أخبار أبي عيسى بن الرشيد ونسبه

أخبار أبي عيسى بن الرشيد ونسبه

شيء من أوصافه: اسمه أحمد، وقيل بل اسمه صالح بن الرشيد. وهذا النسب أشهر من أن يشرح. وأمه أم ولدٍ بربرية. وكان من أحسن الناس وجهاً ومجالسةً وعشرةً، وأمجنهم وأحدهم نادرةً وأشدهم عبثاً. وكان يقول شعراً ليناً طيباً من مثله.
كان جميل الوجه: أخبرني الحسن بن علي الخفاف قال حدثنا عبد الله بن أبي سعد الوراق قال حدثني محمد بن عبد الله بن طاهر أنه سمع أباه يقول: سمعت أبي ” يعني طاهر بن الحسين ” يحدث أنه سمع الرشيد يقول للمأمون: أنت تعلم أنك أحب الناس إلي، ولو أستطيع أن أجعل لك وجه أبي عيسى لفعلت.

كان إذا ركب جلس له الناس لرؤية حسنه: أخبرني محمد بن يحيى الصولي قال حدثني مسيح بن حاتم العكلي قال حدثنا إبراهيم بن محمد قال: كان يقال: انتهى جمال ولد الخلافه إلى أولاد الرشيد، ومن أولاد الرشيد إلى أولاد محمد وأبي عيسى. وكان أبو عيسى إذا عزم على الركوب جلس الناس له حتى يروه أكثر مما يجلسون للخلفاء.

مدحت عريب حسنه وغناءه: حدثني محمد قال حدثني يعقوب بن بنان قال حدثني علي بن الحسين الإسكافي قال: كنت عند أبي الصقر إسماعيل بن بلبل وعنده عريب، فسمعتها تقول: انتهى جمال الرشيد إلى محمد الأمين وأبي عيسى، ما رأى الناس مثلهما، وكان المعتز في طرازهما. قال: وسمعتها تقول لأبي العباس بن حمدون: ما غناؤك من غناء أبي عيسى بن الرشيد ! وما سمعت قط غناءً أحسن من غنائه، ولا رأيت وجهاً أحسن من وجهه.

عجب الرشيد من جواب له في صباه وقبله: أخبرني محمد قال حدثني الغلابي قال حدثنا يعقوب بن جعفر قال: قال الرشيد لأبي عيسى ابنه وهو صبي: ليت جمالك لعبد الله ” يعني المأمون “. فقال له: على أن حظه منك لي. فعجب من جوابه على صباه وضمه إليه وقبله.

سخط من رؤية هلال شهر رمضان: وأخبرني الحسن بن علي وأحمد بن عبيد الله بن عمار قالا حدثنا عبد الله بن أبي سعد عن محمد بن عبد الله بن طاهر عن أبيه قال: حدثني من شهد المأمون ليلةً وهم يتراءون هلال شهر رمضان وأبو عيسى أخوه معه وهو مستلقٍ على قفاه، فرأوه وجعلو يدعون. فقال أبو عيسى قولاً أنكر عليه في ذلك المعنى. كأنه كان متسخطاً لورود الشهر، فما صام بعده.

أخبرني محمد بن يحيى قال حدثنا الحسين بن فهم قال: قال: أبو عيسى بن الرشيد:

دهاني شهر الصوم لا كان مـن شـهـر

 

وما صمت شهراً بعده آخـر الـدهـر

فلـو كـان يعـيدنـي الإمـام بـقـدرةٍ

 

على الشهر لاستعديت جهدي على الشهر

فناله بعقب قوله هذا الشعر صرعٌ، فكان يصرع في اليوم مراتٍ إلى أن مات، ولم يبلغ شهراً آخر.

مدح إبراهيم بن المهدي غناءه: وذكر علي بن الهشامي عن جده ابن حمدون قال: قلت لإبراهيم بن المهدي: من أحسن الناس غناء؟ قال: أنا. قلت: ثم من؟ قال: أبو عيسى بن الرشيد. قلت: ثم من؟ قال: مخارق.

