أخبار أبي دلامة ونسبه

أخبار أبي دلامة ونسبه

نسبه وهو مولى لبني أسد وكان فاسد الدين متهتكاً: أبو دلامة زند بن الجون. وأكثر الناس يصحف اسمه فيقول ” زيد ” بالياء، وذلك خطأ، وهو زند بالنون، وهو كوفي أسود، مولىً لبني أسد. كان أبوه عبداً لرجل منهم يقال لع فضافض فأعتقه. وأدرك آخر أيام بني أمية، ولم يكن له في أيامهم نباهة، ونبغ في أيام بني العباس، وانقطع إلى أبي عباس وأبي جعفر المنصور والمهدي، فكانوا يقدمونه ويصلونه ويستطيبون مجالسته ونوادره. وقد كان انقطع إلى روح بن حاتم المهلبي أيضاً في بعض أيامه. ولم يصل إلى أحدٍ من الشعراء ما وصل إلى أبي دلامة من المنصور خاصةً. وكان فاسد الدين، رديء المذهب، مرتكباً للمحارم، مضيعاً للفروض، مجاهراً بذلك، وكان يعلم هذا منه ويعرف به، فيتجافى عنه للطف محله.
أول شعر عرف به: وكان أول ما حفظ من شعره وأسنيت الجوائز له به قصيدة مدح بها أبا جعفر المنصور وذكر قتله أبا مسلم. فأخبرني أحمد بن عبيد الله بن عمار قال حدثني محمد بن داود بن الجراح عن محمد بن القاسم عن أحمد بن حبيبٍ قال: لما قال أبو دلامة قصيدته في قتل أبي مسلم التي يقول فيها:

أبا مسلمٍ خوفتني القتل فاتنحى

 

عليك بما خوفتني الأسد الورد

أبا مسلم ما غير الله نـعـمةً

 

على عبده حتى يغيرها العبد

أنشدها المنصور في محفلٍ من الناس، فقال له: احتكم. قال: عشرة آلاف درهم. فأمر له بها. فلما خلا به قال له: إيه !! أما والله لو تعديتها لقتلتك.

أخبرني أحمد بن عبيد الله بن عمار قال حدثني علي بن مسلمٍ عن أبيه: سمى لي أبو دلامة نفسه زنداً ” بالنون ” ابن الجون. وأسلم مولاه فضافض. وله أيضاً شعر، وكان في الصحابة.
أعفاه المنصور من لبس السواد والقلانس دون الناس: أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني جعفر بن الحسين المهلبي قال: كان أبو جعفر المنصور قد أمر أصحابه بلبس السواد وقلانس طوالٍ تدعم بعيدانٍ من داخلها، وأن يعقلوا السيوف في المناطق، ويكتبوا على ظهورهم ” فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم ” فدخل عليه أبو دلامة في هذا الزي. فقال له أبو جعفر: ما حالك؟ قال: شر حالٍ، وجهي في نصفي، وسيفي في استي، وكتاب الله في وراء ظهري، وقد صبغت بالسواد ثيابي، فضحك منه وأعفاه وحده من ذلك، وقال له: إيالك أن يسمع هذا منك أحد .
ونسخت من كتابٍ لابن النطاح فذكر مثل هذه القصة سواءً وزاد فيها:

وكنا نرجي مـن إمـامٍ زيادةً

 

فجاد بطولٍ زاده في القلانس

تراها على هام الرجال كأنها

 

دنان يهودٍ جللت بالبـرانـس

فضحك منه وأعفاه.

طلب من المنصور أو السفاح، كلب صيد ثم تدرج في الطلب إلى أشياء كثيرة: أخبرني علي بن سليمان الأخفش قال حدثني محمد بن يزيد النحوي قال حدثني الجاحظ قال: كان أبو دلامة بين يدي المنصور واقفاً – وأخبرني إبراهيم بن أيوب عن ابن قتيبة أنه كان واقفاً بين يدي السفاح – فقال له: سلني حاجتك. قال أبو دلامة: كلبٌ أتصيد به. قال له: أعطوه إياه. قال: ودابة أتصيد عليها. قال: أعطوه. قال: وغلامٌ يصيد بالكلب ويقوده. قال: أعطوه غلاماً. قال: وجاريةٌ تصلح لنا الصيد وتطعمنا منه. قال: أعطوه جاريةً. قال: هؤلاء يا أمير المؤمنين عبيدك فلا بد لهم من دار يسكنونها. فقال: أعطوه داراً تجمعهم. قال: فإن لم تكن ضيعةٌ فمن أين يعيشون ! قال:قد أعطيتك مائة جريبٍ عامرةً ومائة جريب غامرة. قال: وما الغامرة. قال: ما لا نبات فيه. قال: قد أقطعتك أنا يا أمير المؤمنين خمسمائة ألف جريب غامرةً من فيافي بني لأسد. فضحك وقال: اجعلوها كلها عامرةً. قال: فأذن لي أن أقبل يدك. قال: أما هذه فدعها. قال: والله ما منعت عيالي شيئاً أقل ضرراً عليهم منها. قال الجاحظ: فانظر إلى حذقه بالمسألة ولطفه فيها: إبتدأ بكلب فسهل القصة به، وجعل يأتي بما يليه على ترتيبٍ وفكاهةٍ، حتى نال ما لو سأله بديهةٌ لما وصل إليه.

كنى باسم جبل بمكة: أخبرني علي بن سليمان الأخفش قال حدثني السكري عن محمد بن حبيب قال: اسم أبي دلامة زندٌ بالنون، ومن الناس من يرويه بالياء، وكني أبو دلامة باسم جبلٍ بمكة يقال له أبو دلامة، كانت قريش تئد فيه البنات في الجاهلية؛ وهو بأعلى مكة.

أنشد المنصور شعراً فأجازه: وأخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهري قال حدثنا عمر بن شبة، وأخبرني عمي قال حدثني الكراني عن العمري عن الهيثم قال: دخل أبو دلامة على المنصور فأنشده قصيدته التي يقول فيها:

إن الخليط أجد البين فانتجـعـوا

 

وزودوك خبالاً بئس ما صنعـوا

والله يعلم أن كادت لـبـينـهـم

 

يوم الفراق حصاة القلب تنصدع

عجبت من صبيتي يوماً وأمهـم

 

أم الدلامة لما هاجها الـجـزع

لا بارك الله فيها من مـنـبـهةٍ

 

هبت تلوم عيالي بعد ما هجعوا

ونحن مشتبهو الألوان أوجهـنـا

 

سودٌ قباحٌ وفي أسمائنا شـنـع

إذا تشكت إلي الجوع قلت لهـا

 

ما هاج جوعك إلا الري والشبع

– ويروى وهو الجيد:

أذابك الجوع مذ صارت عيالتنـا

 

على الخليفة منه الري والشبـع

لا والذي يا أمير المؤمنين قضـى

 

لك الخلافة في أسبابها الـرفـع

مازلت أخلصها كسبي فتأكـلـه

 

دوني ودون عيالي ثم تضطجـع

شوهاء مشنأةٌ في بطنها ثـجـلٌ

 

وفي المفاصل من أوصالها فدع

ذكرتها بكتاب الله حـرمـتـنـا

 

ولم تكن بكتاب الله تـنـتـفـع

فاخرنطمت ثم قالت وهي مغضبةٌ

 

أأنت تتلو كتاب اللـه يا لـكـع

اخرج لتبغ لنا مـالاً ومـزرعةً

 

كما لجيراننـا مـالٌ ومـزدرع

واخدع خليفتنا عنهـا بـمـسـألةٍ

 

إن الخليفة للـسـؤال ينـخـدع

فضحك أبو جعفر وقال: أرضوها عني واكتبوا له بمائتي جريب عامرة ومائتي جريب غامرة – وقال الهيثم: بستمائة جريب عامرة وغامرة – فقال له: أنا أقطعك يا أمير المؤمنين أربعة آلاف جريب غامرة فيما بين الحيرة والنجف، وإن شئت زدتك. فضحك وقال: اجعلوها كلها عامرة.

شهد عند ابن أبي ليلى لجارة له وقال شعراً فأمضى ابن أبي ليلى شهادته: حدثني محمد بن أحمد بن الطلاس قال حدثنا أحمد بن الحارث الخراز عن المدائني قال: شهد أبو دلامة بشهادة لجارة له عند ابن أبي ليلى على أتانٍ نازعها فيها رجل. فلما فرغ من الشهادة. قال : اسمع ما قلت فيك قبل أن آتيك ثم اقض ما شئت. قال: هات؛ فأنشده:

إن الناس غطوني تغطيت عنهم

 

وإن بحثوا عني ففيهم مباحـث

وإن حفروا بئري حفرت بئارهم

 

ليعلم يوماً كيف تلك النـبـائث

ثم أقبل على المرأة فقال: أتبيعينني الأتان؟ قالت نعم. قال: بكم؟ قالت: بمائة درهم. قال ادفعوها إليها ففعلوا. وأقبل على الرجل فقال: قد وهبتها لك، وقال لأبي دلامة: قد أمضيت شهادتك ولم أبحث عنك، وابتعت ممن شهدت له، ووهبت ملكي لمن رأيت. أرضيت؟ قال نعم، وانصرف.

