أخبار أعشى دحمان ونسبه

أخبار أعشى دحمان ونسبه

اسمه عبد الرحمن بن عبدالله بن الحارث بن نظام بن جشم بن عمرو بن الحارث بن مالك بن عبد الحر بن جشم بن حاشد بن جشم بن خيران بن نوف بن همدان بن مالك بن زيد بن نزار بن أوسلة بن ربيعة بن الخيار بن مالك بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان، ويكنى أبا المصبح، شاعر فصيح، كوفي، من شعراء الدولة الأموية. وكان زوج أخت الشعبي الفقيه، والشعبي زوج أخته. وكان أحد الفقهاء القراء، ثم ترك ذلك وقال الشعر، وآخى أحمد النصبي بالعشيرية والبلدية، فكان إذا قال شعراً غنى فيه أحمد. وخرج مع ابن الأشعث، فأتي به الحجاج أسيراً في الأسرى، فقتله صبراً.

أخبرني بما أذكره من جملة أخباره الحسن بن علي الخفاف قال حدثنا الحسن بن عليل العنزي عن !محمد بن معاوية الأسدي أنه أخذ أخباره هذه عن ابن كناسة عن الهيثم بن عدي عن حماد الراوية وعن غيرهم، من رواة الكوفيين. قال حدثنا عمر بن شبة وأبو هفان جميعاً عن إسحاق الموصلي عن الهيثم بن عدي عن عبدالله بن عياش الهمداني. قال العنزي: وأخذت بعضها من رواية مسعود بن بشر عن الأصمعي. وما كان من غير رواية هؤلاء ذكرته مفرداً.

أخبرني المهلبي أبو أحمد حبيب بن نصر وعلي بن صالح قالا حدثنا عمربن شبة وأبو هفان جميعاً عن إسحاق الموصلي عن الهيثم بن عدي عن عبدالله بن عياش الهمداني قال: كان الشعبي عامر بن شراحيل زوج أخت أعشى همدان، وكان أعشى همدان زوج أخت الشعبي. فأتاه أعشى همدان يوماً، وكان أحد القراء للقرآن، فقال له: إني رأيت كأني أدخلت بيتاً فيه حنطة وشعير، وقيل لي: خذ أيهما شئت، فأخذت الشعيرة فقال: إن صدقت رؤياك تركت القرآن وقراءته وقلت الشعر فكان كما قال: أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا الحسن بن عليل العنزي عن محمد بن معاوية الأسدي عن ابن كناسة، قال العنزي وحدثني مسعود بن بشر عن أبي عبيدة والأصمعي قالا، رافق روايتهم الهيثم بن عدي عن حماد الراوية قال: كان أعشى همدان أبو المصبح ممن أغزاه الحجاج بلد الديلم ونواحي دستبي، فأسر، فلم يزل أسيراً في، أيدي الديلم مدة.ثم إن بنتا للعلج الذي أسره هويته، وصارت إليه ليلاً فمكنته من نفسها، فأصبح وقد واقعها ثماني مرات، فقالت له الديلمية: يا معشر المسلمين، أهكذا تفعلون بنسائكم. فقال لها: هكذا نفعل كلنا فقالت له: بهذا العمل نصرتم، أفرأيت إن خلصتك، أتصطفيني لنفسك؟ فقال لها نعم، وعاهدها. فلما كان الليل حلت قيوده وأخذت به طرقاً تعرفها حتى خلصته وهربت معه. فقال شاعر من أسرى المسلمين:

فمن كان يفديه من الأسر ماله

 

فهمدان تفديها الغداة أيورها

وقال الأعشى يذكر ما لحقه من أسر الديلم:

لمن الظعائن سيرهن ترجـف

 

عوم السفين إذا تقاعس مجذف

مرت بذي خشب كأن حمولها

 

نخل بيثرب طلعه متضعـف

غنى في هذين البيتين أحمد النصبي، ولحنه خفيف ثقيل مطلق في مجرى البنصر عن عمرو وابن المكي. وفيهما لمحمد الزف خفيف رمل بالوسطى عن عمرو:

 

عولين ديباجاً وفاخـر سـنـدس

 

وبخز أكسية العراق تحـفـف

 

وغدت بهم يوم الفراق عرامـس

 

فتل المرافق بالهـوادج دلـف

 

بان الخليط وفاتنـي بـرحـيلـه

 

خود إذا ذكرت لقلبك يشـغـف

 

تجلو بمسواك الأراك منـظـمـاً

 

عذبا إذا ضحكت تهلل ينـطـف

 

وكأن ريقتها على علل الـكـرى

 

عسل مصفى في القلال وقرقف

 

وكأنما نظرت بعـينـي ظـبـية

 

” تحنوعلى خشف لها وتعطـف

 

وإذا تنوء إلى القيام تـدافـعـت

 

مثل النزيف ينوء ثم يضـعـف

 

ثقلت روادفها ومال بخصـرهـا

 

كفل كما مال النقا المتقـصـف

 

ولها ذراعـاً بـكـر رحـبـية

 

ولها بنان بالخضاب مـطـرف

وعوارض مصـقـولة وتـرائب

 

بيض وبطن كالسبيكة مخطـف

ولها بهاء في النسـاء وبـهـجة

 

وبها تحل الشمس حين تشـرف

تلك التي كانت هواي وحاجـتـي

 

لو أن دارا بالأحبة تـسـعـف

وإذا تصنك من الحوادث نـكـبة

 

فاصبر فكل مصيبه ستكـشـف

ولئن بكيت من الفراق صـبـابة

 

إن الكبير إذا بكـى لـيعـنـف

عجباً من الأيام كيف تصـرفـت

 

والدار تدنـو مـرة وتـقـذف

أصبحت رهناً للعداة مـكـبـلا

 

أمسي وأصبح في الأداهم أرسف

بين القليسم فالقـيول فـحـامـن

 

فاللهزمين ومضجعي متكـنـف          

 

هذه أسماء مواضع من بلد الديلم تكنفته الهموم بها

فجبال ويمة ما تزال منـيفة

 

يا ليت أن جبال ويمة تنسف

ويمة وشلبة: ناحيتان من نواحي الري:

ولقد أراني قبل ذلـك نـاعـمـاً

 

جذلان آبـى أن أضـام وآنـف

واستنكرت ساقي الوثاق وساعدي

 

وأنا امرؤ بادي الأشاجع أعجف

ولقد تضر سني الحروب وإننـي

 

ألفى بكل مخـافة أتـعـسـف

أتسربل الليل البهـيم وأسـتـري

 

في الخبت إذ لا يسترون وأوجف

ما إن أزال مقنعـاً أو حـاسـراً

 

سلف الكتيبة والكـتـيبة وقـف

فأصابني قوم فكنت أصـيبـهـم

 

فالآن أصبر للزمـان وأعـرف

إني لطلاب الترات مـطـلـب

 

وبكل أسباب المـنـية أشـرف

باق على الحدثان غير مـكـذب

 

لا كاسف بالي ولا مـتـأسـف

إن نلت لم أفرح بشيء نـلـتـه

 

وإذا سبقت به فـلا أتـلـهـف

إني لأحمي في المضيق فوارسي

 

وأكر خلف المستضاف وأعطف

وأشد إذ يكبو الجبان وأصطـلـي

 

حر الأسنة والأسـنة تـرعـف

فلئن أصابتني الحروب فربـمـا

 

أدعى إذا منع الرداف فـأردف

ولربما يروى بكـفـي لـهـذم

 

ماض ومطرد الكعوب مثقـف

وأغيرغارات وأشهد مـشـهـداً

 

قلب الجبان به يطير ويرجـف

وأرى مغانم لوأشاء حـويتـهـا

 

فيصدني عنها غنى وتـعـفـف

غنى في هذه الأبيات دحمان، ولحنه ثقيل أول بالبنصرعن الهشامي. قال الهشامي: فيها لمالك خفيف ثقيل أول بالوسطى، ووافقه في هذا ابن المكي قالوا جميعاً: ثم ضرب البعث على جيش أهل الكوفة إلى مكران، فأخرجه الحجاج معهم، فخرج إليها وطال مقامه بها ومرض، فاجتواها وقال في ذلك- وأنشدني بعض هذه القصيدة اليزيدي عن سليمان بن أبي شيخ:

طلبت الصبا إذ علا المكـبـر

 

وشاب القذال وما تـقـصـر

وبـان الـشـبـاب ولـذاتـه

 

ومثلك في الجـهـل لايعـذر

وقال العواذل هل ينـتـهـي

 

فيقدعه الشـيب أو يقـصـر

وفي أربـعـين تـوفـيتـهـا

 

وعشر مضت لي مستبصـر

وموعـظة لامـرىء حـازم

 

إذا كان يسمـع أو يبـصـر

فلاتأسفن على مـا مـضـى

 

ولا يحـزنـنـك مـا يدبـر

فإن الحوادث تبلي الـفـتـى

 

وإن الـزمـان بـه يعـثـر

فيومـاً يسـاء بـمـا نـابـه

 

ويوماً يسـر فـيسـبـشـر

ومن كل ذلك يلقى الـفـتـى

 

ويمنى له مـنـه مـا يقـدر

كأني لم أرتـحـل جـسـرة

 

ولم أجفها بعد ما تـضـمـر

فأجشـمـهـا كـل ديمـومة

 

ويعرفها البلـد الـمـقـفـر

ولم أشهد البأس يوم الـوغـى

 

علي المفاضة والمـغـفـر

ولم أخرق الصف حتى تمـي

 

ل دارعة القوم والـحـسـر

وتحـتـى جـرداء خـيفـانة

 

من الخيل أو سابح مجـفـر

أطاعن بالرمح حتى الـلـبـا

 

ن يجري به العلق الأحـمـر

وما كنت في الحرب إذ شمرت

 

كمـن لا يذيب ولا يخـثــر

ولكنـنـي كـنـت ذا مـرة

 

عطوفا إذا هتف المحـجـر

فإن أمس قد لاح في المشـي

 

ب أم البنـين، فـقـد أذكـر

رخاء من العيش كنـا بـه

 

إذالدهر خال لنا مصـحـر

وإذ أنا في عنفوان الشـبـا

 

ب يعجبني اللهو والسمـر

أصيد الحسان ويصطدننـي

 

وتعجبني الكاعب المعصر

وبيضاء مثل مهاة الكـثـب

 

لاعيب فيهالمن ينظـحـر

كأن مـقـلـدهـا إذ بـدا

 

به الدر والشذر والجوهـر

مقـلـد أدمـاء نـجــدية

 

يعـن لـه شـادن أحـور

كأن جنى النحل والزنجبـي

 

ل والفارسية إذ تعـصـر

يصب على برد أنـيابـهـا

 

مخالطه المسك والعنـبـر

إذا انصرفت وتلوت بـهـا

 

رقاق المجاسد والـمـئزر

وغض السوار وجال الوشاح

 

على عكن خصرها مضمر

وضاق عن الساق خلخالهـا

 

فكاد مخـمـهـا ينـمـر

فتور القيام رخـيم الـكـلا

 

م يفزعها الصوت إذ تزجر

وتنمى إلى حسب شـامـخ

 

فليست مجذب إذ تفـخـر

فتلك التي شفني حـبـهـا

 

وحملني فـوق مـا أقـدر

فلا تعذلاني فـي حـبـهـا

 

فإني بمـعـنـرة أجـدر

ومن ها هنا رواية اليزيدي-:

وقولا لذي طرب عـاشـق:

 

أشط المزار بمن تـذكـر؟

بكوفية أصلهـا بـالـفـرا

 

ت تبدو هنالك أو تحضـر

وأنت تسير إلـى مـكـران

 

فقد شحط الورد والمصـدر

ولم تك من حاجتي مكـران

 

ولا الغزو فيها ولا المتجـر

وخبرت عنها ولـم اتـهـا

 

فما زلت من ذكرها أذعـر

بأن الكـثـير بـهـا جـائع

 

وأن القليل بهـا مـقـتـر

وأن لحى الناس من حرهـا

 

تطول فتجلم أو تـضـفـر

ويزعم من جاءها قبـلـنـا

 

بأنا سنسهـم أو نـنـحـر

أعوذ بربي من الـمـخـزيا

 

ت فيما أسر وما أجـهـر

وحدثت أن مالـنـا رجـعة

 

سنين ومن بعدها أشـهـر

إلى ذاك ما شاب أبـنـاؤنـا

 

وباد الأخلاء والمـعـشـر

وما كان بي من نشاط لهـا

 

وإني لذو عـدة مـوسـر

ولكن بعثت لهـا كـارهـاً

 

وقيل انطلق كالذي يؤمـر

فكان النجاء ولم ألـتـفـت

 

إليهم وشرهـم مـنـكـر

هو السيف جرد من غمـده

 

فليس عن السيف مستأخـر

وكم من أخ لي مستـأنـس

 

يظل به الدمع يستحـسـر

يودعني وانتحـت عـبـرة

 

له كالـجـداول أو أغـزر

فلست بلاقيه من بـعـدهـا

 

يد الدهر ما هبت الصرصر

وقد قيل إنـكـم عـابـرو

 

ن بحرالها لم يكن يعـبـر

إلى السند والهند في أرضهم

 

هم الجن لكنـهـم أنـكـر

وما رام غزوا لها قبـلـنـا

 

أكابـر عـاد ولا حـمـير

ولا رام سابور غزوا لـهـا

 

ولا الشيخ كسرى ولا قيصر

ومن دونها معـبـر واسـع

 

وأجر عظيم لمـن يؤجـر

وذكر محمد بن صالح بن النطاح أن هشام بن محمد الكلبي حدث عن أبيه: أن أعشى همدان كان مع خالد بن عتاب بن ورقاء الرياحي بالري ودستبي، وكان الأعشى شاعر أهل اليمن بالكوفة وفارسهم، فلما قدم خالد من مغزاه خرج جواريه يتلقينه وفيهن أم ولد له كانت رفيعة القدر عنده، فجعل الناس يمرون عليها إلى أن جاز بها الأعشى وهو على فرسه يميل يميناً ويساراً من النعاس فقالت أم ولد خالد بن عتاب لجواريها: إن امرأة خالد لتفاخرني بأبيها وعمها وأخيها، وهل يزيدون على أن يكونوا مثل هذا الشيخ المرتعش!. وسمعها الأعشى فقال: من هذه؟ فقال له بعض الناس: هذه جارية خالد فضحك وقال لها: إليك عني يا لكعاء ثم أنشأ يقول:

وما يدريك ما فرس جرور

 

وما يدريك ما حمل السلاح

ومايدريك ماشـيخ كـبـير

 

عداه الدهرعن سنن المراح

فأقسم لو ركبت الورد يوما

 

وليلته إلى وضح الصبـاح

إذا لنظرت منك إلى مكـان

 

كسحق البرد أو أثرالجراح

قال: فأصبحت الجارية فدخلت إلى خالد فشكت إليه الأعشى، فقالت: والله ما تكرم، ولقد اجترىء عليك فقال لها: وما ذاك؟ فأخبرته أنها مرت برجل في وجه الصبح، ووصفته له وأنه سبها، فقال: ذلك أعشى، همدان، فأي شيء قال لك. فأنشدته الأبيات. فبعث إلى الأعشى، فلما دخل عليه قال له: ما تقول. هذه زعمت أنك هجوتها، فقال: أساءت سمعاً، إنما قلت:

مررت بنسوة متـعـطـرات

 

كضوء الصبح أوبيض الأداحي

على شقرالبغال فصدن قلبـي

 

بحسن الدل والحدق الـمـلاح

فقلت من الظباء فقلن سـرب

 

بدالك من ظباء بـنـي رياح

فقالت: لا والله، ما هكذا قال، وأعادت الأبيات فقال له خالد: أما إنها لولا أنها قد ولدت مني لوهبتها لك، ولكني أفتدي جنايتها بمثل ثمنها، فدفعه إليه وقال له: أقسمت عليك يا أبا المصبح ألآ تعيد في هذا المعنى شيئاً بعد ما فرط منك.
وذكر هذا الخبر العنزي في روايته التي قدمت ذكرها، ولم يأت به على هذا الشرح.

