أخبار إبراهيم بن المدبر

أخبار إبراهيم بن المدبر

نشأته أبو إسحاق بن المدبر شاعر كاتب متقدم من وجوه كتاب أهل العراق ومتقدميهم وذوي الجاه والمتصرفين في كبار الأعمال ومذكور الولايات، وكان المتوكل يقدمه ويؤثره، ويفضله، وكانت بينه وبين عريب حال مشهورة، كان يهواها، وتهواه، ولهما في ذلك أخبار كثيرة، قد ذكرت بعضها في أخبار عريب، وأذكر باقيها هاهنا.

بين يدي المتوكل أخبرني أحمد بن جعفر جحظة قال: حدثني إبراهيم بن المدبر قال: مرض المتوكل مرضة خيف عليه منها ثم عوفي، وأذن للناس في الوصول إليه، فدخلوا على طبقاتهم كافة ودخلت معهم، فلما رآني استدناني، حتى قمت وراء الفتح، ونظر إلي مستنطقاً فأنشدته:

يوم أتـانـا بـالـسـرور

 

فالحمد لـلـه الـكـبـير

أخصلـت فـيه شـكـره

 

ووفيت فيه بـالـنـذور

لما اعتللت تـصـدعـت

 

شعب القلوب من الصدور

من بين ملتهـب الـفـؤا

 

د وبين مكتئب الضمـير

يا عدتي للـدين والـدنـي

 

ا وللخطب الـخـطـير

كانت جفـونـي ثـرة ال

 

آماق بالدمـع الـغـزير

لو لم أمت جزعـاً لـعـم

 

رك إنني عين الصبـور

يومي هنالك كالـسـنـي

 

ن وساعتي مثل الشهـور

يا جعفر المتـوكـل ال

 

عالي على البدر المنـير

اليوم عاد الـدين غـض

 

العود ذا ورق نـضـير

واليوم أصبحت الـخـلا

 

فة وهي أرسى من ثبير

قد حالفتـك وعـاقـدت

 

ك على مطاولة الدهور

يا رحمة للـعـالـمـي

 

ن ويا ضياء المستـنـير

يا حـجة الـلـه الـتـي

 

ظهرت له بهدى ونـور

لله أنـت فـمـا نـشـا

 

هد منك من كرم وخير

حتى نقول ومـن بـقـر

 

بك من ولي أو نصـير

البدر ينـطـق بـينـنـا

 

أم جعفر فوق السـرير!

فإذا تواترت الـعـظـا

 

ئم كنت منقطع النظـير

وإذا تعذرت الـعـطـا

 

يا كنت فياض البحـور

تمضي الصواب بلا وزي

 

ر أو ظهير أو مـشـير

فقال المتوكل للفتح: إن إبراهيم لينطق عن نية خالصة، وود محض، وما قضينا حقه، فتقدم بأن يحمل إليه الساعة خمسون ألف درهم، وتقدم إلى عبيد الله بن يحيى بأن يولييه عملاً سرياً ينتفع به.

المتوكل ينتقض عليه ويودعه السجن حدثني عمي قال: حدثني محمد بن داود بن الجراح قال: كان أحمد بن المدبر ولي لعبيد الله بن يحيى بن خاقان عملاً، فلم يحمد أثره فيه، وعمل على أن ينكبه. وبلغ أحمد ذلك فهرب، وكان عبيد الله منحرفاً عن إبراهيم، شديد النفاسة عليه برأي المتوكل فيه، فأغراه به، وعرفه خبر أخيه، وأدعى عليه مالاً جليلا، وذكر أنه عند إبراهيم أخيه، وأوغر صدره عليه حتى أذن له في حبسه، فقال وهو محبوس:

تسلي ليس طول الحبس عاراً

 

وفيه لنا من اللـه اخـتـيار

فلولا الحبس ما بلي اصطبار

 

ولولا الليل ما عرف النهار

وما الأيام إلا مـعـقـبـات

 

ولا السلطان إلا مستـعـار

وعن قد حربست فلا نقيض

 

وفيما قدر اللـه الـخـيار

سيفرج ما ترين إلى قـلـيل

 

مقدره وإن طـال الإسـار

وإبراهيم في حبسه أشعار كثيرة حسان مختارة، منها قوله في قصيدة أولها:

أدموعها أم لؤلؤ متناثـر

 

يندى به ورد جني ناضر

يقول فيها:

لا تؤيسنـك مـن كـريم نـوبة

 

فالسيف ينبو وهو عضب باتـر

هذا الزمان تسومـنـي أيامـه

 

خسفا وهأنذا علـيه صـابـر

إن طال لايلي في الأسار فطالما

 

أفنيت دهراً ليله متـقـاصـر

والحبس يحجبني وفي أكنـافـه

 

مني على الضراء ليث خـادر

عجباً له كيف التقـت أبـوابـه

 

والجود فيه والغمام البـاكـر؟

هلا تقطع أو تصدع أو وهـى

 

فعذرته؛ لكنـه بـي فـاخـر

ومنها قوله في قصيدة أولها:

ألا طرقت سلمى لدى وقعة السـاري

 

فريداً وحيداً موثـقـاً نـازح الـدار

هو الحبس ما فيه علي غـضـاضة

 

وهل كان في حبس الخليفة من عار!

يقول فيها:

ألست ترين الخمر يظهر حسنـهـا

 

وبهجتها بالحبس في الطين والقار!

وما أنا إلا كـالـجـواد يصـونـه

 

مقومه للسبق في طي مضـمـار

أو الدرة الزهراء في قعـر لـجة

 

فلا تجتلى إلا بهـول وأخـطـار

وهل هو إلا منزل مثل منـزلـي

 

وبيت ودار مثل بيتـي أو داري؟

فلا تنكري طول المدى وأذى العدى

 

فإن نهايات الأمـور لإقـصـار

لعل وراء الغيب أمـراً يسـرنـا

 

يقدره في علمه الخالق الـبـاري

وإني لأرجو أن أصول بجعـفـر

 

فأهضم أعدائي وأدرك بـالـثـار

يثني على من خلصه من سجنه فأخبرني عمي عن محمد بن داود: أن حبسه طال، فلم يكن لأحد في خلاصه منه حيلة مع عضل عبيد الله وقصده إياه، حتى تخلصه محمد بن عبد الله بن طاهر، وجود المسألة في أمره، ولم يلتفت إلى عبيد الله، وبذل أن يحتمل في ماله كل ما يطالب به، فأعفاه المتوكل من ذلك، ووهبه له، وكان إبراهيم استغاث به ومدحه، فقال:

دعوتك من كرب فلبيت دعوتـي

 

ولم تعترضني إذ دعوت المعاذر

إليك وقد حلئت أوردت هـمـتـي

 

وقد أعجزتني عن همومي المصادر

نمي بك عبد الله في العز والـعـلا

 

وحاز لك المجد المؤثـل طـاهـر

فأنتم بنو الدنـيا وأمـلاك جـوهـا

 

وساستها والأعظمـون الأكـابـر

مآثر كانت للحسـين ومـصـعـب

 

وطلحة لا تحوي مداها المفـاخـر

إذا بذلوا قيل الغـيوث الـبـواكـر

 

وإن غضبوا قيل الليوث الهواصـر

تطيعكم يوم الـلـقـاء الـبـواتـر

 

وتزهو بكم يوم المقام المـنـابـر

وما لكم غير الأسـرة مـجـلـس

 

ولا لكم غير السيوف مـخـاصـر

ولي حاجة إن شئت أحرزت مجدها

 

وسـرك مـنـهـا أول ثـم آخـر

كلام أمير المؤمنـين وعـطـفـه

 

فمالي بعد اللـه غـيرك نـاصـر

وإن ساعد المقدور فالنجـح واقـع

 

وإلا فإني مخلص الـود شـاكـر

عريب تكاتبه وتشفع له حدثني جعفر بن قدامة قال: كتبت عريب من سر من رأى إلى إبراهيم بن المدبر كتاباً تتشوقه فيه، وتخبره باستيحاشها له، واهتمامها بأمره، وأنها قد سألت الخليفة في أمره، فوعدها بما تحب، فأجابها عن كتابها، وكتب في آخر الكتاب:

لعمرك ما صوت بديع لمعـبـد

 

بأحسن عندي من كتاب عـريب

تأملت في أثنائه خـط كـاتـب

 

