أخبار أبي شراعة ونسبه

أخبار أبي شراعة ونسبه

هو – فيما كتب به إلينا ابنه أبو الفياض سوار بن أبي شراعة من أخباره ونسبه – أحمد بن محمد بن شراعة بن ثعلبة بن محمد بن عمير بن أبي نعيم بن خالد بن عبدة بن مالك بن مرة بن عباد بن ضبيعة بن قيس بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن علي بن بكر بن وائل: شاعر بصري من شعراء الدولة العباسية جيد الشعر جزله، ليس برقيق الطبع، ولا سهل اللفظ، وهو كالبدوي الشعر في مذهبه، وكان فصيحاً يتعاطى الرسائل والخطب مع شعره، وكانت به لوثة وهوج.

وأمه من بني تميم من بني العنبر، وابنه أبو الفياض سوار بن أبي شراعة أحد الشعراء الرواة، وقدم علينا بمدينة السلام بعد سنة ثلاثمائة، فكتب عنه أصحابنا قطعاً من الأخبار واللغة، وفاتني فلم ألقه، وكتب إلي وإلى أبي – رحمه الله – بإجازة أخباره على يدي بعض إخواننا، فكانت أخبار أبيه من ذلك.

فمنها ما حكاه عنه أنه كان جواداً لا يليق شيئاً، ولا يسأل ما يقدر عليه إلا سمع به، وأنه وقف عليه سائل يوماً فرمى إليه بنعله وانصرف حافياً، فعثر فدميت إصبعه فقال في ذلك:

ألا لا أبالي في العلا ما أصابـنـي

 

وإن نقبت نعلاي أو حفيت رجلـي

فلم تر عيني قط أحسن مـنـظـراً

 

من النكب يدمى في المواساة والبذل

ولست أبالي من تأوب مـنـزلـي

 

إذا بقيت عندي السراويل أو نعلـي

قال: وبلغه أخاه يقول: إن أخي مجنون، قد أفقرنا ونفسه، فقال:

أأنبز مجنوناً إذا وجـدت بـالـذي

 

ملكت وإن دفعت عنه فعـاقـل

فداموا على الزور الذي قرفوا به

 

ودمت على الإعطاء ما جاء سائل

أبيت وتأبى لـي رجـال أشـحة

 

على المجد تنميهم تـمـيم ووائل

قال: وقال أيضاً في ذلك:

أئن كنت في الفتيان آلـوت سـيداً

 

كثير شحوب اللون مختلف العصب

فما لك من مولاك إلا حـفـاظـه

 

وما المرء إلا باللسان وبالقـلـب

هما الأصغران الذائذان عن الفتـى

 

مكارهه والصاحبان على الخطب

فإلا أطق سعي الكـرام فـأنـنـي

 

أفك عن العاني وأصبر في الحرب

أخبرني عمي قال: أخبرني ميمون بن هارون قال: حدثني إبراهيم بن المدبر قال: كان عندي أبو شراعة بالبصرة، وأنا أتولاها، وكان عندي عمير المغني المدني، وكان عمير بن مرة غطفانياً، وكان يغني صوتاً يجيده، واختار عليه هو:

أتحسب ذات الخال راجية ربا

 

وقد صدعت قلباً يجن بها حبا

فاقترحه أبو شراعة بن عمير، فقال: أعطني دراهم، حتى أقبل اقتراحك، فقال له أبو شراعة: أخذ المغني من الشاعر يدل على ضعف الشاعر، ولكني أعرضك لأبي إسحاق، فغناه إياه ثلاث مرات وقد شرب عليه ثلاثة أرطال، وقال:

عدوت إلى المري عـدوة فـاتـك

 

معن خليع للـعـواذل والـعـذر

فقال لشيء ما أرى قلـت: حـاجة

 

مغلغلة بين المخنـق والـنـحـر

فلما لواني يسـتـثـيب زجـرتـه

 

وقلت: اغترف إنا كلانا على بحر

أليس أبو إسحاق فيه غنـى لـنـا

 

فيجدي على قيس وأجدي على بكر

فغنى بذات الخال حتى استخفـنـي

 

وكاد أديم الأرض من تحتنا يجري

حدثني علي بن سليمان الأخفش قال: حدثني محمد بن يزيد المبرد قال: كان أبو شراعة صديقاً لابن المدبر أيام تقلده البصرة، وكان لا يفارقه في سائر أحواله، ولا يمنعه حاجة يسأله إياها، ولا يشفع لأحد إلا شفعه، فلما عزل إبراهيم بن المدبر شيعه الناس، وشيعه أبو شراعة، فجعل يرد الناس، حتى لم يبق غيره، فقال له: يا أبا شراعة غاية كل مودع الفراق، فانصرف راشداً مكلوءاً من غير قلى والله ولا ملل، وأمر له بعشرة آلاف درهم، فعانقه أبو شراعة، وبكى؛ فأطال، ثم أنشأ يقول:

يا أبا إسحـاق سـر فـي دعة

 

وامض مصحوباً فما منك خلف

ليت شعري أي أرض أجدبـت

 

فأغيثت بك من جهد العجـف!