شرب مع السيد الحميري أو أبي عطاء السندي فذم ابنته وأخبر المنصور فأكرمه: أخبرني الحسن بن علي الخفاف قال حدثنا أبو بكر أحمد بن أبي خيثمة قال حدثنا محمد بن سلام عن علي بن إسماعيل قال: كنت أسقي أبا دلامة والسيد، إذ خرجت بنت لأبي دلامة ، فقال فيها أبو دلامة:

فما ولدتك مريم أم عيسى

 

ولا رباك لقمان الحكيم

أجزيا أبا هاشم. فقال السيد :

ولكن قد تضمك أم سوءٍ

 

إلى لباتهـا وأب لـئيم

فضحك لذلك. ثم غدا أبو دلامة إلى المنصور فألفاه في الرحبة يصلح فيها شيئاً يريده، فأخبره بقصة بنته وأنشده البيتين، ثم اندفع فأنشده بعدهما:

لو كان يقعد فوق الشمس من كرمٍ

 

قومٌ لقيل اقعـدوا يا آل عـبـاس

ثم ارتقوا في شعاع الشمس كلكـم

 

إلى السماء فأنتم أظهر الـنـاس

وقدموا القائم المنصور رأسـكـم

 

فالعين والأنف والأذنان في الرأس

فاستحسنها وقال له: بأي شيء تحب أن أعينك على قبح ابنتك هذه؟ فأخرج خريطة قد كان خاطها من الليل فقال: تملأ لي هذه دراهم ،فملئت فوسعت أربعة آلاف درهم.

وقد أخبرني بهذا الخبر عمي قال حدثنا الكراني قال حدثني العمري عن الهيثم بن عدي قال: دخل أبو عطاء السندي يوماً إلى أبي دلامة فاحتبسه عنده، ودعا بطعامٍ فأكلا وشبعا، وخرجت إلى أبي دلامة صبيةٌ له فحملها على كتفه، فبالت عليه فنبذها عن كتفه، ثم قال:

بللت علي لا حييت ثوبيفبال عليك شيطانٌ رجيم

 

فما ولدتك مريم أم عيسى

 

ولا ربـاك لـقـمـان الـــحـــكـــيم

ثم التفت إلى أبي عطاء فقال له: أجز. فقال:

صدقت أبا دلامة لم تلدها

 

مطهرةٌ ولا فحلٌ كريم

ولكن قد حوتها أم سـوءٍ

 

إلى لباتهـا وأبٌ لـئيم

فقال له أبو دلامة: عليك لعنة الله ! ما حملك على أن بلغت بي هذا كله ! والله لا أنازعك بيت شعرٍ أبداً. فقال أبو عطاء: لأن يكون الهرب من جهتك أحب إلي.

رثى السفاح عند المنصور فغضب وأراد إخراجه إلى الحرب فاسترضاه: أخبرني محمد بن يحيى قال حدثني عبد الله بن المعتز قال حدثني أبو مالك عبد الله بن محمد قال حدثني أبي قال: لما توفي أبو العباس السفاح دخل أبو دلامة على المنصور والناس عنده يعزونه؛ فأنشأ أبو دلامة يقول:

أمسيت بالأنبار يابن محـمـدٍ

 

لم تستطع عن عقرها تحويلا

ويلي عليك أهلـي كـلـهـم

 

ويلا ً وعولاً في الحياة طويلا

فلتبكين لك النساء بـعـبـرةٍ

 

وليبكين لك الرجـال عـويلا

مات الندى إذ مت يابن محمـد

 

فجعلته لك في الثراء عـديلا

إني سألت الناس بعدك كلهـم

 

فوجدت أسمح من سألت بخيلا

ألشقوتي أخرت بعدك للـتـي

 

تدع العزيز من الرجال ذليلا

فلأحلفـن يمـين حـق بـرةً

 

بالله ما أعطيت بعدك سـولا

قال فأبكى الناس قوله: فغضب المنصور غضباً شديداً وقال: لئن سمعتك تنشد هذه القصيدة لأقطعن لسانك. فقال أبو دلامة: يا أمير المؤمنين، إن أبا العباس أمير المؤمنين كان لي مكرماً وهو الذي جاء بي من البدو كما جاء الله بإخوة يوسف إليه، فقل كما قال يوسف لإخوته: ” لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين “. فسري عن المنصور وقال: قد أقلناك يا أبا دلامة، فسل حاجتك. فقال: يا أمير المؤمنين، قد كان أبو العباس أمر لي بعشرة آلاف درهم وخمسين ثوباً وهو مريض ولم أقبضها. فقال المنصور: ومن يعرف هذا؟ فقال: هؤلاء، وأشار إلى جماعة ممن حضر. فوثب سليمان بن مجالد وأبو الجهم فقالا: صدق أبو دلامة ، نحن نعلم ذلك. فقال المنصور لأبي أيوب الخازن وهو مغيظ: يا سليمان ادفعها إليه وسيره إلى هذا الطاغية ” يعني عبد الله بن علي ، وقد كان خرج بناحية الشام، وأظهر الخلاف “. فوثب أبو دلامة فقال: يا أمير المؤمنين، إني أعيذك بالله أن أخرج معهم، فوالله إني لمشؤوم. فقال المنصور: امض فإن يمني يغلب شؤمك فاخرج.
فقال: والله يا أمير المؤمنين ما أحب لك أن تجرب ذلك مني على مثل هذا العسكر؛ فإني لا أدري أيهما يغلب: أيمنك أم شؤمي، إلا أني بنفسي أوثق وأعرف وأطول تجربةً. قال: دعني من هذا فمالك من الخروج بد. فقال: إني أصدقك الآن، شهدت والله تسع عشر عسكراً كلها هزمت؛ وكنت سببها. فإن شئت الآن على بصيرةٍ أن يكون عسكرك العشرين فافعل. فاستغرب أبو جعفر ضحكاً، وأمره أن يتخلف مع عيسى بن موسى بالكوفة.

أغضب المنصور لكثرة مدحه السفاح: أخبرني عمي قال حدثنا الكراني قال حدثني العمري عن الهيثم بن عدي قال: لما مات أبو العباس السفاح وولي المنصور، دخل عليه أبو دلامة، فقال له أبو جعفر: ألست القائل لأبي العباس:

وكنا بالخليفة قد عـقـدنـا

 

لواء الأمر فانتقض اللواء

فنحن رعيةٌ هلكت ضياعاً

 

تسوق بنا إلى الفتن الرعاء

قال: ما قلت هذا يا أمير المؤمنين. قال: كذبت والله ! أفلست القائل:

هلك الندى إذ بنت يابن محمدٍ

 

فجعلته لك في التراب عديلا

ولقد سألت الناس بعدك كلهـم

 

فوجدت أكرم من سألت بخيلا

ولقد حلفت على يمـينٍ بـرةً

 

بالله ما أعطيت بعدك سـولا

فقال أبو دلامة: إن أخاك صلى الله عليه غلبني على صبري، وسلبني عزيمتي، وعزني بإحسانه إلي وجزعي عليه، فقلت ما لم أتأمله، وإني أرغب في الثمن فاستفره السلعة حياً وميتاً. فإن أعطيت ما أعطى، أخذت ما أخذ. فأمر به فحبس ثلاثاً ثم خلى سبيله ودعاه إليه فوصله، ثم عاد له إلى ما كان عليه.

أمره روح بن حاتم بمبارزة خارجى فخدعه: أخبرني الحسن بن علي قال حدثني أبو أحمد بن سعيد الدمشقي قال حدثني دلامة قال: أتي بي المنصور أو المهدي وأنا سكران، فحلف ليخرجني في بعث حربٍ، فأخرجني مع روح بن حاتم المهلبي لقتال الشراة . فلما التقى الجمعان قلت لروح: أما والله لو أن تحتي فرسك ومعي سلاحك لأثرت في عدوك اليوم أثراً ترتضيه. فضحك وقال: والله العظيم لأدفعن ذلك إليك، ولآخذنك بالوفاء بشرطك. ونزل عن فرسه ونزع سلاحه ودفعهما إلي، ودعا بغيرهما فاستبدل به. فلما حصل ذلك في يدي وزالت عني حلاوة الطمع، قلت له: أيها الأمير، هذا مقام العائذ بك ،وقد قلت بيتين فاسمعهما. قال: هات. فأنشدته:

إني استجرتك أن أقدم في الوغى

 

لتطاعنٍ وتـنـازلٍ وضـراب

فهب السيوف رأيتها مشهـورةً

 

فتركتها ومضيت في الهـراب

ماذا تقول لما يجيء ومـا يرى

 

من واردات الموت في النشاب

فقال: دع عنك هذا وستعلم. وبرز رجل من الخوارج يدعو للمبارزة، فقال: اخرج إليه يا أبا دلامة. فقلت: أنشدك الله أيها الأمير في دمي. قال: والله لتخرجن. فقلت: أيها الأمير فإنه أول يوم من الآخرة وآخر يوم من الدنيا، وأنا والله جائع ما شبعت مني جارحةٌ من الجوع، فمر لي بشيءٍ آكله ثم أخرج. فأمر لي برغيفين ودجاجة، فأخذت ذلك وبرزت عن الصف، فلما رآني الشاري أقبل نحوي عليه فروٌ وقد أصابه المطر فابتل، وأصابته الشمس فاقفعل وعيناه تقدان، فأسرع إلي. فقلت له: على رسلك يا هذا كما أنت فوقف. فقلت: أتقتل من لا يقاتلك؟ قال: لا. قلت: أتقتل رجلاً على دينك؟ قال: لا. قلت: أفتستحل ذلك قبل أن تدعو من تقاتله إلى دينك؟ قال: لا، فاذهب عني إلى لعنة الله. قلت: لا أفعل أو تسمع مني. قال: قل. قلت: هل كانت بيننا قط عداوةٌ أو ترةٌ، أو تعرفني بحالٍ تحفظك علي، أو تعلم بين أهلي وأهلك وتراً؟ قال: لا والله. قلت: ولا أنا والله لك إلا جميل الرأي، وإني لأهواك وأنتحل مذهبك وأدين دينك وأريد السوء لمن أراده لك.