ورقة مشتاق ولفـظ خـطـيب

وراجعني من وصلها ما استرقني

 

وزهدني في وصل كل حبـيب

فصرت لها عبداً مقراً بملكـهـا

 

ومستمسكاً من ودها بنـصـيب

يحب نبتا وتحب هي مظفرا أخبرني جعفر بن قدامة قال: كان علي بن يحيى المنجم وإبراهيم بن المدبر مجتمعين في منزل بعض الوجوه بسر من رأى على حال أنس، وكانت تغنيهم جارية يقال لها نبت جارية البكرية المغنية من جواري القيان، فأقبل عليها إبراهيم بن المدبر بنظره ومزحه وتجميشه، وهي مقبلة على فتى كان أمرد من أولاد الموالي يقال له مظفر، كانت تهواه، وكان أحسن الناس وجهاً، ولم يزل ذلك دأبهم إلى أن افترقوا، فكتب إليه علي بن يحيى يقول:

لقد فتنت نبت فتى الظرف والندى

 

بمقلة ريم فاتر الطـرف أحـور

وشدو يروق السامعين ويمـلأ ال

 

قلوب سروراً مونق مـتـخـير

فأصبح في فخ الهوى متقنـصـاً

 

عزيز على إخوانه ابن المـدبـر

ولم تدر ما يلقى بها ولـو أنـهـا

 

درت روحت من حره المتسعـر

وذاك بها صب ونـبـت خـلـية

 

ومشغولة عنه بوجه مـظـفـر

ولو أنصفت نبت لما عدلـت بـه

 

سواه وحازت حسن مرأى ومخبر

فكتب إليه إبراهيم بن المدبر:

طربت إلى قطربـل وبـلـشـكـر

 

وراجعت غيا ليس عني يمـقـصـر

وذكرني شـعـر أتـانـي مـونـق

 

حبائب قلبي فـي أوائل أعـصـري

فنهنهت نفسير عن تذكر ما مـضـى

 

وقلت: أفيقـي لات حـين تـذكـر

أبا حسن ما كنت تعرف بـالـخـنـا

 

ولا بعلو في المـكـان الـمـؤخـر

ومازلت محمود الشمائل مرتضى الخ

 

لائق معروفا بـعـرف ومـنـكـر

أترمي بنبت من جـفـاهـا تـخـيراً

 

وباعدهـا عـنـه بـرأي مـوقـر؟

ودافعها عن سرها وهي تشـتـكـي

 

إليه تباريح الهـوى الـمـسـتـقـر

ولو كان تبـاعـاً دواعـي نـفـسـه

 

إذاً لقضى أوطاره ابـن الـمـدبـر

على أنه لو حصحص الحق باعـهـا

 

ولو كان مشغوفا بهـا بـمـظـفـر

بلؤلؤة زهـراء يشـرق ضـوءهـا

 

وغرة وجه كالصباح الـمـشـهـر

إلى الـلـه أشـكـو أن هـذا وهـذه

 

غزالا كـثـيب ذي أقـاح مـنـور

وأنت فقد طالبتـهـا فـوجـدتـهـا

 

لها خلـق لا يرغـوي ذو تـوعـر

وحاولت منها سلوة عـن مـظـفـر

 

فما لان منها العطف عند الـتـخـير

نصحتك عـن ود ولـم أك جـاهـداً

 

فإن شئت فاقبل قول ذي النصح أو ذر

فكتب إليه علي بن يحيى المنجم:

لعمري لقد أحسنت يا بن المـدبـر

 

ومازلت في الإحسان عين المشهر

ظرفت ومن يجمع من العلم مثل ما

 

جمعت أبا إسحاق يظرف ويشهر

ولإبراهيم في نبت هذه أشعار كثيرة منها قوله:

نبت إذا سكتت كان السكوت لها

 

زينا وإن نطقت فالدر ينتشـر

وإنما أقصدت قلبي يمقلتـهـا

 

ما كان سهم ولا قوس ولا وتر

وقوله:

يا نبت يا نبت قد هام الفؤاد بكم

 

وأنت والله أحلى الخلق أنسانـا

ألا صليني فإني قد شغفت بكـم

 

إن شئت سراً وإن أحببت إعلانا

خاتما عريب أخبرني جعفر بن قدامة قال: كان في إصبع إبراهيم بن المدبر خاتمان وهبتهما له عريب، وكانا مشهورين لها، فاجتمع مع أبي العبيس بن حمدون في اليوم التاسع والعشرين من شعبان على شرب، فلما سكرا اتفقا على أن يصير إبراهيم إلى أبي العبيس، ويقيم عنده من غد إن لم ير الهلال، وأخذ الخاتمين منه رهناً. ورئي الهلال في تلك الليلة، وأصبح الناس صياماً، فكتب إبراهيم إلى أبي العبيس يطالبه بالخاتمين، فدافعه، وعبث به، فكتب إليه من غد:

كيف أصبحت يا جعلت فداكا

 

إنني أشتكي إليك جـفـاكـا

قد تمادى بك الجفاء وما كـن

 

ت حقيقا ولا حـريا بـذاكـا

كن شبيهاً بمن مضى جعل الل

 

ه لك العمر دائماً ورعـاكـا

إن شهر الصيام شهر فكـاك

 

أنت فيه ونحن نرجو الفكاكا

فاردد الخاتمين رداً جـمـيلا

 

قد تنعمت فيهما ما كفـاكـا

يا أبا عبد الـلـه دعـوة داع

 

يرتجي نجح أمره إذ دعاكـا

يعني أبا عبد الله بن حمدون والد أبي العبيس المخاطب بهذا الشعر

خاتماي اللذان عند أبي العـب

 

اس قد شارفا لديه الهلاكـا

وهو حر وقد حكـاك كـمـا

 

أنك قد المكرمات تحكي أباكا

فبعث بالخاتمين إليه.

عريب تزوره؛ وتستزير أبا العبيس وأخبرني جعفر قال: زارت عريب إبراهيم بن المدبر وهو في داره على الشاطئ في المطيرة واقترحت عليه حضور أبي العبيس فكتب إليه إبراهيم:

قل لابـــن حـــمـــــدون ذاك الأريب

 

وذاك الـظـريف وذاك الــحـــســـيب

كتـابـي إلـيك بـشــكـــوى عـــريب

 

لوجـد شــديد وشـــوق عـــجـــب

وشـوقـي إلـيك كـشـوق الـــغـــريب

 

إلـى أرضـه بـعـد طـول الـمـغـــيب

ويومـي إن أنـت تـــمـــمـــتـــه

 

بقـربـك ذو كـل حــســـن وطـــيب

حبـانـي الـزمـان كـمـا أشـتــهـــي

 

بقـرب الـحـبـيب وبـعـد الــرقـــيب

فمـازلـت أشــرب مـــن كـــفـــه

 

وأسـقـيه سـقـي الـلــطـــيف الأديب

إلى أن بدا لي وجه الصباح

 

كوجـهـك ذاك الـعـجـيب الــغـــريب

فلا تـخـلـنـا يا نـظــام الـــســـرو

 

ر مـنـك فـأنـت شـفـاء الـكــثـــئي

وغـن لـنـا هـزجـا مـمــســـكـــاً

 

تخـف لـه حـركـات الـــلـــبـــيب

فإنـك قـد حـزت حـسـن الـغـــنـــاء

 

وقـد فـزت مـنـه بـأوفـى نـصـــيب

وكـن بـأبـي أنـت رجـع الـــجـــواب

 

فداؤك أنـفـسـنـا مـــن مـــجـــيب

يعجبه اللحن فيكمله أخبرني جعفر قال: غنى أبو العبيس بن حمدون يوما عند إبراهيم: صوت

إني سألتك بـالـذي

 

أدنى إليك من الوريد

إلا وصلت حبالـنـا

 

وكفيتنا شر الوعـيد

فزاد فيه إبراهيم قوله:

الهجر لا مسـتـحـسـن

 

بعد المواثق والـعـهـود

وأراك مـغـراة بـــه

 

أفما غرضت من الصدود؟

إنـي أجـدد لـذتـــي

 

ما لاح لـي يوم جــديد

شربى معـتـقة الـكـرو

 

م ونزهتي ورد الـخـدود

فغنى هذه الأبيات أبو العبيس متصلة باللحن الأول في البيتين وصار الجميع صوتاً واحداً إلى الآن، والأبيات الأخيرة لإبراهيم بن المدبر والأولان ليسا له.

