أخبار إبراهيم بن العباس ونسبه

أخبار إبراهيم بن العباس ونسبه

نسبه، وشيء عن آبائه: إبراهيم بن العباس بن محمد بن صولٍ، وكان صولٌ رجلاً من الأتراك، ففتح يزيد بن المهلب بلده وأسلم على يديه، فهم موالي يزيد. ولما دعا يزيد إلى نفسه لحق به صولٌ لينصره فصادفه قد قتل. وكان يقاتل كل من بينه وبين يزيد من جيش بني أمية ويكتب على سهامه: صولٌ يدعوكم إلى كتاب الله وسنة نبيه. فبلغ ذلك يزيد بن عبد الملك، فاغتاظ وجعل يقول: ويلي على ابن الغلفاء ! وماله وللدعاء إلى كتاب الله وسنة نبيه ! ولعله لا يفقه صلاته !. وكان ابنه محمد بن صول من رجال الدولة العباسية ودعاتها، وقد كان بعض أهليهم ادعوا أنه عربٌ وأن العباس بن الأحنف خالهم. وأما صول فإن خالد بن خداش ذكر عن أهله قالوا: كان صولٌ وفيروز أخوين ملكا على جرجان، وكانا تركيين تمجسا وتشبها بالفرس. فلما حضر يزيد بن المهلب جرجان أمنهما، فأسلم صولٌ على يديه ولم يزل معه حتى قتل يوم العقر . وكان محمد بن صول يكنى أبا عمارة، أحد الدعاة، وقتله عبد الله بن علي لما خالف مع مقاتل بن حكيم العكي وعدةٍ آخرين.
كان يقول الشعر ثم يختاره: وأما إبراهيم بن العباس وأخوه عبد الله فإنهما كانا من وجوه الكتاب، وكان عبد الله أسنهما وأشدهما تقدماً، وكان إبراهيم آدبهما وأحسنهما شعراً، وكان يقول الشعر ثم يختاره، ويسقط رذله، ثم يسقط الوسط، ثم يسقط ما يسبق إليه، فلا يدع من القصيدة إلا اليسير، وربما لم يدع منها إلا بيتاً أو بيتين؛ فمن ذلك قوله:

ولكن الجواد أبا هـشـام

 

وفي العهد مأمون المغيب

وهذا إبتداء يدل على أن قبله غيره؛ وقوله في أخيه:

ولكن عبد الله لما حوى الغنى

 

وصار له من بين إخوته مال

وهذا أيضاً إبتداء يدل على أن قبله غيره. وكان إبراهيم وأخوه عبد الله من صنائع ذي الرياستين، اتصلا به فرفع منهما. وتنقل إبراهيم في الأعمال الجليلة والدواوين إلى أن مات وهو يتقلد ديوان الضياع والنفقات بسر من رأى في سنة ثلاث وأربعين ومائتين للنصف من شعبان.

قال محمد بن داود وحدثني أحمد بن سعيد بن حسان قال حدثني ابن إبراهيم قال سمعت دعبلاً يقول: لو تكسب إبراهيم بن العباس بالشعر لتركنا في غير شيء. قال: ثم أنشدنا له، وكان يستحسن ذلك من قوله:

إن امرأ ضن بمـعـروفـه

 

عني لمبـذولٌ لـه عـذري

ما أنا بالراغب في عـرفـه

 

إن كان لا يرغب في شكري

هجاؤه محمد بن عبد الملك الزيات وتشفيه بموته: وكان إبراهيم بن العباس صديقاً لمحمد بن عبد الملك الزيات، ثم آذاه وقصده وصارت بينهما شحناء عظيمة لم يمكن تلافيها، فكان إبراهيم يهجوه؛ فمن قوله فيه:

أبا جعفرٍ خف خفضةً بعد رفعةٍ

 

وقصر قليلاً من مدى غلوائكا

لئن كان هذا اليوم يومً حـويتـه

 

فإن رجائي في غدٍ كرجائكـا

وله فيه أيضاً:

دعوتك في بلوى ألمت صروفها

 

فأوقدت من ضغنٍ علي سعيرها

فإني إذا أدعوك عنـد مـلـمةٍ

 

كداعيةٍ عند القبور نصـيرهـا

وقال فيه لما مات:

لما أتاني خـبـر الـزيات

 

وإنه قد صار في الأموات

أيقنت أن موته حـياتـي

 

 

هجره صديقه الحارث بن بسخنر مرضاة لمحمد بن عبد الملك الزيات فقال في ذلك شعراً: أخبرني جحظة قال حدثني ميمون بن هارون قال: لما انحرف محمد بن عبد الملك الزيات عن إبراهيم تحاماه الناس أن يلقوه، وكان الحارث بن بسخنر صديقاً له مصافياً، فهجره فيمن هجره من إخوانه؛ فكتب إليه:

تغير لي فيمن تغـير حـارث

 

وكم من أخ قد غيرته الحوادث

أحارث إن شوركت فيك فطالما

 

غنينا وما بيني وبينك ثـالـث

وقد قيل: إن هذه الأبيات لإسحاق بن إبراهيم الموصلي.

ومن جيد قوله إبراهيم بن العباس وفيه غناء: صوت

خل النفـاق لإهـلـه

 

وعليك فالتمس الطريقا

واذهب بنفسك إن ترى

 

إلا عدواً أو صـديقـاً

الغناء لأبي العبيس بن حمدون ثقيل أول قصة عشقه لقينة وانكماشه لتأخرها وشعره فيها: أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا محمد بن القاسم بن مهروية قال: كان إبراهيم بن العباس يهوى قينة بسر من رأى، فكان لا يكاد يفارقها. فجلس يوماً للشرب ومعه إخوان له، ودعا جماعةً من جواري القيان، ودعاها فأبطأت، فتنغص عليهم يومهم لما رأوا من شغل قلبه بتأخرها، ثم وافت فسري عنه وطابت نفسه وشرب وطرب، ثم دعا بدواة فكتب:

ألم ترنا يومـنـا إذ نـأت

 

فلم تأت من بين أترابهـا

وقد غمرتنا دواعي السرور

 

بإشعالها وبإلـهـابـهـا

ومدت علينا سماء النـعـيم

 

وكل المنى تحت أطنابهـا

ونحن فتورٌ إلى أن بـدت

 

وبدر الدجى بين أثوابهـا

فلما نأت كيف كنـا لـهـا

 

ولما دنت كيف صرنا بها

وأمر من حضر فقرأ عليها الأبيات؛ فتجنت وقالت: ما القصة كما وصفت، وقد كنتم في قصفكم مع من حضر. وإنما تجملتم لي لما حضرت. فأنشأ يقول:

يا من حنينـي إلـيه

 

ومن فـؤادي لـديه

ومن إذا غاب من بي

 

نهم أسفت عـلـيه

إذا حضرت فما من

 

هم من أصبو إلـيه

من غاب غيرك منهم

 

فأمـره فـي يديه

قال: فرضيت عنه، وأتمننا يوماً على أحسن حال.