وقال هو وابن النطاح جميعاً: وكان خالد يقول للأعشى في بعض ما يمنيه إياه ويعده به: إن وليت عملاً كان لك ما دون الناس جميعاً، فمتى استعملت فخذ خاتمي واقض في أمور الناس كيف شئت. قال: فاستعمل خالد على أصبهان وصار معه الأعشى، فلما وصل إلى عمله جفاه وتناساه، ففارقه الأعشى ورجع إلى الكوفة وقال فيه:

تمنيني إمـارتـهـا تـمـيم

 

وما أمي بأم بشـي تـمـيم

وكان أبوسليمـان أخـاً لـي

 

ولكن الشـراك مـن الأديم

أتينا أصبهان فهـزلـتـنـا

 

وكنا قبل ذلك فـي نـعـيم

أتذكرنا ومـرة إذغـزونـا

 

وأنت على بغيلك ذي الوشوم

ويركب رأسه في كل وحـل

 

ويعثرفي الطريق المستقـيم

وليس عليك إلاطـيلـسـان

 

نصيبـي وإلاسـحـق نـيم

فقد أصبحت في خـزوقـز

 

تبختر ماترى لك من حمـيم

وتحسب أن تلقاهـا زمـانـا

 

كذبت ورب مكة والحطـيم

هذه رواية ابن النطاح، وزاد العنزي في روايته-:

وكانت أصبهان كخـير أرض

 

لمغترب وصعـلـوك عـديم

ولكنا أتينـاهـا وفـيهـا ذوو

 

لأضغان والحـقـد الـقـديم

فأنكرت الوجوه وأنكرتـنـي

 

وجوه ماتخـبـرعـن كـريم

وكان سفاهة منـي وجـهـلاً

 

مسيري لا أسيرإلى حـمـيم

فلو كان ابن عتـاب كـريمـاً

 

سما لرواية الأمرالـجـسـيم

وكيف رجاء مـن غـلـبـت

 

عليه تنائي الدار كالرحم العقيم

قال ابن النطاح: فبعث إليه خالد: من مرة هذا الذي ادعيت أني وأنت غزونا معه على بغل ذي وشوم؟ ومتى كان ذلك. ومتى رأيت علي الطيلسان والنيم اللذين وصفتهما؟ فأرسل إليه: هذا كلام أردت وصفك بظاهره، فأما تفسيره، فإن مرة مرارة مرة ما غرست عندي من القبيح. والبغل المركب الذي ارتكبته مني لا يزال يعثر بك في كل وعث وجدد ووعر وسهل. وأما الطيلسان فما ألبسك إياه من العار والذم وإن شئت راجعت الجميل فراجعته لك، فقال: لا، بل أراجع الجميل وتراجعه فوصله بمال عظيم وترضاه. هكذا روى من قدمت ذكره.

أخبرني هاشم بن محمد الخزاعي قال حدثنا الرياشي قال حدثنا الأصمعي قال: لما ولي خالد بن عتاب بن ورقاء أصبهان، خرج إليه أعشى همدان، وكان صديقه وجاره بالكوفة، فلم يجد عنده ما يحب، وأعطى خالد الناس عطايا فجعله في أقلها وفضل عليه آل عطارد، فبلغه عنه أنه ذمه فحبسه مدة ثم طلقه، فقال يهجوه:

وما كنت ممن ألجأته خصاصة

 

إليك ولا ممن تغر المواعـد

ولكنها الأطماع وهـي مـذلة

 

دنت بي وأنت النازح المتباعد

أتحبسني في غيرشيء وتـارة

 

تلاحظني شزراً وأنفك عاقـد

فإنك لاكابني فزارة فاعلمـن

 

خلقت ولم يشبههما لك والـد

ولامدرك ما قد خلا من نداهما

 

أبوك ولاحوضيهما أنت وارد

وإنك لو ساميت آل عـطـارد

 

لبذتك أعناق لهم وسـواعـد

ومأثرة عادية لن تـنـالـهـا

 

وبيت رفيع لم تخنه القواعـد

وهل أنت إلا ثعلب في ديارهم

 

تشل فتغسا أو يقـودك قـائد

أرى خالداً يختال مشياً كـأنـه

 

من الكبرياء نفشل أو عطارد

وما كان يربوع شبيهـا لـدارم

 

وما عدلت شمس النهارالفراقد

قالوا: ولما خرج ابن الأشعث على الحجاج بن يوسف حشد معه أهل الكوفة، فلم يبق من وجوههم وقرائهم أحد له نباهة إلا خرج معه لثقل وطأة الحجاج عليهم. فكان عامر الشعبي وأعشى همدان ممن خرج معه، وخرج، أحمد النضبي أبو اسامة الهمذاني المغني مع الأعشى لالفته إياه، وجعل الأعشى يقول الشعر في ابن الأشعث يمدحه، ولا يزال يحرض أهل الكوفة بأشعاره على القتال، وكان مما قاله في ابن الأشعث يمدحه:

يأبى الإله وعزة ابن مـحـمـد

 

وجدود ملك قبـل آل ثـمـود

أن تأنسوا بمذممين، عروقـهـم

 

في الناس إن نسبواعروق عبيد

كم من أب لك كان يعقد تاجـه

 

بجبين أبلج مـقـول صـنـديد

وإذا سألت: المجد أين محـلـه

 

فالمجد بين محمـد وسـعـيد

بين الأشج وبـين قـيس بـاذخ

 

بخ بخ لوالـده ولـلـمـولـود

ماقضرت بك أن تنال مدى العلا

 

أخلاق مكـرمة وإرث جـدود

قرم إذا سامى القروم ترى لـه

 

أعراق مجد طـارف وتـلـيد

وإذا دعا لعظيمة حشـدت لـه

 

همدان تحت لوائه المعـقـود

يمشون في حلق الحديد كأنهـم

 

أشد الإباء سمعـن زأرأسـود

وإذا دعوت بال كندة أجفـلـوا

 

بكهول صدق سـيد ومـسـود

وشباب مأسدة كأن سـيوفـهـم

 

في كل ملحمة بروق رعـود

ما إن ترى قيساً يقارب قيسكـم

 

في المكرمات ولاترى كسعـيد

وقال حماد الراوية في خبره: كانت لأعشى همدان مع ابن الأشعث مواقف محمودة وبلاء حسن وآثار مشهورة، وكان الأعشى من أخواله، لأن أم عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث أم عمرو بنت سعيد بن قيس الهمداني. قال: فلما صار ابن الأشعث إلى!سجستان جبى مالاً كثيرا، فسأله أعشى همدان أن يعطيه منه زيادة على عطائه فمنعه، فقال الأعشى في ذلك:

هل تعرف الدار عفا رسمهـا

 

بالحضر فالروضة من آمـد

دار لـخـود طـفـلة رودة

 

بانت فأمسىحبها عـامـدي

بيضاء مثل الشمس رقـراقة

 

تنسم عن فـي اشـر بـارد

لم يخط قلبي سهمها إذ رمت

 

يا عجبا من سهمها القاصـد

يأيها القزم الهـجـان الـذي

 

ينطش بطش الأسد الـلابـد

والفاعل الفعل الشريف الـذي

 

ينمى إلى الغائب والشـاهـد

كم قد اسدي لك من مـدحـه

 

تروى مع الصادر والـوارد

وكم أجبنا لـك مـن دعـوة

 

فاعرف فما العارف كالجاحد

نحن حميناك وما تحـتـمـي

 

في الروع من مثنى ولا واحد

يوم انتصرنا لك مـن عـابـد

 

ويوم أنجينـاك مـن خـالـد

ووقعة الري التي نـلـتـهـا

 

بجحفل من جمعنـا عـاقـد

وكم لقينـا لـك مـن واتـر

 

يصرف نابي حنـق حـارد

ثم وطـئنـاه بـأقـدامـنـا

 

وكان مثل الحية الـراصـد

إلى بلاء حسن قـد مـضـى

 

وأنت في ذلك كـالـزاهـد

فاذكـر أيادينـا وآلاءنـــا

 

بعوده من حلمـك الـراشـد

ويوم الأهواز فـلا تـنـسـه

 

ليس النثا والقول بـالـبـائد

إنا لنرجوك كما نـزتـجـي

 

صوب الغمام المبرق الراعد

فانفخ بكفيك ومـا ضـمـتـا

 

وافعل فعال الشيد المـاجـد

ما لك لا تعطي وأنت امـرؤ

 

مثر من الطارف والتـالـد

تجبي سجستان وما حولـهـا

 

متكئاً في عيشـك الـراغـد

لاترهـب الـدهـر وأيامـه

 

وتجرد الأرض مع الجـارد

إن يك مكروه تهجـنـا لـه

 

وأنت في المعروف كالراقد

ثم ترى أنا سـنـرضـى بـذا

 

كلا ورب الراكع الـسـاجـد

وحـرمة الـبـيت وأسـتـاره

 

ومن به من نـاسـك عـابـد

تلك لـكـم أمـنـية بـاطـل

 

وغفوة مـن حـلـم الـراقـد

ما أنا إن هاجك من بـعـدهـا

 

هيج بـآتـيك ولا كـابـــد

ولا إذا ناطـوك فـي حـلـقة

 

بحامـل عـنـك ولا فـاقـد

فأعط ما أعـطـيتـه طـيبـاً

 

لا خير في المنكود والنـاكـد

نحن ولدنـاك فـلا تـجـفـن

 

والله قـد وصـاك بـالـوالـد

إن تك من كندة فـي بـيتـهـا

 

فإن أخوالـك هـن حـاشـد

شم العرانـين وأهـل الـنـدى

 

ومنتهى الضـينـان والـرائد

كم فيهم من فـارس مـعـلـم

 

وسائس لـلـجـيش أو قـائد

وراكب للـهـول يجـتـابـه

 

مثل شهاب القبـس الـواقـد

أو ملأ يشفـى بـأحـلامـهـم

 

من سفه الجاهـل والـمـارد

لم يجعل اللـه بـأحـسـابـنـا

 

نقصا وما الناقـص كـالـزائد

ورب خال لك، فـي قـومـه

 

فرع طويل الباع والـسـاعـد

يحتضرالبـأس ومـايبـتـغـى

 

سوى إسار البطل الـنـاجـد

والطعن بالراية مستـمـكـنـاً

 

في الصف في العادية الناهـد

فارتح لأخـوالـك واذكـرهـم

 

وارحمهم للسـلـف الـعـائد

فإن أخـوالـك لـم يبـرحـوا

 

يربون بالرفد علـى الـرافـد

لم يبخلوا يوماً ولـم يجـبـنـوا

 

في السلف الغافي ي ولا القاعد

ورب خال لـك فـي قـومـه

 

حمال أثـقـال لـهـا واجـد

معترف للـرزء فـي مـالـه

 

والحق للـسـائل والـعـامـد

وأخبرني الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه عن ابن الكلبي، وأخبرني عمي عن الكراني عن العمري عن الهيثم بن عدي، وذكره العنزي عن أصحابه، قالوا جميعاً: خرج أعشى همدان إلى الشأم في ولاية مروان بن الحكم، فلم ينل فيها حظاً فجاء إلى النعمان بن بشير وهوعامل على حمص، فشكا إليه حاله، فكلم له النعمان بن بشير اليمانية وقال لهم: هذا شاعر اليمن ولسانها، واستماحهم له، فقالوا: نعم، يعطيه كل رجل منا دينارين من عطائه، فقال: لا، بل أعطوه ديناراً ديناراً واجعلوا ذلك معجلاً، فقالوا: أعطه إياه من بيت المال واحتسبها على كل رجل من عطائه، ففعل النعمان وكانوا عشرين ألفاً فأعطاه عشرين ألف دينار وارتجعها منهم عند العطاء. فقال الأعشى يمدح النعمان:

ولم أر للحاجات عند التماسهـا

 

كنعمان نعمان الندى ابن بشير

إذا قال أوفى ما يقول ولم يكن

 

كمدلٍ إلى الأقوام حبل غرور

متى أكفرالنعمان لم ألف شاكراً

 

وماخيرمن لايقتدي بشـكـور

فلولا أخو الأنصار كنت كنازلٍ

 

ثوى ماثوى لم ينقلب بنـقـير

وقال الهيثم بن عدي في خبره: حاصر المهلب بن أبي صفرة نصيبين، وفيها أبو قارب يزيد بن أبي صخرومعه الخشبية فقال المهلب: يأيها الناس، لا يهولنكم هؤلاء القوم فإنما هم العبيد بأيديها العصي. فحمل عليهم المهلب وأصحابه فلقوهم بالعصي فهزموهم حتى أزالوهم عن موقفهم. فدس المهلب رجلاً من عبد القيس إلى يزيد بن أبي صخر ليغتاله، وجعل له على ذلك جعلا سنيا قال الهيثم: بلغني أنه أعطاه مائتي ألف درهم قبل أن يمضي ووعده بمثلها إذا عاد فاندس له العبدي فاغتاله فقتله وقتل بعده. ققال أعشى همدان في ذلك:

يسمون أصحاب العصي وما أرى

 

مع القوم إلا المشرفية من عصا

ألا أيها الليث الذي جـاء حـاذراً

 

وألقى بنا جرمى الخيام وعرصا

أتحسب غزو الشأم يوماً وحربـه

 

كبيض ينظمن الجمان المفصصا

وسيرك بالأهواز إذ أنـت امـنٌ

 

وشربك ألبان الخلايا المقرصـا

فأقسمت لاتجبي لك الدهردرهماً

 

نصيبون حتى تبتلى وتمحـصـا

ولا أنت من أثوابها الخضرلابسٌ

 

ولكن خشباناً شداداً ومشقـصـا

فكم رد من ذي حاجةٍ لاينالـهـا

 

جديع العتيك رده الله أبـرصـا

وشيد بنياناً وظاهـر كـسـوةً

 

وطال جديع بعد ما كان أوقصا

             

تصغير جدع جديع بالدال غير معجمة. والأبيات التي كان فيها الغناء المذكور معه خبر الأعشى في هذا الكتاب يقولها في زوجة له من هفدان يقال لها جزلة، هكذا رواه الكوفيون، وهو الصحيح. وذكر الأصمعي أنها خولة، هكذا رواه في شعر الأعشى.
فذكر العنزي في أخبار الأعشى المتقدم إسنادها: أنها كانت عند الأعشى امرأةٌ من قومه يقال لها أم الجلال، فطالت مدتها معه وأبغضها، ثم خطب امرأة من قومه يقال لها جزلة وقال الأصمعي: خولة فقالت له: لا، حتى تطلق أم الجلال فطلقها وقال في ذلك:

تقــــادم ودك أم الـــــــجـــــــلال

 

فطـاشـت نـبـالـك عـنـد الـنـــضـــال

وطال لزومك لي حقبةً فرثت قوى الحبل بعد الوصال

 

 

وكان الفؤاد بهامعجباً

 

فقـدأصـبـح الـيوم عـــن ذاك ســـالـــي

صحـا لا مـــســـيئاً ولا ظـــالـــمـــاً

 