نسبة هذا الصوت الغناء في البيتين الأولين خفيف ثقيل مزموم لأبي العبيس، وفيهما لبنان خفيف ثقيل آخر مطلق وفيهما لعريب ثاني ثقيل بالوسطى.

يكمل لحناً آخر قال جعفر: وغنته يوما كراعة بسر من رأى ونحن حضور عنده.

يا معشر الناس أما مسلـم

 

يشفع عند المذنب العاتب؟

ذاك الذي يهرب من وصلنا

 

تعلقوا بالله بـالـهـارب

فزاد فيهما قوله:

ملكته حبلـى ولـكـنـه

 

ألقاه من زهد على غاربي

وقال إني في الهوى كاذب

 

فانتقم الله مـن الـكـاذب

عود إلى حبس المتوكل له حدثني عمي، قال: حدثني محمد بن داود قال: كتب إبراهيم بن المدبر إلى أبي عبد الله بن حمدون في أيام نكبته يسأله إذكار المتوكل والفتح بأمره:

كم ترى يبقى على ذا بدنـي

 

قد بلي من طول هم وضني!

أنا في أسر وأسـبـاب ردى

 

وحديد فادح يكـلـمـنـي

يا بن حمدون فتى الجود الذي

 

أنا منه في جنى ورد جنـى

ما الذي ترقبه أم مـا تـرى

 

في أخ مضطهد مرتـهـن!

وأبو عمران موسى حـنـق

 

حاقد يطلبـنـي بـالإحـن

وعبيد اللـه أيضـاً مـثـلـه

 

ونجاح بي مجـد مـاينـي

ليس يشفيه سوى سفك دمـي

 

أو يراني مدرجا في كفنـي

والأمير الفتح إن أذكـرتـه

 

حرمتي قام بأمري وعنـي

فأل صدق حين أدعو باسمـه

 

وسرور حين يعرو حزنـي

قل له: يا حسن ما أوليتـنـي

 

مالما أوليتني مـن ثـمـن

زاد إحسانك عندي عظـمـاً

 

أنه باد لمـن يعـرفـنـي

لست أدري كيف أجزيك بـه

 

غير أني مثقل بـالـمـنـن

ما رأى القوم كذنبي عندهـم

 

عظم ذنبي أننـي لـم أخـن

ذاك فعلي وتراثي عن أبـي

 

واقتدائي بأخي في السـنـن

سنة صـالـحة مـعـروفة

 

هي منا في قديم الـزمـن

ظفر الأعداء بي عن حـيلة

 

ولعل الله أن يظـفـرنـي

ليت أني وهم في مجـلـس

 

يظهر الحق به للـفـطـن

فترى لي ولهـم مـلـحـمة

 

يهلك الخائن فيها والـدنـي

والذي أسأل أن ينصـفـنـي

 

حاكم يقضي يما يلزمـنـي

قل لحمدون خليلـي وابـنـه

 

ولعيسى حركـوه يا بـنـي

يعني يا بني الزانية، فلم يزالوا في أمره حتى خلصوه هل جرب الخمر من فمها؟ حدثني محمد بن يحيى الصولي: قال: كان إبراهيم بن المدبر يحب جارية للمغنية المعروفة بالبكرية بسر من رأى فقال فيها:

غادرت قلبي في إسار لـديك

 

فويلتا منك وويلـي عـلـيك

قد يعلم الله علـى عـرشـه

 

أني أعاني الموت شوقاً إليك

مني بفك الأسر أو فاقتـلـي

 

أيهما أحببت من حسـنـييك

قد كنت لا أعدى على ظالـم

 

فصرت لا أعدي على مقلتيك

الخمر من فيك لـمـن ذاقـه

 

والورد للناظر من وجنتـيك

يا حسرتا إن مت طوع الهوى

 

ولم أنل ما أرتـجـيه لـديك

وأنشدها أبو عبد الله بن حمدون هذه الأبيات، وغنت بها، وجعل يكرر قوله:

الخمر من فيك لمن ذاقه

ويقول: هذا والله قول خبير مجرب، فاستحيت من ذلك، وسبت إبراهيم، فبلغه ذلك، فكتب إلى أبي عبد الله يقول:

ألم يشقك التماع البرق في السـرح؟

 

بلى وهيج من وجـد ومـن ذكـر

مازال دمعي غزير القطر منشجمـاً

 

سحاً بأربعة تجـري مـن الـدرر

وقلت للغـيث لـمـا جـاد وابـلـه

 

وما شجاني من الأحزان والسـهـر

يا عارضا ماطراً أمطر على كبـدي

 

فإنها كبد حـري مـن الـفـكـر

لشد ما نال مني الدهر واعتـلـقـت

 

يد الزمان وأوهت من قوى مـرري

يا واحدي من عباد الـلـه كـلـهـم

 

ويا غناي ويا كـهـفـي ويا وزري

أحين أنشدت شعري في معـذبـتـي

 

أما رثيت لها من شدة الحـصـر؟

وما شفعت بها شعري وقـلـت بـه

 

في ريقها البارد السلسال ذي الخصر

لبئس مستنصحاً في مـثـل ذلـك يا

 

نفسير فداؤك من مستنصـح غـدر

والـيوم يوم كـريم لـيس يكـرمـه

 

إلا كريم من الفـتـيان ذو خـطـر

نشدتك الله فاصبحه بـصـحـبـتـه

 

مباكراً فألذ الشرب فـي الـبـكـر

واجمع نداماك فيه واقتـرح رمـلاً

 

صوتاً تغنيه ذات ادل والـخـفـر

يرتاح للدجن قلبي وهو مقـتـسـم

 

بين الهموم ارتياح الأرض للمطر

يا غادراً يا أحب النـاس كـلـهـم

 

إلي والله من أنثـى ومـن ذكـر

ويا رجائي ويا سؤلـي ويا أمـلـي

 

ويا حياتي ويا سمعي ويا بصـري

ويا مناي ويا نـوري ويا فـرحـي

 

ويا سروري ويا شمسي ويا قمري

لا تقبلي قول حسـادي عـلـي ولا

 

والله ما صدقوا في القول والخبـر

أدالني الله من دهر يضعضعـنـي

 

فقد حجبت عن التسليم والنـظـر

إن يحجبوا عنك في تقديرهم بصري

 

فكيف لم يحجبوا ذكري ولا فكري؟

يا قوم قلبي ضعيف من تذكـرهـا

 

وقلبها فارغ أقسى من الـحـجـر

الـلـه يعـلـم أنـي هـائم دنـف

 

بغادة ليتها حظي مـن الـبـشـر          

مجلس من مجالسه أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان قال: حدثني عبد الله بن محمد المروزي، قال: حدثني الفضل بن العباس ابن المأمون، قال: زارتني عريب يوماً ومعها عدة من جواريها، فوافتنا ونحن على شرابنا، فتحدثت معنا ساعة، وسألتها أن نقيم عندنا، فأبت، وقالت: قد وعدت جماعة من أهل الأدب والظرف أن أصير إليهم، وهم في جزيرة المربد، منهم إبراهيم بن المدبر، وسعيد بن حميد، ويحيى بن عيسى بن منارة، فخلفت عليها، فأقامت. ودعت بدواة وقرطاس وكتبت إليهم سطراً واحداً؛ (بسم الله الرحمن الرحيم) أردت، ولولا، ولعلي.

ووجهت الرقعة إليهم، فلما وصلت قرءوها، وعيوا بجوابها، فأخذها إبراهيم بن المدبر، فكتب تحت أردت “ليت” وتحت لولا “ماذا”؟ وتحت لعلي “أرجو” ووجه بالرقعة إليها، فلما قرأتها طربت ونعرت، وقالت: أنا أترك هؤلاء وأقعد عندكم؟ تركني الله إذاً من يديه، وقامت فمضت وقالت لكم فيمن أتخلفه عندكم من جواري كفاية.

عريب تتدله في حبه عند مكاتبتها له أخبرني محمد بن خلف : قال: حدثني عبد الله بن المعتز، قال: قرأت في مكاتبات لعريب فصلا من جواب أجابت به إبراهيم بن المدبر مكاتبة بديعة بعيادة: قد استبطأت عيادتك – قدمت قبلك – وعذرتك، فما ذكرت عذراً ضعيبفاً لا ينبغي أن يفرح به. فأستديم الله نعمه عندك.

