي له جسمي

 

ومايدي بما ألقـى

وأخفي حبه جهـدي

 

ولا والله ما يخفـى

الشعر والغناء لإسحاق خفيف قيل بالبنصر قال: فقال لي الزبير: تضن بهذا وانظر من يبتذله فقلت: لا أضن بغناء بعد هذا.
حدثني عمي قال حدثني أحمد بن الطيب السرخسي قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثني أحمد بن معاوية بن بكر قال قال لي صالح بن الرشيد: كنا أمس عند أمير المؤمنين المأمون وعنده جماعة من المغنين، فيهم إسحاق وعلويه ومخارق وعمرو بن بانة فغنى مخارق في الثقيل الأول:

أعـاذل لا آلـوك إلا خـلـيقـتـي

 

فلا تجعلي فوقي لسانـك مـبـردا

ذريني أكن للـمـال ربـاً ولايكـن

 

لي المال رباً تحمدي غـبـه غـدا

ذريني يكن مالي لعـرضـي وقـاية

 

يقي المال عرضي قبل أن يتـبـددا

ألم تعلمي أني إذا الضيف نـابـنـي

 

وعز القرى أقري السديف المسرهدا

فقال له المأمون: لمن هذا اللحن. قال: لهذا الهزبر الجالس يعني إسحاق، فقال المأمون لمخارق: قم فاقعد بين يدي وأعد الصوت، فقام فجلس بين يديه وأعاده فأجاده، وشرب المأمون عليه رطلاً م التفت إلى إسحاق فقال له: غن هذا الصوت فغناه فلم يستحسنه كما استحسنه من مخارق م دار الدور إلى عفويه، فقال له: غن فغنى في الثقيل الأول أيضاً:

أريت اليوم نارك لم أغمض

 

بواقصة ومشربنـا بـرود

فلم أر مثل موقدها ولكـن

 

لأية نظرة زهر الوقـود

فبت بلـيلة لانـوم فـيهـا

 

أكابدها وأصحابي رقـود

كأن نجومها ربطت بصخر

 

وأمراس تدور وتسـتـزيد

فقال له المأمون: لمن هذا الصوت؟ فقال: لهذا الجالس- وأشار إلى إسحاق- فقال لعلويه: أعده فأعاده، فشرب عليه رطلاً، م قال لإسحاق. غنه فغناه، فلم يطرب له طربه لعلويه. فالتفت إلى إسحاق م قال لي: أيها الأمير، لولا أنه مجلس سرور وليس مجلس لجاج وجدال لأعلمته أنه طرب على خطأ، وأن الذي استحسنه إنما هو تزايد منهما يفسد قسمة اللحن وتجزئته، وأن الصوت ما غنيته لا ما زادا. م أقبل عليهما فقال: يا مخنثان، قد علمت أنكما لم تريدا بما فعلتماه مدحي ولا رفعتي، وأنا على مكافأتكما قادر فضحك المأمون وقال له: ما كان مارأيته من طربي لهماً إلا استحساناً لأصواتهما لا تقديماً لهما ولا جهلاً بفضلك.

حدثني عمي قال حدثني عبدالله بن أبي سعد قال حدثني محمد بن عبدالله بن مالك الخزاعي قال حدثني إسحاق قال: دخلت يوماً على المعتصم وقد رجع من الصيد وبين يديه ظباء مذبحة وطير ماء وغير ذلك من الصيد وهو يشرب فأمرني بالجلوس والغناء، فجلست وغنيته:

اشتهينا فـي ربـيع مـرة

 

زهم الوحش على لحم الإبل

فغدونا بـطـوال هـيكـل

 

كعسيب النخل مياد خضـل

الشعر يقال: إنه لأعشى همدان، والغناء لأحمد النضبي خفيف قيل بإطلاق الوتر في مجرى البنصر عن إسحاق فتبسم وقال: وأين رأيت لحم الإبل! فغنيته:

ليس الفتى فيهـم إذا

 

شرب الشراب مؤنباً

لكن يروح مرنحـاً

 

حسن الثياب مطيبـاً

يسقونه صرفاًعلـى

 

لحم الظباء مضهبـاً

فقال: هذا أشبه، وشرب. م غنيته بشعر وضاح اليمن قال: والغناء لابن محرز قيل أول:

أبى القلب اليماني

 