ولـكـن سـلاســـوةً فـــي جـــمـــال

ورضـت خـلائفـــنـــا كـــلـــهـــا

 

ورضـنـا خـلائقـــكـــم كـــل حـــال

فأكـييتـنـا فـــي الـــذي بـــينـــنـــا

 

تسـومـينـنـي كــل أمـــرٍعـــضـــال

وقـدتـأمـرين بـقــطـــع الـــصـــديق

 

وكـان الـصـديق لـنـا غـــير قـــالـــي

وإتـيان مـا قـد تـــجـــنـــبـــتـــه

 

ولـيداً ولـمـت عـــلـــيه رجـــالـــي

أفـالــيوم أركـــبـــه بـــعـــد مـــا

 

علا الـشـيب مـنـي صـمــيم الـــقـــذال

لعـمـرأبـيك لـقــد خـــلـــتـــنـــي

 

ضعـيف الـقـوى أوشـديد الـــمـــحـــال

هلـمـي اسـألـي نـائلا فـــانـــظـــري

 

أأحـرمـك الـخـيرعـنـــد الـــســـؤال

ألـم تـعـلـمـي أنـــنـــي مـــغـــرقٌ

 

نمـانـي إلـى الـمـجـد عـمـي وخـالـــي

وأنـــي إذا ســـاءنـــي مـــنـــــزلٌ

 

عزمـت فـأوشـكـت مـنـه ارتـحــالـــي

فبـعـض الـعـتـاب، فـلاتـهــلـــكـــي

 

فلا لـــك فـــي ذاك خـــيرٌ ولالـــــي

فلـمـا بـدا لـي مـنـــهـــا الـــبـــذا

 

ء صـبـحـتـهـا بـثـــلاث عـــجـــال

ثلاثـاً خـرجـن جــمـــيعـــاً بـــهـــا

 

فخـلـــينـــهـــا ذات بـــيتٍ ومـــال

إلـى أهـلـهـا غـــير مـــخـــلـــوعةٍ

 

ومـامـسـهـاعـنـدنـامـــن نـــكـــال

فأمـسـت تـحـن حـنــين الـــلـــقـــا

 

ح مـن جـزع إثــر مـــن لايبـــالـــي

فحـنـي حـنـينـك واســـتـــيقـــنـــي

 

بأنـا اطـرحـنــاك ذات الـــشـــمـــال

وأن لا رجـــوع فـــلا تـــكـــذبـــي

 

ن مـا حـنـت الـنـيب إثـر الـفـــصـــال

ولا تـحـسـبــينـــي بـــأنـــي نـــدم

 

ت كـلا وخـالـقــنـــا ذي الـــجـــلال

فقالت له أم الجلال: بئس والله بعل الحرة وقرين الزوجة المسلمة أنت! ويحك! أعددت طول الصحبة والحرمة ذنباً تسبني وتهجوني به! ثم دعت عليه أن يبغضه الله إلى زوجته التي اختارها، وفارقته. فلما انتقلت إلى أ أهلها وصارت جزلة إليه، ودخل بها لم يحظ عندها، ففركته وتنكرت له واشتد شغفه بها ثم خرج مع ابن الأشعث فقال فيها:

حييا جزلة مـنـي بـالـسـلام

 

درة البحر ومصباح الـظـلام

لا تصـدي بـعـد ود ثـابـتٍ

 

واسمعي يا أم عيسى من كلامي

إن تدومي لي فـوصـلـي دائمٌ

 

أو تهمي لي بهجر أو صـرام

أو تكوني مثـل بـرقٍ خـلـب

 

خادع يلمع في عرض الغمـام

أو كتخييل سـراب مـغـرضٍ

 

بفلاة أو طروق في الـمـنـام

فاعلمي إن كنت لما تعـلـمـي

 

ومتى ما تفعلي ذاك تـلامـي

بعد ما كـان الـذي كـان فـلا

 

تتبعي الإحسان إلا بالـتـمـام

لا تناسيئ كل ما أعطـيتـنـي

 

من عهود ومواثـيق عـظـام

واذكري الوعد الذي واعدتـنـي

 

ليلة النصف من الشهر الحـرام

فلئن بدلـت أو خـسـت بـنـا

 

وتجرأت عـلـى أم صـمـام

أم صمام: الغدر والحنث:

لا تبالين إذاً من بـعـدهـا

 

أبداً ترك صـلاةٍ أو صـيام

راجعي الوصل وردي نظرةً

 

لا تلجي في طمـاح وأثـام

وإذا أنكرت مـنـي شـيمةً

 

ولقد ينكر مـا لـيس بـذام

فاذكريها لي أزل عنهـا ولا

 

تسفحي عينيك بالدمع السجام

وأرى حبلك رثـا خـلـقـاً

 

وحبالي جدداً غـير رمـام

عجبت جـزلة مـنـي أن رأت

 

لمتي حفت بشيب كـالـثـغـام

ورأت جسمـي عـلاه كـبـرةٌ

 

وصروف الدهر قد أبلت عظامي

وصليت الحرب حتـى تـركـت

 

جسدي نضواً كأشلاء الـلـجـام

وهي بيضاءعلى مـنـكـبـهـا

 

قططٌ جـعـدٌ ومـيال سـخـام

وإذا تضحـك تـبـدي حـبـبـاً

 

كرضاب المسك في الراح المدام

كملت مـا بـين قـرنٍ فـإلـى

 

موضع الخلخال منها والـخـدام

فأراها اليوم لـي قـد أحـدثـت

 

خلقاً لـيس عـلـى الـعـهـد

أخبرني عمي قال حدثنا محمد بن سعيد الكراني قال حدثنا العمري عن الهيثم بن عدي عن مجالد عن الشعبي: أنه أتى البصرة أيام ابن الزبير، فجلس في المسجد إلى قوم من تميم فيهم الأحنف بن قيس فتذاكروا أهل الكوفة وأهل البصرة وفاخروا بينهم، إلى أن قال قائل من أهل البصرة: وهل أهل الكوفة إلا خولنا؟ استنقذناهم من عبيدهم! -يعني الخوارج-. قال الشعبي: فهجس في صدري أن تمثلت قول أعشى همدان:

أفخرتم أن قتلتم أعـبـداً

 

وهزمتم مرةً آل عـزل

نحن سقناهم إليكم عنـوةً

 

وجمعنا أمركم بعد فشـل

فإذا فاخرتمونا فاذكـروا

 

مافعلنا بكم يوم الجـمـل

بين شيخ خاضبٍ عثنونـه

 

وفتى أبيض وضاحٍ رفل

جاءنا يرفل في سـابـغةٍ

 

فذبحناه ضحى ذبح الحمل

وعفونا فنسيتم عـفـونـا

 

وكفرتم نحمة الله الأجـل

قال: فضحك الأحنف، ثم قال: يأهل البصرة، قد فخر عليكم الشعبي وصدق وانتصف، فأحسنوا مجالسته.
أخبرني محمد بن عمران الصيرفي قال حدثنا العنزي قال حدثنا الرياشي عن أبي محلم عن الخليل بن عبد الحميد عن أبيه قال: بعث بشر بن مروان الزبير بن خزيمة الخثعمي إلى الري فلقيه الخوارج بجلولاء، فقتلوا جيشه وهزموه وأبادوا عسكره، وكان معه أعشى همدان، فقال في ذلك:

أمرت خثعمٌ على غـير خـير

 

ثم أوصاهم الأمـير بـسـير

أين ماكنتم تعـيفـون لـلـنـا

 

س وما تزجرون من كل طير

ضلت الطيرعنكم بـجـلـولا

 

ءوغرتكم أمانـي الـزبـير

قدرٌما أتيح لي من فلسـطـي

 

ن على فالج ثـقـال وعـير

خثعمي مغصص جزجـمـان

 

ي محل غزامع ابن نـمـير

أخبرني محمد بن الحسن بن دريد قال حدثنا أبو حاتم قال: سألت الأصمعي عن أعشى همدان فقال: هو من الفحول وهو إسلامي كثير الشعر ثم قال لي: العجب من ابن دأب حين يزعم أن أعشى همدان قال:

من دعا لي غزيلي

 

أربح الله تجارته

نم قال: سبحان الله أمثل هذا يجوز على الأعشى؟ أن يجزم اسم الله عز وجل ويرفع تجارته وهو نصب.

ثم قال لي خلفٌ الأحمر: والله لقد طمع ابن دأب في الخلافة حين ظن أن هذا يقبل منه وأن له من المحل مثل أن يجوز مثل هذا. قال ثم قال: ومع ذلك أيضاً إن قوله: من دعا لي غزيلي لا يجوز، إنما هو: من دعا لغزيلي، ومن دعا لبعير ضال.
أخبرني عيسى بن الحسين الوراق ومحمد بن مزيد بن أبي الأزهر قالا حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه عن الهيثم بن عدي قال: أملق أعشى همدان فأتى خالد بن عتاب بن وزقاء فأنشده:

رأيت ثناء الناس بالقول طـيبـاً

 

عليك وقالوا ماجدٌ وابن ماجـد

بني الحارث السامين للمجد، إنكم

 

بنيتم بنـاءً ذكـره غـيربـائد

هنيئا لما أعطاكم الله واعلمـوا

 

بأني ساطري خالداً في القصائد

فأن يك عتابٌ مضى لسبيله فما مات من يبقى له مثل خالد فأمر له بخمسة آلاف درهم.
أخبرني هاشم بن محمد الخزاعي قال حدثنا أبو غسان قال: قال عمر بن عبد العزيز يوما لسابق البربري ودخل عليه: أنشدني يا سابق شيئاً من شعرك تذكرني به فقال: أو خيراً من شعري؟ فقال: هات قال قال أعشى همدان:

وبينما المرء أمسى ناعماً جـذلاً

 

في أهله معجباً بالعيش ذا أنـق

غرا، أتيح له من حينه عـرض

 

فما تلبث حتى مات كالصـعـق

ثمت أضحى ضحى من غب ثالثة

 

مقنعاً غير ذي روح ولا رمـق

يبكى عليه وأدنوه لمظـلـمة

 

تغلى جوانبها بالترب والفلق

فماتزود مما كان يجمـعـه

 

إلاحنوطا وماواراه من خرق

وغيرنفحة أعوادٍ تشـب لـه

 

وقل ذلك من زاد لمنطلـق

قال: فبكى عمر حتى أخضل لحيته.

أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الحسين بن محمد بن أبي طالب الديناري قال حدثني إسحاق بن إبراهيم الموصلي عن الهيثم بن عدي عن حماد الراوية قال: سأل أعشى همدان شجرة بن سليمان العبسي حاجةً فرده عنها، فقال يهجوه:

لقد كنت خياطاً فأصبحت فارسـاً

 

تعد إذا عد الفوارس من مضـر

فإن كنت قد أنكرت هذا فقل كذا

 

وبين لي الجرح الذي كان قد دثر

وإصبعك الوسطى عليه شـهـيدةٌ

 

وما ذاك إلا وخزها الثوب بالإبر

قال وكان يقال: إن شجرة كان خياطاً، وقد كان ولي للحجاج بعض أعمال السواد. فلما قدم على الحجاج فال له: يا شجرة، ارني إصبعك أنظز إليها قال: أصلح الله الأمير، وما تصنع بها؟ قال: أنظر إلى صفة الأعشى ة فخجل شجرة. فقال الحجاج لحاجبه: مر المعطي أن يعطى الأعشى من عطاء شجرة كذا وكذا. يا شجرة، إذا أتاك امرؤ ذو حسب ولسان فاشتر عرضك منه.
أخبرني علي بن سليمان الأخفش قال حدثنا محمد بن يزيد الأزدي قال حدثنا أحمد بن عمرو الحنفي عن جماعة قال المبرد: أحسب أن أحدهم مؤرج بن عمرو السدوسي قالوا: لما اتي الحجاج بن يوسف الثقفي بأعشى همدان أسيراً، قال: الحمد لله الذي أمكن منك، ألست القائل:

لما سفؤنا للكفور الـفـتـان

 

بالسيد الغطريف عبد الرحمن

سار بجمع كالقطا من قحطان

 

ومن معد قد أتى ابن عدنـان

أمكن ربي من ثقيف هفـدان

 

يوماً إلى الليل يسلي ما كان

إن ثقيفا منهـم الـكـذابـان

 

كذابها الماضي وكذابٌ ثـان

أو لست القائل:

يابن الأشـج قـريع كـن

 

دة لا أبالي فيك عـتـبـا

أنت الرئيس ابـن الـرئي

 

س وأنت أعلى الناس كعبا

نبـئت حـجـاج بـن يو

 

سف خرمن زلق فتـبـا

فانهض فـديت لـعـلـه

 

يجلوبك الرحمن كـربـا

وابعث عطية في الـخـيو

 

ل يكبهن عـلـيه كـبـا

كلا يا عدو الله، بل عبد الرحمن بن الأشعث هو الذي خر من زلق فتب، وحار وانكب، وما لقي ما أحب ورفع بها صوته واربد وجهه واهتز منكباه، فلم يبق أحد في المجلس إلا أهمته نفسه وأرتعدت فرائصه. فقال له الأعشى بل أنا القائل أيها الأمير:

أبى الـلـه إلا أن يتـمـم نـوره

 

ويطفىء نار الفاسقين فتـخـمـدا

وينزل ذلاً بـالـعـراق وأهـلـه

 

كما نقضوا العهد الوثيق المؤكـدا

ومالبث الحجاج أن سـل سـيفـه

 

علينا فولى جمـعـنـا وتـبـددا

وما زاحف الـحـجـاج إلارأيتـه

 

حساما ملقى للحـروب مـعـودا

فكيف رأيت الله فرق جمـعـهـم

 

ومزقهم عرض البـلاد وشـردا

بمانكثوامـن بـيعة بـعـد بـيعة

 

إذاضمنوها اليوم خاسوا بهـاغـدا

وما أحدثوامن بـدعة وعـظـيمة

 

من القول لم تصعد إلى الله مصعدا

ولما دلفنـا لابـن يوسـف ضـلة

 

وأبرق منا العارضـان وأرعـدا

قطعنا إليه الخـنـدقـين وإنـمـا

 

قطعناوأفضينا إلى الموت مرصدا

فصادمنا الحجاج دون صفـوفـنـا

 

كفاحاً ولم يضرب لذلك مـوعـدا

بجند أمير المـؤمـنـين وخـيلـه

 

وسلطانه أمسى مـعـانـاً مـؤيدا

ليهنىءأمير المؤمنـين ظـهـوره

 

على أمة كانوابـغـاةً وحـسـدا

وجدنا بـنـي مـروان خـيرأئمة

 

وأعظم هذا الخلق حلماً وسـؤددا

وخيرقـريش فـي قـريش أرومة

 

وأكرمهم إلا النـبـي مـحـمـدا

إذا ما تدبرنـا عـواقـب أمـرنـا

 

وجدنا أمير المؤمنين الـمـسـددا

سيغلب قومأ غالبوا اللـه جـهـرة

 

وإن كايدوه كـان أقـوى وأكـيدا

كذاك يضل الله من كان قـلـبـه

 

ضعيفا ومن والى النفاق وألحـدا

فقد تركوا الأموال والأهل خلفهـم

 

وبيضاً عليهن الجـلابـيب خـردا

ينادينهم مسـتـعـبـرات إلـيهـم

 

ويذرين دمعاً في الخدود وإثـمـدا

وإلاتناولـهـن مـنـك بـرحـمة

 

يكن سبايا والـبـعـولة أعـبـدا

تعطف أمير المؤمنـين عـلـيهـم

 

فقد تركوا أمرالسفـاهة والـردى

لعلهم أن يحـدثـوا الـعـام تـوبةً

 

وتعرف نصحاً مـنـهـم وتـوددا

لقد شمت يابن الأشعث العام مصرنا

 

فظلوا وما لاقوا من الطيرأسعـدا

كما شاء الله الـنـجـير وأهـلـه

 

بجدك من قد كان أشقى وأنـكـدا

فقال من حضر من أهل الشام: قد أحسن أيها الأمير، فخل سبيله فقال: أتظنون أنه أراد المدح! لا والله! لكنه قال هذا أسفاً لغلبتكم إياه وأراد به أن يحرض أصحابه. ثم أقبل عليه فقال له: أظننت يا عدو الله أنك تخدعني بهذا الشعر وتنفلت من يدي حتى تنجو! ألست القائل! ويحك!.