قال وكتبت إليه أيضاً: أستوهب الله حياتك، قرأت رقعتك المسكينة التي كلفتها مسألتك عن أحوالنا، ونحن نرجو من الله أحسن عوائده عندنا وندعوه ببقائك، ونسأله الإجابة فلا تعود نفسك – جعلني الله فداءها – هذا الجفاء، والثقة مني بالاحتمال وسرعة الرجوع.

وكتب ت إليه وقد بلغتها صومه يوم عاشوراء: قبل الله صومك وتلقاه بتبليغك ما التمست، كيف ترى نفسك؟ – نفسي فداؤك – ولم كدرت جسمك في آب، أخرجه الله عنك في عافية، فإنه فظ غليظ وأنت محرور، وإطعام عشرة مساكين أعظم لأجرك، ولو علمت لصمت لصومك مساعدة لك وكان الثواب في حسناتك دوني، لأن نيتي في الصوم كاذبة.
أخبرني جعفر بن قدامة قال: اتصلت لعريب أشغال دائمة في أيام تركوا رسي، وخدمتها فيما هنالك. فلم يرها إبراهيم بن المدبر مدة، فكتب إليها: صوت

إلى الله أشكو وحشتي وتفجعـي

 

وبعد المدى بيني وبـين عـريب

مضى دونها شهران لم أحل فيهما

 

بعيش ولا من قربها بنـصـيب

فكنت غريباً بين أهلي وجيرتـي

 

ولست إذا أبصرتهـا بـغـريب

وإن حبيبا لم ير الناس مـثـلـه

 

حقيق بأن يفدى بكـل حـبـيب

لعريب في هذه الأبيات خفيف ثقيل من رواية ابن المعتز، وهو من مشهور غنائها.

عود إلى مكاتبتات عريب وقال ابن المعتز في ذكره مكاتبات عريب إلى إبراهيم بن المدبر، وقد كتب إليها يشكو علته: كيف أصبحت أنعم الله صباحك ومبيتك؟ وأرجو أن يكون صالحاً، وإنما أردت إزعاج قلبي فقط.

وكتبت إليه تدعو له في شهر رمضان: أفديك بسمعي وبصري وأهل الله هذا الشهر عليك باليمن والمغفرة، وأعانك على المفترض فيه والمتنفل، وبلغك مثله أعواماً، وفرج عنك وعني فيه.

قال وكتبت إليه: فداؤك السمع والبصر والأم والأب ومن عرفني وعرفته. كيف ترى نفسك وقيتها الأذى؟ وأعمى الله شائنك، ومقه؟ الله عند هذه الدعوة، وأرجو أن تكون قد أجيبت إن شاء الله، وكيف ترى الصوم؟ عرفك الله بركته، وأعانك على طاعته، وأرجو أن تكون سالماً من كل مكروه بحول الله وقوته، وواشوقي إليك وواحشتي لك، ردك الله إلى أحسن ما عودك، ولا أشمت بي فيك عدواً ولا حاسداً. وقد وافاني كتابك لا عدمته إلا بالغنى عنه بك، وذكرت حامله، فوجهت رسولي إليه ليدخله، فأسأله عن خبرك، فوجدته منصرفاً، ولو رأيته لفرشت خدي له، وكان ذلكل أهلاً.

وكتبت إليه وقد عتبت عليه في شيء بلغها عنه: وهب الله لنا بقاءك ممتعاً بالنعم، مازلت أمس في ذكرك، فمرة بمدحك، ومرة بشكرك، ومرة بأكلك وذكرك بما فيك لوناً لوناً. اجحد ذنبك الآن وهات حجج الكتاب ونفاقهم، فأما خبرنا أمس فإما شربنا من فضله نبيذك على تذكارك رطلاً رطلاً، وقد رفعنا حسباننا إليك، فارفع حسبانك إلينا، وخبرنا من زارك أمس وألهاك، وأي شيء كانت القصة على جهتها؟ ولا تخطرف، فتحوجنا إلى كشفك والبحث عنك، وعن حالك، وقل الحق، فمن صدق نجا، وما أحوجك إلى تأديب، فإنك لا تحسن أن تؤدبه، والحق أقول إنه يعتريك كزاز شديد يجوز حد البرد. وكفاك بهذا من قولي عقوبة، وإن عدت سمعت أكثر من هذا، والسلام.

يشمت في الشامت به حدثني عمي قال: حدقني محمد بن داود قال: كان عيسى بن إبراهيم النصراني المكنى أبا الخير كاتب سعيد بن صالح يسعى على إبراهيم بن المدبر في أيام نكبته، فلما زالت، ومات سعيد نكب عيسى بن إبراهيم وحبس ونهبت داره فقال فيه إبراهيم بن المدبر:

قل لأبي الشر إن مررت به

 

مقالة عريت من اللـبـس

ألبسك الله مـن قـوارعـه

 

آخذة بالخناق والـنـفـس

لازلت يا بن البظراء مرتهنا

 

في شر حال وضيق محتبس

أقول لما رأيت مـنـزلـه

 

منتهباً خالـياً مـن الأنـس

يا منزلاً قد عفا من الطفـس

 

وساحة أخليت من الدنـس

من لاقتراف الفحشاء بعد أبي الشر ومن للقبيح والنجس؟ تحية إلى أحبابه من الدير أخبرني جعفر بن قدامة قال: ولي إبراهيم بن المدبر بعقب نكبته وزوالها عنه الثغور الجزرية، فكان أكثر مقامه بمنبج، فخرج في بعض أيام ولايته إلى نواحي دلوك ورعبان، وخلف بمنبج جارية كان يتحظاها مغنية يقال لها غادر، فحدثني بعض كتابه أنه كان معه بدلوك، وهخو على جبل من جبالها، فيه دير يعرف بدير سليمان من أحسن بلاد الله وأنزهها، فنزل عليه ودعا بطعام خفيف فأكل وشرب، ثم دعا بدواة وقرطاس فكتب:

أيا ساقيينا وسـط دير سـلـيمـان

 

أديرا الكئوس فانهلاني وعـلانـي

وخصا بصافيها أبا جعـفـر أخـي

 

وذا ثقتي بين الأنام وخلـصـانـي

وميلا بها نحو ابـن سـلام الـذي

 

أود وعودا بعد ذاك لـنـعـمـان

وعما بها الندمان والصحب إنـنـي

 

تنكرت عيشي بعد صحبي وإخواني

ترحلت عنه عن صدود وهـجـرة

 

وأقبل نحوي وهو باك فأبكـانـي

وفارقته والله يجمـع شـمـلـنـا

 

بلوعة مـحـزون وغـلة حـران

وليلة عين الـمـرج زار خـيالـه

 

فهيج لي شوقا وجدد أشـجـانـي

فأشرفت أعلى الدير أنظر طامحـاً

 

بألمح آمـاق وأنـظـر إنـسـان

لعلي أرى أبـيات مـنـبـج رؤية

 

تسكن من وجدي وتكشف أحزاني

فقصر طرفي واستهل بـعـبـرة

 

وفديت من لو كان يدري لفدانـي

ومثله شوقـي إلـيه مـقـابـلـي

 

وناجاه قلبي بالضمير وناجـانـي

يهدي شعره إلى أخيه قرأت على ظهر دفتر فيه شعر إبراهيم بن المدبر أهداه مجموعا إلى أخيه أحمد، فلما وصل إليه قرأه وكتب عليه بخطه:

أبا إسحاق إن تكن الـلـيالـي

 

عطفن عليك بالخطب الجسـيم

فلم أر صرف هذا الدهر يجري

 

بمكروه على غـير الـكـريم

وفاء عريب له أخبرني جعفر بن قدامة قال: حدثني ميمون بن هارون قال:  اجتمعت مع عريب في مجلس أنس بسر من رأى عند أبي عيسى بن المتوكل، وإبراهيم بن المدبر يومئذ ببغداد، فمر لنا أحسن يوم، وذكرته عريب فتشوقته وأحسنت الثناء عليه والذكر له، فكتبت إليه بذلك من غد، وشرحته له، فأجابني عن كتابي وكتب في آخره:

أتعلم يا ميمون مـاذا تـهـيجـه

 

بذكرك أحبابي وحفظهم العـهـدا

ووصف عريب في كريم وفائهـا

 

وإجمالها ذكرى وإخلاصها الودا؟

عليها سلامي إن تكن دارها نـأت

 