عابث طاهر بن الحسين أمام المأمون فغضب فترضاه: أخبرني الحسن بن علي قال حدثني ابن أبي سعد قال حدثنا محمد بن عبد الله بن طاهر قال حدثنا محمد بن سعيد أخو غالب الصعدي قال: كان أبو عيسى بن الرشيد وطاهر بن الحسين يتغديان مع المأمون، فأخذ أبو عيسى هندباءةً فغمسها في الخل وضرب بها عين طاهر الصحيحة. فغضب طاهرٌ وشق ذلك عليه وقال: يا أمير المؤمنين إحدى عيني ذاهبةٌ، والأخرى على يدي عدل، يفعل هذا بي بين يديك !! فقال له المأمون: يا أبا الطيب إنه والله ليعبث بي أكثر من هذا العبث.

عرض بيعقوب بن المهدي فضحك المأمون فنهاه: أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا ابن أبي سعد قال حدثني محمد بن عبد الله بن طاهر قال حدثني أبو عيسى بن علي بن عيسى بن ماهان قال: بينا المأمون يخطب يوم الجمعة على المنبر بالرصافة وأخوه أبو عيسى تلقاء وجهه في المقصورة، إذ أقبل يعقوب بن المهدي وكان أفسى الناس، معروفاً بذلك. فلما أقبل وضع أبي عيسى كمه على أنفه، وفهم المأمون ما أراد فكاد أن يضحك. فلما انصرف بعث إلى أبي عيسى فأحضره وقال له: والله لهممت أن أبطحك فأضربك مائة درة ! ويلك ! أردت أن تفضحني بين أيدي الناس يوم جمعة وأنا على المنبر ! إياك ان تعود لمثل هذه !. قال: وكان يعقوب بن المهدي لا يقدر أن يمسك الفساء إذا جاءه. فاتخذت له دايةٌ مثلثلةً وطيبتها وتنوقت فيها. فلما وضعتها تحته فسا، فقال: هذه ليست بطيبة. فقالت له الداية: فديتك ! هذه كانت طيبة وهي مثلثة، فلما ربعتها فسدت. قال: وكان يعقوب هذا محمقاً، كان يخطر بباله الشيء فيشتهيه فيثبته في إحصاء خزائنه. فضج خازنه من ذلك، فكان يثبت الشيء ثم يثبت تحته أنه ليس عنده، وإنما أثبته ليكون ذكره عنده إلى أن يملكه. فوجد في دفتر له فيه ثبت ثياب: ” ثبت ما في الخزانة من الثياب المثقلة الإسكندرانية والهشامية، لا شيء – أستغفر الله – بل عندنا منها زرحية كانت للمهدي. الفصوص الياقوت الأحمر التي من حالها كذا وكذا لا شيء – أستغفر الله – بل عندنا منها درجٌ كان فيه للمهدي خاتمٌ هذه صفته “. فحمل ذلك الدفتر إلى المأمون، فضحك لما قراه حتى فحص برجله: وقال: ما سمعت بمثل هذا قط !.

كان المأمون يحبه ويتمنى أن يلي الأمر بعده: أخبرني محمد بن يحيى قال حدثنا سليمان بن داود المهلبي قال حدثني الهيثم بن محمد بن عباد عن أبيه قال: كان المأمون أشد الناس حباً لأبي عيسى أخيه، كان يعده للأمر بعده، وتذاكرنا ذلك كثيراً، وسمعته يقول يوماً: إنه ليسهل عليه أمر الموت وفقد الملك، وما يسهل شيء منهما على أحد، وذلك لمحبتي أن يلي أبو عيسى الأمر من بعدي لشدة حبي إياه.

كان يحب صيد الخنازير فوقع عن دابته، وكان ذلك سبب موته: أخبرني محمد بن علي قال حدثني عبد الله بن المعتز قال: كان سبب موت أبي عيسى بن الرشيد أنه كان يحب صيد الخنازير، فوقع عن دابته فلم يسلم دماغه، فكان يتخبط في اليوم مراتٍ إلى أن مات.