أجازه دعبل في شعر: وقال محمد بن داود حدثني محمد بن القاسم قال حدثني إبراهيم بن المدبر قال حدثني إبراهيم بن العباس – قال حدثني به دعبلُ أيضاً فكانا متفيقين في الرواية – قال: كنا نطلب جميعاً بالشعر، فخرجنا وكنا في محمل، فابتدأت أقول في المطلب بن عبد الله بن مالك:

أمطلبٌ أنت مستعذبٌ

فقال دعبل:

لسم الأفاعي ومستقتل

فقلت:

فإن أشف منك تكن سبةٌ

فقال دعبل:

وإن أعف عنك فما تفعل

روى له الأخفش أبياتاً كان يفضلها ويستجيدها: أنشدني الأخفش لإبراهيم بن العباس وكان يفضلها ويستجيدها:

أميل مع الذمام على ابن أمي

 

وآخذ للصديق من الشقـيق

وإن ألفيتني حراً مطـاعـاً

 

فإنك واجدي عبد الصـديق

أفرق بين معروفي ومنـي

 

وأجمع بين مالي والحقـوق

جوابه لأبي أيوب: أخبرني عمي قال حدثني أبو الحسن بن أبي البغل قال حدثني عمي قال: اجتاز محمد بن علي برد الخيار على أبي أيوب ابن أخت الوزير وهو متولي ديار مضر فلم يتلقه، ونزل الرقة فلم يصل إليه ولم يبره، وخرج عنها فلم يشيعه. فلامه إخوانه وقالوا: يشكوك إلى إبراهيم بن العباس فكتب إلى إبراهيم يعتذر مما جرى بعلةٍ.
فكتب إليه إبراهيم على ظهر كتابه:

أبداً معـتـذرٌ لا يعـذر

 

وركوبٌ للتي لا تغفـر

وملقى بمسـاوٍ كـلـهـا

 

منه تبدو وإليه تـصـدر

هي من كل الورى منكرةٌ

 

وهي منه وحده لا تنكر

كان يهوى جارية اسمها ” سامر ” أهدت له جاريتين: أخبرني عمي قال حدثني ابن برد الخيار عن أبيه قال: كان إبراهيم بن العباس يهوى جارية لبعض المغنين بسر من رأى يقال لها سامر، وشهر بها، فكان منزله لا يخلو منها. ثم دعيت في وليمة لبعض أهلها فغابت عنه أياماً ثم جاءته ومعها جاريتان لمولاتها. وقالت له: قد أهديت صاحبتي إليك عوضاً من مغيبي عنك؛ فأنشأ يقول: صوت

أقبلنا يحففن مثل الشمس طالعةً

 

قد حسن الله أولاها وأخراهـا

ما كنت فيهن إلا كنت واسطةً

 

وكن دونك يمناها ويسراهـا

الغناء لسلسل مولى بني هاشم، ثاني ثقيلٍ بالوسطى مطلقٌ. وليس لسلسل خبر يدون ولا هو من المشهورين ولا ممن خدم الخلفاء أو دون له حديث. وذكر حبش أنه لسلسل مولاة محمد بن حرب الهلالي. وسلسل هذه كانت من أحسن الناس وجهاً وغناءً، وكانت لبعض المغنين بالبصرة، وكان محمد بن حرب هذا يتعشقها ولم تكن مولاته. فأخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا إسحاق بن محمد النخعي قال حدثني حماد بن إسحاق قال: أتى أبان بن عبد الحميد الشاعر رجلاً بالبصرة وله قينة يقال لها سلسل، فصادف عندها محمد بن قطن الهلالي وعثمان بن الحكم بن صخر الثقفي فقال:

فتنت سلسل قلب ابن قطن

 

ثم ثنت بابن صخر فافتتن

فأتيت اليوم كي أنقـذهـم

 

فإذا نحن جميعً في قرن

فأظن الغلط وقع على حبش من ها هنا أو سمع هذا الخبر فتوهم أنها مولاة محمد بن حرب.

ذهابه مع دعبل ورزين وركوبهم حمير أهل الشوك وشعرهم في ذلك: أخبرني عمي ووكيع قالا حدثنا الحسن بن عليل العنزي قال حدثني محمد بن عيسى بن عبد الرحمن قال: خرج إبراهيم بن العباس ودعبل بن علي وأخوه رزين في نظرائهم من أهل الأدب رجالةً إلى بعض البساتين في خلافة المأمون، فلقيهم قوم من أهل السواد من أصحاب الشوك، فأعطوهم شيئاً وركبوا تلك الحمير فأنشأ إبراهيم يقول:

أعيضت بعد حمل الشو

 

ك أحمالاً من الحرف

نشاوى لا من الصهبـا

 

ء بل من شدة الضعف

فقال رزين:

فلو كنتم عـلـى ذاك

 

تؤولون إلى قصـف

تساوت حالكـم فـيه

 

ولم تبقوا على خسف

فقال دعبل:

وإذا فات الـذي فـات

 

فكونوا من بني الظرف

ومروا نقصـف الـيوم

 

فإنـي بـائعٌ خـفـي

فانصرفوا معه فباع خفه وأنفقه عليهم.