فقد قرب الله الذي بينـنـا جـدا

سقى الله داراً بعدنا جمـعـتـكـم

 

وسكن رب العرش ساكنها الخلدا

وخص أبا عيسى الأمير بنـعـمة

 

وأسعد فيما أرتجيه لـه الـجـدا

فما ثم من مجد وطـول وسـودد

 

ورأى أصيل يصدع الحجر الصلدا

يصلحون بينه وبين عريب حدثني جحظة قال: حدثني عبد الله بن حمدون قال: اجتمعت أنا وإبراهيم بن المدبر وابن منارة والقاسم وابن زرزور في بستان بالمطيرة وفي يوم غيم يهريق رذاذه ويقطر أحسن قطر، ونحن في أطيب عيش وأحسن يوم، فلم نشعر إلا بعريب قد أقبلت من بعيد، فوثب إبراهيم بن المدبر من بيننا، فخرج حافيا، حتى تلقاها وأخذ بركابها، حتى نزلت وقبل الأرض بين يديها، وكانت قد هجرته مدة لشيء أنكرته عليه، فجاءت وجلست وأقبلت عليه مبتسمة، وقالت: إنما جئت إلى من هاهنا لا إليك. فاعتذر وشيعنا قوله، وشفعنا له. فرضيت وأقامت عندنا يومئذ وباتت، واصطبحنا من غد، وأقامت عندنا فقال إبراهيم: صوت

بأبي من حقق الظن بـه

 

فأتانا زائراً مـبـتـديا

كان كالغيث تراخى مدة

 

وأتى بعد قنوط مـرويا

طاب يومان لنا في قربه

 

بعد شهرين لهجر مضيا

فأقر الله عيني وشفـى

 

سقماً كان لجسمي مبليا

لعريب في هذا الشعر لحنان: رمل وهزج بالوسطى.

من شعره في عريب أنشدني الصولي رحمه الله لإبراهيم بن المدبر في عريب:

زعـمـوا أنـــي أحـــب عـــريبـــا

 

صدقـوا والـلـه حـبـاً عـــجـــبـــاً

حل من قلبي هواها محلاً لم تدع فيه لخلق نصيبا

 

 

ليقل من قد رأى الناس قدما:

 

هل رأى مـثـل عــريب عـــريبـــا؟

هي شـمـس والـنـســـاء نـــجـــوم

 

فإذا لاحــت أفـــلـــن غـــيوبـــا

وأنشدني الصولي أيضاً له فيها:

ألا يا عـــريب وقـــيت الـــــــردى

 

وجـنـبـك الـلـه صــرف الـــزمـــن

فإنك أصبحت زين النساء وواحدة الناس في كل فن

 

 

فقربك يدنى لذيذ الحياة

 

وبـعـدك ينـفــي لـــذيذ الـــوســـن

فنـعـم الـجـلـيس ونـــعـــم الأنـــيس

 

ونـعـم الـسـمـير ونـعـم الـســكـــن

وأنشدني أيضاً له:

إن عريبا حلقـت وحـدهـا

 

في كل ما يحسن من امرها

ونعمة للـه فـي خـلـقـه

 

يقصر العالم عن شكرهـا

أشهد في جاريتيها عـلـى

 

أنهما محسنتـا دهـرهـا

فبدعة تبدع فـي شـدوهـا

 

وتحفة تتحف في زمرهـا

يا رب أمتعها بما خـولـت

 

وامدد لنا يا رب في عمرها

أبو شراعة يودعه أخبرنا أبو الفياض سوار بن أبي شراعة القيسي البصري قال: كان إبراهيم بن المدبر يتولى البصرة، وكان محسناً إلى أهل البلد إحسانا يعمهم، ويشتمل على جماعتهم نفعه، ويخصنا من ذلك بأوفر حظ وأجزل نصيب، فلما صرف عن البصرة شيعه أهلها، وتفجعوا لفراقه، وساءهم صرفه، فجعل يرد الناس من تشييعهم على قدر مراتبهم في الأنس به، حتى لم يبق معه إلا أبي، فقال له: يا أبا شراعة، إن المشيع مودع لا محالة، وقد بلغت أقصى الغايات، فبحقي عليك إلا انصرفت، ثم قال: يا غلام احمل إلى أبي شراعة ما أمرتك له به، فأحضر ثياباً وطيباً ومالا، فودعه أبي، ثم قال:

يا أبا إسحـاق سـر فـي دعة

 

وامض مصحوبا فما منك خلف

ليت شعري أي أرض أجدبـت

 

فأغيثت بك من جهد العجف ؟

نزل الرحم مـن الـلـه بـهـم

 

وحرمناك لذنب قـد سـلـف

إنـمـا أنـت ربـيع بـاكـر

 

حيثما صرفه الله انـصـرف

قلبه عند عريب أخبرني علي بن العباس بن طلحة الكاتب قال:  قرأت جوابا بخط إبراهيم بن المدبر في أضعاف رقعة كتبتها إليه عريب، فوجدته قد كتبت تحت فصل من الكتاب تسأله فيه عن خبره.

وساءلتموه بعدكم كـيف حـالـه

 

وذلك أمر بين لـيس يشـكـل

فلا تسألوا عن قلبه فهو عندكـم

 

ولكن عن الجسم المخلف فاسألوا

لا يسر وعريب نازحة أخبرني علي بن العباس قال: حدثني أبي قال: كنت عند إبراهيم بن المدبر، فزارته بدعة وتحفة وأخرجتا إليه رقعة من عريب فقرأناها فإذا فيها:

بنفسي أنت وسمعي وبصري، وقل ذاك لك، أصبح يومنا هذا طيبا، طيب الله عيشك، قد احتجبت سماؤه ورق هواؤه، وتكامل صفاؤه، فكأنه أنت في رقة شمائلك وطيب محضرك ومخبرك، لا فقدت ذلك أبداً منك، ولم يصادف حسنه وطيبه مني نشاطاً ولا طرباً لأمور صدتني عن ذلك، أكره تنغيص ما أشتهيه لك من السرور بنشرها وقد بعثت إليك ببدعة وتحفة ليؤنساك وتسر بهما. سرك الله وسرني بك!

فكتب إليها يقول:

كيف السرور وأنـت نـازحة

 

عني وكيف يسوغ لي الطرب!

إن غبت غاب العيش وانقطعت

 

أسبابه وألـحـت الـكـرب

وأنفذ الجواب إليها، فلم يلبث أن جاءت، فبادر إليها، وتلقاها حافيا حتى جاء بها على حمار مصري كان تحتها إلى صدر مجلسه، يطأ الحمار على بساطه وما عليه، حتى أخذ بركابها، وأنزلها في صدر مجلسه وجلس بين يديها، ثم قال:

ألا رب يوم قصر الله طـولـه

 

بقرب عريب حبذا هو من قرب

بها تحسن الدنيا وينعم عيشـهـا

 

وتجتمع السراء للعين والقلـب

من شعره في جاريتي عريب حدثني علي بن سليمان قال: أنشدني أبي قال: أنشدني إبراهيم بن المدبر، وقد كتب إلى بدعة وتحفة يستدعيهما، فتأخرتا عنه فكتب إليهما:

قل يا رسول لهـذه

 

ولهذه بأبي هـمـا

قد كان وصلكما لنا

 

حسناً ففيم قطعتما؟

أعريب سيدة النسـا

 

ء بهجرنا أمرتكما؟

كلا وبيت الله بـل

 

هذا جفاء منكمـا

صوت له غنته عريب وأنشدني علي بن العباس لإبراهيم بن المدبر، وفيه لعريب هزج، وقال:

ألا يا بأبـي أنـتـم

 

نأت دار بنا عنكـم

فإن كنتم تبـدلـتـم

 

فما من بدل منكـم

وإن كنتم على العهد

 

فأحسنتم وأجملتـم

ويا ليت المنى حقت

 

فنبديها ولا تكـتـم

فكنتم حيثما كـنـا

 

وكنا حيثما كنـتـم

من شعره في سجنه وحدثني علي قال: حدثني أبي قال: دخلت ليلة على إبراهيم بن المدبر في أيام نكبته ببغداد في ليلة غيم، فلاح برق من قطب الشمال ونحن نتحدث، فقطع الحديث، وأمسك ساعة مفكراً، ثم أقبل علي فقال:

بارق شـــراد الـــكــــرى

 