قال: يا هذا جزاك الله خيراً فانصرف. قلت: إن معي زاداً أحب أن آكله معك، وأحب مواكلتك لتتوكد المودة بيننا، ويرى أهل العسكر هوانهم علينا. فقال: فافعل. فتقدمت إليه حتى اختلف أعناق دوابنا وجمعنا أرجلنا على معارفها والناس قد غلبوا ضحكاً. فلما استوفينا ودعني. ثم قلت له: إن هذا الجاهل إن أقمت على طلب المبارزة ندبني إليك فتتعبني وتتعب. فإن رأيت ألا تبرز اليوم فافعل. قال: قد فعلت. ثم انصرف وانصرفت. فقلت لروح: أما أنا فقد كفيتك قرني فقل لغيري أن يكفيك قرنه كما كفيتك، فأمسك. وخرج آخر يدعو إلى البراز، فقال لي: اخرج إليه. فقلت :

إني أدعوذ بروحٍ أن يقـدمـنـي

 

إلى البراز فتخزى بي بنو أسـد

إن البراز إلى الأقران أعلـمـه

 

مما يفرق بين الروح والجـسـد

قد حالفتك المنايا إذ صمدت لهـا

 

وأصبحت لجميع الخلق بالرصـد

إن المهلب حب الموت أورثـكـم

 

وما ورثت اختيار الموت عن أحد

لو أن لي مهجةً أخرى لجدت بها

 

لكنها خلقت فـرداً فـلـم أجـد

فضحك وأعفاني.
أمره مروان بن محمد بمبارزة خارجى ففر منه: أخبرني إبراهيم بن أيوب عن ابن قتيبة قال قال أبو دلامة: كنت في عسكر مروان أيام زحف إلى سنانٍ الخارجي. فلما التقى الزحفان خرج منهم رجلٌ فنادى: من يبارز! فلم يخرج إليه أحدٌ إلا أعجله ولم ينهنهه . فغاظ ذلك مروان وجعل يندب الناس على خمسمائة، فقتل أصحاب الخمسمائة، فزاد مروان وندبهم على ألفٍ، ولم يزل يزيدهم حتى بلغ خمسة آلاف درهم. وكان تحتي فرس لا أخاف خونه؛ فلما سمعت بالخمسة آلاف ترقبته واقتحمت الصف. فلما نظرني الخارجي علم أني خرجت للطمع؛ فأقبل إلي متهيئاً وإذا عليه فروٌ قد أصابه المطر فابتل، ثم أصابته الشمس فأقفعل، وإذا عيناه تقدان كأنهما من غورهما في وقبين . فلما دنا مني أنشأ يقول:

وخارج أخرجه حب الطـمـع

 

فر من الموت وفي الموت وقع

من كان ينوي أهله فلا رجـع

 

 

فلما وقرت في أذني انصرفت عنه هارباً. وجعل مروان يقول: من هذا الفاضح؟ إيتوني به، فدخلت في غمار الناس فنجوت.

أعطاه موسى بن داود مالاً ليحج معه فهرب إلى السواد وسكر بالمال: أخبرني الحسن بن علي قال حدثني أحمد بن السعيد قال حدثنا الزبير قال حدثنا جعفر بن الحسين اللهبي قال: عزم موسى بن داود بن علي الهاشمي على الحج. فقال لأبي دلامة: احجج معي ولك عشرة آلاف درهم. فقال: هاتها؛ فدفعت إليه، فأخذها وهرب إلى السواد، فجعل ينفقها هناك ويشرب بها الخمر. فطلبه موسى فلم يقدر عليه، وخشي فوت الحج فخرج. فلما شارف القادسية إذا هو بأبي دلامة خارجاً من قرية إلى أخرى وهو سكران، فأمر بأخذه وتقييده وطرحه في محملٍ بين يديه ففعل ذلك به. فلما سار غير بعيد أقبل على موسى وناداه:

يأيها الناس قولوا أجمعون معـاً

 

صلى الإله على موسى بن داود

 

كأن ديباجتي خديه مـن ذهـبٍ

 

إذا بدا لك في أثوابه الـسـود

 

إني أعوذ بـداودٍ وأعـظـمـه

 

من أن أكلف حجاً يا بـن داود

 

خبرت أن طريق الحج معطشةٌ

 

من الشراب وما شربي بتصريد

والله ما في من أجرٍ فتطلـبـه

 

ولا الثناء على ديني بمحمـود            

فقال موسى: ألقوه لعنة الله على المحمل ودعوه ينصرف، فألقي وعاد إلى قصفه بالسواد، حتى نفدت العشرة آلاف درهم.

أمره المنصور بملازمة الجماعة في مسجد القصر فقال شعراً يستعفيه: أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير عن الجعفر بن الحسين اللهبي، وأخبرني عمي عن الكراني عن العمري عن الهيثم بن عدي قالا : قال أبو أيوب المورياني لأبي جعفر وكان يشنأ أبا دلامة ،: إن أبا دلامة معتكفٌ على الخمر فما يحضر صلاةً ولا مسجداً، وقد أفسد فتيان العسكر. فلو أمرته بالصلاة معك لأجرت فيه وفي غيره من فتيان عسكرك بقطعه عنهم. فلما دخل عليه أبو دلامة قال له: بابن اللخناء، ما هذا المجون الذي يبلغني عنك ! قال أبو دلامة: يا أمير المؤمنين ما أنا والمجون وقد شارفت باب قبري !. قال: دعني من استكانتك وتضرعك، وإياك أن تفوتك صلاة الظهر والعصر في مسجدي. فلئن فاتتاك لأحسنن أدبك ولأطيلن حبسك. فوقع في شرٍ ولزم المسجد أياماً، ثم كتب قصته ودفعها إلى المهدي فأوصلها إلى أبيه، وكان فيها:

ألم تعلـمـا أن الـخـلـيفة لـزتـي

 

بمسجده والقصر مالي وللقـصـر !

أصلي به الأولى جميعاً وعصـرهـا

 

فويلي من الأول وويلي من العصـر

أصليهما بالكره في غير مـسـجـدي

 

فمالي في الأولى ولا العصر من أجر

لقد كان في قومي مـسـاجـد جـمةٌ

 

سواه ولكن كان قدراً مـن الـقـدر

يكلفني من بعـد مـا شـبـت خـطةً

 

يحط بها عني الثقـيل مـن الـوزر

وما ضـره والـلـه يغـفـر ذنـبـه

 

لو ان ذنوب العالمين على ظـهـري

قال: فلما قرأ المنصور قصته ضحك وأعفاه من الحضور معه، وأحلفه أن يصلي الصلاة في مسجد قبيلته.
أخبرنا محمد بن العباس اليزيدي قال حدثنا أحمد بن سعيد عن الزبير عن عمه، ونسخت من بعض الكتب عن نصر بن محمد الخراز عن أبيه عن الهيثم بن عدي وروانيه بعض من روى عن الزبير.

أن أبا جعفر كان يحب العبث بأبي دلامة – وقال الآخر: إن أبا العباس السفاح كان يحب ذلك – فكان يسأل عنه فيوجد في بيوت الخمارين لا فضل فيه. فعاتبه على انقطاعه عنه؛ فقال: إنما أفعل ذلك خوفاً أن تملني. فعلم أنه يحاجزه ، فأمر الربيع أن يوكل به من يحضره الصلوات معه في جماعةٍ في الدار. فلما طال ذلك عليه قال:

ألـم تـريا أن الـخـلـيفة لـزنـي

 

بمسجده والقصر مالي وللقـصـر !

فقد صدني عن مسـجـدٍ أسـتـلـذه

 

أعلل فيه بالسـمـاع وبـالـخـمـر

وكلفني الأولى جميعاً وعـصـرهـا

 

فويلي من الأول وعولي من العصـر

أصليهما بالكره في غير مـسـجـدي

 

فمالي من الأولى ولا العصر من أجر

يكلفني من بعـد مـا شـبـت تـوبةً

 

يحط بها عني المثاقـيل مـن وزري

لقد كان في قومي مـسـاجـد جـمةٌ

 

ولم ينشرح يوماً لغشيانهـا صـدري

ووالله ما لـي نـيةٌ فـي صـلاتـه

 

ولا البر والإحسان والخير من أمري

وما ضـره والـلـه يغـفـر ذنـبـه

 

لو ان ذنوب العالمين على ظـهـري

ألزمه المنصور بالقيام شهر رمضان فكتب إلى ريطة شعراً يستشفع بها للمهدي : فبلغته الأبيات فقال: صدق ! ما يضرني ذلك، والله لا يصلح هذا أبداً، فدعوه يعمل ما يشاء. وقال الهيثم في خبره: فقال له أبو جعفر: قد أعفيناك من هذه الحال، ولكن على أن لا تدع القيام معنا في ليالي شهر رمضان فقد أظل . فقال: أفعل. قال: إنك إن تأخرت لشرب الخمر علمت ذلك. ووالله لئن فعلت لأحدنك. فقال أبو دلامة: البلية في شهر أصلح منها في طول الدهر، وسمعاً وطاعةً. فلما حضر شهر رمضان لزم المسجد. وكان المهدي يبعث إليه في كل ليلة حرسياً يجيء به؛ فشق ذلك عليه، وفزع إلى الخيزران وأبي عبيد الله وكل من كان يلوذ بالمهدي ليشفعوا له في الإعفاء من القيام، فلم يجبهم. فقال له أبو عبيدة: الدال على الخير كفاعله، فكيف شكرك؟ قال: أتم شكر. قال: عليك بريطة فإنه لا يخالفها. قال: صدقت والله، ثم رفع إليها رقعةً يقول فيها:

أبـلـغـا ريطة أنـي

 

كنت عبـداً لأبـيهـا

فمضى يرحمـه الـل

 

ه وأوصى بي إليهـا

وأراها نـسـيتـنـي

 

مثل نسـيان أخـيهـا

جاء شهر الصوم يمشي

 

مشيةً ما أشتـهـيهـا

قائداً لي لـيلة الـقـد

 

ر كأني أبـتـغـيهـا

تنطح القبـلة شـهـراً

 

جبهتي لا تأتـلـيهـا

ولقد عشـت زمـانـاً

 

في فيافـي وجـيهـا

في ليالٍ مـن شـتـاءٍ

 

كنت شيخاً أصطليهـا

قاعـداً أوقـد نــاراً

 

لضبابٍ أشـتـويهـا

وصبـوحٍ وغـبـوقٍ

 

في علابٍ أحتسـيهـا

ما أبالي لـيلة الـقـد

 

ر ولا تسمعـنـيهـا

فاطلبي لي فرجاً مـن

 

ها وأجري لك فيهـا

فلما قرأت الرقعة ضحكت وأرسلت إليه: إصطبر حتى تمضي ليلة القدر. فكتب إليها: إني لم اسألك أن تكلميه في إعفائي عاماً قابلاً؛ وإذا مضت ليلة القدر فقد فني الشهر. وكتب تحتها أبياتاً:

خافي إلهك في نفسٍ قد احتضرت

 

قامت قيامتها بين المصـلـينـا

ما ليلة القدر من همي فأطلبهـا

 

إني أخاف المنايا قبل عشـرينـا

يا ليلة القدر قد كسرت أرجلـنـا

 

يا ليلة القدر حقاً ما تمنـينـا !؟

لا بارك اله في خـير أؤمـلـه

 

في ليلة بعدما قمنـا ثـلاثـينـا

فلما قرأت الأبيات ضحكت، ودخلت إلى المهدي فشفعت له إليه، وأنشدته الشعرين، فضحك حتى استلقى، ودعا به وريطة معه في الحجلة فدخل؛ فأخرج رأسه إليه وقال: قد شفعنا ريطة فيك، وأمرنا لك بسبعة آلاف درهم. فقال: أما شفاعة سيدتي في حتى أعفيتني فأعفاها الله من النار. وأما السبعة الآلاف فما أعجبني ما فعلته؛ إما أن تتمها بثلاثة آلاف فتصير عشرة، أو تنقصني منها ألفين فتصير خمسة آلاف، فإني لا أحسن حساب السبعة. فقال قد جعلتها خمسة. قال: أعيذك بالله أن تختار أدنى الحالين وأنت أنت. فعبث به المهدي ساعةً ثم تكلمت فيه ريطة فأتمها له عشرة آلاف درهم.
أنشد المهدي شعره في نخاس فضحك منه: أخبرني الحسين بن علي عن حماد عن أبيه قال: مر أبو دلامة بنخاس يبيع الرقيق، فرأى عنده منهن من كل شيءٍ حسن، فانصرف مهموماً، فدخل إلى المهدي فأنشده:

إن كنت تبغي العيش حلواً صافياً

 

فالشعر أعزبه وكن نخـاسـاً

تنل الطرائف من ظراف نهـدٍ

 

يحدثن كل عشـيةٍ أعـراسـا

والربح فيما بين ذلـك راهـنٌ

 

سمحاً بيعك كنت أو مكـاسـا

دارت على الشعراء حرفة نوبةٍ

 

فتجرعوا من بعد كأسٍ كاسـا

وتسربلوا قمص الكساد فحاولوا

 

بالنخس كسباً يذهب الإفلاسـا

فجعل المهدي يضحك منه.
???لفق رؤيا للمنصور وأخذ منه ثيابا: نسخت من كتب ابن النطاح قال: دخل أبو دلامة على المنصور فأنشده:

رأيتك في المنام كسوت جلدي

 

ثياباً جمةً وقضـيت دينـي

فكان بنفسجي الخـز فـيهـا

 

وساجٌ ناعمٌ فـأتـم زينـي

فصدق بافدتك النـفـس رؤيا

 

رأتها في المنام كذاك عيني

فأمر له بذلك وقال له: لا تعد أن تتحلم علي ثانيةً، فأجعل حلمك أضغاثاً ولا أحققه.
حبسه المنصور لسكره فبعث له من الحبس شعراً فعفا عنه: ثم خرج من عنده ومضى فشرب في بعض الحانات فسكر وانصرف وهو يميل. فلقيه العسس فأخذوه، وقيل له: من أنت وما دينك؟ فقال:

ديني على دين بني العبـاس

 

ما ختم الطين على القرطاس

إني اصطحبت أربعاً بالكاس

 

فقد أدار شربهـا بـراسـي

فهل بما قلت لك من بـاس

 

 

فأخذوه ومضوا، وخرقوا ثيابه وساجه وأتي به أبو جعفر – وكان يؤتى بكل من أخذه العسس -فحبسه مع الدجاج في بيت. فلما أفاق جعل ينادي غلامه مرةً وجاريته أخرى فلا يجيبه أحد، وهو في ذلك يسمع صوت الدجاج وزقاء الديوك. فلما أكثر قال له السجان: ما شأنك؟ قال: ويلك من أنت وأين أنا؟ قال: في الحبس، وأنا فلان السجان. قال: ومن حبسني؟ قال: أمير المؤمنين. قال: ومن خرق طيلساني؟ قال: الحرس. فطلب منه أن يأتيه بدواةٍ وقرطاس ففعل، فكتب إلى أبي جعفر:

أمير المؤمنين فدتك نـفـسـي

 

علام حبستني وخرقت ساجـي

أمن صفراء صافية الـمـزاج

 

كأن شعاعها لهب الـسـراج

وقد طبخت بنار اللـه حـتـى

 

لقد صارت من النطف النضاج

تهش لها القلوب وتشتـهـيهـا

 

إذا برزت ترقرق في الزجاج

أقاد إلى السجون بغـير جـرمٍ

 

كأني بعض عمال الـخـراج

ولو معهم حبست لكان سـهـلاً

 

ولكني حبست مـع الـدجـاج

وقد كانت تخبرنـي ذنـوبـي

 

بأني من عقابك غير نـاجـي

على أنـي وإن لاقـيت شـراً

 

لخيرك بعد ذاك الشر راجـي

فدعا به وقال: أين حبست يا أبا دلامة؟ قال: مع الدجاج. قال: فما كنت تصنع؟ قال: أقوقي معهن حتى أصبحت. فضحك وخلى سبيله وأمر له بجائزة. فلما خرج قال له الربيع: إنه شرب الخمر يا أمير المؤمنين. أما سمعت قوله “وقد طبخت بنار الله ” ” يعني الشمس “. فأمر برده ثم قال: يا خبيث شربت الخمر؟ قال لا. قال: أفلم تقل ” طبخت بنار الله ” تعني الشمس. قال: لا والله ما عنيت إلا نار الله الموقدة التي تطلع على فؤاد الربيع. فضحك وقال: خذها يا ربيع ولا تعاود التعرض.

لفق رؤيا لتمار وأخذ منه تمراً”: قال ابن النطاح: ومر أبو دلامة بتمار بالكوفة فقال له:

رأيتك أطعمتني في المنـام

 

قواصر من تمرك البارحة

فأم العيال وصـبـيانـهـا

 

إلى الباب أعينهم طامـحة

فأعطاه جلتي تمر وقال له: إن رأيت هذه الرؤيا ثانيةً لم يصح تفسيرها. فأخذهما وانصرف.
هنأ المهدي بقدومه من الري فملأ حجره دراهم: وقال ابن النطاح: لما قدم المهدي من الري دخل عليه أبو دلامة فأنشأ يقول:

إني نذرت لئن رأيتك سالمـاً

 

بقرى العراق وأنت ذو وفر

لتصلين على النبي محـمـدٍ

 

ولتملأن دراهماً حـجـري

فقال: صلى الله وعليه وسلم، وأما الدراهم فلا. فقال له: أنت أكرم من أن تفرق بينهما وتختار أسهلهما. فأمر بأن يملأ حجره دراهم.

ومثل هذا وإن لم يكن منه ما حدثني به الحسن بن علي عن أحمد بن الحارث عن المدائني قال: قدم المهلب من بعض غزواته، فلقيته عجوزٌ من الأزد فقالت: أيها الأمير، أسألك بالله والرحم إلا وقفت فوقف، فدنت وقبلت يده وقالت: هذا نذرٌ كان علي، إني نذرت علي لله أن أقبل يدك إن قدمت سالماً وتهب لي أربعمائة درهم وجارية صغديةٌ تخدمني. فضحك وقال: أما نحن فقد وفينا بنذرك؛ ادفعوا إليها ذلك، وإياك يا أماه وهذه النذور؛ فليس كل أحد يفي لك بها وينشط لتحليلك منها.