رثاؤه لابنه: أخبرني الحسن بن علي قال حدثني محمد بن القاسم بن مهروية قال قال لي علي بن الحسين الإسكافي: كان لإبراهيم ابنٌ قد يفع وترعرع، وكان معجباً به فأعتل علة لم تطل ومات؛ فرثاه بمراتٍ كثيرة، وجزع عليه جزعاً شديداً فمما رثاه به قوله:

كنت السواد لمقلتـي

 

فبكى عليك الناظر

من شاء بعدك فليمت

 

فعليك كنت أحـاذر

فيه رملٌ لابن القصار. ومن مراثيه إياه قوله:

وما زلت مذلد أعـطـيتـه

 

أدافع عنه حـمـام الأحـل

أعـوذه دائبـاً بـالـقـران

 

أرمي بطرفي إلى حيث حل

فأضحت يدي قصدها واحـدٌ

 

إلى حيث حل فلم يرتـحـل

عاتبه أبو وائلة في لهوه فقال شعراً: وقال أحمد بن أبي طاهر حدثني أبو وائلة قال: قلت لإبراهيم بن العباس: قد أخملت نفسك ورضيت أن تكون تابعاً أبداً لاقتصارك على القصف واللعب؛ فأنشأ يقول:

إنما المـرء صـورةٌ

 

حيث حلت تناهـت

أنا مذ كنت في التص

 

رف لي حال ساعتي

وهبه أخوه عبد الله ثلث ماله وأخته الثلث الآخر وشعره في ذلك: أخبرنا محمد بن يحيى الصولي قال حدثني ابن السخي قال: وهب عبد الله بن العباس لأخيه إبراهيم ثلث ماله، ووهب لأخته الثلث الأخر، فسار مساوياً لهما في الحال؛ فقال إبراهيم:

ولكن عبد الله لما حوى الغـنـى

 

وصار له من بين إخوته مـال

رأى خلةً منهم تسـد بـمـالـه

 

فساهمهم حتى استوت بهم الحال

وهذا مما عيب على إبراهيم قوله ابتداءً ” ولكن عبد الله ” وقد كرره في شعره فقال:

ولكن الجواد أبـا هـشـام

 

وفي العهد مأمون المغيب

بطيءٌ عنك ما استغنيت عنه

 

وطلاعٌ عليك مع الخطوب

والسبب في ذلك اختياره شعره وإسقاطه ما لم يرضه منه.

عزله عن الأهواز: وقرأت في بعض الكتب: لما عزل إبراهيم بن العباس عن الأهواز في أيام محمد بن عبد الملك الزيات اعتقل بها وأوذي، وكان محمد قبل الوزارة صديقه، وكان يؤمل منه يسامحه ويطلقه، فكتب إليه:

فلو إذ نبا دهرٌ وأنكر صاحبٌ

 

وسلط أعداءٌ وغاب نـصـير

تكون عن الأهواز داري بنجوةٍ

 

ولكن مقاديرٌ جرت وأمـور

وإني لأرجو بعد هذا محمـداً

 

لأفضل ما يرجى أخٌ ووزير

فأقام محمد على قصده وتكشفه والإساءة إليه حتى بلغ منه كل مكروه. وانفرجت الحال بينهما على ذلك، وهجاه إبراهيم هجاءً كثيراً.

أرسل ابن الزيات أبا الجهم للكنايه به: واخبرني محمد بن يحيى الصولي قال حدثني أبو عبد الله الباقطاني أو الطالقاني قال حدثني علي بن الحسين بن عبد الأعلى قال: وجه محمد بن عبد الملك بأبي الجهم أحمد بن سيف إلى الأهواز ليكشف إبراهيم بن العباس، فتحامل عليه تحاملاً شديداً. فكتب إبراهيم إلى محمد بن عبد الملك يعرفه ذلك ويشكوه إليه ويقول له: أبو الجهم كافرٌ لا يبالي ما عمل، وهو القائل لما مات غلامه يخاطب ملك الموت:

وأقبلت تسـعـى إلـى واحـدي

 

ضراراً كأني قتلت الـرسـولا

تركت عبـيد بـنـي طـاهـرٍ

 

وقد ملئوا الأرض عرضاً وطولاً

فسوف أدين بـتـرك الـصـلاة

 

وأصطبح الخمر صرفاً شمـولاً

فكان محمد لعصبيته على إبراهيم وقصده له يقول: ليس هذا الشعر لأبي الجهم، إنما إبراهيم قاله ونسب إليه.

مدح المتوكل ببيتين وغنى بهما جعفر بن رفعة: أخبرني أحمد بن جعفر بن رفعة قال حدثني أبي قال دعاني إبراهيم بن العباس وقال: قد مدحت أميرالمؤمنين المتوكل ببيتين، فغن فيهما وأشعهما، ودع لي بطيب كثير فأعطانيه، وخلع علي خلعة سرية، فغنيت فيهما. والبيتان:

صوت

ما واحدٌ مـن واحـدٍ

 

أولى بفضل أو مروه

ممـن أبـوه وجـده

 

بين الخلافة والنبـوه

واشعتها وغنى فيهما المتوكل فاستحسنهما ووصله صلةٌ سنية.
لحن جعفر بن رفعة في هذين البيتين رملٌ بالبنصر.
مدح الرضا لما عقدت ولاية العهد فأجازه: أخبرني محمد بن يونس الأنباري قال حدثني أبي: أن إبراهيم بن العباس الصولي دخل على الرضا لما عقد له المأمون وولاه العهد، فأنشده قوله:

أزالت عزاء القلب بعد التجلد

 

مصارع أولاد النبي محمـد

– صلى الله عليه وسلم – فوهب له عشرة آلاف درهم من الدراهم التي ضربت باسمه، فلم تزل عند إبراهيم، وجعل منها مهور نسائه، وخلف بعضها لكفنه وجهازه إلى قبره.

آذى إسحاق ابن أخي زيدان فهدده فكف عنه: أخبرني محمد بن يحيى الصولي قال حدثني أبو العباس بن الفرات والباقطاني قالا: كان إسحاق بن إبراهيم ابن أخي زيدان صديقاً لإبراهيم بن العباس، فأنسخه شعره في مدح الرضا، ثم ولي إبراهيم ين العباس في أيام المتوكل ديوان الضياع، فعزله عن ضيع كانت بيده بحلوان، وطالبه بمال وجب عليه، وتباعد بينهما. فقال إسحاق لبعض من يثق به: قل لإبراهيم بن العباس: والله لئن لم يكفف عما يفعله في لأخرجن قصيدته في الرضا بخطه إلى المتوكل. فأحجم عنه إبراهيم وتلافاه، ووجه من ارتجع القصيدة منه وجعله على ثقةٍ من أنه لا يظهرها، ثم أفرج عنه وأزال ما كان يطالبه به.