عزاء محمد بن عباد المأمون فيه: حدثني محمد قال حدثنا أبو العيناء قال حدثنا محمد بن عباد المهلبي قال: لما مات أبو عيسى بن الرشيد دخلت إلى المأمون وعمامتي علي، فخلعت عمامتي ونبذتها وراء ظهري – والخلفاء لا تعزى في العمائم – ودنوت. فقال لي: يا محمد، حال القدر دون الوطر. فقلت: يا أمير المؤمنين، كل مصيبةٍ أخطأتك تهون، فجعل الله الحزن لك لا عليك.

مات سنة تسع ومائتين: أخبرنا محمد قال حدثنا عون بن محمد قال سمعت هبة الله بن إبراهيم يقول: مات أبو عيسى بن الرشيد سنة تسع ومائتين، وصلى عليه المأمون ونزل في قبره، وامتنع من الطعام أياماً حتى خاف أن يضر ذلك به.
وجد عليه المأمون وجداً شديداً: أخبرني أحمد بن عبيد الله بن عمار قال حدثني أبو العيناء قال سمعت محمد بن عباد يقول: لما توفي أبو عيسى بن الرشيد وجد المأمون عليه وجداً شديداً، وكان له محباً وإليه مائلاً. فركب إلى داره حتى حضر أمره وصلى عليه، وحضره الناس، وكنت فيمن حضر، فما رأيت مصاباً حزيناً قط أجمل أمراً في مصيبةٍ ولا أحرق وجداً منه من رجل صامت تجري دموعه على خديه من غير كلح ولا استنثارٍ.

بكاه المأمون وتمثل شعراً وعزاه فيه ابن أبي دواد وعمرو بن مسعدة وناحت عليه عريب: أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا ابن أبي سعد الوراق قال حدثني محمد بن عبد الله بن طاهر قال حدثني أبي قال قال أحمد بن أبي دواد: دخلت على المأمون في أول صبحتي أياه وقد توفي أخوه أبو عيسى وكان له محباً وهو يبكي ويمسح عينينه بمنديل، فقعدت إلى جنب عمرو بن مسعدة وتمثلت قول الشاعر:

نقصٌ من الدنيا وأسبابهـا

 

نقص المنايا من بني هاشم

ولم يزل على تلك الحال ساعة يبكي، ثم مسح عينيه وتمثل:

سأبكيك ما فاضت دموعي فإن تغض

 

فحسبك مني ما تجن الـجـوانـح

كأن لم يمت حيٌ سواك ولـم تـنـح

 

على أحـدٍ إلا عـلـيك الـنـوائح

ثم التفت إلي فقال: هيه يا أحمد ! فتمثلت قول عبدة بن الطبيب:

عليك سلام الله قيس بن عاصمٍ

 

ورحمته ما شاء أن يترحمـا

تحية من أوليته منك نـعـمةً

 

إذا زار عن شحطٍ بلادك سلما

وما كان قيسٌ هلكه هلك واحدٍ

 

ولكنه بنيان قـومٍ تـهـدمـا

فبكى ساعةً ثم التفت إلى عمرو بن مسعدة فقال: هيه يا عمرو ! قال: نعم يا أمير المؤمنين

بكوا حذيفة لم تبكوا مثله

 

حتى تعود قبائلٌ لم تخلق

فإذا عريب وجوارٍ معها يسمعن ما يدور بيننا، فقلن: اجعلوا لنا معكم في القول نصيباً. فقال لها المأمون: قولي، فرب صوابٍ منك كثير. فقالت:

كذا فليجل الخطب وليفدح الأمر

 

وليس لعينٍ لم يفض ماؤها عذر

كأن بني العبـاس يوم وفـاتـه

 

نجوم سماءٍ خر من بينها البـدر

فبكى وبكينا. ثم قال لها المأمون: نوحي، فناحت ورد عليها الجواري. فبكى المأمون حتى قلت: قد خرجت نفسه، وبكينا معه أحر بكاء، ثم أمسكت. فقال لها المأمون: اصنعي فيه لحناً وغني به. فصنعت به لحناً على مذهب النوح وغنته إياه على العود. فوالذي لا يحلف بأجل منه لقد بكينا عليه غناءً أكثر مما بكينا عليه نوحاً.