الذي تحمد أخلاقة

ويرفض له اللحن

 

فما تفتق أرتاقـه

غزال أدعج العين

 

ربيب خدلج ساقه

رماني فسبى قلبي

 

وأرميه فأشتاقـه

فطرب وقال: هذا والله أحسن صيد وألده، وشرب عليه بقية يومه وخلع علي وأمر لي بجائزة. هكذا ذكر في هذا الخبر أن الثقيل الأول لابن محرز وقد قيل ذلك. وذكر عمرو بن بانة أن الثقيل الأول بالبنصر لابن طنبورة، وأن لحن ابن محرز خفيف قيل.
حدثني عمي قال حدثني فضل اليزيدي قال: قال لي إسحاق يوماً في عرض حديثه: دخلت على المعتصم ذات يوم وعليه قميص دبيقي كأنما قد من، جرم الزهرة، فضحكت، فقال: ما أضحكك؟ فقلت: من مبالغتك في الوصف، فتبسم. قال الفضل: وما سمعت محدثاً قط ولا واصفاً أبلغ منه ولا أحسن لفظاً وتشبيهاً.

أخبرنا يحيى بن علي قال حدثنا أبو أيوب المديني قال حدثنا محمد بن عبد الله بن مالك قال: قال لي إسحاق: وددت أن كل يوم قيل لي: غن أو قيل لي عند ذكري: المغني، ضرب رأسي خمسة عشر سوطاً، لا أقوى على أكثر منها، ولم يقل لي ذلك.
أخبرنا يحيى قال حدثنا حماد قال: صنع أبي لحنه في: “تشكى الكميت الجري” على لحن أذان سمعه.

أخبرنا يحيى قال حدثنا حماد قال: تذاكرنا يوماً الهزج عند المأمون، فقال عمرو بن بانة: ما أقله في الغناء القديم، فقال إسحاق: ما أكثره فيه! م غناهم لاثين هزجاً في إصبع واحدة ومجرى واحد، ما عرفوا جميعاً منها إلا نحو سبعة أصوات.
حدثني يحيى قال حدثني أخي قال حدثني عافية بن شبيب قال: قلت لزززور: ما لكم تذلون لإسحاق هذا الذل، وما فيكم أحد إلا وهو أطيب صوتاً منه، وما في صنائعكم وصمة! فقال لي: لا تقل ذلك، فوالله لو رأيتنا معه لرحمتنا ورأيتنا نذوب كما يذوب الرصاص في النار.

حدثني الصولي قال حدثني عون بن محمد قال حدثني إسحاق قال: لاعبت الفضل بن الربيع بالنرد، فوقع بيننا خلاف، فحلف وحلفت، فغضب علي وهجرني، فكتبت إليه:

يقول أناس شامـتـون وقـد رأوا

 

مقامي وإغبابي الرواح إلى الفضل

لقد كان هذا خص بالفضـل مـرة

 

فأصبح منه اليوم منصرم الحـبـل

ولوكان لي في ذاك ذنب علمـتـه

 

لقطعت نفسي بالملامة والـعـذل

وعرضت الأبيات عليه فلمفا قرأها ضحك وقال: أشد من ذنبك أنك لا ترى لنفسك بذلك الفعل ذنباً والله لولا أني أدبتك أدب الرجل ولده، وأن حسنك وقبيحك مضافان إلي لأنكرتني. فأصلح الآن قلب عون وكان يحجبه فخاطبته في ذلك فكلمني بما كرهت فقلت أتدخل بيني وبين الأمير أعزه الله وكان عون يرمى بالأبنة فقلت فيه:

وذاكر أمر ضاق ذرعاً بذكره

 

وناس لداء منه متسع الخرق

قال: ثم علمت أنه لا يتم لي رضا الفضل إلا بعد أن يرضى عون، فقلت فيه:

عون ياعون ليس مثلك عـون

 

أنت لي عدة إذا كان كـون

لك عندي والله إن رضي الف

 

ضل غلام يرضيك أو برذون

فدخل إلى الفضل فترضاه لي فرضي، ثم قال له: ويلك يا عون! إنه والله إنما هجاك وأنت ترى أنه قد مدحك، ألا ترى إلى قوله: “غلام يرضيك”! هذا تعريض بك، قال: فكيف أصنع به مع محله عند الأمير!.