نادرته في ثقيل: أخبرني محمد بن يحيى قال حدثنا إبراهيم بن المدبر قال: راكبت إبراهيم بن العباس، فلقينا رجلٌ كان إبراهيم يستثقله، فسلم عليه، فلما مضى قال: يا أبا إسحاق إنه جرمي. فقلت: ما كان عندي إلا أنه من أهل السواد. فضحك وقال: إنما أردت قول الشاعر:

تسائل عن أخي جرم

 

ثقيلٌ والذي خلقـه

كتابه في شفاعة لرجل إلى بعض إخوانه:

أخبرني الصولي قال حدثني محمد بن السخي قال حدثني الحسن بن عبد الله الصولي قال: كتب عمي إبراهيم بن العباس شفاعة لرجل إلى بعض إخوانه: فلان ممن يزكو شكره، ويحسن ذكره، ويعني أمره، والصنيعة عنده واقعة موقعها وسالكةٌ طريقها.

وأفضل ما يأتيه ذو الدين والحجا

 

إصابة شكر لم يضع معه أجر

مدحه عبيد الله بن يحيى عند المتوكل: أخبرني عمي عن أبي العيناء قال: كان عبيد الله بن يحيى يقول للمتوكل: يا أمير المؤمنين، إن إبراهيم بن العباس فضيلةٌ خبأها الله لك، وذخيرةٌ ذخرها لدولتك.

طلب إليه المتوكل وصف القدور الإبراهيمية ومجونهما في ذلك: وذكر عن علي بن يحيى: أن المتوكل بعث إلى إبراهيم بن العباس يأمره أن يصف له القدور الإبراهيمية، وكان ابتدعها؛ فكتب له صفتها، وكتب في آخرها في ذكر الأبازير: ” ووزن دانق ” ونسي أن يكتب من أي شيء. فلما وصلت إليه الصفة اغتاظ ثم قال لعلي بن يحيى: احلف بحياتي أن تقول له ما آمرك به، ففعل. فقال له: قل وزن دانق من أي شيء؟ أمن بظر أمك ! قال علي بن يحيى: فدخلت إليه فقلت: إني جئتك في رسالة عزيز علي أن أؤديها؛ فقال: هاتها، فأديتها. قال: فارجع إليه وقل له عني: يا سيدي، أن علي بن يحيى أخي وصديقي وقد أدى الرسالة؛ فإن رأيت أن تجعل وزن الدانق من بظر أمي وبظر أمه جمعاً تفضلت بذلك. فقلت: قبحك الله ! وأنا أيش ذنبي ! قال: قد أديت الرسالة وهذا جوابها. فدخلت إلى المتوكل فقال: إيه ما قال لك؟ فقلت: قبح الله ما جئتك به ! وأخبرته بالجواب؛ فضحك حتى فحص برجله وجعل يشرب عليه بقية يومه. وإذا لقيته قال لي: يا علي، وزن دانق أيش ! فأقول: لعنة الله على إبراهيم.

داعب الحسن بن وهب وشعره في ذلك: أخبرني محمد بن يحيى قال حدثني محمد بن موسى بن حماد قال: دعا الحسن بن وهب إبراهيم بن العباس؛ فقال له: أركب وأجيئك عشياً فلا تنتظرني بالغداة. فأبطأ عليه، وأسرع الحسن في شربه فسكر ونام، وجاء إبراهيم فرآه على تلك الحالة، فدعا بدواة وكتب:

رحنا إليك وقد راحت بك الراح

 

وأسرعت فيك أوتارٌ وأقـداح

قال: وحدثني محمد بن موسى قال: نظر إبراهيم بن العباس الحسن بن وهبٍ وهو مخموٌر فقال له:

عيناك قد حكتـا مـبـي

 

تك كيف كنت وكيف كانا

ولـرب عـينٍ قـد أرت

 

ك مبيت صاحبها عيانـاً

فأجابه الحسن بن وهب بعشرين بيتاً وطالبه بمثلها؛ فكتب إليه بأربعة أبيات وطالبه بأربعين بيتاً. وأبيات إبراهيم:

أأبا علي خير قولـك مـا

 

حصلت أنجعه ومختصره

ما عندنا في البيع من غبنٍ

 

للمستقل بواحدٍ عـشـرة

أنا أهل ذلك غير محتشـمٍ

 

أرضى القديم وأقتفي أثره

ها نحن وفينـاك أربـعةً

 

والأربعون لديك منتظره

أخبرني الصولي قال حدثني القاسم بن إسماعيل قال: سمعت إبراهيم بن العباس وقد لبس سواده يوماً يقول: يا غلام هات ذلك السيف الذي ما ضر الله به أحداً قط غيري.

كان يستثقل ابن أخيه وحكايات عنه في ذلك: قال: وسأل يوماً عن ابن أخيه طماس وهو أحمد بن عبد الله بن العباس فقيل له: هو مشغول بطبيب ومنجم عنده، وكان يستثقله، فقال قل له يا غلام: والله مالكا في الناس طبعٌ؛ ولا في السماء نجمٌ، فما لك تكلف هذا التكلف.

أخبرني الصولي قال حدثني أحمد بن السخي قال: أمر إبراهيم بن العباس أن يجمع كل أعور يمر في الطريق، فجمعوهم ووقفوهم وخرج ومعه طماس، فلم رأى العور مجتمعين قال لطماس: كلهم مثلك، فاترك هذا الصلف فإنه داعية إلى التلف.
أخبرني الصولي قال حدثني ميمون بن موسى قال: قال الحسن بن وهب لإبراهيم بن العباس: تعال حتى نعد البغضاء؛ قال: ابدأ بي أولاً من أجل ابن أخي طماس ثم ثن بمن شئت.