طلب المأمون من أبي العتاهية أن يسليه عنه: أخبرني محمد بن يحيى قال حدثنا الطبيب بن محمد الباهلي قال حدثني موسى بن سعيد عن أخيه عمرو قال: لما مات أبو عيسى بن الرشيد وجد عليه المأمون وجداً شديداً حتى امتنع من النوم ولم لم يطعم شيئاً. فدخل عليه أبو العتاهية، فقال له المأمون: حدثني يا أبا إسحاق بحديث بعض الملوك ممن كان في مثل حالنا وفارقها. فقال: يا أمير المؤمنين، لبس سليمان بن عبد الملك أفخر ثيابه ومس أطيب طيبه وركب أفره خيله وتقدم إلى جميع من معه أن يركب في مثل زيه وأكمل سلاحه، ونظر في مرآته فأعجبته هيئته وحسنه، فقال: أنا الملك الشاب، ثم قال لجارية له: كيف ترين؟ فقالت:

أنت نعم المتاع لو كنت تبقى

 

غير أن لا بقاء للإنـسـان

أنت خلوٌ من العيوب وممـا

 

يكره الناس غير أنك فاني

فأعرض بوجهه، فلم تدر عليه الجمعة إلا وهو في قبره. قال فبكى المأمون والناس، فما رأيت باكياً أكثر من ذلك اليوم. قال: وهذان البيتان لموسى شهوات.

بعض أصواته: ومن غناء أبي عيسى وجيد صنعته، والشعر له، وطريقته من الثقيل الثاني مطلق في مجرى البنصر. وذكر حبشٌ أن فيه لحسين بن محرز أيضاً صنعةً من خفيف الرمل: صوت

رقدت عنك سلوتي

 

والهوى ليس يرقد

وأطار السهاد نـو

 

مي فنومي مشرد

أنت بالحسن منك يا

 

حسن الوجه تشهد

وفؤادي بحسن وج

 

هك يشقى ويكمد

ومن غنائه أيضاً وهو من صدور صنعته في شعر الأخطل – ولحنه من الثقيل الأول -: صوت

إذا ما زيادٌ علني ثم علـنـي

 

ثلاث زجاجاتٍ لهن هـدير

خرجت أجر الذيل حتى كأنني

 

عليك أمير المؤمنين أمـير

ولإسحاق في هذا الشعر رملٌ بالبنصر عن عمرو.

وممن عرفت له صنعة من أولاد الخلفاء عبد الله بن موسى الهادي

صوته في شعر له: فمن صنعته: صوت

تقاضك دهرك ما أسلـفـا

 

وكر عيشك بعد الصـفـا

فلا تجزعن فإن الـزمـان

 

رهينٌ بتشتيت مـا ألـفـا

وما زال قلبك مأوى السرور

 

كثير الهوى ناعماً متـرفـا

ألح عـلـيك بـروعـاتـه

 

واقبل يرميك مستـهـدفـا

الشعر والغناء لعبد الله بن موسى. ولحنه ماخوري وهو خفيف الثقيل الثاني بالوسطى.

اختلف مع ثقيف الخادم في صوت فضرب ثقيف رأسه بالعود فحلم عليه، وكان معربداً: أخبرني أحمد بن جعفر جحظة قال حدثني أبو حشيشة قال: كان عبد الله بن موسى الهادي أضرب الناس بالعود وأحسنهم غناءً. وكان له غلام أسود يقال له قلمٌ، فعلمه الصوت وحذقه. فاشترته منه أم جعفر بثلثمائة ألف درهم. قال أبو حشيشة فحدثني دلشاد غلام عبد الله بن موسى قال: كنت أنا وثقيفٌ الخادم الأسود مولى الفضل بن الربيع نضارب مولاي عبد الله بن موسى وقد أخذ النبيذ من الجماعة. فضرب عبد الله وثقيفٌ صوتاً فاختلفا فيه وتشاجرا. فقال عبد الله: كذا أخذته من منصور زلزل. وقال ثقيفٌ: كذا أخذته منه، وطال تشاجرهما فيه. وكان ثقيفٌ معربداً يذهب عقله من أدنى شيء يشربه، وكان عبد الله أيضاً معربداً. فغضب ثقيفٌ ورفع العود وهو لا يعقل، فضرب به رأس عبد الله بن موسى فطوقه إياه. وابتدر خدم عبد الله؛ فقال لهم عبد الله بن موسى: لا تمسوه وأخرجوا العود من عنقي أخرجوه. وكان عبد الله بن موسى أشد خلق الله عربدةً أيضاً، فرزق في ذلك اليوم حلماً لم يرى مثله، وقال لخدمه: إن قتلته قتلت كلباً وتحدث الناس بذلك، ولكن اخلعوا عليه وهبوا له ولا يدخل منزلي أبداً.