أخبرني الصولي قال حدثني عون عن إسحاق، وأخبرني بعض الخبر إسماعيل بن يونس عن عمربن شبة عن إسحاق، ولفظ الخبر وسياقته للصولي، قال: استدناني المأمون يوماً وهو مستلق على فراش حتى صارت ركبتي على الفراش، ثم قال لي: يا إسحاق، أشكو إليك أصحابي: فعلت بفلان كذا ففعل كذا، وفعلت بفلان كذا ففعل كذا، حتى عدد جماعة من خواصه، فقلت له: أنت يا سيدي بتفضلك علي وحسن رأيك في ظننت أني ممن يشاور في مثل هذا، فجاوزت بي حدي، وهذا رأي يجل عني ولا يبلغه قدري، فقال: ولم وأنت عندي عالم عاقل ناصح. فقلت: هذه المنزلة عند سيدي علمتني ألا أقول إلا ما أعرف ولا أطلب إلا ما أنال، فضحك وقال: قد بلغني أنك في هذه الأيام صنعت لحناً في شعر الراعي ولم أسمعه منك، فقلت: يا سيدي، ماسمعه أحد إلا جواري، ولا حضرت عندك للشرب منذ صنعته، فقال: غنه، فقلت: الهيبة والصحو يمنعاني أن أؤديه كما تريد، فلو آنس أمير المؤمنين عبده بشيء يطربه ويقوي به طبعه كان أجود، قال: صدقت، ثم أمر بالغداء فتغدينا، ومدت الستارة فغني من ورائها وشربنا أقداحاً فقال: يا إسحاق، أما جاء أوان ذلك الصوت؟ فقلت: بلى يا سيدي، وغنيته لحني في شعر الراعي:

ألم تسأل بـعـارمة الـديارا

 

عن الحي المفارق أين صارا

بلى ساءلتها فـأبـت جـواب

 

وكيف تسائل الدمن القفـارا

لحن إسحاق في هذين البيتين خفيف ثقيل بالوسطى قال: فاستحسنه وما زال يشرب عليه سائر يومه، وقال لي: يا إسحاق، لا طلب بعد وجود البغية، ما أشرب بقية يومي هذا إلا على هذا الصوت ثم وصلني وخلع علي خلعة من ثيابه.

حدثني الصولي قال حدثني عون بن محمد قال حدثني إسحاق قال: كانت أعرابية تقدم علي من البادية فأفضل عليها، وكانت فصيحة، فقالت لي ذات يوم: والذي يعلم مغزى كل ناطق لكأنك في علمك ولدت فينا ونشأت معنا. ولقد أريتني نجداً بفصاحتك، وأحللتني الربيع بسماحتك، فلا أطرد لي قول إلا شكرتك، ولا نسمت لي ريح إلا ذكرتك.

حدثني الصولي قال حدثني عون بن محمد قال حدثني المغيرة بن محمد المهلبي عن إسحاق قال: كان أبو المجيب الربعي فصيحاً عالماً، فقال لي: يا أبا محمد، قد عزمت على التزوج فأعني وقوني قال: فأعطيته دنانير وثيابا. فغاب عني أياما ثم عاد، فقلت: يا أبا مجيب، هاهنا أبيات فاسمعها، فقال: هاتها، فقلت:

ياليت شعري عن أبي مجيب

 

إذ بات في مجاسد وطـيب

معانقاً للـرشـأ الـربـيب

 

أأحمد المحفار في القلـيب

أم كان رخواً ذابل القضيب

 

 

قال: فقال لي: الأخير والله يا أبا محمد.
عاتب الخليل بن هشام بشعر وكان بينهما تهاجر فعاد إلى ما كانا عليه: حدثني الصولي قال حدثني عون بن محمد قال حدثني إسحاق قال: كانت بيني وبين الخليل بن هشام صداقة ثم استوحشنا، فمررت ببابه يوماً، فتذممت أن أجوزه ولا أدخل إليه، فدعوت بدواة وقرطاس وكتبت إليه:

رجعنابالصفاء إلى الخلـيل

 

فليس إلى التهاجر من سبيل

عتاب في مراجعة وصفـح

 

أحق بنا وأشبه بالجـمـيل

قال: ووجهت بالرفعة وقصدت بابه، فخرج إلي حتى تلقاني، ورجعنا إلى ما كنا عليه.