نزل الرحم مـن الـلـه بـهـم

 

وحرمناك لذنب قـد سـلـف

إنـمـا أنـت ربـيع بـاكـر

 

حيثما صرفه الله انـصـرف

قال أبو الفياض سوار بن أبي شراعة:  

دخل أبي على إبراهيم بن المدبر وعنده منجم، فماراه إبراهيم بن المدبر في رؤية الهلال لشهر رمضان؛ فحكم المنجم بأنه يرى، وحلف إبراهيم بعتق غلمانه أنه لا يرى، فرئي في تلك الليلة. فأعتق غلمانه، فلما أصبح دخل الناس يهنئونه بالشهر، فأنشده أبو شراعة يقول:

أيها المكثر التجني على المـا

 

ل ما خـلا مـن الـسـؤال

أفتنا في الذين أعتقـت بـالأم

 

س مواليك أم موالي الهلال؟

لم يكن وكدك الهلال ولـكـن

 

تنألى لصـالـح الأعـمـال

إنما لذاتك في المال شـتـى

 

صونك العرض وابتذال المال

ما نبالي إذا بقيت سـلـيمـاً

 

من تولت به صروف الليالي

قال أبو الفياض: وكان أبو شراعة صديق السدري، فدعا يوماً إخوانه، وأغفل أبا شراعة. فمر به الرياشي. فقال: يا أبا شراعة، ألست عند السدري معنا؟ فقال: لم يدعنا. ومر به جماعة من إخوانه، فسألوه عن مثل ذلك، ومر به عيسى بن أبي حرب الصفار – وكان ممن دعي- فجلس وحلف ألا يبرح حتى يأتيه السدري، فيعتذر إليه، ويدعوه، فقال أبو شراعة:

أير حمار في حرام شـعـري

 

وخصيناه في حـرام قـدري

إن أنا أشفعـهـمـا بـوفـر

 

لو كنت ذا وفر دعاني السدري

أو كان من هم هشـام أمـري

 

أو راح إبراهيم يطري ذكري

وابن الرياشي الضعيف الأسـر

 

يخـاف إن أردف ألا يجـري

وأنت يا عيسى سقاك المسـرى

 

نعم صديق عـسـرة ويسـر

قال أبو الفياض: سقطت دارنا بالبصرة، فعوتب أبي على بنائها، وقيل له، استعن بإخوانك إن عجزت عنه فقال:

تلوم ابنة البكري حين أءوبهـا

 

هزيلاً وبعض الآئبين سمـين

وقالت: لحاك الله تستحسن العرا

 

عن الدار إن النائبات فـنـون

وحولك إخوان كرام لهم غنـى

 

فقلت لإخواني: الكرام عـيون

ذريني أمت قبل احتلال محـلة

 

لها في وجوه السائلين غضون

سأفدي بمالي ماء وجهي إننـي

 

بما فيه من ماء الحياء ضنـين

قال سوار بن أبي شراعة: كان إخوان أبي يجتمعون عند الحسين بن أيوب بن جعفر بن سليمان في ليالي شهر رمضان، فيهم الرياشي والجماز، فقال أبي في ذلك:

لو كنت من شيعة الجماز أقعدني

 

مقاعداً قربهن الريف والشـرف

لكنني كنت للعبـاس مـتـبـعـاً

 

وليس في مركب العباس مرتدف

قد بقيت من ليالي الشهر واحـدة

 

فعاودوا مالح البقال وانصرفـوا

قال: تزوج نديم لأبي شراعة يقال له بيان امرأة، فاتفق عرسه في ليلة طلق فيها أبو شراعة امرأته، فعوتب في ذلك، وقيل: بات بيان عروساً، وبت عزباً، فقال في ذلك:

رأت عرس بيان فهبت تلومـنـي

 

رويدك لوماً فالمطـلـق أحـوط

رويدك حتى يرجع البـر أهـلـه

 