دعا الحفصي فآثر عليه أخاه إسماعيل: قال جحظة قال أبو حشيشة أخبرني الحفصي المعزفي قال: دعاني عبد الله بن موسى يوماً ودعاني أخوه إسماعيل؛ فآثرت إسماعيل لما كان في عبد الله من العربدة. فلم نشعر إلا بعبد الله قد وافانا وقت العصر على برذونٍ أشهب متقلداً سيفاً وهو سكران. فلما رأيناه تطايرنا في الحجر، فنزل عن دابته وجلس. وجثا إسماعيل بين يديه إجلالاً له، وقال له: يا سيدي قد سررتني بتفضلك ومصيرك إلي. قال: دعني من هذا، من عندك؟ قال: فلان وفلان، فعد جماعة من كان عنده. قال له: هاتهم. فدعا بنا فخرجنا وقد متنا فزعاً. فأقبل علي منهم فقال لي: يا حفصي ! أبعث إليك ثلاثة أيام تباعاً فتدعني وتجيء إلى إسماعيل ! وضرب يده على سيفه، فقام إسماعيل بيني وبينه وقال: نعم ! يجيئني ويدعك؛ لإنه لا ينصرف من عندك إلا بشجةٍ أو عربدةٍ مع حرمان، ولا ينصرف من عندي إلا ببرٍ مع خلعةٍ ووعدٍ محصل أفتلومه على ذلك !. فكف عبد الله وكان شديد العربدة فقام وانصرف.

قال شعراً في خادم لصالح بن الرشيد: أخبرني الصولي حدثني عون بن محمد الكندي قال حدثني محمد بن إسماعيل عن أبيه سليمان بن داود وكان يكتب لإبي جعفر – قال: كنت جالساً مع عبد الله بن موسى الهادي، فمر به خادمٌ لصالح بن الرشيد. فقال له: ما اسمك؟ فقال له: اسمي ” لا تسل ” فأعجبه حسنه وحسن منطقه فقال لي: قم بنا حتى نسر اليوم بذكر هذا البدر، فقمت معه. فأنشدني في ذلك اليوم:

وشـادنٍ مـر بـنـــا

 

بجرح باللحظ المـقـل

مظلوم خصـرٍ ظـالـمٍ

 

منه إذا يمشي الكـفـل

اعـتـدلـت قـامـتـه

 

واللحظ منه مـا عـدل

بدرٌ تـــراه أبـــداً

 

طالع سعـدٍ مـا أفـل

سألـتـه عـن اسـمـه

 

فقال لي اسمي ” لاتسل ”

وأطلعت في وجـنـتـي

 

ه وردتان من خـجـل

فقلت ما أخـطـأ مـن

 

سماك بل قال المـثـل

لا تسألـن عـن شـادنٍ

 

فاق جـمـالاً وكـمـل

قال: وقال فيه – وقد قيل إنه من هذه الأبيات -:

عز الذي نهـوى وذل

 

صب الفؤاد مختـبـل

لج به الهجـر وذا ال

 

هجر إذا لـج قـتـل

من شادنٍ مـنـطـقٍ

 

فاق جمالاً وكـمـل

تناصف الحسـن بـه

 

فلا تسل عن ” لاتسل ”