وإذاسألت: المجد أين محله

 

فالمجد بين محمد وسعيد

بين الأغروبين قيس باذخٌ

 

بخ بخ لوالده وللمـولـود

والله لا تبخبخ بعدها أبداً. أو لست القائل:

وأصابني قومٌ وكنت أصيبهـم

 

فاليوم أصبر للزمان وأعرف!

كذبت والله، ما كنت صبوراً ولا عروفاً. ثم قلت بعده:

وإذاتصبك من الحوادث نكبةٌ

 

فاصبرفكل غيابة ستكشف

أما والله لتكونن نكبة لا تنكشف غيابتها عنك أبداً! يا حرسي، اضرب عنقه فضرب عنقه.

وذكر مؤرج السدوسي أن الأعشى كان شديد التحريض على الحجاج في تلك الحروب، فجال أهل العراق جولة ثم عادوا، فنزل عن سرجه ونزعه عن فرسه، ونزع درعه فوضعها فوق السرج، ثم جلس عليها فأحدث والناس يرونه، ثم أقبل عليهم فقال لهم: لعلكم أنكرتم ما صنعت! قالوا: أو ليس هذا موضع نكير. قال: لا، كلكم قد سلح في سرجه ودرعه خوفاً وفرقاً، ولكنكم سترتموه وأظهرته ة فحمي القوم وقاتلوا أشد قتال يومهم إلى الليل، وشاعت فيهم الجراح والقتلى، وانهزم أهل الشأم يومئذ، ثم عاودوهم من غد وقد نكأتهم الحرب ة وجاء مددٌ من أهل الشأم، فباكروهم القتال وهم مستريحون فكانت الهزيمة وقتل ابن الأشعث. وقد حكيت هذه الحكاية عن أبي كلدة اليشكري أنه فعلها في هذه الوقعة، وذكر ذلك أبو عمرو الشيباني في أخبار أبي كلدة ، وقد ذكر ما حكاه مع أخباره في موضعه من، هذا الكتاب.

النصبي هو صاحب الأنصاب. وأول من غنى بها وعنه أخذ النصب في الغناء هو أحمد بن اسامة الهمداني، من رهط الأعشى الأدنين. ولم أجد نسبه متصلا فأذكره. وكان يغني بالطنبور في الإسلام. وكان، فيما يقال، ينادم عبيد الله بن زياد سراً ويغنيه. وله صنعةٌ كثيرة حسنة لم يلحقها أحد من الطنبوريين ولا كثير ممن يغني بالعود.

وذكره جحظة في كتاب الطتبوريين فأتى من ذكره بشيء ليس من جنس أخباره ولا زمانه، وثلبه فيما ذكره.

وكان مذهبه عفا الله عنا وعنه في هذا الكتاب أن يثلب جميع من ذكره من أهل صناعته بأقبح ما قدرعليه، وكان يجب عليه ضد هذا، لأن من أنتسب إلى صناعة، ثم ذكر متقدمي أهلها، كان الأجمل به أن يذكر محاسن أخبارهم وظريف قصصهم ومليح ما عرفه منهم لا أن يثلبهم بما لا يعلم وما يعلم. فكان فيما قرأت عليه من هذا الكتاب أخبار أحمد النصبي، وبه صدر كتابه فقال: أحمد النصبي أول من غنى الأنصاب على الطنبور وأظهرها وسيرها ولم يخدم خليفة ولا كان له شعر ولا أدب.

وحذثني جماعة من الكوفيين أنه لم يكن بالكوفة أبخل منه مع يساره، وأنه كان يفرض الناس بالربا، وأنه اغتص في دعوة دعي إليها بفالوذجة حارة فبلعها فجمعت أحشاءه فمات. وهذا كله باطل. أما الغناء فله منه صنعة في الثقيل الأول وخفيف الثقيل والثقيل الثاني، ليس لكثير أحد مثلها. منها الصوت الفي تقذم ذكرهوهو قوله: حييا خولة مني بالسلام ومنها:

سلبت الجواري حفيهن فلـم تـدع

 

لسوراً ولا طوقاً على النحر مذهبا

وهو من الثقيل الثاني، والشعر للعديل بن الفرخ ، وقد ذكرت ذلك في أخباره.
ومنها:

يأيها القلب المطيع الهـوى

 

أنى اعتراك الطرب النازخ

وهو أيضا من الثقيل الثاني، وأصوات كثيرةٌ نالمحرة تدل على تقدمه.

وأما ما وصفه من بخله وقرضه للناس بالربا وموته من فالوذجة حارة أكلها، فلا أدري من من الكوفيين حدثه بهذا الحديث، ليس يخلو من أن يكون كاذباً، أو نحل هو هذه الحكاية ووضعها هنا، لأن أحمد النصبي خرج مع أعشى همدان وكان قرابته وإلفه في عسكر ابن الأشعث، فقتل فيمن قتل. روى ذلك الثقات من أهل الكوفة والعلم بأخبار الناس، وذلك يذكر في جملة أخباره.

أخبرنا محمد بن مزيد بن أبي الأزهر والحسين بن يحيى قالا حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه، وذكره العنزي في أخبار أعشى همدان المذكورة عنه عن رجاله المسفين قال: كان أحمد النصبي مواخياً لأعشى همدان مواصلاً له، فأكثر غنائه في أشعاره مثل صنعته في شعره:

حييا خولة مني بالسلام

ولمن الظعائن سيرهن ترجف

ويأيها القلب المطيع الهوى

وهذه الأصوات قلائد صنعته وغرر أغانيه. قال: وكان سبب قوله الشعر في سليم بن صالح بن سعد بن جابر العنبري وكان منزل سليم ساباط المدائن- أن أعشى همدان وأحمد النضبي خرجا في بعض مغازيهما، فنزلا على سليم فأحسن قراهما وأمر لدوابهما بعلوفة وقضيم، وأقسم عليهما أن ينتقلا إلى منزله ففعلا، فعرض عليهما الشراب فأنعما به وطلباه فوضعه بين أيديهما وجلسا يشربان ة فقال أحمد النصبي للأعشى: قل في هذا الرجل الكريم شعراً تمدحه به حتى أغني فيه فقال الأعشى يمدحه:

يأيها القلب المطيع الهـوى

 

أنى اعتراك الطرب النازح

تذكر جملاً فـإذا مـا نـأت

 

طار شعاعاً قلبك الطامـح

هلا تناهيت وكنـت امـرأ

 

يزجرك المرشد والناصـح

ما لك لا تترك جهل الصبـا

 

وقد علاك الشمط الواضـح

فصار من ينهاك عن حبهـا

 

لم تـر إلا أنـه كـاشـح

يا جمل ما حبي لـكـم زائلٌ

 

عني ولا عن كبدي نـازح

حملت ودا لكم خـالـصـاً

 

جداً إذا ما هزل الـمـازح

ثم لقد طـال طـلابـيكـم

 

أسعى وخير العمل الناجـح

إني توسمت امرأ مـاجـداً

 

يصدق في مدحته المـادح

ذؤابة العنبر فـاخـتـرتـه

 

والمرء قهد ينعشه الصالـح

أبلج بهلـولا وظـنـي بـه

 

أن ثنـائي عـنـده رابـح

سليم ما أنت بـنـكـسٍ ولا

 

ذمـك لـي غـادٍ ولا رائح

أعطيت ودي وثنائي مـعـاً

 

وخلةً مـيزانـهـا راجـح

أرعاك بالغيب وأهوى لك ال

 

مرشد وجيبي فاعلمن ناصح

إني لمن سالمت سلمٌ ومـن

 

عاديت أمسي وله نـاطـح

في الرأس منه وعلى أنفـه

 

من نقماتـي مـيسـمٌ لائح

نعم فتى الـحـي إذا لـيلةٌ

 

لم يور فيها زنده الـقـادح

وراح بالشول إلى أهلـهـا

 

مغبرة أذقانـهـا كـالـح

وهـبـت الـريح شـامـيةً

 

فانجحر القابس والـنـابـح

قد علم الحي إذا أمـحـلـوا

 

أنك رفـادٌ لـهـم مـانـح

في الليلة القالي قراها التـي

 

لا عابقٌ فيها ولا صـابـح

فالضيف معروفٌ له حقـه

 

له على أبوابـكـم فـاتـح

والخيل قد تعلم يوم الوغـى

 

أنك من جمرتهـانـاضـح

قال: فغنى أحمد النصبي في بعض هذه الأبيات، وجارية لسليم في السطح، فسمعت الغناء، فنزلت إلى مولاها وقالت: إني سمعت من أضيافك شعراً ما سمعت أحسن منه فخرج معها مولاها فاستمع حتى فهم ثم نزل فدخل عليهما، فقال لأحمد: لمن هذا الشعر والغناء؟ ومن أنتما. فقال: الشعر لهذا، وهو أبو المصبح أعشى همدان، والغناء لي، وأنا أحمد النصبي الهمداني فانكب على رأس أعشى همدان فقبله وقال: كتمتماني أنفسكما، وكدتما أن تفارقاني ولم أعرفكما، ولم أعلم خبركما، واحتبسهما شهراً ثم حملهما على فرسين، وقال: خلفا عنديما كان من دوابكما، وإرجعا من مغزاكما إلي. فمضيا إلى مغزاهما، فأقاما حيناً ثم انصرفا، فلما شارفا منزله قال أحمد للأعشى: إني أرى عجباً! قال: وما هو. فال: أرى فوق قصر سليم ثعلباً، قال: لئن كنت صادقاً فما بقي في القرية أحد. فدخلا القرية، فوجدا سليما وجميع أهل القرية قد أصابهم الطاعون، فمات أكثرهم وانتقل باقيهم. هكذا ذكر إسحاق، وذكر غيره: أن الحجاج طالب سليماً بمال عظيم، فلم يخرج منه حتى باع كل ما يملكه، وخربت قريته وتفرق أهلها ثم باعه الحجاج عبداً، فاشتراه بعض أشراف أهل الكوفة، إما أسماء بن خارجة وإما بعض نظرائه، فأعتقه.

يأيها القلب المطيع الهـوى

 

أنى اعتراك الطرب النازح

تذكرجملاً فـإذا مـا نـأت

 

طارشعاعاً قلبك الطامـح

أعطيت ودي وثنائي مـعـاً

 

وخلة ميزانـهـا راجـح

إني تخيرت امـرأمـاجـدا

 

يصدق في مدحته المـادح

سليم ما أنت بـنـكـسٍ ولا

 

ذمـك لـي غـادٍ ولارائح

نعم فتى الـحـي إذا لـيلةٌ

 

لم يورفيها زنده الـقـادح

وراح بالشول إلى أهلـهـا

 

مغبرة أذقانـهـا كـالـح

وهـئت الـريح شـآمـيةً

 

فانجحرالقابسى والنـابـح

الشعر لأعشى همدان. والغناء لأحمد النصبي، ولحنه ثاني ثقيل بالسبابة في مجرى الوسطى عن إسحاق. وذكر يونس أن فيه لمالكٍ لحناً ولسنان الكاتب لحنأ اخر.

تنكر من سعدى وأقفر من هند

 

مقامهما بين الرغامين فالفرد

محل لسعدى طالما سكنت بـه

 

فأوحش ممن كان يسكنه بعدي

الشعر لحفاد الراوية. والغناء لعبادل، ولحنه المختار من الثقيل الأول بإطلاق الوتر في مجرى البنصر عن إسحاق. وفيه خفيف ثقيل أول بالوسطى، ذكر الهشافي أنه للهذلي، وذكر عمرو بن بانة أنه لعبادل بن عطية.

هو حماد بن ميسرة، فيما ذكره الهيثم بن عدي، وكان صاحبه وراويته وأعلم الناس به، وزعم أنه مولى بني شيبان. وذكر المدائني والقحذمي أنه حماد بن سابور، وكان من أعلم الناس بأيام العرب وأخبارها وأشعارها وأنسابها ولغاتها. وكانت ملوك بني أمية تقدمه وتؤثره وتستزيوه، فيفد عليهم وينادمهم ويسألونه عن أيام العرب وعلومها ويجزلون صلته.

حدثنا محمد بن العباس اليزيدي وعمي إسماعيل العتكي قالوا حدثنا الرياشي قال: قال الأصمعي: كان حماد أعلم الناس إذا نصح. قال وقلت لحماد: ممن أنتم. قال: كان أبي من سبى سلمان بن ربيعة، فطرحتنا سلمان لبني شيبان، فولاؤنا لهم. قال: وكان أبوه يسمى ميسرة، ويكنى أبا ليلى. قال العتكي في خبره: قال الرياشي: وكذلك ذكر الهيثم بن عدي في أمر حماد.

أخبرني عمي قال حدثني الكراني قال حدثنا العمري عن العتبي والهيثم بن عدي ولقيط قالوا: قال الوليد بن يزيد لحماد الراوية: بم استحققت هذا اللقب فقيل لك الراوية. فقال: بأني أروي لكل شاعر، تعرفه يا أمير المؤمنين أو سمعت به، ثم أروي لاكثر منهم ممن تعرف أنك لم تعرفه ولم تسمع به، ثم لا أنشد شعراً قديما ولا محدثا إلا ميزت القديم منه من المحدث فقال: إن هذا لعلم وأبيك كثير فكم مقدار ما تحفظ من الشعر؟ قال: كثيراً، ولكني أنشدك على كل حرف من حروف المعجم مائة قصيدة كيرة سوى المقطعات من شعر الجاهلية دون شعر الإسلام ! قال: سأمتحنك في هذا، وأمره بالإنشاد. فأنشد الوليد حتى ضجر، ثم وكل به من استحلفه أن يصدقه عنه ويستوفى عليه فأنشده ألفين وتسعمائة قصيدة للجاهليين، وأخبر الوليد بذلك، فأمر له بمائة ألف درهم.