ويرحم رب العرس من حيث يغبط

إذا قال للطحان عنـد حـسـابـه

 

أعد نظراً إني أظنـك تـغـلـط

فمـا راعـه إلا دعـاء ولــيدة

 

هلم إلى السواق إن كنت تنـشـط

هنالك يدعـو أمـه فـيسـبـهـا

 

ويلتبس الأجر العقوق فـيحـبـط

فيا ذا العلا إني لفضلـك شـاكـر

 

أبيت وحيداً كلما شـئت أضـرط

قال: ثم بلغه عن بيان هذا أنه عجز عن امرأته، ولم يصل إليها، ولقي منها شراً، فقال في ذلك:

رمى الدهر في صحبي وفرق جلاسي

 

وباعدهم عني بـظـعـن وإعـراس

فكـلـهـم يبـغـي غـلافـاً لأيره

 

وأقعدني عن ذاك فقري وإفـلاسـي

فشـكـراً لـربـي خـان بـيان أيره

 

وأسعى بأيري في الظلام على الناس

يمسحه بـالـكـف حـتـى يقـيمـه

 

وهل ينفع الكفان من ثقـل الـرأس

وقال أبو فياض سوار: نظر إلي أبي يوماً وقد سألت عمي حاجة فردني، فبكى، ثم قال:

حبي لإغناء سـوار يجـشـمـنـي

 

خوض الدجى واعتساف المهمة البيد

كي لا تهون على الأعمام حاجـتـه

 

ولا يعلل عنـهـا بـالـمـواعـيد

ولا يولـيهـم إن جـاء يسـألـهـا

 

أكتاف معرضة في العيس مردودة

إذا بكى قال منهم ذو الحفاظ له

 

لقد بليت بخلق غير محمـود      

قال: وتمارى أبو شراعة ورجل من أهل بغداد في النبيذ، فجعل البغدادي يذم نبيذ التمر والدبس ، فقال أبو شراعة:

إذا انتخبت حبـه ودبـه

 

ثم أجدت ضربه ومرسه

ثم أطلت في الإناء حبسه

 

شربت منه البابلي نفسه

قال: وأعوز أبا شراعة يومئذ النبيذ، فطلب من نديمين كانا له، فاعتل أحدهما بحلاوة نبيذه، والآخر بحموضته، فاشترى من نباذ يقال له: أبو مظلومة دستيجة بدرهمين، وكتب إليهما:

سيغني عن حلاوة دبس يحيى

 

ويغني عن حموض أبي أمية

أبو مظلومة الشيخ المـولـي

 

إذا اتزنـت يداه درهـمـيه

أخبرني علي بن سليمان قال: حدثنا محمد بن يزيد قال: كان أبو شراعة قبيح الوجه جداً، فنظر يوماً في المرآة، فأطال، ثم قال: الحمد لله لا يحمد على الشر غيره.

قال سوار بن أبي شراعة: حلف أبي ألا يشرب نبيذاً بطلاق امرأة كانت عنده، فهجر حولين، ثم حنث فشرب، وطلق امرأته وأنشأ يقول:

فمن كان لم يسمع عجيباً فـإنـنـي

 

عجيب الحديث يا أميم وصـادقـه

وقد كان لي أنسـان يا أم مـالـك

 

وكل إذا فتشتني أنـا عـاشـقـه

عزيزة والكأس التي من يحـلـهـا

 

تخادعه عن عقله فـتـصـادقـه

تحاربتا عندي فعـطـلـت دنـهـا

 

وأكوابها والدهـر جـم بـوائقـه

ومرمتها حـولـين ثـم أزلـنـي

 

حديث الندامى والنشـيد أوافـقـه

فلما شربت الكأس بانت بأخـتـهـا

 

فبان الغزال المستحب خـلائقـه

فما أطيب الكأس التي اعتضت منكم

 

ولكنها ليسـت بـريم أعـانـقـه

قال أبو فياض: قال أبي: قصدت الحسن بن رجاء بالأهواز، فصادفت ببابه دعبل الخزاعي وجماعة من الشعراء، وقد اعتل عليهم بدين لزمه ومصادرة فكتب إليه:

المال والعقل شيء يستعان بـه

 

على المقام بأبواب السلاطـين

وأنت تعلم أني منهمـا عـطـل

 

إذا تأملتني يا بن الـدهـاقـين

هل تعلم اليوم بالأهواز من رجل

 

سواك يصلح للدنـيا ولـلـدين

قال: فوعدنا وعدا قربه، ثم تدافع، فكتب إليه:

آذنـت جـبـتــي بـــأمـــر قـــبـــيح

 

من فـراق لـلـطـيلـسـان الــفـــســـيح

فكأنني بمن يزيد على الجبة في ظل دار سهل بن نوح

 

 

أنت روح الأهواز يا بن رجاء

 

أي شـــيء يعـــــيش إلا بـــــــروح

فأذن لي وللجماعة، وقضى حوائجنا.