ضجر من الصوم والحر فكتب للمهدي شعراً فعجل جائزته: قال ابن النطاح: وصام الناس في سنة شديدة الحر على عهد المهدي، وكان أبو دلامة يتنجز جائزةً أمر له المهدي بها. فكتب إليه أبو دلامة رقعةً يشكو فيها أذى الحر والصوم وهي:

أدعوك بالرحم التي هي جمعت

 

في القرب بين قربينا والأبعـد

إلا سمعت وأنت أكرم من مشى

 

من منشدٍ يرجو جزاء المنشـد

جاء الصيام فصمته متـعـبـداً

 

أرجو رجاء الصائم المتعـبـد

ولقيت من أمر الصـيام وحـره

 

أمرين قيسا بالعذاب المـؤصـد

وسجدت حتى جبهتي مشجـوجةٌ

 

مما يناطحني الحصا في المسجد

فامنن بتسريحي بمطلك بـالـذي

 

أسلفتنيه من البلاء المـرصـد

فلما قرأ المهدي رقعته غضب وقال: يا عاض كذا من أمه أي قرابةٍ بيني وبينك !؟ قال: رحم آدم وحواء، أنسيتهما يا أمير المؤمنين ! فضحك وقال: لا والله ما نسيتهما؛ وأمر بتعجيل ما أجازه به وزاد فيه. وأخبرني بهذا الخبر الحسن بن علي قال حدثنا الخزاعي عن المدائني وزاد فيه قال: وأنشده أيضاً في ذم الصوم:

هل في البلاد لرزق الله مفترش

 

أم لا ففي جلده من خشنةٍ برش

– يعني أن جلد الرزق خشن الملمس فهو يحترش كما يحترش الضب – الشعر:

أضحى الصيام منيخاً وسط عرصتنا

 

ليت الصيام بأرض دونها حـرش

إن صمت أوجعني بطني وأقلقنـي

 

بين الجوانح مس الجوع والعطش

وإن خرجت بليلٍ نحو مسجـدهـم

 

أضرني بصرٌ قد خانه العـمـش

عزى أم سلمة بنت يعقوب في السفاح فأضحكها: أخبرني محمد بن العباس اليزيدي عن أحمد بن زهير عن الزبير عن عمه، ونسخت من كتاب ابن النطاح قال اليزيدي في خبره: دخل أبو دلامة على ريطة بعد وفاة المهدي، وقال ابن النطاح: دخل على أم سلمة بنت يعقوب بن سلمة بعد وفاة أبي العباس، وهو الصحيح، فعزاها به وبكى وبكت معه، ثم أنشدها:

من مجملٌ في الصبر عنك فلم يكن

 

صبري عليك غداة بنت جـمـيلا

يجدون أبـدالاً بـه وأنـا امـرؤ

 

لو مت وجداً مـا وجـدت بـديلا

إني سألت الناس بعدك كـلـهـم

 

فوجدت أجود من سألت بـخـيلا

فقالت أم سلمة: لم أر أحداً أصيب به غيري وغيرك يا أبا دلامة. فقال: ولا سواء يرحمك الله، لك منه ولد وما ولدت أنا منه. فضحكت – ولم تكن منذ مات أبو العباس ضحكت إلا ذلك الوقت – وقالت له: لو حدثت الشيطان لأضحكته.

خدع المهدي بموت زوجته وخدعت زوجته الخيزران بموته كذلك فضحكا منهما: أخبرنا محمد بن يحيى الصولي قال حدثنا الغلابي قال حدثنا عبد الله بن الضحاك قال: دخل أبو دلامة على المهدي وهو يبكي. فقال له: ما لك؟ قال: ماتت أم دلامة، وأنشده لنفسه فيها:

وكنا كزوجٍ من قـطـاً مـفـازةٍ

 

لدى خفض عيشٍ ناعمٍ مؤنقٍ رغد

فأفردني ريب الزمان بصـرفـه

 

ولم أر شيأ قط أوحش من فـرد

فأمر له بثياب وطيبٍ ودنانير، وخرج. فدخلت أم دلامة على الخيزران فأعلمتها أن أبا دلامة قد مات، فأعطتها مثل ذلك، وخرجت. فلما التقى المهدي والخيزران عرفا حيلتهما فجعلا يضحكان لذلك ويعجبان منه.

فرض له المنصور على كل هاشمي عطاء فنقصه العباس بن محمد دينارين فذمه: أخبرنا أحمد بن عبد العزيز قال حدثنا عمر بن شبة، ونسخت أنا من كتاب ابن النطاح قال: دخل أبو دلامة على المنصور فأنشده:

أما ورب العاديات ضبحـا

 

حقاً ورب الموريات قدحا

إن المغيرات علي صبحـا

 

والناكئات من فؤادي قرحا

عشر ليالٍ بينهن ضبـحـا

 

يجلفن مالي كل عامٍ صبحا

فقال أبو جعفر: وكم تذبح يا أبا دلامة؟ قال: اربعاً وعشرين شاة. ففرض له على كل هاشمي أربعةً وعشرين ديناراً، فكان يأخذهم منهم.

فأتى العباس بن محمد في عشر الأضحى يتنجزها. فقال: يا أبا دلامة أليس قد مات أبنك؟ قال بلى. قال أنقصوه دينارين.
قال: أصلح الله الأمير لا تفعل فإنه ترك عليّ ولدين. فأبى إلا أن ينقصه، فخرج وهو يقول:

أخطاك ما كنت ترجوه وتأملـه

 

فاغسل يديك من العباس بالياس

واغسل يديك بأشنان فأنقهـمـا

 

مما تؤل من معرف عـبـاس

جزاك ربك يا عباس عن فرجٍ

 

جنات عدن وعنيٍ جرزتي آس

فبلغ ذلك أبا جعفر فضحك، واغتاظ على العباس، وأمره بأن يبعث إليه بأربعة وعشرين ديناراً أخرى. هذه رواية يزيد.
قيل أن هذه القصة مع علي بن صالح: وأما ابن النطاح فإنه ذكر أن الذي نقصه الدينارين علي بن صالح وقال له: إنما نقصتك دينارين لموت ابنك دلامة. فحلف ألا يأخذ إلا خمسين ديناراً، ثم قام مغضباً؛ فأتبعه الرسول فأعطاه إياها. فقال له: أولى له. أما ما سبق فلا حيلة فيه، والمستأنف فقد أمنه. وقد كان قال فيه:

لعلي بن صالح بن عـلـي

 

نسبٌ لو يعينه بـسـمـاح

وبنو مالك كـثـيرٌ ولـكـن

 

ما لنا في بقائهم من فـلاح

غير فضلٍ فإن للفضل فضلاً

 

مستبيناً على قريش البطاح

تخاصم إلى عافية القاضي وداعبه: أخبرني محمد بن أحمد عن محمد بن العباس اليزيدي قال حدثنا أحمد بن الحارث الخراز عن المدائني قال: خاصم رجلٌ أبا دلامة في داره، فارتفعا إلى عافية القاضي؛ فأنشأ أبو دلامة يقول:

لقد خاصمتني دهـاة الـرجـال

 

وخاصمـتـهـا سـنة وافـيه

فما أدحض الـلـه لـي حـجةً

 

ولا خيب الـلـه لـي قـافـيه

ومن خفت من جوره في القضاء

 

فلسـت أخـافـك يا عـافـيه

فقال له عافية: أما والله لأشكونك إلى أمير المؤمنين ولأعلمنه أنك هجوتني. قال: إذا يعز لك. قال: ولم؟ قال: لأنك لا تعرف المديح من الهجاء. فبلغ ذلك المنصور فضحك وأمر لأبي دلامة بجائزة.

أمره المهدي بهجاء أحد الحضور فهجا نفسه: أخبرني محمد بن أحمد عن أحمد بن الحارث عن المدائني قال: دخل أبو دلامة على المهدي وعنده إسماعيل بن محمد وعيسى بن موسى والعباس بن محمد ومحمد بن إبراهيم الإمام وجماعة من بني هاشم. فقال له: أنا أعطي الله عهداً لئن لم تهج واحداً ممن في البيت لأقطعن لسانك – ويقال إنه قال: لأضربن عنقك – فنظر إليه القوم، فكلما نظر واحد منهم غمزه بأن عليه رضاه. قال أبو دلامة: فعلمت أني قد وقعت وأنها عزمةٌ من عزماته لا بد منها، فلم أرى أحداً أحق بالهجاء مني، ولا أدعى إلى السلامة من هجاء نفسي، فقلت:

ألا أبلـغ إلـيك أبـا دلامة

 

فليس من الكرام ولا كرامه

إذا لبس العمامة كان قـرداً

 

وخنزيراً إذا نزع العمامـه

جمعت دمامةً وجمعت لؤماً

 

كذاك اللؤم تتبعه الدمامـه

فإن تك قد أصبت نعيم دنـيا

 

فلا تفرح فقد دنت القيامه

فضحك القوم ولم يبق منهم أحدٌ إلا أجازه.

قال شعراً في المهدي وعلي بن سليمان وقد خرجا للصيد فأصاب الأول وأخطأ الثاني: أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير عن عمه قال: خرج المهدي وعلي بن سليمان إلى الصيد، فسنح لهما قطيعٌ من ظباء، فأرسلت الكلاب وأجريت الخيل، فرمى المهدي ظبياً بسهم فصرعه، ورمى علي بن سليمان فأصاب بعض الكلاب فقتله. فقال أبو دلامة:

قد رمى المهدي ظبياً

 

شك بالسهم فـؤاده

وعلي بن سـلـيمـا

 

ن رمى كلباً فصاده

فهنيئاً لهـمـا كـل

 

امرئ يأكـل زاده

فضحك المهدي حتى كاد أن يسقط عن سرجه، وقال: صدق والله أبو دلامة، وأمر له بجائزة سنية. أخبرني بهذا الخبر عمي عن الكراني عن العمري عن الهيثم بن عدي فذكر مثل ما ذكره وقال فيه: فلقب علي بن سليمان ” صائد الكلب ” وعلق به.