أخبرني يحيى بن علي المنجم قال حدثني أبي قال حدثني إسحاق الموصلي عن مروان بن أبي حفصة، وأخبرني محمد بن خلف بن المرزبان قال حدثني أبو بكر العامري عن الأثرم عن مروان بن أبي حفصة قال: دخلت أنا وطريح بن إسماعيل الثقفي والحسين بن مطير الأسدي في جماعة من الشعراء على الوليد بن يزيد وهو في فرش قد غاب فيها، وإذا رجل عنده، كلما أنشد شاعرٌ شعراً، وقف الوليد بن يزيد على بيت بيت من شعره وقال: هذا أخذه من موضع كذا وكذا، وهذا المعنى نقله من موضع كدا وكذا من شعر فلان، حضى أتى على أكثر، الشعر، فقلت: من هذا. فقالوا: حماد الراوية. فلما وقفت بين يدي الوليد أنشده قلت: ما كلام هذا في مجلس أمير المؤمنين وهو لحنة لحانة فأقبل الشيخ علي وقال: يابن أخي، إني رجل أكلم العامة فأتكلم بكلامها، فهل تروي من أشعار العرب شيئاً. فذهب عني الشعر كله إلا شعر ابن مقبل، فقلت له: نعم، شعر ابن مقبل قال: أنشد، فأنشدته قوله:

سل الدار من جنبي حبر فواهـبٍ

 

إذا مارأى هضب القليب المضيح

ثم جزت فقال لي: قف فوقفت فقال لي: ماذا يقول؟ فلم أدر ما يقول! فقال لي حماد: يابن أخي، أنا أعلم الناس بكلام العرب. يقال: تراءى الموضعان إذا تقابلا.
حدثني عمي قال حدثني الكراني عن العمري عن الهيثم بن عدي قال: قلت لحماد الراوية يوماً: ألق علي ما شئت من الشعر أفسره لك، فضحك وقال لي: ما معنى قول ابن مزا حم الثمالي:

تخوف السير منها تامكاً قـرداً

 

كما تخوف عود النبعة السفن.

فلم أدر ما أقول، فقال: تخوف: تنقص. قال الله عز وجل: “أو يأخذهم على تخوفٍ” أي على تتفص.
قال الهيثم: ما رأيت رجلاً أعلم بكلام العرب من حماد.
كذب الفرزدق في شعر نسبه لنفسه فأقر: حدثني محمد بن خلف وكيع قال حدثني الكراني محمد بن سعد عن النضر بن عمرو عن الوليد بن هشام عن أبيه قال: أنشدني الفرزدق وحمادٌ الراوية حاضر:

وكنت كذئب السوء لما رأى دماً

 

بصاحبه يوماً أحال على الـدم

ففال له حماد: آنت تقوله. قال: نعم، قال: ليس الأمر كذلك، هذا لرجل من أهل اليمن قال: ومن يعلم هذا غيرك! أفأردت أن أتركه وقد نحلنيه الناس ورووه لي لأنك تعلمه وحدك ويجهله الناس جميعا غيرك!.

حدثني محمد بن العباس اليزيدي قال حدثني الفضل قال حدثني ابن النطاح فال حدثني أبو عمرو الشيباني قال: ما سألت أبا عمرو بن العلاء قط عن حماد الراوية إلا قدمه على نفسه، ولا سألت حماداً عن أبي عمرو إلا قدمه على نفسه.

حدثنا إبراهيم بن أيوب عن عبدالله بن مسلم، وذكر عبدالله بن مسلم عن الثقفي عن إبراهيم بن عمر والعامري قالا: كان بالكوفة ثلاثة نفر يقال لهم الحمادون: حماد عجرد، وحماد بن الزبرقان، وحماد الراوية، يتنادمون على الشراب ويتناشدون الأشعار ويتعاشرون معاشرة جميلة، وكانوا كأنهم نفس واحدة، وكانوا يرمون بالزندفة جميعاً.

أخبرني الحسن بن يحيى المرداسي قال حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه فال: دخل مطيع بن إياس ويحيى بن زياد على حماد الراوية، فإذا سراجه على ثلاث قصبات قد جمع أعلاهن وأسفلهن بطين، فقال له يحيى بن زياد: يا حماد، إنك لمسرف مبتذل لحر المتاع، فقال له مطيع: ألا تبيع هذه المنارة وتشتري أقل ثمناً منها وتنفق علينا وعلى نفسك الباقي وتتسع به؟ فقال له يحيى: ما أحسن ظنك به! ومن أين له مثل هذه. إنما هي وديعة أو عارية، فقال له مطيع: أما إنه لعظيم الأمانة عند الناس! قال له يحيى: وعلى عظيم أمانته فما أجهل من يخرج مثل هذه من داره ويأمن عليها غيره! قال مطيع: ما أظنها عاريةً ولا وديعة ولكني أظنها مرهونة عنده على مال، وإلا فمن يخرج هذه من بيته! فقال لهما حماد: قوما عني يابني الزانيتين واخرجا من منزلي، فشرٌ منكما من يدخلكما بيته.

حدثني الحسن بن علي قال حدثنا أحمد بن عبيد وأبو عصيدة قال حدثني محمد بن عبد الرحمن العبدي عن حميد بن محمد الكوفي عن إبراهيم بن عبد الرحمن القرشي عن محمد بن أنس، وأخبرني الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه عن الهيثم بن عدي عن حماد الرواية، وخبر حماد بن إسحاق أتم واللفظ له. قال حماد الراوية: كان انقطاعي إلى يزيد بن عبد الملك، فكان هشام يجفوني لذلك دون سائر أهله من بني أمية في أيام يزيد، فلما مات يزيد وأفضت الخلافة إلى هشام خفته، فمكثت في بيتي سنةً لا أخرج إلا لمن أثق به من إخواني سراً. فلما لم أسمع أحداً يذكرني سنةً أمنت فخرجت فصليت الجمعة، ثم جلست عند باب الفيل فإذا شرطيان قد وقفا علي فقالا لي: يا حماد، أجب الأمير يوسف بن عمر فقلت في نفسي: من هذا كنت أحذر، ثم قلت للشرطيين: هل لكما أن تدعاني آتي أهلي فأودعهم وداع من لا ينصرف إليهم أبداً ثم أصير معكما إليه. فقالا: ما إلى ذلك من سبيل. فاستسلمت في أيديهما وصرت إلى يوسف بن عمر وهو في الإيوان الأحمر، فسلمت عليه فرد علي السلام، ورمى إلي كتاباً فيه: “بسم الله الرحمن الرحيم. من عبدالله هشام أمير المؤمنين إلى يوسف بن عمر، أما بعد، فاذا قرأت كتابي هذا فابعث إلى حماد الراوية من يأتيك به غير مروع ولا متعتع، وادفع إليه خمسمائة دينار وجملاً مهريأ يسير عليه اثنتي عشرة ليلة إلى دمشق “. فأخذت الخمسمائة الدينار، ونظرت فإذا جمل مرحول، فوضعت رجلي في الغرز وسرت اثنتي عشرة ليلة حتى وافيت باب هشام، فاستأذنت فأذن لي، فدخلت عليه في دارٍ قوراء مفروشة بالرخام، وهو في مجلس مفروش بالرخام، وبين كل رخامتين قضيب ذهب، وحيطانه كذلك، وهشام جالس على طنفسة حمراء وعليه ثياب خز حمر وقد تضمخ بالمسك والعنبر، وبين يديه مسك مفتوت في أواني ذهب يقلبه بيده فتفوح روائحه، فسلمت فرد علي، واستدناني فدنوت حتى قبلت رجله، وإذا جاريتان لم أر قبلهما مثلهما، في أذني كل واحدة منهما حفقتان من ذهب فيهما لؤلؤلتان تتوقدان فقال لي: كيف أنت يا حماد وكيف حالك؟ فقلت بخير يا أمير المؤمنين قال: أتدري فيم بعثت إليك. قلت: لا قال: بعثت إليك لبيتٍ خطر ببالي لم أدر من قاله قلت: وما هو؟ فقال:

فدعوا بالصبوح يوماً فجاءت

 

قينةٌ في يمينـهـا إبـريق

قلت: هذا يقوله عدي بن زيد في قصيدة له قال: فأنشدنيها، فأنشدته:

بكر العاذلون في وضح الصـب

 

ح يقولون لي ألا تـسـتـفـيق

ويلومون فيك يابنة عـبـد الـل

 

ه والقلب عنـدكـم مـوهـوق

لست أدري إذ أكثروا العذل عندي

 

أعـدوٌ يلـومـنـي أوصـديق

زانهاحسنـهـاوفـرعٌ عـمـيم

 

واثيثٌ صلت الـجـبـين أنـيق

وثنـايا مـفـلـجـات عـذاب

 

لاقصـارٌ تـرى ولاهـن روق

فدعوا بالصبوح يوماً فـجـاءت

 

قينةٌ فـي يمـينـهـا إبــريق

قدمته على عقـار كـعـين ال

 

ديك صفى سلافهـا الـراووق

مرة قبل مـزجـهـافـإذا مـا

 

مزجت لذ طعمهـا مـن يذوق

وطفت فوقها فقـاقـيع كـالـد

 

رصغار يثيرها الـتـصـفـيق

ثم كان المـزاج مـاء سـمـاء

 

غير ما آجـنٍ ولا مـطـروق

قال: فطرب، ثم قال: أحسنت والله يا حماد، يا جارية اسقيه، فسقتني شربة ذهبت بثلث عقلي. وقال: أعد، فأعدت، فاستخفه الطرب حتى نزل عن فرشه، ثم قال للجارية الأخرى: اسقيه، فسقتني شربة ذهبت بثلث عقلي. فقلت: إن سقتني الثالثة افتضحت، فقال: سل حوائجك، فقلت كائنة ما كانت؟ قال: نعم قلت: إحدى الجاريتين فقال لي: هما جميعاً لك بما عليهما وما لهما، ثم قال للأولى:

 اسقيه، فسقتنني شربة سقطت معها، فلم أعقل حتى أصبحت فإذا بالجاريتين عند رأسي، وإذا عدة من الخدم مع كل واحد منهم بدرة، فقال لي أحدهم: أمير المؤمنين يقرأ عليك السلام ويقول لك: خذ هفه فانتفع بها، فأخذتها والجاريتين وانصرفت. هذا لفظ حماد عن أبيه. ولم يقل أحمد بن عبيد في خبره أنه سقاه شيئاً، ولكنه ذكر أنه طرب لإنشالده، ووهب له الجاريتين لما طلب إحداهما، وأنزله في دار، ثم نقله من غدٍ إلى منزل أعده له، فانتقل إليه فوجد فيه الجاريتين وما لهما وكل ما يحتاج إليه، وأنه أقام عنده مدة فوصل إليه مائة ألف درهم، وهذا هو الصحيح لأن هشاماً لم يكن يشرب ولا يسقي أحد بحضرته مسكراً، وكان ينكر ذلك ويعيبه ويعاقب عليه.
في أبيات عدي المذكورة في هذا الخبر غناءٌ نسبته:

بكر العاذلون في وضح الصب

 

ح يقولون مـا لـه لا يفـيق

ويلومون فيك يابنة عبـد الـل

 

ه والقلب عندكم مـوهـوق

ثم نادوا إلى الصبوح فقامـت

 

قينة في يمـينـهـا إبـريق

قدمته على عقار كعـين الـد

 

يك صفى سلافها الـراووق

في البيتين الأولين لحن من الثقيل الأول مختلفٌ في صانعه، نسبه يحيى بن المكي إلى معبد، ونسبه الهشامي إلى حنين. وفي الثالث وهو-ثم نادوا-والرابع لعبدالله بن العباس الربيعي رملٌ، وفيهما خفيف رملٍ ينسب إلى مالك وخفيف ثقيل، ذكر حبش أنه لحنين.

أخبرني محمد بن مزيد والحسين بن يحيى قالا حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه عن الأصمعي قال: قال حماد الراوية: كتب الوليد بن يزيد وهو خليفة إلى يوسف بن عمر: احمل إلي حماداً الراوية على ما أحب من دواب البريد، وأعطه عشرة آلاف درهم معونة له، فلما أتاه الكتاب وأنا عنده نبذه إلي، فقلت: السمع والطاعة، فقال: يا دكين بن شجرة، أعطه عشرة آلاف درهم، فأخذتها. فلما كان اليوم الذي أردت الخروج فيه أتيت يوسف مودعاً، فقال: يا حماد، أنا بالموضع الذي قد عرفت من أمير المؤمنين، ولست مستغنياً عن ثنائك، فقلت: أصلح الله الأمير: إن العوان لا تعلم الخمرة. فخرجت حتى أتيت الوليد بن يزيد وهو بالبخراء، فاستأذنت فأذن لي، فإذا هو على سرير ممهد وعليه ثوبان: إزار ورداء يقيئان الزعفران قيئا، وإذا عنده معبد ومالكٌ وأبو كامل مولاه، فتركني حتى سكن جأشي، ثم قال: أنشدني: أمن المنون وريبها تتوجع فأنشدته إياها حتى أتيت على آخرها. فقال لساقيه: اسقه يا سبرة أكؤساً، فسقاني ثلاث أكؤس خدرت ما بين الذؤابة والنعل. ثم قال: يا معبد غنني:

ألاهل جاءك الأظعا

 

ن إذ جاوزن مطلحا

فغناه. ثم قال: غنني:

أتنسى إذ تودعنا سليمـى

 

بفرع بشامةٍ، سقي البشام

فغنى. ثم قال: غنني:

جلا أمية عنا كـل مـظـلـمة

 

سهل الحجاب وأوفى بالذي وعدا

فغناه. ثم قال: اسقني يا غلام بزب فرعون، فأتاه بقدح معوج فيه طول فسقاه به عشرين قدحاً. ثم أتاه. الحاجب فقال: أصلح الله أمير المؤمنين، الرجل الذي طلبت بالباب فقال: أدخله، فدخل غلام شابٌ لم أر أحسن منه وجها في رجله فدع، فقال: يا سبرة اسقه كأسا، فسقاه، ثم قال له: غنني:

وهي إذ ذاك عليها مئزر

 

ولها بيت جوار من لعب

فغناه، فنبذ إليه أحد ثوبيه، ثم قال: غنني:

طرق الخيال فمرحبا

 

ألفاً برؤية زينـبـا

فغضب معبد وقال: يا أمير المؤمنين، إنا مقبلون إليك بأقدارنا وأسناننا، وإنك تتركنا بمزجر الكلب وأقبلت على هذا الصبي، فقال: والله يا أبا عباد ما جهلت قدرك ولا سنك، ولكن هذا الغلام طرحني على مثل الطياجن من حرارة غنائه. فسألت عن الغلام. فإذا هو ابن عائشة.