أمر الحسن بن مخلد بأمر فأبطأ فيه فقال شعراً: أخبرني الصولي قال قال جعفر بن محمود: ركبت بين يدي إبراهيم بن العباس. فأمر الحسن بن مخلد بأمرٍ فاستبطأه فيه فنظر إليه فقال:

معجبٌ عند نفـسـه

 

وهو لي غير معجب

إن أقل لا يقل نـعـم

 

عاتبٌ غير معتـب

مولعٌ بالخلاف لـي

 

عامداً والتـجـنـب

قلت فيه بضـد مـا

 

قيل في أم جـنـدب

يريد قول امرئ القيس:

خليلي مرا بي على أم جندب

أي فأنا لا أريد أن أمر بك.
تنادر بابن الكلبي عند المتوكل لما جاء كتابه: قال وأخبرني الصولي قال حدثنا أحمد بن يزيد المهلبي عن أبيه قال: كان المتوكل قد ولى ابن الكلبي البريد، وأحلفه بالطلاق ألا يكتمه شيئاً من أمر الناس جميعاً ولا من أمره هو في نفسه. فكتب إليه يوماً أن امرأته خرجت مع حبتها في نزهة، وأن حبتها عربدت عليها فجرحتها في صدغها. فقرأه إبراهيم بن العباس على المتوكل ثم قال له: يا أمير المؤمنين، قد صحف ابن الكلبي، إنما هو: ” جرحتها في سرمها ” ، فضحك المتوكل وقال: صدقت. ما أظن القصة إلى هكذا. قال: ولم يكن ابن الكلبي هذا من العرب، إنما كان أبوه يلقب ” كلب الرحل ” فقيل له الكلبي.

استعطافه محمد بن عبد الملك الزيات: أخبرني عمي قال حدثنا ميمون بن هارون قال: كتب إبراهيم بن العباس إلى محمد بن عبد الملك يستعطفه: كتبت إليك وقد بلغت المدية المحز، وعدت الأيام بك علي، بعد عدوي بك عليها، وكان أسوأ ظني وأكثر خوفي، أن تسكن في وقت حركتها، وتكف عند أذاها، فصرت علي أضر منها، وكف الصديق عن نصرتي خوفاً منك، وبادر إلي العدو تقرباً إليك. وكتب تحت ذلك:

أخٌ بين وبـين الـده

 

ر صاحب أينا غلبـا

صديقي ما استقام فإن

 

نبا دهرٌ علي نـبـا

وثبت على الزمان به

 

فعاد به وقد وثـبـا

ولو عاد الزمان لنـا

 

لعاد به أخاً حـدبـا

قال وكتب إليه: أما والله لو أمنت ودك لقلت؛ ولكني أخاف منك عتب لا تنصفني فيه، وأخشى من نفسي لائمةً لاتحتملها لي. وما قد قدر فهو كائن، وعن كل حادثة أحدوثة. وما استبدلت بحالةٍ كنت فيها مغتبطاً حالة أنا في مكروهها وألمها أشد علي من أني فزعت إلي ناصري عند ظلمٍ لحقني، فوجدت من يظلمني أخف نية في ظلمي منه، وأحمد الله كثيراً. ثم كتب في أسفلها:

وكنت أخي بإخاء الزمـان

 

فلما نبا صرت حرباً عواناً

وكنت أذم إلـيك الـزمـان

 

فأصبحت فيك أذم الزمانـا

وكنت أعدك لـلـنـائبـات

 

فأصبحت أطلب منك الأمانا

?هجا محمد بن عبد الملك وكان قد أغرى به الواثق: أخبرني الصولي قال أخبرني الحسين بن فهم قال: كان محمد بن عبد الملك قد أغرى الواثق بإبراهيم بن العباس، وكان إبراهيم يعاتبه على ذلك ويداريه، ثم وقف الواثق على تحامله عليه فرفع يده عنه وأمر أن يقبل منه ما رفعه، ورده إلى الحضرة مصوناً، فلما أحس إبراهيم بذلك بسط لسانه في محمد، وحس ما بينه وبين ابن أبي داود. وهجا محمد بن عبد الملك هجاءً كثيراً؛ منه قوله:

قدرت فنم تضرر عدواً بـقـدرةٍ

 

وسمت بها أخوانك الذل والرغما

وكنت مليئاً بالتي قد يعـافـهـا

 

من الناس من يأبى الدنيئة والذما

تمادح هو وأبي تمام: أخبرني الصولي قال حدثنا ابن السخي قال حدثني الحسين بن عبد الله: قال: سمعت إبراهيم بن العباس حدثنا يقول لأبي تمام الطائي وقد أنشده شعراً له في المعتصم: يا أبا تمام، أمراءُ الكلام رعيةٌ لإحسانك. فقال له أبو تمام: ذلك لأني أستضيء بك وأرد شريعتك.

اعتذر له إبراهيم بن المدبر عن أخيه فقال شعراً: أخبرني محمد بن يحيى الصولي قال سمعت إبراهيم بن المدبر يقول: جرى بين إبراهيم بن العباس وبين أخي أحمد بن المدبر شيء وكان يودني دون أخي؛ فلقيته فأعتذرت إليه عنه؛ فقال لي: يا أبا إسحاق: صوت

خل النفـاق لإهـلـه

 

وعليك فالتمس الطريقا

واذهب بنفسك إن ترى

 

إلا عدواً أو صـديقـاً

الغناء لأبي العبيس.
احتال على المتوكل لينجي بعض عماله من العقوبة: أخبرني الصولي قال حدثني القاسم بن إسماعيل قال: انصرف إبراهيم بن العباس يوماً من دار المتوكل وقال لنا: أنا والله مسرورٌ بشيء مغمومٌ منه. فقلنا له: وما ذاك أعزك الله؟ قال: كان أحمد بن المدبر رفع إلى أمير المؤمنين أن بعض عمالي اقتطع مالاً، وصدق في الذي قاله، وكنت قد رأيت هلال الشهر ونحن مع أمير المؤمنين على وجهه فدعوت له، وضحك إلي فقال لي: إن أحمد قد رفع على عاملك كذا وكذا فاصدقني عنه؛ فضاقت علي الحججة، وخفت أن أحقق قوله إن اعترفت، ثم لا أرجع منه إلى شيء فيعود علي الغرم، فعدلت عن الحجة إلى الحيلة فقلت: أنا في هذا يا أمير المؤمنين كما قلت فيك: صوت

رد قولي وصدق الأقـوال

 

وأطاع الوشالة والعـزالا

أتراه يكون شهـر صـدودٍ

 

وعلى وجهه راأيت الهلالا

قال: والله لا يكون ذلك بحياتي يا إبرااهيم ! رو هذا الشعر بناناً حتى يغنيني به. فقلت: نعم يا سيدي على ألا يطالب صاحبي بقول أحمد. فقال للوزير: تقبل قول صاحبه في هذا المال. فسررت بالظفر، واغتممت ببطلان هذا المال وذهابه بمثل هذه الحيلة، ولعله قد جمع في زمن طويل وتعبٍ شديد.