كان له ابن جيد الضرب وطلب إلى المكي أن يقومه موهماً أنه مملوك: وقال حدثني محمد بن أحمد المكي عن أبيه قال: دعاني عبد الله بن موسى يوماً فقال لي: أتقوم غلاماً ضارباً مغنياً قيمة عدلٍ لا حيف فيه على اليائع ولا على المشتري؟ فقلت: نعم. فأخرج لي ابنه القاسم وكنت أعرفه، وهو أحسن من القمر ليلة البدر، فأخذ عوداً فضرب، فأكببت على يديه أقبلها. فقال لي عبد الله: أتقبل يد غلام مملوك؟ قلت: بأبي وأمي هو من مملوك ! وقبلت رجله أيضاً. فقال: أما إذا عرفته فأحب أن تضاربه، ففعلت. فلما رأى الغلام زيادتي عليه في الضرب اغتم وأقبل على أبيه فقال له كالمعتذر من ذنبه: أنا متلذذٌ وهذا مكتسبٌ. فضحكت وقلت: هو ذاك يا سيدي. وعجبت من حدة جوابه معتذراً على صغر سنه. كان كريماً ممدحاً: أخبرني الصولي قال حدثني عبد الله بن المعتز قال: كان عبد الله بن موسى جواداً كريماً ممدحاً، وكان يقول الشعر – وفيه لعلويه لحن من خفيف الثقيل الأول بالبنصر -: صوت

أعبد الله أنـت لـنـا أمـير

 

وأنت من الزمان لنا مجـيز

حكيت أباك موسى في العطايا

 

إمام الناس والملك الكـبـير

غنى بشعر لعمر بن أبي ربيعة: قال محمد بن يحيى والعتابي: ولعبد الله بن موسى غناءٌ في قول عمر بن أبي ربيعة: صوت

إن أسماء أرسلـت

 

وأخو الشوق مرسل

أرسلت تستزيرنـي

 

وتفـدي وتـعـدل

ولحنه فيه رملٌ. قال: وفيه لابن سريج والغريض ومالك ألحانٌ.

عربد على المأمون فحبسه ثم سمه فمات: أخبرني علي بن سليمان الأخفش في كتاب المغتالين قال حدثني أبو سعيد السكري عن محمد بن حبيب قال: كان عبد الله بن موسى الهادي معربداً، وكان قد أحفظ المأمون مما يعربد عليه إذا شرب معه. فأمر بأن يحبس في منزله فلا يخرج منه؛ وأقعد على بابه حرساً. ثم تذمم من ذلك فأظهر له الرضا وصرف الحرس عن بابه، ثم نادمه فعربد عليه أيضاً وكلمه بكلام أحفظه. وكان عبد الله مغرماً بالصيد، فأمر المأمون خادماً من خواص خدمه يقال له ” حسين ” فسمه في دراجٍ وهو بمرسى أباد، فدعا بعبد الله بالعشاء، فأتاه حسين بذلك الدراج فأكله. فلما أحس بالسم ركب في الليل وقال لأصحابه: هو آخر ما تروني. قال: وأكل معه من الدراج خادمان، فأما أحدهما فمات من وقته، وأما الآخر فبقي مدة ثم مات، ومات عبد الله بعد أيام.

وممن رويت له صنعة من أولاد الخلفاء عبد الله بن محمد الأمين

فمن مشهور صنعته:

ألا يا دير حنظلة المفـدى

 

لقد أورثتني سقمـاً وكـدا

أزف من العقار إليك دنـاً

 

وأجعل تحته الورق المندى

الشعر والغناء لعبد الله بن محمد الأمين، وأخبرني بذلك محمد بن يحيى الصولي عن عبد الله بن المعتز وله فيه لحنان خفيف رملٍ وخفيف ثقيل وفيه لعبد الله بن موسى الهادي رملٌ. وفيه ثاني ثقيل، وذكر حبش – وهو ممن لا يحصل قوله – أنه لحنين، ولم يصح عندنا من صناعه.
أخبار عبد الله بن محمد ونسبه : نسبه: عبد الله بن محمد الأمين بن هارون الرشيد بن محمد المهدي بن عبد الله المنصور بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب. وأم عبد الله بن محمد أم ولد. وكان ظريفاً غزلاً يقول شعراً ليناً ويصنع صنعةً صالحةً. وأم محمد الأمين زبيدة بنت جعفر بن المنصور. وزبيدة لقبٌ غلب عليها، واسمها أمة العزيز، وكان المنصور يرقصها وهي صغيرة – وكانت سمينة حسنة البدن – فيقول لها: يا زبيدة يا زبيدة، فغلب عليها ذلك.