أنشد المنصور شعراً فأعطاه داراً وكسوة ثم احتاج إلى الدار وعوضه بدلها: قال ابن النطاح: وأنشد أبو دلامة المنصور يوماً:

هاتيك والدتي عـجـوزٌ هـمةٌ

 

مثل البلية درعها في المشجب

مهزولة اللحيين من يرها يقـل

 

أبصرت غولاً أو خيال القطرب

ما إن تركت لها ولا لآبنٍ لـهـا

 

مالاً يؤمل غير بكـرٍ أجـرب

ودجائجاً خمساً يرحـن إلـيهـم

 

لما يبضن وغير عيرٍ مغـرب

كتبوا إلي صحيفةً مـطـبـوعةً

 

جعلوا عليها طينةً كالعـقـرب

فعلمت أن الشر عند فكاكـهـا

 

ففككتها عن مثل ريح الجورب

وإذا شبيهٌ بالأفاعـي رقـشـت

 

يوعدنني بتـلـمـظٍ وتـثـؤب

يشكون أن الجوع أهلك بعضهم

 

لزباً فهل لك في عـيالٍ لـزب

لا يسألونك غير طل سـحـابةٍ

 

تغشاهم من سيلك المتحـلـب

يا باذل الخيرات يابن بذولـهـا

 

وابن الكرام وكل قرمٍ منجـب

أنتم بنو العباس يعـلـم أنـكـم

 

قدماً فوارس كل يومٍ أشـهـب

أحلاس خيل الله وهي مـغـيرةٌ

 

يخرجن من خلل الغبار الأكهب

قال: فأمر له بدار يسكنها وكسوة ودراهم. وكانت الدار قريبةٌ من قصره، فأمر بأن تزاد في قصره بعد ذلك لحاجة دعته إليها. فدخل عليه أبو دلامة فأنشده قوله:

يابن عم النـبـي دعـوة شـيخٍ

 

قد دنـا هـدم داره ودمــاره

فهو كالماخض التي اعتادها الطل

 

ق فقـرت ومـا يقـر قـراره

إن تحز عسره بكـفـيك يومـاً

 

فبكـفـيك عـسـره ويسـاره

أو تدعه فـلـلـبـوار، وأنـى

 

ولـمـاذا وأنـت حـيٌ بـواره

هل يخاف الهلاك شاعـر قـومٍ

 

قدمت في مديحهـم أشـعـاره

لكم الأرض كلـهـا فـأعـيروا

 

شيخكم ما احتوى عليه جـداره

فكان قد مضى وخلـف فـيكـم

 

ما أعرتم وأقفرت مـنـه داره

فاستعبر المنصور، وأمر بتعويضه داراً خيراً منها ووصله. عابه عند المهدي محرز ومقاتل ابنا ذؤال فهجاهما بحضرته: قال ابن النطاح: ودخل أبو دلامة على المهدي وعنده محرز ومقاتل ابنا ذؤال يعاتبانه على تقريبه أبا دلامة ويعيبانه عنده.
فقال أبو دلامة:

ألا أيها المهدي هل أنت مخبـري

 

وإن أنت لم تفعل فهل أنت سائلي

ألم ترحم اللحيين من لحيتـيهـمـا

 

وكلتاهما في طولها غير طـائل

وإن أنت لم تفعل فهل أنت مكرمي

 

بحلقهما من محرزٍ ومـقـاتـل

فإن يأذن المهدي لي فيهمـا أقـل

 

مقالاً كوقع السيف بين المفاصـل

وإلا تدعني والهموم تـنـوبـنـي

 

وقلبي من العجلين جم البـلابـل

فقال: أو آخذ لك منهما عشرة آلاف يفديان بها أعراضهما منك؟ قال: ذلك إلى أمير المؤمنين. فأخذها له منهما وأمسك عنهما.

مدح سعيد بن دعلج فأجازه: قال ابن النطاح: ودخل أبو دلامة على سعيد بن دعلج مولى بني تميم فقال:

إذا جئت الأمير فقـل سـلامٌ

 

عليك ورحمة الله الـرحـيم

وأما بعد ذاك فـلـي غـريمٌ

 

من الأعراب قبح من غـريم

غريمٌ لازمٌ بـفـنـاء بـيتـي

 

لزوم الكلب أصحاب الرقـيم

له مائةٌ علي ونصف أخـرى

 

ونصف النصف في صكٍ قديم

دراهم ما انتفعت بها ولـكـن

 

وصلت بها شيوخ بني تمـيم

أتوني بالعشيرة يسـألـونـي

 

ولم أك في العشيرة بالـلـئيم

فضحك وأمر له بمائتين وخمسة وسبعين درهماً وقال: ما أساء من أنصف، وقد كافأتك عن قومك وزدتك مائةً.
داعب المنصور في جنازة بنت عمه حتى ضحك: أخبرني الحرمي قال حدثنا الزبير عن جعفر بن الحسين اللهبي عن عمه مصعب: أن حمادة بنت عيسى توفيت وحضر المنصور جنازتها. فلما وقف على حفرتها قال لأبي دلامة: ما أعددت لهذه الحفرة؟ قال: بنت عمك يا أمير المؤمنين حمادة بنت عيسى يجاء بها الساعة فتدفن فيها. فضحك المنصور حتى غلب فستر وجهه.

سأل الخيزران جارية فوعدته بها وأبطأت فاستنجزها بشعر، وقصة زوجته وابنه مع هذه الجارية: أخبرني عمي رحمه الله تعالى قال حدثنا محمد بن سعد الكراني قال قال أبو عمر حفص بن عمر العمري حدثنا الهيثم قال: حجت الخيزران، فلما خرجت صاح بها أبو دلامة. قالت: سلوه ما أمره. قالوا له: ما أمرك؟ فقال: أدنوني من محملها. قالت: أدنوه، فأدني. فقال: أيتها السيدة، إني شيخ كبير وأجرك في عظيم. قالت: فمه. قال: تهبين لي جاريةً من جواريك تؤنسني وترفق بي وتريحني من عجوز عندي، قد أكلت رفدي، وأطالت كدي، وقد عاف جلدي جلدها، وتمنيت بعدها، وتشوقت فقدها. فضحكت الخيزران وقالت: سوف آمر لك بما سألت. فلما رجعت تلقاها وذكرها، وخرج معها إلى بغداد فأقام حتى غرض . ثم دخل على أم عبيدة حاضنة موسى وهارون، فدفع إليها رقعةً قد كتبها إلى الخيزران فيها:

أبلغي سيدتي بـالـل

 

ه يا أم عـبـــيدة

أنها أرشدهـا الـلـه

 

وإن كانـت رشـيده

وعدتني قبل أن تـخ

 

رج للـحـج ولـيده

فتـأنـيت وأرســل

 

ت بعشرين قصـيده

كلما أخلقن أخـلـف

 

ت لها أخرى جديده

ليس في بيتي لتمهـي

 

د فراشي من قعـيده

غير عجفاء عجـوزٍ

 

ساقها مثل الـقـديده

وجهها أقبح من حـو

 

تٍ طريٍ في عصيده

ما حياةٌ مـع أنـثـى

 

مثل عرسي بسعـيده

فلما قرئت عليها الأبيات ضحكت واستعادتها منه لقوله ” حوت طري في عصيده ” وجعلت تضحك، ودعت بجارية من جواريها فائقةٍ فقالت لها: خذي كل ما لك في قصري ففعلت، ثم دعت ببعض الخدم وقالت له: سلمها إلى أبي دلامة. فانطلق الخادم بها فلم يصادفه في منزله. فقال لامرأته: إذا رجع فادفعيها إليه، وقولي له: تقول لك السيدة: أحسن صحبة هذه الجارية فقد آثرتك بها؛ فقالت له نعم. فلما خرج دخل ابنها دلامة فوجد أمه تبكي. فسألها عن خبرها فأخبرته وقالت: إن أردت أن تبرني يوماً من الدهر فاليوم. فقال: قولي ما شئت فإني أفعله. قالت: تدخل عليها فتعلمها أنك مالكها وتطؤها فتحرم عليه، وإلا ذهبت بعقله وجفاني وجفاك. ففعل ودخل إلى الجارية فوطئها ووافقها ذلك منه. وخرج. ثم دخل أبو دلامة فقال لامرأته: أين الجارية؟ قالت: في ذلك البيت. فدخل إليها شيخٌ محطمٌ ذاهبٌ، فمد يده إليها وذهب يقبلها. فقالت له: مالك ويلك ! تنح وإلا لطمتك لطمةً دققت بها أنفك. فقال لها: أبهذا أوصتك السيدة !. فقالت: إنها بعثت بي إلى فتى من حاله وهيئته كيت وكيت، وقد كان عندي آنفاً، ونال مني حاجته. فعلم أنه قد دهي من أم دلامة وابنها.