لاح مـن نـحـو مــا تـــرى

هاج لـلـقـلـب شـــجـــوه

 

فاعـتـرى مـنـه مـا اعـتـرى

أيها الشادن الذي صاد قلبي وما درى

 

 

كن عليما بشقوتي

 

فيك مــن بـــين ذا الـــورى

عود إلى جاريتي عريب وحدثني عن أبيه قال: كنت عند إبراهيم بن المدبر فزارته بدعة وتحفة وأقامتا عنده، فأنشدنا يومئذ:

أيها الزائروان حياكمـا الـل

 

ه ومن أنما لـه بـالـسـلام

ما رأينا في الدهر بدرا وشمسا

 

طرقا ثم رجعـا بـالـكـلام

كيف خلفتما عريبا سقاها اللـه

 

رب العباد صوب الغـمـام

هي كالشمس والحسان نجـوم

 

ليس ضوء النهار مثل الظلام

جمعت كل ما تفرق في النـا

 

س وصارت فريدة في الأنام

شعره في سجنه وأنشدني عن أبيه لإبراهيم بن المدبر وهو محبوس:

واني لأستنشي الـشـمـال إذا جـرت

 

حنيناً إلى ألاف قلـبـي وأحـبـابـي

وأهدي مع الريح الجـنـوب إلـيهـم

 

سلامي وشكوى طول حزني وأوصابي

فيا ليت شعري هل عـريب عـلـيمة

 

بذلك أو نـام الأحـبة عـمـا بـي؟

يعاتب صديقه أبا الصقر حدثني عمي، عن محمد بن داود قال: كان إبراهيم بن المدبر صديق أبي الصقر اسمعيل بن بلبل فلم يرض فعله لما نكب ولا نيابته عنه فقال فيه:

لا تطل عذلي عناء

لست أبكي بطن مـر

 

فكـديا فـكـــداء

إنما أبكـي خـلـيلا

 

خان في الود الصفاء

يا أبا الصقر سقاك الل

 

ه تـهـتـانـا رواء

وأدام اللـه نـعـمـا

 

ك وملاك البـقـاء

لم تجاهـلـت ودادي

 

وتناسـيت الإخـاء؟

كنت برا فعـلـى رأ

 

سي تعلمت الجفـاء

لا تميلن مـع الـري

 

ح إذا هبـت رخـاء

ربما هبت عـقـيمـا

 

تترك الدنيا هـبـاء        

حلم يتحقق أخبرني علي بن العباس قال: حدثني أبي قال: كنت عند إبراهيم بن المدبر وزارته عريب. فقال لها: رأيت البارحةف ي النوم أبا العبيس وقد غنى في هذا الشعر وأ،ت تراسلينه فيه:

يا خليلي أرقنا حزنـا

 

لسنا برق تبدى موهنا

وكأني أجزته بهذا البيت وسألتكما أن تضيفاه إلى الأول:

وجلا عن وجه دعد موهنا

 

عجباً منه سناً أبدى سنـا

فقالت: ما أملح والله الابتداء والإجازة! فاجعل ذلك في اليقظة، واكتب إلى أبي العبيس وسله عني وعنك الحضور، فكتب إليه إبراهيم:

يا أبا العباس يا أفـتـى الـورى

 

زارنا طيفك في سكر الكـرى

وتغنى لي صـوتـاً حـسـنـاً

 

في سنا برق على الأفق سرى

وعريب عـنـدنـا حـاصـلة

 

زين من يمشي على وجه الثرى

نحن أضيافك في مـنـزلـنـا

 

نتمناك فـكـن أ،ت الـقـرى

قال: فسار إليهما أبو العبيس، وحدثه إبراهيم برؤياه، فحفظا الشعر، وغنيا فيه بقية يومهما: صوت

ألا حي قبل البين من أنت عاشقه

 

ومن أنت مشتاق إليه وشائقـه

ومن لا تواتى داره غـير فـينة

 

ومن أنت تبكي كل يوم تفارقه

الشعر لقيس بن جروة الطائي الأجئي، قاله في غارة أغارها عمرو بن هند على إبل لطيئ فحرض زرارة بن عدس عمرو بن هند على طيئ وقال له: إنهم يتوعدونك، فغزاهم واتصلت الأحوال إلى أن أوقع عمرو ببني تميم في يوم أوارة وخبر ذلك يذكر هاهنا؛ لتعلق بعض أخباره ببعض.

والغناء لإبراهيم الموصلي ثقيل أول بالوسطى عن الهشامي ومن مجموع غناء إبراهيم.

ذكر الخبر في هذه الغارات والحروب

يوم أوارة نسخت ذلك من كتاب عمر بن محمد بن عبد الملك الزيات بخطه، وذكر أن أحمد بن الهيثم بن فراس أخبره به عن العمري عن هشام بن الكلبي عن أبيه وغيره من أشياخ طيئ. قال: وحدثني محمد بن أبي السري عن هشام بن الكلبي قالوا: كان من حديث يوم أوارة أن عمرو بن المنذر بن ماء السماء – وهو عمرو بن هند يعرف باسم أمه هند بنت الحارث الملك المنصور بن حجر آكل المرار الكندي وهو الذي يقال له مضرط الحجارة – أنه كان عاقد هذا الحي من طيئ على ألا ينازعوا ولا يفاخروا ولا يغزوا، وأن عمرو بن هند غزا اليمامة، فرجع منفضا فمر بطيئ، فقال له زرارة بن عدس بن زيد بن عبد الله بن دارم الحنظلي: أبيت اللعن! أصب من هذا الحي شيئاً، قال له: ويلك! إن لهم عقدا، قال: وإن كان، فلم يزل به حتى اصاب نسوة وأذوادا.

قيس بن جروة يتهدد عمرو بن هند فقال في ذلك الطائي، وهو قيس بن جروة أحد الأجئين قال:

ألا حي قبل البين من أنت عاشقه

 

ومن أنت مشتاق إليه وشاشئقـه

ومن لا تواتى داره غـير فـينة

 

ومن أنت تبكي كل يوم تفارقـه

وتعدو بصحراء الثوية ناقـتـي

 

كعدو النحوص قد أمخت نواهقه

إلى الملك الخير ابن هند تزوره

 

وليس من الفوت الذي هو سابقه

وإن نساء هن مـا قـال قـائل

 

غنيمة سوء بينهن مـهـارقـه

ولو نيل في عهد لنا لحم أرنـب

 

رددنا وهذا العهد أنت معالقـه

فهبك ابن هند لم تعقـك أمـانة

 

وما المرء إلا عقده ومواثـقـه

وكنا إناسا خافضـين بـنـعـمة

 

يسيل بنا تلع المـلا وأبـارقـه

فأقسمت لا أحتل إلا بصـهـوة

 

حرام علي رمله وشـقـائقـه

وأقسم جهدا بالمنازل من مـنـى

 

وما خب في بطائهـن درادقـه

لئن لم تغير ما قد فعلـتـم

 

لأنتحين العظم ذو أنا عارقه

فسمى عارقا بهذا البيت. فبلغ هذا الشعر عمرو بن هند، فقال له زرارة بن عدس: أبيت اللعن، إنه يتوعدك. فقال عمرو بن هند لترملة بن شعاث الطائي – وهو ابن عم عارق: أيهجوني ابن عمك ويتوعدني! قال: والله ما هجاك، ولكنه قد قال:

والله لو كان ابن جفنة جاركم

 

لكسا الوجوه غضاضة وهوانا

وسلاسلا يبرقن في أعناقكـم

 

وإذاً لقطع تلكـم الأقـرانـا

ولكان عادته على جـيرانـه

 

ذهبا وريطا رادعا وجفـانـا

قالوا: الرداع: المصبوغ بالزعفران، وإنما أراد ترملة أن يذهب سخيمته، فقال: والله لأقتلنه. فبلغ ذلك عارقا، فأنشأ يقول:

من مبلغ عمرو بـن هـنـد رسـالة

 

إذا استحقبتها العيس تنضى على البعد

أيوعدني والرمل بـينـي وبـينـه؟

 

تبين رويداً ما أمـامة مـن هـنـد

ومن أجأ دونـي رعـان كـأنـهـا

 

قنابل خيل من كـمـيت ومـن ورد

غدرت بأمر أنت كنت اجتـذبـتـنـا

 

عليه وشر الشيمة الغدر بالـعـهـد

فقد يترك الغدر الفتى وطـعـامـه

 

إذا هو أمسى حلبة من دم الفـصـد

عمرو يغزو طيئاً ويشفع غانما فيهم فبلغ عمرو بن هند شعره هذا، فغزا طيئاً، فأسر أسى من طيء من بني عدي بن أخزم – وهم رهط حاتم بن عبد الله – فيهم رجل من الأجئيين يقال له قيس بن جحدر – وهو جد الطرماح بن حكيم، وهو ابن خالة حاتم – فوفد حاتم فيهم إلى عمرو بن هند، وكذلك كان يصنع، فسأله إياهم، فوهبهم له إلا قيس بن جحدر، لأنه كان من الأجئيين من رهط عارق، فقال حاتم:

فككت عديا كلها من إسـارهـا

 

فأنعم وشفعني بقيس بن جحـدر

أبوه أبي والأمهات أمـهـاتـنـا

 

فأنعم فدتك اليوم نفسي ومعشري

فأطلقه.