كان صديقاً لأبي نهشل فأحب جارية اشتراها أخوه فكتب له شعراً فأخذها له منه: أخبرني الصولي قال حدثني عون بن محمد الكندي قال: كانت بين عبد الله بن محمد الأمين وبين أبي نهشل بن حميد مودة. فاعترض عبد الله جاريةً مغنيةً لبعض نساء بني هاشم وأعطى بها مالاً عظيماً. فعرفت منه رغبةً فيها فزدات عليه في السوم. فتركها ليكسرها. فجاء أخ لأبي نهشل بن حميد فاشتراها وزاد. فتبعتها نفس عبد الله، فسأل أبا نهشل أن يسأل أخاه النزول له عنها، فسأله ذلك فوعده ودافعه. فكتب عبد الله إلى أبي نهشل:

يا بن حميد يا أبا نـهـشـل

مفتاح باب الحدث المقفـل

يا أكـرم الـنـاس وداداً وأر

عاهم لحقٌ ضائعٍ مهـمـل

أحسنت في ودي وأجملت بل

جزت فعال المحسن المجمل

بيتك في ذي يمـنٍ شـامـخٌ

تقصر عنه قـنـتـا يدبـل

خلفت فينا حاتماً ذا الـنـدى

وجدت جود العارض المسبل

أي أخٍ أنـت لـذي وحــدةٍ

تركته بالعز في جـحـفـل

نجوم حظي منك مسـعـودةٌ

فيما أرجي لسـن بـالأفـل

فصدق الظن بمـا قـلـتـه

وسهل الأمر بـه يسـهـل

لا تحرمني ولديك الـمـنـى

بالله صيد الرشأ الأكـحـل

رميت منه بسهـام الـهـوى

وما درى بالرمي في مقلتي

أدنيتني بالوعـد فـي صـيده

إدناه عطشان من المنـهـل

ثم تناسيت وأسلـمـتـنـي

إلى مطالٍ موحش المنزل

تركتني في لـحةٍ عـائمـاً

لا أعرف المدبر من مقبل

صرح بأمر واضـحٍ بـينٍ

لا خير في ذي لبس مشكل            

قال: فلم يزل أبو نهشل بأخيه حتى نزل له عنها.

خرج إلى ضيعته وتكاتب هو ونديمه أبو نهشل بشعر: وأخبرني الصولي أيضاً بغير إسناد، ووجدت هذا الخبر في كتابٍ لمحمد بن الحسن الكاتب يرويه عن أبي حسان الفزاري قال: كان أبو نهشل بن حميد صديقاً لعبد الله بن محمد الأمين ونديماً. وكانت لعبد الله ضيعة بالسواد تعرف بالعمرية، فخرج إليها وأقام بها أياماً. فكتب إليه أبو نهشل:

سقى الله بالعمرية الغيث منزلاً

 

حللت به يا مؤنسي وأمـيري

فأنت الذي لا يخلق الدهر ذكره

 

وأنت أخي حقاً وأنت سروري

فأجابه عبد الله:

لئن كنت بالعمـرية الـيوم لاهـياً

 

فإن هواكم حيث كنت ضمـيري

فلا تحسبني في هواكم مقـصـراً

 