حدثني الصولي قال حدثني عبدالله بن المعتز عن الهشامي قال: كان أهلنا يعتبرون على إسحاق ما يقوله في نسبة الغناء وأخباره، بأن يجلسوا كاتبتين فهمتين خلف الستارة، فتكتبان ما يقوله وتضبطانه، م يتركونه مدة حتى ينسى ما جرى، ثم يعيدون تلك المسألة عليه، فلا يزيد فيها ولا ينقص منها حرفاً كأنه يقرؤها من دفتر فعلموا حينئذ أنه لا يقول في شيء يسأل عنه إلا الحق.

حدثني الصولي قال حدثني أحمد بن مزيد المهلبي قال حدثني أبي عن إسحاق قال: كنا عند المأمون، فغناه علويه:

لعبدة دار ما تكلمـنـا الـدار

 

تلوح مغانيها كما لاح أسطار

أسائل أحجاراً ونؤياً مهـدمـا

 

وكيف يرد القول نؤي وأحجار

الشعر لبشار، والغناء لإبراهيم ثاني ثقيل مطلق في مجرى الوسطى عن إسحاق – قال: فقال المأمون: لمن هذا اللحن. فقلت: لعبد أمير المؤمنين أبي، وقد أخطأ فيه علويه، قال: فغنه أنت فغنيته، فاستعادنيه مرارأ وشرب عليه أقداحاً، ثم تمثل قول جرير:

وابن اللبون إذا ما لز في قـرن

 

لم يستطع صولة البزل القناعيس

ثم أمر لي بخمسين ألف درهم. ووجدت هذا الخبر بخط أبي العباس ثوابة، فقال فيه: حدثني أحمد بن إسماعيل أبو حاتم قال حدثني عبدالله بن العباس الربيعي قال: اجتمعنا بين يدي المعتصم، فغنى علويه:

لعبدة دار ما تكلمنا الدار

فقال له إسحاق: أخطأت فيه، ليس هو هكذا، فقال علويه أم من أخفناه عنه هكذا زانية، فقال إسحاق: شتمنا قبحه الله، وسكت وبان ذلك فيه، وكان علويه أخذه من إبراهيم.

حدثني جحظة قال حدثني أبو العبيس بن حمدون عن أبيه عن جده قال: كان إسحاق بعد وفاة المأمون لا يغني إلا الخليفة أو ولي عهده أو رجلاً من الطاهرية مثل إسحاق بن إبراهيم وطبقته، فاجتمعنا عند الواثق وهو ولي عهد المعتصم، فاشتهى الواثق أن يضرب بين مخارق وعلويه وإسحاق، ففعل حتى تهاتروا، ثم قال لإسحاق: كيف هما الآن عندك؟ فقال: أما مخارق فمناد طيب الصوت وأما علويه فهو خير حماري العبالي، وهو على كل حال شييء يريد تصغيره، فوثب علويه مغضباً، ثم قال للواثق: جواريه حرائر ونساؤه طوالق، لئن لم تستحلفه بحياتك وحق أبيك، أن يصدق عما أسأله عنه، لأتوبن عن الغناء ما عشت، فقال له الواثق: لا تعربد يا علي، نحن نفعل ما سألت، ثم حلف إسحاق أن يصدق فحلف، فقال له: من أحسن الناس اليوم صنعة بعدك. قال: أنت. قال: فمن أضرب الناس بعد ثقيف. قال: أنت. قال فمن أطيب الناس صوتاً بعد مخارق. قال: أنت. قال علويه لإسحاق: أهذا قولك في وأنت تعلم أني مصفي كل – سابق فاضل، وأني ثالث ثلاثة أنت أحدهم لم يكن في الدنيا مثلهم ولا يكون، فما أنت وغناؤك الذي لا يسمع انخفاضاً، فغضب إسحاق، وانتهر الواثق علويه. بم أخذ إسحاق عوداً فنقل مثناه إلى موضع البم، وزيره إلى موضع المثلث، وجعل البم والمثلث مكان الزير والمثنى، وضرب وقال: ليغن من شاء منكم، فغنى مخارق عليه:

تقطع من ظلامة الوصل أجمع

 