حدثني الحسن بن محمد المادراني الكاتب قال حدثني الرياشي عن العتبي، وأخبرني به هاشم بن محمد عن الرياشي- وليس خبره بتمام هذا- قال: طلب المنصور حماداً الراوية، فطلب ببغداد فلم يوجد، وسئل عنه إخوانه فعرفوا من سألهم عنه أنه بالبصرة، فوجهوا إليه برسول يشخصه. قال الرسول: فوجدته في حانة وهو عريان يشرب نبيذا من إجانة وعلى سوأته رأس دستجة، فقلت: أجب أمير المؤمنين. فما رأيت رسالةً أرفع ولا حالة أوضع من تلك. فأجاب، فأشخصته إليه. فلما مثل بين يديه، قال له: أنشدني شعر هفان بن همام بن نضلة يرثي أباه فأنشده:

خليل عوجا إنـهـا حـاجةٌ لـنـا

 

على قبر همامٍ سقتـه الـرواعـد

على قبرمن يرجى نداه ويبتـغـى

 

جداه إذا لم يحـمـد الأرض رائد

كريم النثا حلو الشـمـائل بـينـه

 

وبين المزجى نفنفٌ مـتـبـاعـد

إذا نازع القوم الأحاديث لـم يكـن

 

عييا ولاثقلاً علـى مـن يقـاعـد

صبورٌعلى العلات يصبح بطـنـه

 

خميصاً وآتيه على الزاد حـامـد

وضعنا الفتى كل الفتى في حفـيرة

 

بحرين قد راحت عليه الـعـوائد

صريعاً كنصل السيف تضرب حوله

 

ترائبهن المـعـولات الـفـواقـد

قال: فبكى أبو جعفر حتى أخضل لحيته، ثم قال: هكذا كان أخي أبو العباس رضي الله عنه. أخبرني الحسين بن يحيى المرداسي قال حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه قال: كان جعفر بن أبي جعفر المنصور المعروف بابن الكردية يستخف مطيع بن إياس ويحبه، وكان منقطعاً إليه وله معه منزلة حسنة، فذكر له حماداً الراوية، وكان صديقه، وكان مطرحاً مجفواً في أيامهم، فقال: ائتنا به لنراه. فأتى مطيع حماداً فأخبره بذلك وأمره بالمسير معه إليه فقال له حماد: دعني فإن دولتي كانت مع بني أمية ومالي عند هؤلاء خير، فأبى مطيعٌ إلا الذهاب إليه، فاستعار حماد سواداً وسيفاً ثم أتاه، ثم مضى به مطيعٌ إلى جعفر. فلما دخل عليه سلم عليه سلاما حسناً وأثنى عليه وذكر فضله فرد عليه وأمره بالجلوس فجلس. فقال جعفر: أنشدني فقال: لمن أيها الأمير. ألشاعر بعينه أم لمن حضر؟ قال: بل أنشدني لجرير. قال حماد: فسلخ والله شعر جرير كله من قلبي إلا قوله:

بان الخليط برامتين فودعوا

 

أو كلما اعتزموا لبين تجزع

فاندفعت فأنشدته إياه، حتى انتهيت إلى قوله:

وتقول بوزع قد دببت على العصا

 

هلا هزئت بغـيرنـا يابـوزع

قال حماد: فقال لي جعفر: أعد هذا البيت، فأعدته ة فقال: بوزع، أي شيء هو؟ فقلت: اسم امرأة فقال: إمرأة اسمها بوزع هو بريء من الله ورسوله ونفي من العباس بن عبد المطلب إن كانت بوزع إلا غولاً من الغيلان تركتني والله يا هذا لا أنام الليلة من فزع بوزع يا غلمان قفاه فصفعت والله حتى لم أدر أين أنا ثم قال: جروا برجله: فجروا برجلي حتى أخرجت من بين يديه مسحوباً، فتخرق السواد وانكسر جفن السيف ولقيت شراً عظيماً مما جرى علي وكان أغلظ من ذلك كله وأشد بلاء إغرامي ثمن السواد وجفن السيف فلما انصرفت أتاني مطيع، يتوجع لي فقلت له: ألم أخبرك أني لا أصيب منهم خيراً وأن حظي قد مضى مع بني أمية!.

حدثني جعفر بن قدامة قال حدثني أحمد بن أبي طاهر قال: بلغني أن رجلاً تحدث في مجلس حماد الراوية فقال: بلغني أن المأبون له رحم كرحم المرأة- قال: وكان الرجل يرمى بهذا الداء- فقال حماد لغلامه: اكتب هذا الخبر عن الشيخ، فإن خير العلم ما حمل عن أهله.

قال: وكتب حماد الراوية إلى بعض الأشراف الرؤساء قال:

إن لي حاجةً فرأيك فـيهـا

 

لك نفسي فدى من الأوصاب

وهي ليست مما يبلغهاغـي

 

ري ولا يستطيعها في كتاب

غير أني أقولها حين ألـقـا

 

ك رويدأ ألسرها في حجاب

فكتب إليه الرجل: اكتب إلي بحاجتك ولا تشهرني بشعرك فكتب إليه حماد:

إنني عاشق لجـبـتـك الـدك

 

ناء عشقاً قد حال دون الشراب

فاكسنيها فدتك نفسي وأهـلـي

 

أتباهى بها على الأصـحـاب

ولـك الـلـه والأمـانة أن أج

 

علها عمرها أمـير ثـيابـي

فبعث إليه بها. وقد رويت هذه القصة لمطيع بن إياس.

أخبرني الحسين بن يحيى عن حماد بن إسحاق عن أبيه قال حدثني أبو يعقوب الخزيمي قال: كنت في مجلس فيه حماد عجرد وحماد الرواية ومعنا غلام أمرد، فنظر إليه حماد الراوية نظراً شديداً وقال لي: يا أبا يعقوب، قد عزمت الليلة على أن أدب على هذا الغلام فقلت: شأنك به ثم نمنا، فلم أشعر بشيء إلا وحماد ينيكني، وإذا أنا قد غلطت ونمت في موضع الغلام، فكرهت أن أتكلم فينتبه الناس فأفتضح وأبطل عليه ما أراد، فأخذت بيده فوضعتها على عيني العوراء ليعرفني، فقال: قد عرفت الآن، فيكون ماذا وفديناه بذبح عظيم.

قال: وما برح علم الله وأنا أعالجه جهدي فلا ينفعني حتى أنزل.

قال إسحاق: وأهدى حماد إلى صديق له غلاماً وكتب إليه: قد بعثت إليك غلاماً تتعلم عليه كظم الغيظ.

قال: واستهدى من صديق له نبيذاً فأهدى إليه دسيتجة نبيذ. فكتب إليه: لو عرفت في العدد أقل من واحد، وفي الألوان شراً من السواد، لأهديته إلي.
قال: وسمع مغنية تغني:

عاد قلبي من الطويلة عاد

فقال: وثمود، فإن الله عز وجل لم يفرق بينهما. والشعر:

عاد قلبي من الطويلة عيد

أخبرني أبو الحسن الأسدي قال حدثنا الرياشي قال حدثني أبو عثمان اللاحقي، وأخبرني به محمد بن مزيد عن حماد عن أبية عن محمد بن سلام عن بشر بن المفضل بن لاحق قال: جاء رجل إلى حماد الراوية فأنشده شعراً وقال: أنا قلته فقال له أنت لا تقول مثل هذا، هذا ليس لك، وإن كنت صادقاً فاهجني. فذهب ثم عاد إليه فقال له: قد قلت فيك:

سيعلم حماد إذا مـا هـجـوتـه

 

أأنتحل الأشعارأم أنـا شـاعـرٌ

ألم ترحمـاداً تـقـدم بـطـنـه

 

وأخر عنه ماتـجـن الـمـآزر

فليس براءٍ خصيتيه ولـو جـثـا

 

لركبته، ما دام للزيت عـاصـر

فياليته أمسـى قـعـيدة بـيتـه

 

له بعل صدقٍ كومه مـتـواتـر

فحماد نعم العرس للمرء يبتغي ان

 

كاح وبئس المرء فيمن يفاخـر

فقال حماد: حسبنا، عافاك الله، هذا المقدار وحسبك! قد علمنا أنك شاعر وأنك قائل الشعر الأول وأجود منه، وأحب أن تكتم هذا الشعر ولا تذيعه فتفضحني فقال له: قد كنت غنياً عن هذا. وانصرف الرجل وجعل حماد يقول: أسمعتم أعجب مما جررت على نفسي من البلاء!.

حدثني الأسدي أبو الحسن قال حدثنا الرياشي قال حدثنا أبو عبدالله الفهمي قال: عاب حماد الراوية شعراً لأبي الغول فقال يهجوه:

نعم الفتى لوكان يعـرف ربـه

 

ويقيم وقت صلاتـه حـمـاد

هدلت مشافره الدنان فـأنـفـه

 

مثل القدوم يسنـهـا الـحـداد

وابيض من شرب المدامة وجهه

 

فبياضه يوم الحـسـاب سـواد

لايعجـبـنـك بـزه وثـيابـه

 

إن اليهود ترى لـهـا أجـلاد

حماد يا ضبعا تجر جعـارهـا

 

أخنى لها بالقـريتـين جـراد

سبعاً يلاعبها ابنها وبـنـاتـهـا

 

ولهامن الخرق الكبـاروسـاد

قال معنى قوله:

أخنى لها بالقريتين جراد

هو مثل قول العرب للضبع: خامري أم عامر، أبشري بجراد عظال وكمر رجال؟ فإن الضبع تجيء إلى القتيل وقد استلقى على قفاه، وانتفخ غرموله فكان كالمنعظ، فتحتك به وتحيض من الشهوة، فيثب عليها الذئب حينئذ فتلد منه السمع، وهو دابة، لا يولد له مثل البغل. وفي مثل هذا المعنى يقول الشنفري الأزدي.

تضحك الضبع لقتلى هذيل

 

وترى الذئب لها يستهـل

تضحك: تحيض.
وقال ابن النطاخ: كان حماد الراوية في أول أمره يتشطر ويصحب الصعاليك واللصوص، فنقب ليلةً على رجل فأخذ ماله وكان فيه جزء من شعر الأنصار، فقرأه حماد فاستحلاه وتحفظه، ثم طلب الأدب والشعر وأيام الناس ولغات العرب بعد ذلك، وترك ما كان عليه فبلغ في العلم ما بلغ.

حدثنا محمد بن العباس اليزيدي قال حدثني عمي الفضل عن أبيه عن جده عن حماد الراوية قال: دخلت على المهدي فقال: أنشدني أحسن أبيات قيلت في السكر، ولك عشرة آلاف وخلعتان كسوة الشتاء والصيف، فأنشدته قول الأخطل:

ترى الزجاج ولم يطمث يطيف بـه

 

كأنه من دم الأجواف مختـضـب

حتى إذا افتض ماء المزن عذرتهـا

 

راح الزجاج وفي ألوانه صـهـب

تنزو إذا شجها بالمـاء مـازجـهـا

 

نزوالجنادب في رمضاء تلتـهـب

راحوا وهم يحسبون الأرض في فلك

 

إن صرعوا وقت الراحات والركب

فقال لي: أحسنت وأمر لي بما شرطه ووعدني به فأخذته.

حدثني اليزيدي قال حدثني عمي عبيد الله قال حدثني سليمان بن أبي شيخ قال حدثني صالح بن سليمان قال: قدم حماد الراوية على بلال بن أبي بردة البصرة، وعند بلال ذو الرقة، فأنشده حمادٌ شعراً مدحه به فقال بلال لذي الرقة: كيف ترى هذا الشعر؟ قال: جيدا وليس له قال: فمن يقوله. قال: لا أثري إلا أنه لم يقله فلما قضى بلالٌ حوائج حماد وأجازه، قال له: إن لي إليك حاجةً قال: هي مقضيةٌ قال: أنت قلت ذلك الشعر. قال: لا قال: فمن يقوله. قال: بعض شعراء الجاهلية، وهو شعر قديم وما يرويه غيري ة قال: فمن أين علم ذو الرمة أنه ليس من قولك. قال: عرف كلام أهل الجاهلية من كلام أهل الإسلام.
قال صالح: وأنشد حماد الراوية بلال بن أبي بردة ذات يوم قصيدةً قالها ونحلها الحطيئة يمدح أبا موسى الأشعري يقول فيها:

جمعت من عامرٍفيها ومن جشم

 

ومن تميم ومن حاء ومن حام

مستحقبات رواياها جحافلـهـا

 

يسموبها أشعريٌ طرفه سامي

فقال له بلال: قد علمت أن هذا شيء قلته أنت ونسبته إلى الحطيئة، وإلا فهل كان يجوز أن يمدح الحطيئة أبا مرسى بشيء لا أعرفه أنا ولا أرويه! ولكن دعها تذهب في الناس وسيرها حتى تشتهر، ووصله.

أخبرني محمد بن خلف وكيع قال سمعت أحمد بن الحارث الخراز يقول سمعت ابن الأعرابي يقول سمعت المفضل الضبي يقول: قد سلط على الشعر من حماد الراوية ما أفسده فلا يصلح أبداً. فقيل له: وكيف ذلك. أيخطىء في روايته أم يلحن؟ قال: ليته كان كذلك، فإن أهل العلم يردون من أخطأ إلى الصواب، لا ولكنه رجل عالم بلغات العرب وأشعارها، ومذاهب الشعراء ومعانيهم، فلا يزال يقول الشعر يشبه به مذهب رجل ويدخله في شعره، ويحمل ذلك عنه في الافاق، فتختلط أشعار القدماء ولا يتميز الصحيح منها إلا عند عالم ناقد، وأين ذلك!.

أخبرني رضوان بن أحمد الصيدلاني قال حدثنا يوسف بن إبراهيم قال حدثني أبو إسحاق إبراهيم بن المهدي فال حدثني السعيدي الراوية وأبو إياد المؤدب- وكان مؤدبي ثم أدب المعتصم بعد ذلك وقد تعالت سنه- وحدثني بنحوٍ من ذلك عبدالله بن مالك وسعيد بن سلم وحدثني به ابن غزالة أيضاً، اتفقوا عليه: أنهم كانوا في دار أمير المؤمنين المهدي بعيسا باذ، وقد اجتمع فيها عدةٌ من الرواة والعلماء بأيام العرب، وآدابها وأشعارها ولغاتها، إذ خرج بعض أصحاب الحاجب، فدعا بالمفضل الضبي الراوية فدخل، فمكث مليا ثم خرج إلينا ومعه حماد والمفضل جميعاً وقد بان في وجه حمادٍ الانكسار والغم، وفي وجه المفضل السرور والنشاط، ثم خرج حسين الخادم معهما، فقال يا معشر من حضر من أهل العلم: إن أمير المؤمنين يعلمكم أنه قد وصل حماداً الشاعر بعشرين ألف عرهم لجودة شعره وأبطل روايته لزيادته في أشعار الناس ما ليس منها، ووصل المفضل بخمسين ألفاً لصدقه وصحة روايته، فمن أراد أن يسمع شعراً جيداً محدثاً فليسمع من حماد، ومن أراد رواية صحيحة فليأخذها عن المفضل، فسمألنا عن السبب فأخبرنا أن المهدي قال للمفضل لما دعا به وحده: إني رأيت زهير بن أبي سلمى افتتح قصيدته بأن قال:

دع ذا وعد القول في هرم

ولم يتقدم له قبل ذلك قول، فما الذي أمر نفسه بتركه؟ فقال له المفضل: ما سمعت يا أمير المؤمنين في هذا شيئاً إلا أني توهمته كان يفكر في قول يقوله، أو يروي في أن يقول شعراً فعدل محنه إلى مدح هرم وقال دع ذا، أو كان مفكراً في شيء من شأنه فتركه وقال دع ذا، أي دع ما أنث فيه من الفكر وعد القول في هرم، فأمسك عنه. ثم دعا بحمادٍ فسأله عن مثل ما سأل عنه المفضل، فقال ليس هكذا قال زهيرٌ يا أمير المؤمنين، قال فكيف قال؟ فأنشده:

لمن الديار بقـنة الـحـجـر

 

أقوين مذ حجج ومـذ دهـر

قفربمندفع الـنـحـائت مـن

 

ضفوى أولات الضال والسدر

دع ذا وعد القول فـي هـرم

 

خيرالكهول وسيد الحـضـر

قال: فأطرق المهدي ساعةً، ثم أقبل على حماد فقال له: قد بلغ أمير المؤمنين عنك خبرٌ لا بد من استحلافك عليه، ثم استحلفه بأيمان البيعة وكل يمين محرجة ليصدقنه عن كل ما يسأله عنه، فحلف له بما توثق منه. قال له: اصدقني عن حال هذه الأبيات ومن أضافها إلى زهير، فأقر له حينئذ أنه قائلها، فأمر فيه وفي المفضل بما أمر به من شهرة أمرهما وكشفه.