قال أبو فياض وحدثني أبي قال: حججت، فأتيت دار سعيد بن سلم، فنحرت فيها ناقة، وقلت:

وردت دار سعيد وهـي خـالـية

 

وكان أبيض مطعاماً ذرى الإبـل

فارتحت فيها أصيلاً عند ذكرتـه

 

وصحبتي بمنى لاهون في شغل

فابتعت من إبل الجمال دهـشـرة

 

موسومة لم تكن بالحقة العطـل

نحرتها عن سعيد ثم قلت لـهـم:

 

زوروا الحطيم فإنني غير مرتحل

قال: وبلغت الأبيات وفعلي ولده، فأحسنوا المكافأة، وأجزلوا الصلة؛ قال: فقال له صديق له: وأنت أيضاً قد استجدت لهم النحيرة! فضحك، ثم قال: أغرك وصفي لها؟ أشهد الله أني ما بلغت دار سعيد إلا بين عمودين.

وقال أبو فياض: كان أبو أمامة محمد بن محمد بن عبد الرحمن بن سعيد بن سلم – وأمه سعدى بنت عمرو بن سعيد بن سلم – صديقاً لأبي شراعة، وكانت أمه سعدى تعوله، فكان أبو شراعة لا يزال يعبث به، وبلغه أن أبا أمامة يقول: إنما معاش أبي شراعة من السلطان ورفده، ولولا ذلك لكان فقيرا؛ فقال فيه:

عيرتني نائل السلطـان أطـلـبـه

 

يا ضل رأيك بين الخرق والنـزق

لولا امتنان من السلطان تجهـلـه

 

أصبحت بالسود في مقعوعس خلق

– السود: موضع تنزله باهلة بالبادية -:

رث الردا بين أهدام مـرقـعة

 

يبيت فيها بليل الجائع الـفـرق

لا شيء أثبت بالإنسان معـرفة

 

من التي حزمت جنبيه بالخرق

فأين دارك منها وهي مـؤمـنة

 

بالله معروفة الإسلام والشفـق!

وأين رزقك إلا مـن يدي مـرة

 

ما بت من مالها إلا على سرق!

تبيت والهر ممدوداً عيونكـمـا

 

إلى تطعمها مخضرة الحـدق

ما بين رزقكما إن قاس ذو فطن

 

فرق سوى أنه يأتيك في طبق

شاركه في صيده للفأر تأكـلـه

 

كما تشاركه في الوجه والخلق

قال أبو الفياض: وزارة أبو أمامة يوماً فوجد عنده طفشيلاً فأكله كله، فقال أبو شراعة يمازحه:

عين جودي لبرمة الطفشـيل

 

واستهلي فالصبر غير جميل

فجعتني بها يد لم تـدع لـلـذ

 

ر في صحن قدرها من مقيل

كان والله لحمها من فـصـيل

 

راتع يرتعي كريم البـقـول

فخلطنا بلحمه عـدس الـشـا

 

م إلى حمص لنا مـبـلـول

فأتتنا كأنها روضة بـالـحـز

 

ن تدعو الجيران للتطـفـيل

ثم أكفأت فوقها جفنة الحـي

 

وعلقت صحفتي في زبـيل

فمنى الله لي بفـظ غـلـيظ

 

ما أراه يقر بـالـتـنـزيل

فانتحى دائباً يدبـل مـنـهـا

 

قلت: إن الثريد للـتـدبـيل

فتغنى صوتاً ليوضح عـنـدي

 