أخيراًعلى أن لم يكن يتقطـع

وضرب عليه إسحاق فلم يبن في الأوتار خلاف ولا فقد من الإيقاع شيء ولا بان فيه اختلال، فعظم عجب الواثق من فعله، وقام إسحاق فرقص طرباً، فكان والله أحسن رقصاً من كبيش وعبد السلام – وكانا من أرقص الناس – فقال الواثق: لا يكمل أحد أبداً في صناعته كمثل كمال إسحاق.
حدثني الصولي قال حدثني عون بن محمد قال حدثني إسحاق قال: دخلت على عبدالله بن طاهر وهو يلاعب إبراهيم بن وهب بالشطرنج، فغلبه عبدالله، وأومأ إلي بأن أكايده فقلت:

قد ذهبت منك أبا إسحاق

 

مثل ذهاب الشهربالمحاق

فقال لي عبدالله: إن فضائلك يا أبا محمد لتتكاثر عندنا، كما قال الشاعر في إبله:

إذا أتاها طالب يستامهـا

 

تكاثرت في عينه كرامها

أخبرني محمد بن خلف بن المززبان قال ذكر علي بن الحسن بن عبد الأعلى عن إسحاق قال: أنشدتني أم محمد الأعرابية لنفسها هذين البيتين وأنا حاج، فاستحسنتهما، وصنعت فيهما لحناً غنيته الواثق، فاستعاده حتى أخذه، وأمر لي بثلاثين ألف درهم، وهما:

عسى الله ياظمياء أن يعكس الهوى

 

فتلقين ما قد كنت منـك لـقـيت

ثراء فتحتاجي إلي فتـعـلـمـي

 

بأن به أجـزيك حـين غـنـيت

حدثني عمي قال حدثني عبدالله بن أبي سعد قال حدثني محمد بن مروان قال قال لي يحيى بن معاذ: كان إسحاق الموصلي وإبراهيم بن المهدي إذا خلوا فهما أخوان، وإذا التقيا عند خليفة تكاشحا أقبح تكاشح فاجتمعا يوماً عند المعتصم، فقال لإسحاق: يا إسحاق، أن إبراهيم يثلبك ويغض منك ويقول: إنك تقول: إن مخارقاً لا يحسن شيئاً ويتضاحك منك، فقال إسحاق: لم أقل يا أمير المؤمنين: إن مخارقاً لا يحسن شيئاً، وكيف أقول ذلك وهو تلميذ أبي وتخريجه وتخريجي، ولكن قلت: إن مخارقاً يملك من صوته ما لا يملكه أحد، فيتزايد فيه تزايداً لا يبقي عليه ويتغير في كل حال، فهو أحلى الناس مسموعاً وأقله نفعاً لمن يأخذ عنه، لقلة ثباته على شيء واحد. ولكني أفعل الساعة فعلاً إن زعم إبراهيم أنه يحسنه فلست أحسن شيئاً، وإلا فلا ينبغي له أن يدعي ما ليس يحسنه. ثم أخذ عوداً فشوش أوتاره، ثم قال لإبراهيم: غن على هذا أو يغني غيرك وتضرب عليه، فقال المعتصم: يا إبراهيم، قد سمعت، فما عندك. قال: ليفعله هو إن كان صادقاً، فقال له إسحاق: غن حتى أضرب عليك فأبى، فقال لزرزور: غن فغنى وإسحاق يضرب عليه حتى فرغ من الصوت ما علم أحد أن العود مشوش. ثم قال: هاتوا عوداً آخر فشوشه وجعل كل وتر منه في الشدة واللين على مقدار العود المشوش الأول حتى استوفى، ثم قال لزرزور: خذ أحدهما فأخذه، ثم قال: انظر إلى يدي واعمل كما أعمل واضرب ففعل، وجعل إسحاق يغني ويضرب وزرزور ينظر إليه ويفعل كما يفعل، فما ظن أحد أن في العودين، شيئاً من الفساد لصحة نغمهما جميعاً إلى أن فرغ من الصوت. ثم قال لإبراهيم: خذ الآن أحد العودين، فاضرب به مبدأ أو عمود طريقة أو كيف شئت إن كنت تحسن شيئاً، فلم يفعل وانكسر انكساراً شديداً، فقال له المعتصم: أرأيت مثل هذا قط؟ فال: لا، والله ما رأيت ولا ظننت أن مثله يكون.