مالك بن المنذر قال: وبلغنا أن المنذر بن ماء السماء وضع ابنا له صغيراً – ويقال: بل كان أخا له صغيراً – يقال له؛ مالك عند زرارة، وإنه خرج ذات يوم يتصيد، فأخفق، ولم يصب شيئاً، فرجع، فمر بإبل لرجل من بني عبد الله بن دارم، يقال له سويد بن ربيعة بن زيد بن عبد الله بن دارم، وكان عند سويد ابنة زرارة بن عدس، فولدت له سبعة غلمة، فأمر مالك بن المنذر بناقة سمينة منها فنحرها، ثم اشتوى وسويد نائم، فلما انتبه شد على مالك بعصاً فضربه بها،فأمه. ومات الغلام، وخرج سويد هارباً حتى لحق بمكة وعلم أنه لا يأمن، فحالف بني نوفل بن عبد مناة واختط بمكة، فمن ولده أبو أهاب بن عزيز بن قيس بن سويد، وكانت طيئ تطلب عرثرات زرارة وبني أبيه حتى بلغهم ما صنعوا بأخي الملك، فانشأ عمرو بن ثعلبة بن ملقط الطائي يقول:

من مبلغ عمرا بأن المر

 

ء لم يخلق صـبـاره

وحـــوادث الأيام لا

 

تبقى لها إلا الحجـاره

أن ابن عـجـزة أمـه

 

بالسفح أسفل من أواره

قال هشام: أول ولد المرأة يقال له: زكمة، والآخر: عجزة تسفي الرياح خلاله سحيا وقد سلبوا إزاره

فاقـتــل زرارة لا أرى

 

في القوم أفضل من زرارة

هرب زرارة وعودته فلما بلغ هذا الشعر عمرو بن هند بكى، حتى فاضت عيناه، وبلغ الخبر زرارة، فهرب، وركب عمرو بن هند في طلبه فلم يقدر عليه، فأخذ امرأته وهي حبلى فقال: أذكر في بطنك أم أنثى؟ قالت: لا علم لي بذلك، قال: ما فعل زرارة الغادر الفاجر؟ فقالت: إن كان ما علمت لطيب العرق سمين المرق ويأكل ما وجد، ولا يسأل عما فقد، لا ينام ليلة يخاف، ولا يشبع ليلة يضاف. فبقر بطنها.

فقال قوم زرارة لزرارة: ولله ما قتلت أخاه، فأت الملك، فاصدقه الخبر، فأتاه زرارة، فأخبره الخبر فقال: جئني بسويد، فقال: قد لحق بمكة، قال: فعلي ببنيه السبعة، فأتى ببنيه وبأمهم بنت زرارة وهم غلمة بعضهم فوق بعض، فأمر بقتلهم، فتناولا أحدهم فضربوا عنقه، وتعلق بزرارة الآخرون فتناولهوهم، فقال زرارة: يا بعضي دع بعضاً، فذهبت مثلاً. وقتلوا.

عمرو ينكل ببني تميم  وآلى عمرو بن هند بألية ليحرقن من بني حنظلة مائة رجل، فخرج يربدهم وبعث على مقدمته الطائي عمرو بن ثعلبة بن عتاب بن ملقط، فوجدوا القوم قد نذروا، فأخذوا منهم ثمانية وتسعين رجلا بأسفل أوارة من ناحية البحرين، فحبسهم، ولحقه عمرو بن هند، حتى انتهى إلى أوارة، فضربت فيه قبته، فأمر لهم بأخدود فحفر لهم، ثم أضرمه نارا، فلما احتدمت وتلظت، قذف بهم فيها، فاحترقوا.

إن الشقي وافد البراجم وأقبل راكب من البراجم – وهم بطن من بني حنظلة – عند المساء، ولا يدري بشيء مما كان يوضع له بعيره فأناخ، فقال له عمرو بن هند: ما جاء بك؟ قال: حب الطعام، قد أقويت ثلاثاً لم أذق طعاماً، فلما سطع الدخان ظننته دخان طعام، فقال له عمرو بن هند: ممن أنت؟ قال: من البراجم، قال عمرو: إن الشقي وافد البراجم فذهب مثلاً، ورمى به في النار، فهجت العرب تميما بذلك، فقال ابن الصعق العامري:

ألا أبلغ لديك بني تميم

 

بآية ما يحبون الطعاما

مثل من شجاعة المرأة وأقام عمرو بن هند لا يرى أحداً، فقيل له أبيت اللعن! لو تحللت بامرأة منهم، فقد أحرقت تسعة وتسعين رجلاً. فدعا بامرأة من بني حنظلة، فقال لها: من أنت؟ قالت: أنا الحمراء بنت ضمرة بن جابر بن قطن بن نهشل بن دارم، فقال: إني لأظنك أعجمية، فقالت: ما أنا بأعجمية ولا ولدتني العجم.

إني لبنت ضمرة بن جابـر

 

ساد معداً كابراً عن كابـر

إني لأخت ضمرة بن ضمرة

 

إذا البلاد لفعت بجـمـرة

قال عمرو: أما والله لولا مخافة أن تلدي مثلك لصرفتك عن النار، قالت: أما والذي أسأله أن يضع وسادك، ويخفض عمادك، ويسلبك ملكك، ما قتلت إلا نساء أعاليها ثدي وأسفلها دمي قال: اقذفوها في النار، فالتفتت، فقالت: ألا فتى يكون مكان عجوز! فلما أبطؤوا عليها قالت: صار الفتيان حمما، فذهبت مثلاً فأحرقت، وكان زوجها يقال له هوذة بن جرول بن نهشل بن دارم.

لقيط يعير بني مالك فقال لقيط بن زرارة يعير بني مالك بن حنظلة بأخذ من أخذ منهم الملك وقتله إياهم ونزولهم معه:

لمن دمنة أقفرت بالـجـنـاب

 

إلى السفح بين الملا فالهضاب

بكـيت لـعـرفـان آياتـهـا

 

وهاج لك الشوق نعب الغراب

فأبلغ لـديك بـنـي مـالـك

 

مغلغـلة وسـراة الـربـاب

فإن امـرأ أنـتـم حـولــه

 

تحفون قبتـه بـالـقـبـاب

يهـين سـراتـكـم عـامـدا

 

ويقتلكم مثل قتـل الـكـلاب

فلو كنتـم إبـلا أمـلـحـت

 

لقد نزعت للمـياه الـعـذاب

ولكنكم عنـم تـصـطـفـى

 

ويترك سـائرهـا لـلـذئاب

لعمر أبيك أبـي لـخـير مـا

 

أردت بقتلهـم مـن صـواب

ولا نغمة إن خـير الـمـلـو

 

ك أفضلهم نعمة في الرقـاب

شعر الطرماح في أوارة وفيها يقول الطرماح بن حكيم ويذكر هذا.

واسأل زرارة والمأمور ما فعلت

 

قتلى أوارة من رعلان واللـدد

ودارماً قد قذفنا منـهـم مـائة

 

في جاحم النار إذ يلقون بالخـدد

ينزون بالمشتوي منها ويوقدهـا

 

عمرو ولولا شحوم القوم لم تقد

زرارة يريد الثأر من ابن ملقط قال: فحدثني الكلبي عن المفضل الضبي قال: لما حضر زرارة الموت جمع بنيه وأهل بيته ثم قال: إنه لم يبق لي عند أحد من العرب وتر، إلا قد أدركته؛ غير تحضيض الطائي ابن ملقط الملك علينا، حتى صنع ما صنع، فأيكم يضمن لي طلب ذلك من طيئ؟ قال عمرو بن عمرو بن عدس بن زيد أنا لك بذلك يا عم. ومات زرارة، فغزا عمرو بن عمرو جديلة، ففاتوهم، وأصاب ناساً من بني طريف بن مالك وطريف بن عمرو بن تمامة وقال في ذلك شعراً.