وكن شوقي من سخطكم ومجيري

قال محمد بن الحسن في خبره: وصنع عبد الله في هذه الأبيات الأربعة لحناً، وصنع فيها سليمٌ بن سلام لحناٍ آخر.
نادم الواثق والخلفاء من بعده إلى المعتمد، وشعر له فيه: أخبرني محمد بن يحيى الصولي قال حدثنا عبد الله بن المعتز قال: كان عبد الله بن محمد الأمين ينادم الواثق ثم نادم بعده سائر الخلفاء إلى المعتمد.
قال: وأنشدني له في المعتمد:

رأيت الهلال على وجهكا

 

فما زلت أدعو إلهي لكا

فلا زلت تحيا وأحيا معاً

 

وآمنني الله من فقدكمـا

قال: ومن شعره – وله فيه لحنٌ من الرمل الثاني وهو خفيف الرمل -: صوت

يا من به كل خلـقٍ

 

تراه صبـاً مـتـيم

ومن تجالـل تـيهـاً

 

فما تـراه يكـلـم

لا شيء أعجب عندي

 

ممن يراك فيسـلـم

فأما دير حنظلة الذي ذكره في شعره وفيه الغناء المذكور من صنعته متقدماً، فإنه ديرٌ بالجزيرة. أخبرني بخبره هاشم بن محمد أبو دلف الخزاعي قال حدثنا الرياشي قال أنشدني أبو المحكم لحنظلة بن أبي عفراء أحد بني حية الطائيين وهو رهط أبي زبيد ورهط إياس بن قبيصة:

ومهما يكن الزمـان فـإنـنـي

 

أرى قمر الليل المغرب كالفتـى

يهل صغيراً ثم يعـظـم ضـوءه

 

وصورته حتى إذا ما هو استوى

تقارب يخبو ضوءه وشـعـاعـه

 

ويمصح حتى يستسر فـلا يرى

كذلك زيد المرء ثم انتـقـاصـه

 

وتكراره في دهره بعد ما مضى

تصبح أهل الـدار والـدار زينةٌ

 

وتأتي الجبال من شماريخها العلا

فلا ذا غنى يرجئن عن فضل ماله

 

وإن قال أخرني وخذ رشوةً أبى

ولا عن فقيرٍ يأتخرن لـفـقـره

 

فتنفعه الشكوى إليهن إن شـكـا

قال: وكان حنظلة هذا قد تعبد الجاهلية وتفكر في أمر الآخرة وتنصر وبنى ديراً بالجزيرة؛ فهو الآن يعرف به يقال دير حنظلة. وفيه يقول الشاعر:

يا دير حنظلة المهيج لي الهوى

 

قد تستطيع دواء عشق العاشق

وممن صنع من أولاد الخلفاء أبو عيسى بن المتوكل

كان عبد الله بن المتوكل جمع له صنعةً مقدارها أكثر من ثلثمائة صوت، منها الجيد الصنعة و منها المتوسط، قد سمعنا كثيراً منها؛ إلا أني أذكر من ذلك ما عرفت شاعره وكان له خبرٌ يتصل به حسب ما شرطناه في هذا الكتاب وضمناه إياه من الأخبار، ثم أذكر أخبار أبي عيسى بعد ذلك: قال ابن المعتز حدثني النميري قال سمعت أبا عيسى بن المتوكل يقول: إذا أتممت صنعة ثلثمائة صوت وستين صوتاً عدد أيام السنة تركت الصنعة، فلما صنعها ترك الصنعة. فمنها – وهو لعمري من جيد الغناء وفاخر الصنعة، ولو لم يصنع غيره لكفاه – في شعر العتاهية: صوت

يضطرب الخوف والرجاء إذا

 

حرك موسى القضيب أو فكر

ولحنه من الثقيل الأول. والشعر لأبي العتاهية، وقد مضت أخباره؛ وإنما قدمت ذكره بجودة صنعته وأنه شبه فيه بصنعة الفحول ومحكم أغاني الأوائل.
ومنها:

هي النفس ما حملتها تتحمل

 

وللدهر أيامٌ تجور وتعـدل

وعاقبة الصبر الجميل جمـيلةٌ

 

وأفضل أخلاق الرجال التجمل

الشعر لعلي بن الجهم. والغناء لأبي عيسى بن المتوكل، ثاني ثقيلٍ بالوسطى.