حدثني أبو عبدالله محمد بن العباس اليزيدي قال حدثني عمي الفضل قال: دعاني إسحاق يوماً، فمضيت إليه وعنده الزبير بن دحمان وعلويه وحسين بن الضحاك، فمر لنا أحسن يوم، فالتفت إلى إسحاق ثم قال: يومنا هذا والله يا أبا العباس كما قال الشاعر:

أنت والله من الأي

 

ام لدن الطرفـين

كلما قلبـت عـي

 

ني ففي قرة عين

أخبرني محمد بن مزيد قال حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه قال: دخلت يوماً على الواثق فقال لي: يا إسحاق، إني أصبحت اليوم قرماً إلى غنائك فغنني، فغنيته:

من الظباء ظباء همها الـسـخـب

 

ترعى القلوب وفي قلبي لها عشب

لايغـتـربـن ولايسـكـن بـادية

 

وليس يدرين ماضرع ولاحـلـب

إذا يد سرقت فالقطع يلـزمـهـا

 

والقطع في سرق بالعين لايجـب

قال: فشرب عليه بقية يومه وبعض ليلته، وخلع علي خلعة من يابه.
أخبرني محمد بن مزيد قال حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه قال: خرجت مع الواثق إلى الصالحية وهو يريد النزهة، فذكرت بغداد وعيالي وأهلي وولدي بها فبكيت، فقال لي: بحياتي أذكرت بغداد فبكيت شوقاً إليها. فقلت: نعم، وغنيته:

وما زلت أبكي في الديار وإنـمـا

 

بكائي على الأحباب ليس على الدار

قال: فأمر لي بمائة ألف درهم وصرفني.
وأخبرني محمد بن مزيد بهذا الخبر عن حماد بن إسحاق عن أبيه، وحدثني به علي بن هارون عن عمه عن حماد عن أبيه وخبره أتم، قال: ما وصلني أحد من الخلفاء قط بمثل ما وصلني به الواثق. ولقد انحدرت معه إلى النجف، فقلت له: يا أمير المؤمنين، قد قلت في النجف قصيدة، فقال: هاتها، فأنشدته:

ياراكب العيس لاتعجل بنا وقف

 

نحي داراً لسعدى ثم ننصرف

حتى أتيت على قولي:

لم ينزل الناس في سهل ولا جبـل

 

أصفى هواءً ولا أعذى من النجف

حفت ببر وبحرمن جـوانـبـهـا

 

فالبر في طرف والبحر في طرف

وما يزال نـسـيم مـن يمـانـية

 

يأتيك منهـا بـريا روضة أنـف

فقال: صدقت يا إسحاق، هي كذلك. ثم أنشدته حتى أتيت على قولي في مدحه:

لا يحسب الجود يفني مـالـه أبـداً

 

ولا يرى بذل ما يحوي من السرف

ومضيت فيها حتى أتممتها، فطرب وقال: أحسنت والله يا أبا محمد، وكناني يومئذ، وأمر لي بمائة ألف لدرهم وانحدر إلى الصالحية التي يقول فيها أبو نواس: بالصالحية من كناف كلواذ.
فذكرت الصبيان وبغداد فقلت:

أتبكي على بغـداد وهـي قـريبة

 

فكيف إذا ما ازددت منها غداً بعدا

لعمرك مافارقت بغداد عن قـلـى

 

لو أنا وجدناعن فراق لـهـا بـدا

إذا ذكرت بغداد نفسي تقطـعـت

 

من الشوق أوكادت تموت بها وجدا

كفى حزنا أن رحت لم أستطع لها

 

وداعاً ولم أحدث بساكنها عـهـدا

قال: فقال لي: يا موصلي، أشتقت إلى بغداد. فقلت: لا والله يا أمير المؤمنين، ولكن من أجل الصبيان، وقد حضرني بيتان، فقال: هاتهما، فأنشدته:

حننت إلى الأصيبية الصغار

 

وشاقك منهم قرب المزار

وأبرح ما يكون الشوق يوماً

 

إذا دنت الديار من الـديار

فقال لي: يا إسحاق، صر إلى بغداد فأقم مع عيالك شهراً ثم صر إلينا، وقد أمرت لك بمائة ألف درهم.
أخبرنا يحيى بن علي قال أخبرني أبي قال: لما صنع الواثق لحنه في:

أيا منشر الموتى أقذني من الـتـي

 