أخبرني الحسين بن القاسم الكوكبي قال حدثنا أحمد بن عبيد قال حدثنا الأصمعي قال: قال حماد الراوية: أرسل إلي أمير الكوفة فقال لي: قد أتاني كتاب أمير المؤمنين الوليد بن يزيد يأمرني بحملك. فجملت فقدمت عليه وهو في الصيد، فلما رجع أذن لي، فدخلت عليه وهو في بيت منجد بالأرمني أرضه وحيطانه، فقال لي: أنت حماد الراوية؟ فقلت له: إن الناس ليقولون ذلك، قال: فما بلغ من روايتك. قلت: أروي سبعمائة قصيدة أول كل واحدة منها: بانت سعاد، فقال: إنها لرواية! ثم دعا بشراب فأتته جارية بكأس وإبريق فصبت في الكأس ثم مزجته حتى رأيت له حباباً قال: أنشدني في مثل هذه فقلت: يا أمير المؤمنين، هي كما قال عدي بن زيد:

بكر العاذلون في وضح الصب

 

يقولون لي ألا تـسـتـفـيق

ثم ثاروا إلى الصبوح فقامـت

 

قينةٌ في يمـينـهـا إبـريق

قدمته على سلافٍ كـريح ال

 

مسك صفى سلافها الراووق

فترى فوقها فقاقيع كـالـيا

 

قوت يجري خلالها التصفيق

             

قال: فشربها ولم يزل يستعيدني الأبيات ويشرب عليها حتى سكر ثم قام فتناول مرفقةً من تلك المرافق فجعلها على رأسه ونادى: من يشتري لحوم البقر. ثم قال لي: يا حماد، دونك ما في البيت فهو لك فكان أول مالٍ تأثلته.
حدثني هاشم بن محمد الخزاعي قال حدثنا دماذ عن أبي عبيدة قال: قال خلف: كنت آخذ من حماد الراوية الصحيح من أشعار العرب وأعطيه المنحول، فيقبل ذلك مني ويدخله في أشعارها. وكان فيه حمق.

أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان قال حدثنا أحمد بن الهيثم بن فراس قال حدثني العمري عن الهيثم بن عدي قال حدثني المسور العنزي- وكان من رواة العرب وكان أسن من سماك بن حرب عن حمادأ قال: دخلت على زياد فقال لي: أنشدني فقلت: من شعر من أيها الأمير. قال: من شعر الأعشى ة فأنشدته:

بكرت سمية غدوة أجمالها

قال: فما أتممت القصيدة حتى تبينت الغضب في وجهه، وقال الحاجب للناس: ارتفعوا، فقاموا ثم لم أعد والله إليه. قال حماد: فكنت بعد ذلك إذا استنشدني خليفة أو أمير تنبهت قبل أن أنشده لئلا يكون في القصيدة اسم أم له أو ابنة أو أخت أو زوجة.

أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان قال حدثنا أحمد بن الحارث الخراز عن المدائني قال: فال الوليد بن يزيد لحماد الراوية: لم سميت الراوية. وما بلغ من حفظك حتى استحققت هذا الاسم. فقال له: يا أمير المؤمنين، إن كلام العرب يجري على ثمانية وعشرين حرفاً، أنا أنشدك على كل حرف منها مائة قصيدة ة فقال: إن هذا لحفظ! هات، فاندفع ينشد حتى مل الوليد، ثم استخلف على الاستماع منه خليفةً حتى وفاه ما قال فأحسن الوليد صلته وصرفه.

أخبرني الحرفي بن أبي العلاء قال حدثني الحسين بن محمد بن أبي طالب الديناري قال حدثني إسحاق الموصلي قال: قال حماد الراوية: أرسل الوليد بن يزيد إليئ بمائتي دينار، وأمر يوسف بن عمر بحملي إليه على البريد. قال فقلت: لا يسألني إلا عن طرفيه قريش وثقيف، فنظرت في كتابي قريش وثقيف. فلما قدمت عليه سألني عن أشعار بلي، فأنشدته منها ما استحسنه ثم قال: أنشدني في الشراب- وعنده وجوه من أهل الشام- فأنشدته:

اصبح القوم قهوةً

 

في أباريق تحتذى

من كميتٍ مـدامةٍ

 

حبذا تلك حـبـذا

يترك الأذن شربها

 

أرجواناً بها خـذا

فقال: أعدها، فأعدتها فقال لخدمه: خذوا آذان القوم، فأتينا بالشراب فسقينا حتى ما درينا متى نقلنا قال: ثم حملنا وطرحنا في دار الضيفان، فما أيقظنا إلا حر الشمس. وجعل شيخ من أهل الشأم يشتمني ويقول: فعل الله بك وفعل، أنت الذي صنعت بنا هذا.

أخبرني هاشم بن محمد الخزاعي قال حدثنا أبو غسان دماذ قال حدثني أبو عبيدة قال حدثني يحيى بن صبيرة بن الطرماح بن حكيم عن أبيه عن جده الطرماح قال: أنشدت حفاداً الراوية في مسجد الكوفة – وكان أذكى الناس وأحفظهم- قولي:

بان الخليط بسحرةٍ فتبددوا

وهي ستون بيتاً، فسكت ساعةً ولا أدري ما يريد ثم أقبل علي فقال: أهذه لك؟ قلت: نعم؟ قال: ليس الأمر كما تقول، ثم ردها علي كلها وزيادة عشرين بيتاً زادها فيها في وقته فقلت له: ويحك! إن هذا الشعر قلته منذ أيام ما اطلع عليه أحد قال: قد والله قلت أنا هذا الشعر منذ عشرين سنة وإلا فعلي وعلي فقلت: لله على حجة حافياً راجلاً إن جالستك بعد هذا أبداً فأخذ قبضةً من حصى المسجد وقال: لله علي بكل حصاة من هذا الحصى مائة حجة إن كنت أبالي فقلت: أنت رجل ماجنٌ والكلام معك ضائع ثم انصرفت. قال دماذ: وكان أبو عبيدة والأصمعي ينشدان بيتي الطرماح في هذه القصيدة وهما:

مجتاب حلة برجدٍ لسـراتـه

 

قدداً وأخلف ما سواه البرجد

يبدو وتضمره البلاد كـأنـه

 

سيفٌ على شرفٍ يسل ويغمد

وكانا يقولان: هذا أشعر الناس في هذين البيتين.
عبادل بن عطية مولى قريش، مكي، مغن مخسٌ متقدم من الطبقة الثانية التي منها يونس الكاتب وسياطٌ ودحمان. وكان حسن الوجه، نظيف الثياب ظريفاً، ولم يفارق الحجاز ولا وفد إلى ملوك بني أمية كما وفد غيره من طبقته ومن هو فوقها. ويقال إنه كان مقبول الشهادة. أخبرني الحسن بن علي قال! حدثني هارون بن محمد بن عبد الملك قال حدثنا حماد عن ابن أبي جناح قال: كان عبادل بن عطية سرياً نبيلاً نظيفاً ساكن الطرف حسن العشرة، وكان يعاشر مشيخة قريش وجلة أحداثها، فإذا أرادوا الغناء منه غنى فأحسن وأطرب. وكانت له صنعة كثيرة.
منها:

تقول يا عمتا كفي جوانـبـه

 

ويلي بليت وأبلى جيدي الشعر

ومنها:

أمن حذرالبين ماترقـد

 

ودمعك يجري فمايجمد

ومنها:

إني استحيتك أن أفوه بحاجتي

 

فإذا قرأت صحيفتي فتفهـم

ومنها:

قولا لنائل ما تقضين في رجلٍ

 

يهوى هواك وما جنبته اجتنبا

ومنها:

علام ترين اليوم قتلي لديكم

 

حلالاً بلا ذنبٍ وقتلي محرم

قال: وكانوا يقولون له: ألا تكثر الصنعة؟ فيقول: بأبي أنتم، إنما أنحته من صخر، ومن أكثر أرذل.

أمن حذر البين ما تـرقـد

 

ودمعك يجري فما يجمـد

دعاني إلى الحين فاقتادنـي

 

فؤادٌ إلى شقوتي يعـمـد

فلو أن قلبي صحا وارعوى

 

لكان له عنكم مـقـعـد

يبيد الزمان وحبـي لـكـم

 

يزيد خبـالاً ومـاينـفـد

الغناء لعبادل ثقيلٌ أول بالسبابة والوسطى عن ابن المكي. وفيه لإبراهيم خفيف ثقيل.
ومنها:

ليست نعم منك للعافين مسجلةً

 

من التخلق لكن شيمةٌ خلـق

يكاد بابك من علم بصاحـبـه

 

من دون بوابه للناس يندلـق

لإسحاق في هذين البيتين لحنٌ من الثقيل الأول بالبنصر عن عمرو. وذكر يحيى بن علي بن يحيى عن أبيه عن إسحاق أن الشعر لطريح. وذكر يعقوب بن السكيت أنه لابن هزمة. والغناء في اللحن المختار لشهية مولاة العبلات خفيف رملٍ بالبنصر في مجراها. فمن روى هذه الأبيات لابن هزمة ذكر أنها من قصيدة له يمدح بها عبد الواحد بن سلمان بن عبد الملك ومن ذكر أنها لطريح ذكر أنها من قصيدة له يمدح بها الوليد بن يزيد. والصحيح من القولين أن البيت الأول من البيتين لطريح والثاني لابن هرمة. فبيت طريح من قصيدته التي مدح بها الوليد بن يزيد وهي طويلة، يقول في تشبيبها:

تقول والعيس قد شدت بأرحلهـا

 

ألحق أنك منا اليوم منطـلـق؟

قلت نعم فاكظمي قالت وما جلدي

 

ولا أظن اجتماعاً حين نفـتـرق

فقلت إن أحي لا أطول بعادكـم

 

وكيف والقلب رهنٌ عندكم غلق

فارقتها لا فؤادي من تذكـرهـا

 

سالي الهموم ولا حبلي لها خلق

فاضت على إثرهم عيناك دمعهما

 

كما تتابع يجري اللؤلؤ النـسـق

فاستبق عينك لا يودي البكاء بهـا

 

واكفف بوادر دمعٍ منك تستبـق

ليس الشؤون وإن جادت ببـاقـيةٍ

 

ولا الجفون على هذا ولا الحدق

لإسحاق في هذين البيتين لحنٌ من الثقيل الأول بالبنصر عن عمرو يقول فيها في مدح الوليد:

ومانعم منك للعافـين مـسـجـلة

 

من التخلق لكـن شـيمةٌ خـلـق

ساهمت فيهاولافاختصصت بـهـا

 

وطارقومٌ بل اوالذم فانطـلـقـوا

قوم هم شرف الدنـيا وسـوددهـا

 

صفوٌعلى الناس لم يخلط بهم رنق

إن حاربوا وضعوا أو سالموا رفعوا

 

أو عاقدوا ضمنوا أو حدثوا صدقوا

وأما قصيدة إبراهيم بن هرمة التي فيها هذا الشعر فنذكر خبرها، ثم نذكر موضع الغناء وما قبله وما بعده منها.

ومن أبي أحمد رحمه الله سمعنا ذلك أجمع. ولكنه حكى عن إسحاق في الأصوات المختارة ما قاله إسحاق. ولعله لم يتفقد ذلك، أو لعل أحد الشاعرين أغار على هذا البيت فانتحله وسرقه من قائله.

أخبرني يحيى بن علي قال أخبرنا حماد بن إسحاق عن أبيه عن رجل من أهل البصرة، وحدثني به وكيع قال حدثنا هارون بن محمد بن عبد الملك عن حماد عن أبيه عن رجل من أهل البصرة- وخبره أتم- قال: قال العباس بن الوليد بن عبد الملك- وكان بخيلاً لا يحب أن يعطي أحداً شيئاً- ما بال الشعرأء تمدح أهل بيتي أجمع ولا تمدحني. فبلغ ذلك ابن هرمة، وكان قد مدحه فلم يثبه، فقال يعرض به ويمدح عبد الواحد بن سليمان:

ومعجب بمديح الشعر يمنـعـه

 

من المديح ثواب المدح والشفق

يا آبى المدح من قول يحـبـره

 

ذو نيقة في حواشي شعره أنق

إنك والمدح كالعذراء يعجبهـا

 

مس الرجال ويثني قلبها الفرق

لكن بمدين من مفضى سويمرةٍ

 

من لايذم ولا يشنا له خـلـق

أهل المدائح تأتيه فتـمـدحـه

 

والمادجون إذا قالوا له صدقوا

– يعني عبد الواحد بن سليمان-:

لا يستقر ولا تخفى عـلامـتـه

 

إذا القنا شال في أطرافها الحرق

في يوم لامال عند المرءينفـعـه

 

إلا السنان وإلا الرمح والـدرق

يطعن بالرمح أحياناً ويضربـهـم

 

بالسيف ثم يدانيهم فـيعـتـنـق

وهذا البيت سرقه ابن هرمة من زهير ومن مهلهل جميعاً، فإنهما سبقا إليه. قال مهلهل وهو أقدمهما:

أنبضوا معجس القسي وأبرق

 

نا كما توعد الفحول الفحولا

يعنى أنهم لما أخذوا القسي ليرموهم من بعيد انتضوا سيوفهم ليخالطوهم ويكافحوهم بها.
وقال زهير- وهو أشرح من الأول-:

يطعنهم ما ارتموا حتى إذا اطعنوا

 

ضارب حتى إذا ما ضاربوا اعتنقا

فما ترك في المعنى فضلاً لغيره.
رجع إلى شعر ابن هرمة:

يكاد بابك من جود ومن كرم

 

من دون بوابه للناس يندلق

ويروى: إذا أطاف به الجادون. و لا العافون أيضاً. ويروى:ينبلق:

إني لأطوي رجـالاً أن أزورهـم

 

وفيهم عكر الأنـعـام والـورق

طي الثياب التي لو كشفت وجدت

 

فيها المعاوز في التفتيش والخرق

وأترك الثوب يوماً وهو ذو سـعة

 

وألبس الثوب وهو الضيق الخلق

إكرام نفسي وأني لايوافـقـنـي

 

ولو ظمئت فحمت المشرب الرنق

قال هارون بن الزيات في خبره: فلما قال ابن هرمة هذه القصيدة أنشدها عبد الواحد بن سليمان وهو إذ ذاك أمير الحجاز فأمر له بثلثمائة دينار وخلعة موشية من ثيابه، وحمله على فرس وأعطاه ثلاثين لفحة ومائة شاة، وسأله عما يكفيه في كل سنة ويكفي عياله من البر والتمر، فأخبره به، فأمر له بذلك أجمع لسنةٍ، وقال له: هذا لك علي ما دمت ودمت في الدنيا، واقتصعه لنفسه وأنس به، وقال له: لست بمحوجك إلى غيري أبداً. فلما عزل عبد الواحد بن سليمان عن المدينة، تصدى للوالي مكانه وامتدحه. ولم يلبث أن ولي عبد الواحد بعد ذلك وبلغه الخبر، فأمر ان يحجب عنه ابن هرمة وطرور وجفاه، حتى تحمل عليه بعبد الله بن الحسن بن الحسن، فاستوهبه منه فعاد له إلى ما أحبه.