سرق ابن دريد وابن الرومي شعره: أنشدت عمي رحمه الله أبياتاً لأبن دريد يمدح رجلاً من أهل البصرة:

يا من يقبل كف كل مخـرقٍ

 

هذا ابن يحيى ليس بالمخراق

قبل أنامله فلسـنـا أنـامـلاً

 

لكنهن مـقـاتـح الأرزاق

فقال: يا بني هذا سرقه هو وابن الرومي جميعاً من إبراهيم بن العباس؛ قال إبراهيم بن العباس يمدح الفضل بن سهل:

لفضلٍ بن سهلٍ يدٌ

 

تقاصر عنها الأمل

فباطنها لـلـنـدى

 

وظاهرها للقبـل

وبستطها للغـنـى

 

وسطوتها للأجـل

وسرقه ابن الرومي فقال:

أصبحت بين خصاصةٍ ومذلةٍ

 

والحر بينهما يموت هزيلا

فأمدد إلي يداً تعود بطنـهـا

 

بذل الندم وظهورها التقبيلا

قال ثعلب إنه كان أشعر المحدثين: أخبرني الصولي قال سمعت أحمد بن يحيى ثعلباً يقول: كان إبراهيم بن العباس أشعر المحدثين. قال: وما روى ثعلبٌ شعر كاتب قط قال: وكتن يستحسن كثيراً قوله:

لنا إبلٌ كومٌ يضيق بها الفـضـا

 

ويفتر عنها أرضها وسماؤهـا

فمن دونها أن تستباح دمـاؤنـا

 

ومن دوننا أن تستباح دماؤهـا

حنى وقرى فالموت دون مرامها

 

وأيسر خطبٍ يوم حقٍ فناؤهـا

ثم قال: والله لو كان هذا لبعض الأوائل لا ستجيد له.
مدح الحسن بن سهل: أخبرني علي بن سليمان الأخفش قال حدثنا محمد بن يزيد قال سمعت الحسن بن رجاء يقول: كنا بفم الصلح أيام بني المأمون ببوران بنت الحسن بن سهل؛ فقدم إبراهيم بن العباس علينا ودخل إلى الحسن بن سهل فأنشده:

ليهنئك أصهارٌ أذلت بـعـزهـا

 

خدوداً وجدعت الأنوف الرواغما

جمعت بها الشملين من آل هاشمٍ

 

وحزت بها للأكرمين الأكارمـا

بنوك غدوا آل النبي ووارثـو ال

 

خلافة والحاون كسرى وهاشماً

فقال له الحسن: ” شنشنةً أعرفها من أخرم ” أي إنك لم تزل تمدحنا، ثم قال له: أحسن الله عنا جزاءك يا أبا إسحاق؛ فما الكثير من فعلنا بك بجزاءٍ لليسير من حقك.
قال شعراً في قينة اسمها ” سامر ” كان يهواها فغضبت عليه: أخبرني عمي قال حدثنا عبد الله بن أبي سعد قال: أنشدني إبراهيم بن العباس لنفسه في قينةٍ اسمها سامر كان يهواها فغضبت عليه:

وعلمتني كيف الهوى وجهـلـتـه

 

وعلمكم صبري على ظلمكم ظلمي

وأعلم ما لي عنـدكـم فـيردنـي

 

هواي إلى حهلٍ فأقصر عن علمي

شعره في قصر الليل: أخبرني الصولي قال: سمعت عبيد الله بن عبد الله بن طاهر يقول: لا يعلم لقديمٍ و لا لمحدثٍ في قصر الليل أحسن من قول إبراهيم بن العباس:

وليلةٍ من الليالي الـزهـر

 

قابلت فيها بدرهـا بـبـدر

لم تك غير شفـقٍ وفـجـر

 

حتى تولت وهي بكر الدهر

تنكر له ابن الزيات لصلته بابن أبي دواد فاعتذر له بشعر: أخبرني أحمد بن عبيد الله بن عمار قال: حدثني أحمد بن بشر المرثدي قال: كان إبراهيم بن العباس يوماً عند أحمد بن أبي دواد، فلما خرج من عنده لقيه محمد بن عبد الملك الزيات وهو خارج من داره؛ فتبين إبراهيم في وجه محمد الغضب فلم يخاطبه في العاجل بشيء. فلما انصرف إلى منزله كتب إليه.

دعني أواصل من قطـع

 

ت يراك بي إذ لا يراكا

إني متى أهجـر لـهـج

 

رك لا أضربه سـواك

وإذا قطعتك فـي أخـي

 

ك قطعت فيك غداً أخاكا

حتى أرى متـقـسـمـاً

 

يومي لذا وغدي لذاكـا

مسح المداد بكم ثوبه وشعره في ذلك: أخبرني الصولي قال حدثني أبو العيناء قال: كنت عند إبراهيم بن العباس وهو يكتب كتاباً، فنقط من القلم نقطةً مفسدةً فمسحها بكمه؛ فتعجبت من ذلك؛ فقال: لا تعجب، المال فرع والقلم أصل، ومن هذا السواد جاءت هذه الثياب، والأصل أحوج إلى المراعاة من الفرع. ثم فكر قليلاً وقال:

إذا ما الفكر ولد حسن لفظ

 

وأسلمه الوجود إلى العيان

وهو شاه فنمنمـه مـسـدٌ

 

فصيحٌ في المقال بلا لسان

ترى حلل البيان منتشـرات

 

