أخبار أيمن بن خريم

أخبار أيمن بن خريم

نسبه وتشيعه وأيمن بن خريم بن فاتك الأسدي لأبيه صحبة برسول الله -(- ورواية عنه، وينسب إلى فاتك، وهو جد أبيه. وهو أيمن بن خريم بن الأخرم بن عمرو بن فاتك بن القليب بن عمرو بن أسد بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار. وكان أيمن يتشيع، وكان أبوه أحد من اعتزل حرب الجمل وصفين وما بعدهما من الأحداث، فلم يحضرها.

يصف قوته لعبد الملك بن مروان، فيحسده ويتغير عليه:  أخبرني الحسن بن علي، قال: حدثنا محمد بن القاسم بن مهروية، قال: حدثني النوشجاني عن العمري عن الهيثم بن عدي، عن عبد الله بن عياش، عن مجالد، قال كان عبد الملك شديد الشغف بالنساء، فلما أسن ضعف عن الجماع وازداد غرامه بهن، فدخل إليه يوماً أيمن بن خريم قال له: كيف أنت؟ فقال: بخير يا أمير المؤمنين. قال: فكيف قوتك؟ قال: كما أحب، ولله الحمد، إني لآكل الجذعة من الضأن بالصاع من البر، وأشرب العس المملوء ، وأرتحل البعير الصعب وأنصبه ، وأركب المهر الأرن فأذلله، وأفترع العذراء، ولا يقعدني عنها الكبر، ولا يمنعني منها الحصر ، ولا يرويني منها الغمر ولا ينقضي مني الوطر. فغاظ عبد الملك قوله وحسده، فمنعه العطاء وحجبه، وقصده بما كره حتى أثر ذلك في حاله، فقالت له امرأته: ويحك! أصدقني عن حالك؟ هل لك جرم؟ قال: لا والله، قالت: فأي شيء دار بينك وبين أمير المؤمنين آخر ما لقيته؟ فأخبرها، فقالت: إنا لله؟ من ها هنا أتيت.

تحتال له امرأته فيعود عبد الملك إلى بره: أنا أحتال لك في ذلك حتى أزيل ما جرى عليك، فقد حسدك الرجل على وصفت به نفسك، فتهيأت ولبست ثيابها ودخلت على عاتكة زوجته، فقالت: أسألك أن تستعدي لي أمير المؤمنين على زوجي، قالت: وماله؟ قالت: والله ما أدري أنا مع رجل أو حائط؟ وإن له لسنين ما يعرف فراشي، فسليه أن يفرق بيني وبينه، فخرجت عاتكة إلى عبد الملك فذكرت ذلك له، وسألته في أمرها، فوجه إلى أيمن بن خريم فحضر، فسأله عما شكت منه فاعترف به، فقال: أو لم أسألك عاماً أول عن حالك فوصفت كيت وكيت؟ فقال: يا أمير المؤمنين، إن الرجل ليتجمل عن سلطانه، ويتجلد عند أعدائه بأكثر مما وصفت نفسي به، وأنا القائل:

لقيت من الغانيات العـجـابـا

 

لو أدرك مني الغواني الشبابـا

ولكن جمع النساء الـحـسـان

 

عناءٌ شديد إذا المـرء شـابـا

ولو كلت بالمد لـلـغـانـيات

 

وضاعفت فوق الثياب الثيابـا

إذا لم تنلـهـن مـن ذاك ذاك

 

جحدنك عند الأمير الكتـابـا

يذدن بـكـل عـصـــا ذائدٍ

 

ويصبحن كل غداة صعـابـا

إذا لم يخالطـن كـل الـخـلا

 

ط أصبحن مخرنظمات غضابا

علام يكحلن حـور الـعـيون

 

ويحدثن بعد الخضابا الخضابـا

ويعركن بالمسـك أجـيادهـن

 

ويدنين عند الحجال العـيابـا

ويبرقن إلا لما تـعـلـمـون

 

فلا تحرموا الغانيات الضرابا

قال: فجعل عبد الملك يضحك من قوله، ثم قال: أولى لك يا بن خريم! لقد لقيت منهن ترحا ، فما ترى أن نصنع بينك وبين زوجتك؟ قال: تستأجلها إلى أجل العنين، وأداريها لعلي أستطيع إمساكها، قال: أفعل ذلك، وردها إليه، وأمر له بما فات من عطائه، وعاد إلى بره وتقريبه.