بها نهلت نفسي سقامـاً وعـلـت

لقد بخلت حتى لو أني سـألـتـهـا

 

قذى العين من سافي التراب لضنت

أعجب به إعجاباً شديداً، فوجه بالشعر إلى إسحاق الموصلي وأمره أن يغني فيه، فصنع فيه لحنه الثقيل الأول، وهو من أحسن صنعة إسحاق، فلما سمعه الواثق عجب منه وصغر لحنه في عينه، وقال: ما كان أغنانا أن نأمر إسحاق بالصنعة في هذا الشعر، لأنه قد أفسد علينا لحننا. قال علي بن يحيى قال إسحاق: ما كان يحضر مجلس الواثق أعلم منه بهذا الشأن.

أيا متشر الموتى أقدني من الـتـي

 

بها نهلت نفسي سقامـاً وعـلـت

لقد بخلت حتى لو أني سـألـتـهـا

 

قذى العين من سافي التراب لضنت

الشعر لأعرابي، والغناء للواثق ثاني ثقيل في مجرى البنصر. وفيه لمخارق رمل، ولعريب رمل. ومن الناس من ينسب هذا الشعر إلى كثير، وهو خطأ من قائله.
أنشدني هذه الأبيات عمي قال: أنشدني هارون بن علي بن يحيى، وأنشدنيها علي بن هارون عن أبيه عن جده عن إسحاق أنه أنشده لأعرابي فقال:

ألا قاتل اللـه الـحـمـامة غـدوةً

 

على الغصن ماذا هيجت حين غنت

تغنت بصوت أعجمي فـهـيجـت

 

من الشوق ما كانت ضلوعي أجنت

غنى في هذين البيتين عمرو بن بانة ثاني ثقيل بالوسطى.

فلو قطرت عين امرىء من صبـابة

 

دماً قطرت عيني دمـاً فـألـمـت

فما سكتت حتى أويت لـصـوتـهـا

 

وقلت ترى هذي الحمـامة جـنـت

ولي زفرات لو يدمن قـتـلـنـنـي

 

بشوق إلى نأي التـي قـد تـولـت

إذا قلت هذي زفرة اليوم قد مضـت

 

فمن لي بأخرى في غد قد أظـلـت

فيا محيي الموتى أقدني من الـتـي

 

بها نهلت نفسي سقـامـاً وعـلـت

لقد بخلت حتى لو أني سـألـتـهـا

 

قذى العين من سافي التراب لضنت

فقلت ارحلا يا صاحبي فـلـيتـنـي

 

أرى كل نفسى أعطيت ما تمـنـت

حلفت لهـا بـالـلـه مـا أم واحـد

 

إذا ذكرتـه آخـرالـلـيل حـنـت

وما وجد أعرابـية قـذفـت بـهـا

 

صروف النوى من حيث لم تك ظنت

إذا ذكرت ماء العـضـاه وطـيبـه

 

وبرد الحمى من بطن خبت أرنـت

بأكثر منـي لـوعةً غـير أنـنـي

 

أجمجم أحشائي على مـا أجـنـت

وأما لحن إسحاق فإنه غنى في:

لقد بخلت حتى لو أني سألتها

وأضاف إليه شيئاً آخر وليس من ذلك الشعر، وهو:

فإن بخلت فالبخل منها سجـية

 

وإن بذلت أعطت قليلاً وأكدت

قال: ولحنه ثقيل أول بالسبابة في مجرى الوسطى.