تجلى بينها صور المعاني

اتهمه المأمون بإفشاء سر مقتل الفضل بن سهل ثم عفى عنه بشفاعة هشام الخطيب: أخبرني الصولي قال حدثني محمد بن صالح بن النطاح قال: لما عزم المأمون على الفتك بالفضل بن سهل، وندب له عبد العزيز بن عمران الطائي، ومؤنساً البصري، وخلفاً المصري، وعلي بن أبي سعد ذا القلمين، وسراجاً الخادم، نمي الخبر إلى الفضل، فأظهره للمأمون وعاتبه عليه. فلما قتل الفضل وقتل المأمون قتلته، سأل من أين سقط الخبر إلى الفضل؟ فعرف أنه من جهة إبراهيم بن العباس، فطلبه قاستتر. وكان إبراهيم عرف هذا الخبر من جهة عبد العزيز بن عمران، وكان الفضل استكتب إبراهيم لعبد العزيز بن عمران، فأحبر به الفضل. قال: وتحمل إبراهيم بالناس على المأمون، وجرد في أمره هشاماً الخطيب المعروف بالعباسي وكان جريئاً على المأمون لأنه رباه، وشخص إليه إلى خراسان في فتنة إبراهيم بن المهدي، فلم يجبه المأمون إلى ما سأل. فلقيه إبراهيم مستتراً وسأله عما عمل في حاجته. فقال له هشام: قد وعدني في أمرك بما تحب. فقال له إبراهيم: أظن أن الأمر على غير هذا ! قال: وما تظن؟ قال: محلك عند أمير المؤمنين أجل من أن يعدك شيئاً فترضى بتأخيره، وهو أكرم من أن يعد مثلك شيئاً فيؤخره، ولكنك سمعت ما لا تحب في فكرهت أن تغمني به فقلت لي هذا القول، وأحسن الله على كل الأحوال جزاءك، فمضى هشام إلى المأمون فعرفه خبر إبراهيم، فعجب من فطنته وعفا عنه. قال: وفي هشام يقول إبراهيم بن العباس:

من كانت الأموال ذخراً له

 

فإن ذخري أملي في هشام

فتى يقي اللامة عن عرضه

 

وأنهب المال قضاء الزمام

مدح الفضل بن سهل: أخبرني عمي قال حدثني أبو الحسين بن أبي البغل قال: دخل إبراهيم بن العباس على الفضل بن سهل فاستأذنه في الإنشاد، فقال هات، فأنشده:

يمضي الأمور على بديهتـه

 

وتريه فكرته عواقـبـهـا

فيظل يصدرهـا ويوردهـا

 

فيعم حاضرها وغائبـهـا

وإذا ألمت صعبة عظمـت

 

فيها الرزية كان صاحبهـا

المستقل بها وقد رسـبـت

 

ولوت على الأيام جانبـهـا

وعدلتها بالحق فاعتـدلـت

 

ووسعت راغبها وراهبهـا

وإذا الحروب غلت بعثت لها

 

رأياً تفل به كـتـائبـهـا

رأياً إذا نبت السيوف مضى

 

عزمٌ بها فشفى مضاربهـا

أجرى إلى فئة بدولـتـهـا

 

وأقام في أخرى نوادبـهـا

وإذا الخطوب تأثلت ورست

 

هدت فواصله نـوائبـهـا

وإذا جرت بضـمـيره يده

 

أبدت به الدنيا مناقـبـهـا

وأنشدني عميلإبراهيم بن العباس في الفضل بن سهل وفيه غناء: صوت

فلو كان للشكر شخصٌ يبين

 

إذا ما تأملـه الـنـاظـر

لمثلته لـك حـتـى تـراه

 

فتعلم أني امرؤ شـاكـر

الغناء لأبي العبيس ثقيل أول. وفيه لرذاذ ثاني ثقيل. حدثني أبو يعقوب النوبختي قال حدثني جماعة من عمومتي وأهلنا أن رذاذاً صنع في هذين البيتين لحناً أعجب به الناس ةاستحسنوه، فلما كثر ذلك صنع فيه أبو العبيس لحناً آخر، فسقط لحن رذاذ واختار الناس لحن أبي العبيس.

مدح المتوكل وولاة العهود فأجازوه: أخبرني حنظلة قال حدثني ميمون بن هارون قال: لما عقد المتوكل لولاة العهود من ولده ركب بسر من رأى ركبةً لم ير أحسن منها، وركب ولاة العهود بين يديه، والأتراك بين أيديهم أولادهم يمشون بين يدي المتوكل بمناطق الذهب، في أيديهم الطبرزينات المحلاة بالذهب، ثم نزل بالماء فجلس فيه والجيش معه في الجوانحيات وسائر السفن، وجاء حتى نزل في القصر الذي يقال له العروس، وأذن للناس فدخلوا إليه فلما تكاملوا بين يديه، مثل إبراهيم بن العباس بين الصفين، فاستأذن في الإنشاد فأذن له، فقال:

ولما بدا جعفرٌ في الخـمـي

 

س بين المطل وبين العروس

بدا لابـسـاً بـهـمـا حـلةً

 

أزيلت بها طالعات النحوس

ولما بـدا بـين أحـبـابـه

 

ولاة العهود وعز النفـوس

غدا قمـراً بـين أقـمـاره

 

وشمساً مككلة بالشـمـوس

لإيقـاد نـارٍ وإطـفـائهـا

 

ويومٍ أنـيقٍ ويومٍ عـبـوس

ثم أقبل على ولاة العهود فقال:

أضحت عرى الإسلام وهي منوطةٌ

 

بالنصـر والإعـزاز والـتـأييد

بخـلـيفةٍ مـن هـاشـمٍ وثـلاثةٍ

 

كنف الخلافة مـن ولاة عـهـود

قمرٌ توافـت حـولـه أقـمـاره

 

فحففن مطلع سعـده بـسـعـود

رفعتهـم الأيام وارتـفـعـوا بـه

 

فسعوا فأكـرم أنـفـسٍ وجـدود

قال: فأمر له المتوكل بمائة ألف درهم، وأمر له ولاة العهود بمثلها.

فضل ابن برد الخيار شعره على شعر محمد بن عبد الملك الزيات: أخبرني عمي قال: اجتمعت أنا وهارون بن محمد بن عبد الملك وابن برد الخيار في مجلس عبيد الله بن سليمان قبل وزارته، فجعل هارون ينشد من أشعار أبيه محاسنها، ويفضلها ويقدمها. فقال له ابن برد الخيار: إن كان لأبيك مثل قول إبراهيم بن العباس:

أسدٌ ضارٍ إذا هـيجـتـه

 

وأبٌ برٌ إذا مـا قـدرا

يعرف الأبعد إن أثرى ولا

 

يعرف الأدنى إذا افتقرا

أو مثل قوله:

تلج السنون بيوتهم وترى لهـم

 

عن جار بيتهم ازورار مناكب

وتراهم بسيوفهم وشفـارهـم

 

مستشرفين لراغبٍ أو راهب

حامين أو قارين حيث لقيتهـم

 

نهب العفاة ونهزةً للراغـب

فاذكره وافخر به، وإلا فأقلل من الافخار والتطاول بما لاطائل فيه؛ فحجل هارون. وقال عبيد الله بن سليمان: لعمري ما في الكتاب أشعر من أبي إسحاق وأبي علي، ” يعني عمه الحسن بن وهب ” ثم أمر بعض كتابه بكتب المقطوعتين اللتين أنشدهما ابن برد الخيار.