لقيظ بن زرارة يخطب بنت ذي الجدين  وكان زرارة بن عدس ين زيد رجلاً شريفاً، فنظر ذات يوم إلى ابنه لقيط، ورأى منه خيلاء ونشاطاً، وجعل يضرب غلمانه وهو يومئذ شاب. فقال له زرارة: لقد أصبحت تصنع صنيعاً كأنما جئتني بمائة من هجان المنذر بن ماء السماء، أو نكحت بنت ذي الجدين بن قيس بن خالد. قال لقيط: لله علي ألا يمس رأسي غسل، ولا آكل لحماً، ولا أشرب خمراً، حتى أجمعهما جميعاً أو أموت. فخرج لقيط ومعه ابن خال له، يقال له: القراد بن إهاب، وكلاهما كان شاعراً شريفاً، فسارا حتى أتيا بني شيبان، فسلما على ناديهم ثم قال لقيط: أفيكم قيس بن خالد ذو الجدين؟ وكان سيد ربيعة يومئذ، قالوا: نعم، قال: فأيكم هو؟ قال قيس: أنا قيس، فما حاجتك؟ قال: جئتك خاطباً ابنتك – وكانت على قيس يمين ألا يخطب إليه أحد ابنته علانية إلا أصابه بشر وسمع به فقال له قيس: ومن أنت؟ قال: أنا لقيط بن زرارة بن عدس بن زيد، قال قيس: عجباً منك يا ذا القصة! هلا كان هذا بيني وبينك؟ قال: ولم يا عم؟ فوالله إنك لرغبة وما بي من نضاة – أي ما بي عار – ولئن ناجيتك لا أخدعك – ولئن عالنتك لا أفضحك، فأعجب قيساً كلامه، وقال: كفء كريم؛ إني زوجتك ومهرتك مائة ناقة ليس فيها مظائر ولا ناب ولا كزوم، ولا تبيت عندنا عزباً ولا محروما. ثم أرسل إلى أم الجارية: أني قد زوجت لقيط بن زرارة ابنتي القدور، فاصنعيها واضربي لها ذلك البلق، فإن لقيط ابن زرارة لا يبيت فينا عزبا. وجلس لقيط يتحدث معهم، فذكروا الغزو، فقال لقيط: أما الغزو فأردها للقاح وأهزلها للجمال، وأما المقام فأسمنها للجمال، وأحبها للنساء. فأعجب ذلك قيساً، وأمر لقيطاً، فذهب إلى البلق فجلس فيه، وبعثت إليه أم الجارية بمجمرة وبخور، وقالت للجارية: اذهبي بها إليه، فوالله لئن ردها ما فيه خير، ولئن وضعها تحته ما فيه خير، فلما جاءته الجارية بالمجمرة بخر شعره ولحيته ثم ردها عليها، فلما رجعت الجارية إليها، خبرتها بما صنع، فقالت: إنه لخليق للخير، فلما أمسى لقيط أهديت الجارية إليه. فمازحها بكلام اشمأزت منه، فنام وطرح عليه طرف خميصة، وباتت إلى جنبه، فلما استثقل انسلت فرجعت إلى أمها، فانتبه لقيط، فلم يرها، فخرج حتى أتى ابن خاله قرادا وهو في أسفل الوادي، فقال: ارحل بعيرك وإياك أن يسمع رغاؤها.

لقيط يحظى بجوائز المنذر وكسرى فتوجها إلى المنذر بن ماء السماء، وأصبح قيس ففقد لقيطاً فسكت، ولم يدر ما الذي ذهب به. ومضى لقيط، حتى أتى المنذر فأخبره ما كان من قول أبيه وقوله، فأعطاه مائة من هجائنه، فبعث بها مع قراد إلى أبيه زرارة، ثم مضى إلى كسرى فكساه وأعطاه جواهر، ثم انصرف لقيط من عند كسرى، فأتى أباه، فأخبره خبره.
لقيط يعود إلى زوجته ثم تئيم منه وأقام يسيرا، ثم خرج هو وقراد حتى جاءا محلة بني شيبان فوجداهم قد انتجعوا فخرجا في طلبهم حتى وقعا في الرمل، فقال لقيط:

انظر قراد وهاتا نظرة جزعـا

 

عرض الشقائق هل بينت أظعانا

فيهن أترجة نضخ العبير بـهـا

 

تكسى ترائبها شذرا ومرجـانـا

فخرجا حتى أتيا قيس بن خالد. فجهزها أبوها، فلما أرادت الرحيل قال لها: يا ينية كوني لزوجك أمة يكن لك عبداً، وليكن أكثر طيبك الماء، فإنك إنما يذهب بك إلى الأعداء، وأراك إن ولدت فستلدين لنا غيظاً طويلاً، واعلمي أن زوجك فارس مضر، وأنه يوشك أن يقتل أو يموت، فلا تخمشي عليه وجهاً ولا تحلقي شعراً، قالت له: أما والله لقد ربيتني صغيرة، وأقصيتني كبيرة، وزودتني عند الفراق شر زاد. وارتحل بها لقيط، فجعلت لا تمر بحي من العرب إلا قالت: يا لقيط، أهؤلاء قومك؟ فيقول: لا، حتى طلعت على محلة بني عبد الله بن دارم، فرأت القباب، والخيل العراب، قالت: يا لقيط أهؤلاء قومك؟ قال: نعم، فأقام أياماً يطعم وينحر، ثم بنى بها، فأقامت عنده حتى قتل يوم جبلة، فبعث إليها أبوها أخاً لها فحملت، فلما ركبت بعيرها أقبلت حتى وقفت على نادي بني عبد الله بن دارم، فقالت: يا بني دارم، أوصيكم بالغرائب خيراً، فوالله ما رأيت مثل لقيط، لم تخمش عليه امرأة وجهاً ولم تحلق عليه شعراً، فلولا أني غريبة لخمشت وحلقت، فحبب الله بين نسائكم، وعادى بين رعائكم، فأثنوا عليها خيرا.

زوجة لقيط في عصمة غيره  ثم مضت حتى قدمت على أبيها، فزوجها من قومه، فجعل زوجها يسمعها تذكر لقيطا وتحزن عليه، فقال لها: أي شيء رأيت من لقيط أحسن في عينك؟ قالت: خرج يوم دجن وقد تطيب وشرب، فطرد البقر فصرع منها، ثم أتاني وبه نضح دماء، فضمني ضمة، وشمني شمة، فليتني مت ثمة، فلم أر منظراً كان أحسن من لقيط. فمكث عنها حتى إذا كان يوم دجن شرب، وتطيب، ثم ركب، فطرد البقر، ثم أتاها وبه نضح دم والطيب وريح الشراب، فضمها إليه وقبلها، ثم قال لها: كيف ترين؟ أأنا أم لقيط فقالت: ماء ولا كصداء، ومرعى ولا كالسعدان فذهبت مثلاً، وصداء: ركية ليس في الأرض ركية أطيب منها، وقد ذكرها التميمي في شعره:

إنني وتهيامي بزينـب كـالـذي

 

يخالس من أحواض صداء مشربا

يرى دون برد الماء هـولاً وذادة

 

إذا اشتد صاحو أقبل أن يتحبـبـا

يقول: قبل أن يروى يقال: تحببت من الشراب أي رويت، وبضعت منه أيضاً أي رويت منه، والتحبب: الري.

صوت

وكاتبة في الخد بالمسك جعـفـرا

 

بنفسي مخط المسك من حيث أثرا

لئن كتبت في الخد سطرا بكفـهـا

 

لقد أودعت قلبي من الحب أسطرا

فيا من لمملوك لمـلـك يمـينـه

 

مطيع لها فيما أسـر وأظـهـرا

ويا من هواها في السريرة جعفر

 

سقى الله من سقيا ثناياك جعفـرا

الشعر لمحبوبة شاعرة المتوكل، والغناء لعريب خفيف رمل مطلق.