يعتزل عمرو بن سعيد وعبد العزيز بن مروان في منازعة بينهم ويقول في ذلك شعراً: أخبرني هاشم بن محمد الخزاعي أو دلف، قال: حدثنا الرياشي، قال: ذكر العتبي أن منازعة وقعت بين عمرو بن سعيد وعبد العزيز بن مروان، فتعصب لكل واحد منهما أخواله، وتداعوا بالسلاح واقتتلوا، وكان أيمن بن خريم حاضر للمنازعة فاعتزلهم هو ورجل من قومه، يقال له: ابن كوز، فعاتبه عبد العزيز وعمرو جميعاً على ذلك، فقال:

أأقتل بين حجاج بن عـمـرو

 

وبين خصيمه عبد الـعـزيز

أنقتل ضلة في غـير شـيء

 

ويبقى بعدنا أهل الكـنـوز

لعمر أبيك ما أتـيت رشـدي

 

ولا وفقت للحرز الـحـريز

فإني تاركٌ لهمـا جـمـيعـاً

 

ومعتزلٌ كما اعتزل ابن كوز

يهجو يحيى بن الحكم: أخبرني عمي قال: حدثني الكراني، عن العمري عن الهيثم بن عدي، قال: أصاب يحيى بن الحكم جارية في غزاة الصائفة ، بها وضح ، فقال: أعطوها أيمن بن خريم، وكان موضحاً، فغضب وأنشأ يقول:

تركت بني مروان تندى أكفـهـم

 

وصاحبت يحيى ضلة من ضلاليا

فإنك لو أشبهت مروان لم تـقـل

 

لقومي هجراً أن أتوك ولا لـيا

وانصرف عنه، فأتى عبد العزيز بن مروان، وكان يحيى محمقاً.

يرى عبد الملك مدحه لبني هاشم مثلاً يحتذى: حدثني محمد بن العباس اليزيدي، قال: حدثني عمي الفضل، قال: حدثني الزبيري عن أشياخه أن عبد الملك بن مروان قال: يا معشر الشعراء تشبهوننا مرة بالأسد الأبخر، ومرة بالجبل الأوعر، ومرة بالبحر الأجاج، ألا قلتم فينا كما قال أيمن بن خريم في بني هاشم:

نهاركم مكابـدةٌ وصـومٌ

 

وليلكم صلاة واقـتـراء

وليتم بالقران وبالتزكـي

 

فأسرع فيكم ذاك البـلاء

بكى نجدٌ غداة غدٍ عليكـم

 

ومكة والمدينة والجـواء

وحق لكل أرض فارقوها

 

عليكم لا أبالكم البـكـاء

أأجعلكم وأقوامـاً سـواءً

 

وبينكم وبينهم الـهـواء

وهم أرض لأرجلكم وأنتم

 

لأرؤسهم وأعينهم سماء

شعره وقد أدى عبد الملك عنه دية قتل خطأ: أخبرني الحسن بن علي، عن أحمد بن زهير، عن أبي همام الوليد بن شجاع، قال: حدثنا عبد الله بن إدريس، قال: أصاب أيمن بن خريم امرأة له خطأ -يعني قتلها- فوداها عبد الملك بن مروان: أعطى ورثتها ديتها، وكفر عنه كفارة القتل، وأعطاه عدة جوار، ووهب له مالاً، فقال أيمن:

رأيت الغواني شيئاً عجـابـا

 

لو أنس مني الغواني الشبابـا

ولكن جمع العذارى الحسـان

 

عناءٌ شديد إذا المرء شـابـا

ولو كلت بالمد للـغـانـيات

 

وضاعفت فوق الثياب ثيابـا

إذا لم تنلـهـن مـن ذاك ذاك

 

بغينك عند الأمير الـكـذابـا

يذدن بـكـل عـصــا ذائدٍ

 

ويصبحن كل غداة صعـابـا

إذا لم يخالطن كل الـخـلاط

 

تراهن مخرنظمات غضابـا

علام يكحلن حور الـعـيون

 

ويحدثن بعد الخضاب الخضابا

ويعركن بالمسك أجـيادهـن

 

ويدنين عند الحجال العـيابـا

ويغمزن إلا لما تعـلـمـون

 

فلا تحرموا الغانيات الضرابا

قال: فبلغني أن عبد الملك أنشد هذا الشعر، فقال: نعم الشفيع أيمن لهن.

يستجيد عبد الملك وصفه للنساء: وأخبرني أحمد بن عبد العزيز عن عمر بن شبة وإبراهيم بن أيوب عن ابن قتيبة، قال: قال له عبد الملك لما أنشده هذا الشعر: ما وصف النساء أحد مثل صفتك، ولا عرفهن أحد معرفتك. قال: فقال له: لئن كنت صدقت في ذلك لقد صدق الذي يقول: صوت

فإن تسألوني بالنساء فـإنـنـي

 

خيرٌ بأدواء النسـاء طـبـيب

إذا شاب رأس المرء أو قل ماله

 

فليس له في ودهن نـصـيب

يردن ثراء المال حيث علمنـه

 

وشرخ الشباب عندهن عجـيب

فقال له عبد الملك: قد لعمري صدقتما وأحسنتما، الشعر لعلقمة بن عبدة، والغناء لبسباسة، ولحنه خفيف ثقيل أول بالوسطى عن حبش. وهذه الأبيات يقولها علقمة بن عبدة يمدح بها الحارث ويسأله إطلاق ابنه شأس . وخبره يذكر وخبر الحارث بعد انقضاء أخبار أيمن بن خريم.