هنأ الحسن بن سهل بصهر المأمون: أنشدني علي بن سليمان الأخفش لإبراهيم بن العباس يهنأ الحسن بن سهل بصهر المأمون:

هنتك أكرومةٌ جللت نعمتهـا

 

أعلت وليك واجتثت أعاديكـا

ما كان يحيا بها إلا الإمام وما

 

كانت إذا قرنت بالحق تعدوكا

هجا محمد بن عبد الملك الزيات: أخبرني عمي قال حدثني محمد بن داود بن الجراح قال حدثني أبو محمد الحسن بن مخلد قال: أودع محمد بن عبد الملك الزيات مالاً عظيماً وجوهراً نفيساً، وقد راى تغيراً من الواثق فخافه وفرق ذلك في ثقاته من أهل الكرخ ومعامليه من التجار. وكان إبراهيم بن العباس يعاديه ويرصد له بالمكاره لإساءته إليه، فقال أبياتاً وأشاعها حتى بلغت الواثق يغريه به:

نصيحةٌ شانـهـا وزير

 

مستحفظٌ سارقٌ مغـير

ودائعٌ جـمةٌ عـظـام

 

قد أسبلت دونها الستور

تسعة آلاف ألف ألـفٍ

 

خلالها جوهرٌ خطـير

بجانب الكرخ عند قـومٍ

 

أنت بما عندهم خبـير

والملك اليوم في أمـور

 

تحدث من بعدها أمور

قد شغلته مـحـقـراتٌ

 

وصاحب الكارة الوزير

مدح المعتز بشعره: أنشدني علي بن سليمان الأخفش لإبراهيم بن العباس يمدح المعتز وفيه غناء: صوت

سحور محاجر الحدقه

 

مليحٌ والذي خلـقـه

سواءٌ في رعـايتـه

 

مجانبه ومن عشقـه

لعيني في محاسـنـه

 

رياض محاسنٍ أنقه

فأحيانـاً أنـزهـهـا

 

وطوراً في دمٍ غرقه

يقول فيها في مدح المعتز بالله:

فيا قمراً أضـاء لـنـا

 

يلألئ نـوره أفـقـه

يشبهه سنا المـعـتـز

 

ذو مـقةٍ إذا رمـقـه

أميرٌ قـلـد الـرحـم

 

ن أمر عباده عنـقـه

وفـضـلـه وطـيبـه

 

وطهر في الورى خلقه

في الأربعة الأبيات الأول رملٌ ذكر الهشامي أنه لابن القصار، ووجدته في بعض الكتب لعريب.
هنأه أحمد بن المدبر وكان يحرض عليه فقال شعراً: أنشدني الأخفش لإبراهيم بن العباس يقولها لأحمد بن المدبر وقد جاءه بعد خلاصة من النكبة مهنئاً، وكان استعان به في أمر نكبته فقعد عنه، وبلغه أنه كان يحرض عليه ابن الزيات:

وكنت أخي بالدهر حتى إذا نبا

 

نبوت فلما عاد عدت مع الدهر

فلا يوم إقبال عددتـك طـائلاً

 

ولا يوم إدبارٍ عددتك في وتـر

وما كنت إلا مثل أحلامنا نـائمٍ

 

كلا حالتيك من وفاءٍ ومن غدر

وأنشدني الصولي له في أحمد بن المدبر أيضاً وقد عاتبه أحمد بن المدبر على شيء بلغه فقال:

هب الزمان رماني

 

الشأن في الخـلان

فيمن رماني لـمـا

 

رأى الزمان رماني

ومن ذخرت لنفسي

 

فصار ذخر الزمان

لو قيل لي خذ أماناً

 

من أعظم الحدثـان

لما أخـذت أمـانـاً

 

إلا مـن الإخـوان

ومن أخبار الجارية مجرى هذا الكتاب.

المعتضد وغلامه بدر: حدثني عمي عن جدي رحمهما الله قال قال لي عبيد الله بن سليمان، وكان يأنس بي أنساً شديداً لقديم الصحبة وائتناف المنشأ: دعاني المعتضد يوماً فقال: ألا تعاتب بدراً على ما لا يزال يستعمله من التخرق في النفقات والإثابات والزيادات والصلات ! وجعل يؤكد القول علي في ذلك؛ فلم أخرج عن حضرته حتى دخل إليه بدر فجعل يستأمره في إطلاقات مسرفةٍ ونفقات واسعة وصلات سنية وهو يأذن له في ذلك كله. فلما خرج رأى في وجهي إنكاراً لما فعله بعدما جرى بيني وبينه؛ فقال لي: يا عبيد الله قد عرفت ما في نفسك، وأنا وإياه كما قال الشاعر:

صوت

في وجهه شافعٌ يمحو إساءته

 

من القلوب مطاعٌ حيثما شفعا

مستقبلٌ الذي يهوى وإن كثرت

 

منه الإساءة منفورٌ لما صنعا

وفي هذين البيتين خفيف رملٍ.
كان المعتضد يطرب لغناء ابن العلاء في شعر الوليد بن يزيد: حدثني محمد بن إبراهيم قريض قال حدثني أحمد بن العلاء قال: غنيت المعتضد:

كلللاني توجانـي

 

وبشعري غنياني

أطلقاني من وثاقي

 

واشدداني بعناني

فاستحسنه جداً، ثم قال لي: ويحك يا أحمد ! أما ترى زهو الملك في شعره وقوله:

كللاني توجانـي

 

وبشعري غنياني

واستعاده مراراً، ثم وصلني كل مرة استعاده بعشرة آلاف درهم، وما وصل بها مغنياً قبلي ولا بعدي. قال: واستعاده مني ست مراتٍ ووهب لي ستين ألفاً، وقال النوشجاني: بل وصله بعشرة آلاف درهم مرةً واحدة.