فخرج إليه أبو دلامة فلطمه ولببه وحلف ألا يفارقه إلا عند المهدي. فمضى به ملبباً حتى وقف على باب المهدي. فعرف خبره وأنه قد جاء بابنه على تلك الحالة فأمر بإدخاله. فلما دخل قال له: مالك ويلك؟ ! قال: عمل بي هذا ابن الخبيثة ما لم يعمل ولدٌ بأبيه، ولا ترضيني إلا أن تقتله. فقال له: ويلك ما فعل؟ فأخبره الخبر. فضحك حتى استلقى ثم جلس. فقال أبو دلامة: أعجبك فعله فتضحك منه؟ فقال: علي بالسيف والنطع. فقال دلامة: قد سمعت حجته يا أمير المؤمنين فاسمع حجتي. قال: هات. قال: هذا الشيخ أصفق الناس وجهاً، ينيك أمي منذ أربعين سنة ما غضبت، ونكت جاريته مرة واحدة فغضب وصنع بي ما ترى ! فضحك المهدي أكثر من ضحكه الأول، ثم قال: دعها له يا أبا دلامة وأنا أعطيك خيراً منها. قال: على أن تخبأها لي بين السماء والأرض، وإلا ناكها والله كما ناك هذه. فتقدم إلى دلامة ألا يعاود بمثل فعله. وحلف إنه إن عاود قتله، ووهب له جارية أخرى كما وعده.

سأله المهدي عن شاعر فأطراه فأجازه لحسن محضره: وقال ابن النطاح: دخل أبو دلامة على المهدي وعنده شاعرٌ ينشده. فقال له: ما ترى فيه؟ قال: إنه قد جهد نفسه لك فاجهد نفسك له. فقال المهدي: وأبيك إنها لكلمةٌ عذراء منك، أحسبك تعرفه ! قال: لا والله ما عرفته ولا قلت أنا حقاً. فأمر للشاعر بجائزة، ولأبي دلامة بمثلها لحسن محضره.
خلع عليه العقيلي من ثيابه التي عليه: قال ابن النطاح وحدثني أبو عبد الله العقيلي قال: رأيت على أبي دلامة فروةً في الصيف، فقلت له: ألا تمل هذه الفروة! قال: بلى، ورب مملولٍ لا يستطاع فراقه. فنزعت فاضل ثيابي في موضعي ودفعتها إليه.

فزع من رؤية الفيل وقال فيه شعراً: قال: أهدي للمهدي فيلٌ، فرآه أبو دلامة فولى هارباً وقال:

يا قوم إني رأيت الفيل بـعـدكـم

 

لا بارك الله لي في رؤية الفـيل

أبصرت قصراً له عينٌ يقلبـهـا

 

فكدت أرمي بسلحي في سراويلي

أنشد المهدي شعراً في بغلته واستوهبه أخرى غيرها: قال ابن النطاح: ودخل أبو دلامة على المهدي فأنشده قصيدته في بغلته المشهورة:

أتاني بغلةً يسـتـام مـنـي

 

عريقٌ في الخسارة والضلال

فقال تبيعها؟ قلت ارتبطـهـا

 

بحكمك إن بيعي غير غالـي

فأقبل ضاحكاً نحوي سـروراً

 

وقال أراك سمحاً ذا جمـال

هلم إلي يخلو بـي خـداعـاً

 

وما يدري الشقي بمن يخالي

فقلت بأربعين فقال أحـسـن

 

إلي فإن مثلك ذو سـجـال

فاترك خمسةً منها لعلـمـي

 

بما فيه يصير من الخـبـال

فقال المهدي: لقد أفلت من بلاءٍ عظيم. قال: والله يا أمير المؤمنين لقد مكثت شهراً أتوقع صاحبها أن يردها. قال: ثم أنشده:

فأبدلني بها يا رب طرفـاً

 

يكون جمال مركبه جمالي

فقال لصاحب دوابه: خيره من الإصطبل مركبين . قال: يا أمير المؤمنين إن كان الاختيار لي وقعت في شرٍ من البغلة، ولكن مره أن يختار لي، فقال: اختر له. وأخبرني به عمي عن الكراني عن العمري عن الهيثم بن عدي، وخبره أتم.

احتال على العباس بن محمد بشعر وأخذ منه ألفي درهم وكان راهن المهدي على ذلك فأخذ منه ستة آلاف: وأخبرني محمد بن خلف عن أحمد بن الهيثم عن العمري عن الهيثم بن عدي قال: دخل أبو دلامة يوماً على المهدي، فحادثه ساعةً وهو يضحك وقال له: هل بقي أحدٌ من أهلي لم يصلك؟ قال: إن أمنتني أخبرتك، وإن أعفيتني فهو أحب إلي. قال: بل تخبرني وأنت آمنٌ. قال كلهم قد وصلني إلا حاتم بني العباس. قال: ومن هو؟ قال: عمك العباس بن محمد. فالتفت إلى خادم على رأسه وقال: جأ عنق العاض بظر أمه. فلما دنا منه صاح به أبو دلامة: تنح يا عبد السوء لا تخنث مولاك وتنكث عهده وأمانه. فضحك المهدي وأمر الخادم فتنحى عنه، ثم قال لأبي دلامة: ويلك ! والله عمي أبخل الناس. فقال أبو دلامة: بل هو أسخى الناس. فقال له المهدي: والله لو مت ما أعطاك شيئاً. قال: فإن أنا أتيته فأجازني؟ قال: لك بكل درهمٍ تأخذه منه ثلاثة دراهم. فانصرف أبو دلامة فحبر للعباس قصيدةً ثم غدا بها عليه وأنشده:

قف بالديار وأي الدهـر لـم تـقـف

 

على المنازل بين الظهر والـنـجـف

وما وقوفـك فـي أطـلال مـنـزلةٍ

 

لولا الذي استدرجت من قلبك الكلـف

إن كنت أصبحت مشغوفاً بساكـنـهـا

 

فال وربك لا تشفـيك مـن شـغـف

دع ذا وقل في الذي قد فاز من مضـرٍ

 

بالمكرمات وعزٍ غـير مـقـتـرف

هذي رسالة شـيخ مـن بـنـي أسـدٍ

 

يهدي السلام إلى العباس في الصحف

تخطها من جواري المصـر كـاتـبةٌ

 

قد طالما ضربت في الـلام والألـف

وطالما اختلـفـت صـيفـاً وشـاتـيةً

 

إلى معلمها بـالـلـوح والـكـتـف

حتى إذا نـهـد الـثـديان وامـتـلأا

 

منها وخيفت على الإسراف والقـرف

صينت ثلاث سنـينٍ مـا تـرى أحـداً

 

كما يصون تـجـارٌ درة الـصـدف

فبينما الشيخ يهوي نحـو مـجـلـسـه

 

مبادراً لصلاة الصـبـح بـالـسـدف

حانت له لمحةٌ منهـا فـأبـصـرهـا

 

مطلةً بين سجفيهـا مـن الـغـرف

فخـر والـلـه مـايدري غـداتــئذٍ

 

أخر منكشفاً أم غـير مـنـكـشـف

وجاءه النـااس أفـواجـاً بـمـائهـم

 

ليغيلوا الرجل المغشي بـالـنـطـف

ووسوسوا بقرانٍ فـي مـسـامـعـه

 

مخافة الجن والإنـسـان لـم يخـف

شيئاً ولـكـنـه مـن حـب جــاريةٍ

 

أمسى وأصبح موقوفاً على الـتـلـف

قالوا: لك الويل ما أبصرت؟ قلت لهـم

 

تطلعت من أعالي القصر ذي الشرف

فقـلـت أيكـم والـلــه يأجـــره

 

يعين قوته فيهـا عـلـى ضـعـف

فقام شـيخٌ بـهـيٌ مـن رجـالـهـم

 

قد طالما خدع الأقـوام بـالـحـلـف

فابتاعها لي بألـفـي درهـمٍ فـأتـى

 

بها إلي فألقاهـا عـلـى كـتـفـي

فبت ألثـمـهـا طـوراً وألـزمـهـا

 

طوراً وأصنع بعض الشيء في اللحف

فبين ذاك كذا إذ جـاء صـاحـبـهـا

 

يبغي الدراهم في الميزان ذي الكفـف

وذكر حقٍ علـى زنـدٍ وصـاحـبـه

 

والحق في طرفٍ والطين في طـرف

وبـين ذاك شـهـود لا يضـرهــم

 

أكنت معترفـاً أم غـير مـعـتـرف

فإن يكن منك شيءٌفـهـو حـقـهـم

 

أو لا فإني مدفـوعٌ إلـى الـتـلـف

قال: فضحك العباس وقال: ويحك أصادقٌ أنت؟ قال: نعم والله. قال: يا غلام ادفع إليه ألفي درهم ثمنها. قال: فأخذها ثم دخل على المهدي فأخبره القصة وما احتال له به. فأمر له المهدي بستة آلاف درهم. وقال له المهدي: كيف لا يضرهم ذلك؟ قال: لأني معدم لا شيء عندي. وقال عمي في خبره: فقال له العباس بن محمد شاركني في هذه الجارية. قال: أفعل ولكن على شريطةٍ. قال: وما هي؟ قال: الشركة لا تكون إلا مفاوضةً ، فاشتر معها أخرى، ليبعث كل واحدٍ منا إلى صاحبه ما عنده ويأخذ الأخرى مكانها ليلةً وليلة. فقال له العباس: قبحك الله وقبح ما جئت به ! خذ الدراهم لا بارك الله لك فيها وانصرف.