حي أم العلاء قبل الرحـيل

أخبرني علي بن سليمان الأخفش قال: حدثني سوار بن أبي شراعة قال: كتب أبي إلى سعيد بن مسلم بن قتيبة يستهديه نبيذاً، فكتب إليه سعيد: إذا سألتني – جعلني الله فداءك – حاجة فاشطط، واحتكم فيها حكم الصبي عن أهله، فإن ذلك يسرني، وأسارع إلى إجابتك فيه. وأمر له بما التمس من النبيذ، فمزجه صاحب شرابه، وبعث به إليه. فكتب إليه أبو شراعة: أستنسئ الله أجلك، وأستعيذه من الآفات لك، وأستعينه على شكر ما وهب من النعمة فيك، إنه لذلك ولي، وبه ملي. أتلقى غلامك المليح قده، السعيد بملكك جده بكتاب قرأته غير مستكره اللفظ، ولا مزور عن القصد، ينطق بحكمتك، ويبين عن فضلك، فوالله ما أوضح لي خفياً، ولا رادني بك علماً، وإذا أنت تسأل فيه أن تهب، وتحب أن تحمد، ولا غرو أن تفعل ذلك، ومن كتب أخذته، لا عن كلالة ورثته، موسى أبوك، وسعيد جدك، وعمرو عمك، ولك دار الصلة، ودار الضيافة، وصاحب البغلة الشهباء وحصين بن الحمام وعروة بن الورد، ففي أي غلوات المجد يطمع قرينك أن يستولى على المدى، والأمد دونك. وكتابك إلي أن أتحكم عليك تحكم الصبي على أهله، فلشد ما جررت إلي معروفك، ودللت على الأنس بك، وحاشى للمحكوم له والمحكوم عليه في ذات الحسب العتيق، والمنظر الأنيق الذي يسر القلب، ويلائم الروح، ويطرد الهم:

تدب خلال شؤون الفـتـى

 

دبيب دبى النملة المنتعـش

إذا فتحت فقمـت ريحـهـا

 

وإن سيل خمارها قال: خش

– خش: كلمة فارسية تفسيرها: طيب -.

فإن كنت رعيت لها عهداً، وحفظت لها عندك يداً، فانظر رب الحانوت فامطله دينه، واقطع السبب بينك وبينه، فقد أساء صحبتها، وأفسد بالماء حسها، وسلط عليها عدوها، واعلم بأن أباك المتمثل بقوله:

يرى درجات المجد لا يستطيعها

 

فيقعد وسط القوم لا يتـكـلـم

وقد بسطت قدرتك لسانك، وأكثرت لك الحمد، فدونك نهزة البديهة منه:

وبادر بمعروف إذا كنت قـادراً

 

زوال افتقار أو غنى عنك يعقب

وقد بعثت إليه بقرابة مع الرسول، وأنشأت في أثرها أقول:

إليك ابن موسى الجود أعملت ناقتي

 

مجللة يضفو عليهـا جـلالـهـا

كتوم الوحي لا تشتكي ألم السـرى

 

سواء عليها موتها واعتـلالـهـا

إذا شربت أبصرت ما جوف بطنها

 

وإن ظمئت لم يبد منها هزالـهـا

وإن حملت حملاً تكلفت حملـهـا

 

وإن حط عنها لم أقل كيف حالها؟

بعثنا بها تسمو الـعـيون وراءهـا

 

إليك وما يخشى عليها كـلالـهـا

وغنى مغنياً بصوت فـشـافـنـي

 

متى راجع من أم عمرو خيالهـا

أحب لكم قيس بن عيلان كـلـهـا

 

ويعجبني فرسانهـا ورجـالـهـا

ومالي لا أهـوى بـقـاء قـبـيلة

 

أبوك لها بدر وأنـت هـلالـهـا

قال: فبعث إليه برسوله الذي حمل إليه النبيذ، واستملحه في شعره، وبصاحب شرابه، وكل ما كان في خزانته من الشراب وبثلاثمائة دينار.

أخبرني الأخفش عن المبرد وسوار بن أبي شراعة جميعاً:  

أن أبا الفياض سوار بن أبي شراعة كان يهوى قينة بالبصرة يقال لها: مليحة، فدعيت ذات يوم إلى مجلس لم يكن حاضره، وحضر أبو علي البصير ذلك المجلس، فجشمها بعض من حضر، فلم تلتفت إليه، وعرف أبو علي ذلك فكتب إلى أبي الفياض:

لك عـنـدي بـشـارة فـاسـتـمــعـــهـــا

 

وأجـبـنـي عـنـهــا أبـــا الـــفـــياض

كنـت فـي مـجـلــس مـــلـــيحة فـــيه

 

وهـي سـقـم الـصـحـاح بـرء الـمـــراض

وقديماً عهدتني لست في حقك والذب عنك ذا إغماض

 

 

فتغفلتها تغفل خصم

 

وتـأمـلـتـــهـــا تـــأمـــل قـــاض

ورمـتـهـا الـعـيون مـــن كـــل أفـــق

 