أخبرني هاشم بن محمد الخزاعي قال حدثنا الرياشي، وأخبرني به علي بن سليمان الأخفش عن أحمد بن يحيى ثعلب عن الرياشي وخبره أتم قال الرياشي حدثني أبو سلمة الغفاري قال قال ابن ربيح راوية ابن هرمة قال حدثني ابن هرمة قال: أول من رفعني في الشعر عبد الواحد بن سليمان بن عبد الملك، فأخذ علي ألا أمدح أحداً غيره، وكان والياً على المدينة، وكان لا يدع بري وصلتي والقيام بمؤونتي. فلم ينشب أن عزل وولي غيره مكانه، وكان الوالي من بني الحارث بن كعب. فدعتني نفسي إلى مدحه طمعاً أن يهب لي كما كان عبد الواحد يهب لي، فمدحته فلم يصنع بي ما ظننت. ثم قدم عبد الواحد المدينة، فأخبر أني مدحت الذي عزل به، فأمر بي فحجبت عنه، ورمت الدخول عليه فمنعت، فلم أدع بالمدينة وجها ولا رجلاً له نباهةٌ وقدر من قريش إلا سألته أن يشفع لي في أن يعيدني إلى منزلتي عنده، فيأبى ذلك فلا يفعله. فلما أعوزتني الحيل أتيت عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالبصلوات الله عليه وعليهم- فقلت: يابن رسول الله، إن هذا الرجل قد كان يكرمني وأخذ علي ألا أمدح غيره، فأعطيته بذلك عهداً، ثم دعاني الشره والكد إلى أن مدحت الوالي بعده. وقصصت عليه قصتي وسألته أن يشفع لي، فركب معي. فأخبرني الواقف على رأس عبد الواحد أن عبد الله بن حسن لما دخل إليه قام عبد الواحد فعانقه وأجلسه إلى جنبه، ئم قال: أحاجةٌ غدت بك أصلحك الله؟ قال نعم قال: كل حاجة لك مقضية إلا ابن هرمة فقال له: إن رأيت ألا تستثني في حاجتي فافعل قال: قد فعلت قال: فحاجتي ابن هرمة قال: قد رضيت عنه وأعدته إلى منزلته قال: فتأذن له أن ينشدك قال: تعفيني من هذه قال: أسألك أن تفعل قال ائتوا به فدخلت عليه وأنشدته قولي فيه:

وجدنا غالباً كانت جناحـاً

 

وكان أبوك قادمة الجناح

قال فغضب عبد الله بن الحسن حتى انقطع رزه ثم وثب مغضباً، وتجوزت في الإنشاد ثم لحقته فقلت له: جزاك الله خيراً يابن رسول الله فقال: ولكن لا جزاك الله خيراً يا ماص بظر أمه، أتقول لابن مروان:

وكان أبوك قادمة الجناح

بحضرتي وأنا ابن رسول الله-صلى الله عليه وسلم-وابن علي بن أبي طالب- عليه السلام- فقلت: جعلني الله فداك، إني قلت قولاً أخدعه به طلباً لدنياه، ووالله ما قست بكم أحداً قط. أفلم تسمعني قد قلت فيها:

وبعض القول يذهب بالرياح

فضحك عبد الله وقال: قاتلك الله، ما أظرفك.
وهذه القصيدة الحائية التي مدح بها عبد الواحد من فاخر الشعر ونادر الكلام ومن جيد شعر ابن هرمة خاصةً، أولها:

صرمت حبائلاً من حب سلمـى

 

لهندٍ ما عمدت لمـسـتـراح

فإنك إن ئقم لا تـلـق هـنـداً

 

وإن ترحل فقلبك غير صاحي

يظل نهاره يهـفـي بـهـنـد

 

ويأرق ليله حتى الـصـبـاح

أعبد الواحد المـحـمـود إنـي

 

أغص حذار سخطك بالقـراح

فشلت راحتاي وجال مـهـري

 

فألقاني بمشتـجـر الـرمـاح

وأقعدني الزمان فبت صـفـراً

 

من المال المعزب والـمـراح

إذا فخمت غيرك فـي ثـنـائي

 

ونصحي في المغيبة وامتداحي

كأن قصائدي لك فاصطنعـنـي

 

كرائم قد عضلن عن النـكـاح

فإن أك قد هفوت إلـى أمـير

 

فعن غير التطوع والسـمـاح

ولكق سقطةٌ عيبـت عـلـينـا

 

وبعض القول يذهب في الرياح

لعمرك إننـي وبـنـي عـدي

 

ومن يهوى رشادي أو صلاحي

إذا لم ترض عني أو تصلـنـي

 

لفي حين أعالـجـه مـتـاح

وإنك إن حططت إليك رحلـي

 

بغربي الشـراة لـذو ارتـياح

هششت لحاجة ووعدت أخـرى

 

ولم تبخل بناجـزة الـسـراح

وجدنا غالباً خلقـت جـنـاحـاً

 

وكان أبوك قادمة الـجـنـاح

إذا جعل البخيل البخل تـرسـاً

 

وكان سلاحه دون الـسـلاح

فإن سلاحك المعروف حـتـى

 

تفوز بعرض ذي شيمٍ صحـاح

أخبرني أحمد بن عبيد الله بن عمار قال حدثنا يعقوب بن إسرائيل قال حدثني إبراهيم بن إسحاق العمري قالى حدثني عبد الله بن إبراهيم الجمحي قال: قلت لابن هرمة: أتمدح عبد الواحد بن سليمان بشعر ما مدحت به غيره فتقول فيه هذا البيت:

وجدنا غالباً كانت جناحـاً

 

وكان أبوك قادمة الجناح

ثم تقول فيها:

أعبد الواحد الميمـون إنـي

 

أغص حذار سخطك بالقراح

 فبأي شيء استوجب ذلك منك. فقال: إني أخبرك بالقصة لتعذرني: أصابتني أزمة بالمدينة، فاستنهضتني بنت عمي للخروج، فقلت لها: ويحك! إنه ليس عندي ما يقل جناحي فقالت: أنا أنهضك بما أمكنني، وكانت عندي نابٌ لي فنهضت عليها نهجد النوام ونؤذي السمار، وليس من منزل أنزله إلا قال الناس: ابن هرمة! حتى دفعت إلى دمشق، فأويت إلى مسجد عبد الواحد في جوف الليل، فجلست فيه أنتظره إلى أن نظرت إلى بزوغ الفجر، فإذا الباب ينفلق عن رجل كأنه البدر، فدنا فأذن ثم صلى ركعتين، وتأملته فإذا هو عبد الواحد، فقمت فدنوت منه وسلمت عليه فقال لي: أبو إسحاق! أهلاً ومرحباً، فقلت لبيك، بأبي أنت وأمي! وحياك الله بالسلام وقربك من رضوانه فقال: أما آن لك أن تزورنا فقد طال العهد واشتد الشوق، فما وراءك. قلت: لا تسلني بأبي حأ أنت وأمي فإن الدهر قد أخنى علي فما وجدت مستغاثاً غيرك، فقال: لا ترع فقد وردت على ما تحب إن شاء الله. فوالله إني لأخاطبه فإذا بثلاثة فتية قد خرجوا كأنهم الأشطان ، فسلموا عليه، فاستدنى الأكبر منهم فهمس إليه بشيء دوني ودون أخويه فمضى إلى البيت ثم رجع، فجلس إليه فكلمه بشيء دوني ثم ولى، فلم يلبث أن خرج ومعه عبد ضابط يحمل عبئاً من الثياب حتى ضرب به بين يدي، ثم همس إليه ثانيةً فعاد، وإذا به قد رجع ومعه مثل ذلك، فضرب به بين يدي. فقال لي عبد الواحد: ادن يا أبا إسحاق، فإني أعلم أنك لم تصر إلينا حتى تفاقم صدعك، فخذ هذا وارجع إلى عيالك، فوالله ما سللنا لك هذا إلا من أشداق عيالنا، ودفع إلي ألف دينار، وقال لي: قم فارحل فأغث من وراءك فقمت إلى الباب، فلما نظرت إلى ناقتي ضقت فقال لي: تعال، ما أرى هذه مبلغتك، يا غلام، قدم له جملي فلاناً. فوالله لقد كنت بالجمل أشد سروراً مني بكل ما نلته فهل تلومني أن أغص حذار سخط هذا بالقراح! ووالله ما أنشدته ليلتئذ بيتاً واحداً.

أخبرني محى بن خلف وكيع قال حدثني هارون بن محمد بن عبد الملك الزيات قال حدثني محمد بن عمر الخرجاني قال حدثني عثمان بن حفص الثقفي قال حدثني محمد بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين- صلى الله عليه- قال: دخلت مع أبي على المنصور بالمدينة وهو جالس في دار مروان، فلما اجتمع الناس قام ابن هرمة فقال: يا أمير المؤمنين، جعلني الله فداءك، شاعرك وصنيعتك إن رأيت أن تأذن لي في الإنشادة قال هات، فأنشده قوله:

سرى ثوبه عنك الصبا المتخايل على

 

له لحظاتٌ عن حفافى سريره

 

اذا كرها فـيهـا عـقـابٌ ونـائل

فأم الـذي آمـنـت آمـنة الــردى

 

وأم الذي خوفت بالثـكـل ثـاكـل

فقال له المنصور: أما لقد رأيتك فى هذه الدار قائماً بين يدي عد الواحد بن سليمان تنشده قولك

وجدنا غالباً كانت جناحـاً

 

وكان أبوك قادمة الجناح

قال: فقطع بابن هرمه حتى ما قدر على الاعتذار فقال له المنصور: أنت رجل شاعر طالب خير، وكل ذلك يقول الشاعر، وقد أمر لك أمير المؤمنين بثلثمائة دينار. فقام إليه الحسن بن زيد فقال: يا أمير المؤمنين، إن ابن هرمة رجل منفاق متلاف لا يليق شيئاً، فإن رأى أمير المؤمنين أن يأمر له بها يجرى عليه منها ما يكفيه ويكفي عياله ويكتب بذلك إلى صاحب الجاري أن يجريها عليهم فعل فقال: افعلوا ذلك به. قال: وإنما فعل به الحسن لن زيد هذا لأنه كان مغضباً عليه لقوله يمدح عبد الله بن حسن:

ماغيرت وجهه أمٌ مهجنـه

 

إذا القتام تغشى أوجه الهجن

حدثني يحيى بن علي بن يحيى، وأخبرنا ابن أبي الأزهر وجحظة قالا حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه، قال يحيى بن علي في خبره عن الفضل بن يحيى، ولم يقله الآخران: دخل ابن هرمة على المنصور وقال: يا أمير المؤمنين، إني قد مدحتك مديحاً لم يمدح أحد أحداً بمثله وما عسىأن تقول في بعد قول كعب الأشقري في الملهب:

براك الله حين براك بحراً

 

وفجر منك أنهاراً غزاراً

فقال له: قد قلت أحسن من هذا، قال: هات، فانشده قوله:

له لحظات عن حفافي سريره

 

إذا كرها فيها عقابٌ ونـائل

قال: فأمر له بأربعةآلاف درهم. فقال له المهدي: يا أمير المؤمنين، قد تكلف في سفره إليك نحوهاة فقال له المنصور: يا بني، إني قد وهبت له ما هو أعظم من ذلك، وهبت له نفسه، أليس هو القائل لعبد الواحد بن سليمان:

إذا قيل من خيرمن يرتجـى

 

لمعتر فهرٍ ومحتـاجـهـا

ومن يعجل الخيل يوم الوغى

 

بإلجامها قبل إسـراجـهـا

أشارت نساء بنى غـالـب

 

إليك به قبـل أزواجـهـا

وهذه القصيدة من فاخر شعر ابن هرمة، وأولها:

أجارتنا روحي نـغـمة

 

على هائم النفس مهتاجها

ولاخير في ود مستكـرهٍ

 

ولاحاجةٍ دون إنضاجهـا

يقول فيها يمدح عبد الواحد بن سليمان:

كأن قتودي على خاضبٍ

 

زفوف العشيات هداجها

إلى ملكٍ لا إلى سـوقة

 

كسته الملوك ذر اتاجها

تحل الوفود بـأبـوابـه

 

فتلقى الغنى قبل إرتاجها

بقراع أبواب دور الملـو

 

ك عند التحية ولاجهـا

إلى دار ذي حسبٍ ماجدٍ

 

حمول المغارم فراجهـا

ركود الجفان غداة الصبا

 

ويوم الشمال وإرهاجها

وقفت بمدحيه عند الجما

 

ر انشده بين حجاجـهـا

أخبرني محمد بن جعفرالنحوي صهر المبرد قال حدثني أبو إسحاق طلحة بن عبد الله الطلحي قال حدثني محمد بن سليمان بن المنصور قال: وجه المنصور رسولاً قاصداً إلى ابن هرمة ودفع إليه ألف دينار وخلعة، ووصفه له وقال: امض إليه فإنك تراه جالساً في موضع كذا من المسجد، فانتسب له إلى بني أمية أو مواليهم، وسله أن ينشدك قصيدته الحائية التي يقول فيها يمدح عبد الواحد بن سليمان:

وجدنا غالباً كانت جناحـاً

 

وكان أبوك قادمة الجناح

فإذا أنشدكها فأخرجه من المسجد واضرب عنقه وجئني برأسه وإن أنشدك قصيدته اللامية التي يمدحني بها فادفع إليه الألف الدينار والخلعة، وما أراه ينشدك غيرها ولا يعترف بالحائية. قال: فأتاه الرسول فوجده كما قال المنصور، فجلس إليه واستنشده قصيدته في عبد الواحدة فقال: ما قلت هذه القصيدة قط ولا أعرفها وإنما نحلها إياي من يعادني، ولكن إن شئت أنشدتك أحسن منها قال: قد شئت فهات فأنشده:

سرى ثوبه عنك الضبا المتخايل

حتى أتى على آخرها ثم قال له: هات ما أمرك أمير المؤمنين بدفعه إلي فقال: أي شيء تقول يا هذا وأي شيء دفع إلي فقال: دغ ذا عنك، فوالله ما بعثك إلا أمير المؤمنين ومعك مالٌ وكسوة إلي، وأمرك أن تسألني عن هذه القصيدة فإن أنشدتك إياها ضربت عنقي وحملت رأسي إليه، وإن أنشدتك هذه اللامية دفعت إلى ما حملك إياه فضحك الرسول ثم قال: صدقت لعمري ودفع إليه الألف الدينار والخلعة. فما سمعنا بشيء أعجب من حديثهما.

أخبرني محمد بن مزيد قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثنا عمي عن جدي قال: لما أنشد ابن هرمة المنصور قصيدته اللامية التي مدحه بها أمر له بألف درهم فكلمه فيه المهدي واستقلها فقال يا بني، لو رأيت هذا بحيث رأيته وهو واقف بين يدي عبد الواحد بن سليمان ينشده:

وجدنا غالباً كانت جناحـاً

 

وكان أبوك قادمة الجناح

لاستكثرت له ما استقللته، ولرأيت أن حياته بعد ذلك القول ربح كثير. والله إني يا بني ما هممت له منذ يومئذ بخير فذكرت قوله إلا زال ما عرض بقلبي إلى ضده حتى أهم بقتله ثم أعفو عنه. فأمسك المهدي.
ومما يغني فيه من مدائح ابن هرمة في عبد الواحد بن سليمان قوله من قصيدةٍ أنا ذاكرها بعد فراغي من ذكر الأبيات، على أن المغنين قد خلطوا مع أبياته أبياتاً لغيره:

ولما أن دنا منـا ارتـحـالٌ

 

وقرب ناجيات السير كـوم

تحاسر واضحات اللون زهر

 

على ديباج أوجهها النعـيم

أتين مودعات والـمـطـايا

 

لدى أكوارها خوضٌ هجوم

فكم من حرة بين المنـقـى

 

إلى أحدٍ إلى ما حـاز ريم

ويروى:

فكم بين الأقارع فالمنفى

وهو أجود.

إلى الجماء من خدٍ أسيل

 

نقي اللون ليس به كلوم

كأني من تذكر ما ألاقي

 

إذا ما أظلم الليل البهيم

سليمٌ مل منه أقـربـوه

 

وأسلمه المداوي والحميم