رجع الحديث إلى أخبار أيمن يفضل عبد العزيز بن مروان شعر نصيب على شعره، فيلحق ببشر بن مروان: أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهري، قال: حدثنا عمر بن شبة، قال: حدثني المدائني عن أبي بكر الهذلي، قال: دخل نصيب يوماً إلى عبد العزيز بن مروان، فأنشده قصيدة له امتدحه بها فأعجبته، وأقبل على أيمن بن خريم فقال: كيف ترى شعر مولاي هذا؟ قال: هو أشعر أهل جلدته . فقال: هو أشعر والله منك. قال أمني أيها الأمير؟.

فقال: إي والله، قال: لا والله، ولكنك طرفٌ ملول، فقال له: لو كنت كذلك ما صبرت على مؤاكلتك منذ سنة وبك من البرص ما بك ، فقال: ائذن لي أيها الأمير في الانصراف، قال: ذلك إليك، فمضى لوجهه حتى لحق ببشر بن مروان، وقال فيه:

ركبت من المقطم في جمادى

 

إلى بشر بن مروان البـريدا

ولو أعطاك بشر ألف ألـفٍ

 

رأى حقاً عـلـيه أن يزيدا

أمير المؤمنين أقم بـبـشـر

 

عمود الدين إن له عـمـودا

ودع بشراً يقومهـم ويحـدث

 

لأهل الزيغ إسلاماً جـديداً

وإنا قد وجـدنـا أم بـشـر

 

كأم الأسد مذكـاراً ولـودا

كأن التاج تاج أبي هـرقـل

 

جلوه لأعظـم الأيام عـيدا

يحالف لونه ديباج بـشـر

 

إذا الألوان حالفت الخدودا

-يعرض بنمش كان بوجه عبد العزيز- فقبله بشر بن مروان ووصله، ولم يزل أثيراً عنده.

من مدحه في بشر بن مروان: أخبرني عمي، قال: حدثني الكراني، وأبو العيناء عن العتبي، قال: لما أتى أيمن بن خريم بشر بن مروان نظر الناس يدخلون عليه أفواجاً، فقال من يؤذن لنا الأمير أو يستأذن لنا عليه؟ قيل له: ليس على الأمير حجاب ولا ستر، فدخل وهو يقول:

يرى بارزاً للناس بشـرٌ كـأنـه

 

إذا لاح في أثوابه قمـرٌ بـدر

ولو شاء بشرٌ أغلق الباب دونـه

 

طماطم سودٌ أو صقالبةٌ شقـر

أبى ذا ولكن سهل الإذن للـتـي

 

يكون له في غبها الحمد والشكر

فضحك إليه بشر، وقال: إنا قوم نحجب الحرم، وأما الأموال والطعام فلا، وأمر له بعشرة آلاف درهم.

2يعير أهل العراق بقلة غنائهم في حرب غزالة: أخبرني هاشم بن محمد الخزاعي أبو دلف، قال: حدثني الرياشي، قال: حدثنا الأصمعي عن المعتمد بن سليمان، قال: لما طالت الحرب بين غزالة وبين أهل العراق وهم لا يغنون شيئاً -قال أيمن بن خريم:

أتينا بـهـم مـائتـي فـارسٍ

 

من السافكين الحرام العبيطـا

وخمسون من مارقات النـسـا

 

ء يسحبن للمنديات المروطـا

وهم مائتا ألـف ذي قـونـس

 

يئط العراقان منهم أطـيطـا

رأيت غـزالة إن طـرحـت

 

بمكة هودجها والـغـبـيطـا

سمت للعراقين في جمعـهـا

 

فلاقى العراقان منها بطيطـا

ألا يستحي الله أهـل الـعـرا

 

ق إن قلدوا الغانيات السموطا؟

وخيل غزالة تسبي الـنـسـاء

 

وتحوي النهاب وتحوي النبيطا

ولو أن لوطـاً أمـيرٌ لـكـم

 

لأسلمتم في الملمات لـوطـا

صوت

تصابيت أم هاجت لك الشوق زينـب

 

وكيف تصابي المرء والرأس أشيب!

إذا قربت زادتك شوقاً بـقـربـهـا

 

وإن جانبت لم يسل عنها التجـنـب

فلا اليأس إن ألممت يبدو فترعـوي

 

ولا أنت مردود بما جئت تطـلـب

وفي اليأس لو يبدو لك الـيأس راحةٌ

 

وفي الأرض عمن لا يؤاتيك مذهب

الشعر لحجية بن المضرب الكندي، فيما ذكره إسحاق والكوفيون. وذكر الزبير بن بكار أنه لإسماعيل بن يسار، وذكر غيره أنه لأخيه أحمد بن يسار. والغناء ليونس الكاتب، ولحنه من الثقيل الثاني بإطلاق الوتر في مجرى البنصر، وفيه ثقيل أول بالبنصر. ذكر حبش أنه لمالك، وذكر غيره أنه لمعبد.