وتـشـاكـوا بــالـــوحـــي والإيمـــاض

من كـهـــول وســـادة ســـمـــحـــاء

 

بالـلـهـا بـاخـــلـــين بـــالأعـــواض

وصـفـات الـقـيان أولـــهـــا الـــغـــد

 

رعـلـيه فـي وصـلـهـن الـتـــراضـــي

فتـشـوفــت ذاك مـــنـــهـــا وأعـــدد

 

ت نـكـيري وسـورتـي وامـتـعـــاضـــي

فحمت جانب المزاح وعمتهم جميعاً بالصد والإعراض

 

 

وكفاني وفاؤها لك حتى

 

آذن الـلـيل جـمـعـهـم بـار فـــضـــاض

فأجابه أبو الفياض:

ليت شـــعـــري مـــاذا دعـــاك إلــــى أن

 

هجـت شـوقــي وزدت فـــي إمـــراضـــي؟

ذكـرتـــنـــي بـــشـــراك داء قـــديمـــاً

 

من سـقـام عــلـــي لا شـــك قـــاضـــي

إن تكن أحسنت مليحة في وصلي وعاصت رياضة الرواض

 

 

وأقامت على الوفاء ولم تر

 

ع لـــوحـــي مـــنـــهـــم ولا إيمـــاض

فعـلـى صــحة الـــوفـــاء تـــعـــاقـــد

 

نا وصـــون الـــنـــفـــوس والأعــــراض

وعـلـينــا مـــن الـــعـــفـــاف ثـــياب

 

هن أبـهـــى مـــن حـــالـــيات الـــرياض

ليس حـظـي مـنـهـا سـوى الـنـظـر الــخـــت

 

ل وإنـــي بـــه لـــــجـــــــذلان راض

لحـظـات يقـعــن فـــي ســـاحة الـــقـــل

 

ب وقـوع الــســـهـــام فـــي الأغـــراض

وابـتـسـام كـالـبـــرق أو هـــو أخـــفـــى

 

بين سـتـري تـــحـــرز وانـــقـــبـــاض

لا أخـاف انـتـقــاضـــهـــا آخـــر الـــده

 

ر بـغـدر ولا تـخــاف انـــتـــقـــاضـــي

فأبـن لــي ألـــســـت تـــحـــمـــد ذا ال

 

ود وقـــاك الـــردى أبـــو الـــفــــياض؟

قال أبو الفياض: اتصل بأبي شراعة أن أبا ناظرة السدوسي يغتابه، وكان مع آل أبي سفيان بن ثور فقال يهجوهم:

لعن الإله بني سدوس كلهـم

 

ورمى بمنجوف ورية قاف

قد سبني غضروطهم فسببتهم

 

ذنب الدنيء يناط بالأشراف

قال أبو الفياض: وكان بين بعض بني عمنا وبين أبي شراعة وحشة، ثم صالحوه، ودعوه إلى طعامهم، فأبى، وقال: أمثلي يخرج من صوم إلى طعم، ومن شتيمة إلى وليمة: ومالي ولكم مثل إلا قول المتلمس:

فإن تقبلوا بالود نقبل بمثله

 

وإلا فإنا نحن آبى وأشمس

وقال فيهم:

بني سوار إن رثـت ثـيابـي

 

وكل عن العشيرة فضل مالي

فمطرح ومتـروك كـلامـي

 

وتجفوني الأقارب والموالـي

ألم أك من سراة بنـي نـعـيم

 

أحل البيت ذا العمد الطـوال

وحولي كل أصيد تغـلـبـي

 

أبي الضيم مشترك الـنـوال

إذا حضر الغداء فغير مـغـن

 

ويغني حين تشتجر العوالـي

وأبقوني فلست بمسـتـكـين

 

لصاحب ثروة أخرى الليالـي

ولا بممسح المثـرين كـيمـا

 

أمسح من طعامهم سبـالـي

أنا ابن العنـبـرية أزرتـنـي

 

إزار المكرمات إزار خالـي

فإن يكن الغنى مجداً فـإنـي

 

سأدعو الله بالرزق الـحـلال

إذا أبصرتك العين من بعد غاية

 

وأوقعت شكا فيك أثبتك القلب

ولو أن ركباً يمموك لقـادهـم

 

نسيمك حتى يستدل بك الركب

الشعر لعبد الله بن محمد بن البواب، والغناء لأحمد بن صدقة الطنبوري، رمل مطلق في مجرى البنصر رواية الهشامي.