أخبرني الحسن بن علي ومحمد بن يحيى الصولي قال حدثنا يزيد بن محمد المهلبي، وحدثني به عمي عن أبي جعفر بن دهقانة النديم عن أبيه قال: كان الواثق إذا صنع صوتاً قال لإسحاق: هذا وقع إلينا البارحة فاسمعه، فكان ربما أصلح فيه الشيء بعد الشيء. فكاده مخارق عنده وقال له: إنما يستجيد صنعتك إذا حضر ليقاربك ويستخرج ما عندك، فإذا فارق حضرتك قال في صنعتك غير ما تسمع، قال الواثق: فأنا أحب أن أقف على ذلك، فقال له مخارق: فأنا أغنيه، أيا منشر الموتى، فإنه لم يعلم أنه لك ولا سمعه من أحد، قال: فافعل. فلما دخل إسحاق غناه مخارق وتعمد لأن يفسده بجهده، وفعل ذلك في مواضع خفية لم يعلمها الواثق من قسمته، فلما غناه قال له الواثق: كيف ترى هذا الصوت. قال له: فاسد غير مرضي، فأمر به فسحب من المجلس حتى أخرج عنه، وأمر بنفيه إلى بغداد. ثم جرى ذكره يوماً. فقالت له فريدة: يا أمير المؤمنين، إنما كاده مخارق فأفسد عليه الصوت من حيث أوهمك أنه زاد فيه بحذقه نغماً وجودةً، وإسحاق يأخذ نفسه بقول الحق في كل شيء ساءه أو سره، ويفهم من غامض علل الصنعة ما لا يفهمه غيره، فليحضره أمير المؤمنين ويحلفه بغليظ الأيمان أن يصدقه عما يسمع، وأغنيه إياه حتى يقف على حقيقة الصوت، فإن كان فاسداً فصدق عنه لم يكن عليه عتب، ووافقناه عليه حتى يستوي، فليس يجوز أن نتركه فاسداً إذا كان فيه فساد، وإن كان صحيحاً قال فيه ما عنده، فأمر بالكتاب بحمله فحمل وأحضر، فأظهر الرضا عنه ولزمه أياماً، ثم أحلفه ليصدقن عما يمر في مجلسه فحلف له. ثم غنى الواثق أصواتاً يسأله عنها أجمع فيخبر فيها بما عنده، ثم غنته فريدة هذا الصوت وسأله الواثق عنه، فرضيه واستجاده، وقال له: ليس على هذا سمعته في المرة الأولى، وأبان عن المواضع الفاسدة وأخبر بإفساد مخارق إياها، فسكن غضبه ووصل إسحاق وتنكر لمخارق مدة.
أخبرنا يحيى بن علي قال حدثنا أبو أيوب المديني قال حدثنا محمد بن عبد الله بن مالك قال حدثني إسحاق الموصلي: أنه دخل على إسحاق بن إبراهيم الطاهري، وقد كان تكلم له في حاجة فقضيت، فقال له: أعطاك الله أيها الأمير ما لم تحط به أمنية ولا تبلغه رغبة. قال: فاشتهى هذا الكلام واستعاده مني فأعدته. ثم مكثنا ما شاء الله، وأرسل الواثق إلى محمد بن إبراهيم يأمره بإخراجي إليه في الصوت الذي أمرني به بأن أغني فيه، وهو:

لقد بخلت حتى لوأني سألتها

فغنيته إياه، فأمر لي بمائة ألف درهم. فخرجت وأقمت ما شاء الله ليس أحد من مغنيهم يقدر أن يأخذ هذا الغناء مني. فلما طال مقامي قلت له: يا أمير المؤمنين، ليس أحد من هؤلاء المغنين يقدر أن يأخذ هذا الصوت مني، فقال لي: ولم. ويحك. فقلت: لأني لا أصححه ولا تسخو نفسي به لهم، فما فعلت الجارية التي أخذتها مني. يعني شجاً، وهي التي كان أهداها إلى الواثق وعمل مجرد أغانيها وجنسه ونسبه إلى شعرائه ومغنيه، وهو الذي قي أيدي الناس إلى اليوم، فقال: وكيف. قال: لأنها تأخذه مني ويأخذونه هم منها، فأمر بها فأخرجت وأخذته على المكان، فأمر لي بمائة ألف درهم وأذن لي في الانصراف، وكان إسحاق بن إبراهيم الطاهري حاضراً، فقلت للواثق عند وداعي له: أعطاك الله يا أمير المؤمنين ما لم تحط به أمنية ولم تبلغه رغبة، فالتفت إلي إسحاق بن إبراهيم فقال لي: أي إسحاق أتعيد الدعاء، فقلت: إي والله أعيده قاض أنا أو مغن. وقدمت بغداد، فلما وافى إسحاق جئته مسلماً عليه، فقال لي: ويحك يا إسحاق أتدري ما قال أمير المؤمنين بعد خروجك من عنده. قلت: لا أيها الأميرة قال قال لي: ويحك. كنا أغنىالناس عن أن نبعث إسحاق على لحننا حتى أفسده علينا. قال علي بن يحيى: فحدثني إسحاق قال: استأذنت ال