أمره أبو مسلم بمبارزة رجل فقال شعراً أضحكه فأعفاه: أخبرني الحسن بن علي قال حدثني محمد بن القاسم بن مهرويه قال حدثني العبسي قال: كان أبو دلامة مع أبي مسلم في بعض حروبه مع بني أمية. فدعا رجلٌ إلى البراز؛ فقال له أبو مسلم: أبرز إليه. فأنشأ يقول:

ألا لا تلمني إن فررت فإننـي

 

أخاف على فخارتي أن تحطما

فلو أنني في السوق أبتاع مثلها

 

وجدك ما باليت أن أتقـدمـا

ضحك وأعفاه.

وعدته ريطة جارية فاستنجزها بشعر

ونسخت من كتاب ابن النطاح: أن ريطة وعدت أبا دلامة جاريةً فمطلته حتى امتدحها بعدة قصائد، كل ذلك لا تفي له، ثم خرجت إلى مكة ورجعت. وكانت لها جاريةٌ يقال لها أم عبيدة تخرج وتكلم الرجال وتبلغ عنها الرسائل. فقال أبو دلامة لأم عبيدة حين عيل صبره:

أبلغـي سـيدتـي إن

 

شئت يا أم عـبـيده

أنها أرشـدهـا الـل

 

ه وإن كانت رشـيده

وعدتني قبل أن تـخ

 

رج للـحـج ولـيده

فتنظـرت وأرسـل

 

ت بعشرين قصـيده

كلما تخـلـق أولـى

 

بدلت أخرى جـديده

إنني شـيخٌ كـبـيرٌ

 

ليس في بيتي قعـيده

غير مثل الغول عندي

 

ذات أوصالٍ مـديده

وجهها أسمج من حو

 

تٍ طريٍ في عصيده

ذات رجـلٍ ويدٍ كـل

 

تاهما مثل الـقـديده

فدخلت على ريطة فأنشدتها الشعر، فأمرت له بجارية ومائتي دينار للنفقة عليها.

اشترى لأضيافه نبيذاً من نباذة

ولم يعطها الثمن وقال فيها شعراً: أخبرني الحسين بن يحيى نسخت من كتاب إسحاق الموصلي حدثني أبي عن جدي : أن أبا دلامة نزل بالكوفة، فأتاه أضيافٌ فغداهم، ثم بعث إلى سنديةٍ نباذة يقال لها دومة، فبعثت إليهم جرةً من نبيذ فشربوها، ثم أعاد فبعثت إليهم بأخرى، ثم جاءت تتقاضى الثمن. فقال: ليس عندي الثمن، ولكني أمدحك بما هو خيرٌ من نبيذك. فقال:

ألا يا دوم دام لك النعـيم

 

وأحمر ملء كفك مستقيم

شديد الأصل ينبذ حالبـاه

 

يئن كأنه رجلٌ سـقـيم

وهذا الخبر يروى عن الأقيشر أيضاً.

قال شعراً في الجنيد النخاس يذمه ويمدح جارية له: قال إسحاق وحدثني أبي: أن أبا دلامة كان كثير الزيارة للجنيد النخاس، وكان يتعشق جاريةً له ويبغضه. فجاءه يوماً فقال: أخرج لي فلانة. فقال: إلى متى تخرج إليك ولست بمشترٍ !! قال: فإن لم أكن مشترياً فإني أخٌ يمدح ويطرى. قال: ما أنا بمخرجها إليك أو تقول فيها شعراً. قال: فاحلف بعتقها أن ترويها إياه وتأمرها بإنشاده من أتاك يعترضها ولا تحجبها. فحلف لا يحجبها. فقال أبو دلامة:

إني لأحسب أن سأمسي ميتـاً

 

أو سوف أصبح ثم لا أمسي

من حب جارية الجنيد وبغضه

 

وكلاهما قاضٍ على نفسـي

فكلامها يشفى به سقـمـي

 

فإذا تكلم عاد لي نـكـسـي

عاد إسحاق الأزرق وعنده طبيبه فقال شعراً ينصحه فيه بمجانبة الطبيب: أخبرني عمي قال حدثني الكراني قال حدثنا العمري عن الهيثم بن عدي قال: دخل أبو دلامة على إسحاق الأزرق يعوده، وكان إسحاق قد مرض مرضاً شديداً، ثم تعافى منه وأفاق، فكان من ذلك ضعيفاً، وعند إسحاق طبيبٌ يصف له أدويةً تقوي بدنه. فقال أبو دلامة للطبيب: يابن الكافرة ! أتصف هذه الأدوية لرجل أضعفه المرض ! ما أردت والله إلا قتله. ثم التفت إلى إسحاق فقال: اسمع أيها الأمير مني. قال: هات ما عندك يا أبا دلامة. فأنشأ يقول:

نح عنك الطبيب واسمع لنعتي

 

إنني ناصحٌ من الـنـصـاح

 

ذو تجاريب قد تقلبت في الصح

 

ة دهراً وفي السقام المـتـاح

 

غاد هذا الكباب كل صـبـاحٍ

 

من متون الفتية السـحـاح

فإذا ما عطشت فاشرب ثلاثاً

 

من عتيقٍ في الشم كالتفـاح

ثم عند المساء فاعكف على ذا

 

وعلى ذا بأعظـم الأقـداح

فتقوي ذا الضعف منك وتلفى

 

عن ليالٍ أصح هذي الصحاح

ذا شفاءٌ ودع مـقـالة هـذا

 

ناك ذا أمـه بـأير ربــاح            

فضحك إسحاق وعواده، وأمر لأبي دلامة بخمسمائة درهم. وكان الطبيب نصرانياً فقال: أعوذ بالله من شرك يا ركل ” يريد يا رجل “. وقال الطبيب: اقبل مني أصلحك الله ولا تسألني عن شيء قدامه. فقال أبو دلامة: أما وقد أخذت أجرة صفقتي وقضيت الحق في نصح صديقي، فانعت له الآن أنت ما أحببت.

تنادر بسلمة الوصيف في حضرة المهدي: أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال حدثني أبو الشبل عاصم بن وهب البرجمي قال: دخل أبو دلامة على المهدي وبين يديه سلمة الوصيف واقفاً، فقال: إني أهديت إليك يا أمير المؤمنين مهراً ليس لأحد مثله. فإن رأيت أن تشرفني بقبوله. فأمره بإدخاله إليه. فخرج وأدخل إليه دابته التي كانت تحته، فإذا به برذونٌ محطمٌ أعجف هرمٌ. فقال له المهدي: أي شيءٍ هذا ويلك ! ألم تزعم أنه مهر !. فقال له: أو ليس هذا سلمة الوصيف بين يديك قائماً تسميه الوصيف وله ثمانون سنة، وهو عندك وصيفٌ ! فإذا كان سلمة وصيفاً فهذا مهرٌ. فجعل سلمة يشتمه والمهدي يضحك. ثم قال لسلمة: ويلك، إن لهذه منه أخوات، وإن أتى بها في محفل فضحك. فقال أبو دلامة: والله لأفضحنه يا أمير المؤمنين؛ فليس من مواليك أحدٌ إلا وقد وصلني غيره، فإني ما شربت له الماء قط. قال: فقد حكمت عليه أن يشتري نفسه منك بألف درهم حتى يتخلص من يدك. قال: قد فعلت على أن لا يعاود. فقال له: ما ترى؟ قال: أفعل، فلولا أني ما أخذت منه شيئاً قط ما فعلت معه مثل هذه. فمضى سلمة فحملها إليه.

عبث به ابنه فأراد أن يخصيه فحكم زوجته: أخبرني عمي قال حدثني محمد بن سعد الكراني قال حدثني الخليل بن أسد عن عبد الرحمن بن صالح قال: جاء ابن أبي دلامة يوماً إلى أبيه وهو في محفلٍ من جيرانه وعشيرته جالس، فجلس بين يديه، ثم أقبل على الجماعة فقال لهم: إن شيخي، كما ترون، قد كبرت سنه، ورق جلده، ودق عظمه، وبنا إلى حياته حاجة شديدة، فلا أزال أشير عليه بالشيء يمسك رمقه ويبقي قوته، فيخالفني فيه. وأنا أسألكم أن تسألوه قضاء حاجة لي أذكرها بحضرتكم، فيها صلاحٌ لجسمه، وبقاءٌ لحياته، فأسعفوني بمسألته. فقالوا: نفعل حباً وكرامةً. ثم أقبلوا على أبي دلامة بألسنتهم وتناولوه بالعتاب حتى رضي وهو ساكت، فقال قولوا للخبيث فليقل ما يريد، فستعلمون أنه لم يأت إلا ببلية. فقالوا له: قل. فقال: إن أبي إنما يقتله كثرة الجماع، فتعاونوني عليه حتى أخصيه، فلن يقطعه عن ذلك غير الخصاء، فيكون أصح لجسمه وأطول لعمره. فعجبوا من ذلك وعلموا أنه إنما أراد أن يعبث بأبيه ويخجله حتى يشيع ذلك عنه فيرتفع له بذلك ذكر، فضحكوا منه. ثم قالوا لأبي دلامة: قد سمعت فأجب. قال: قد سمعتم أنتم وعرفتكم أنه لن يأتي بخير. قالوا: فما عندك في هذا؟ قال: قد جعلت أمه حكماً بيني وبينه فقوموا بنا إليها. فقاموا بأجمعهم فدخلوا إليها، وقص أبو دلامة القصة عليها، وقال لها: قد حكمتك. فأقبلت على الجماعة فقالت: إن ابني – أصلحه الله – قد نصح أباه وبره ولم يأل جهداً، وما أنا إلى بقاء أبيه بأحوج مني إلى بقائه، وهذا أمرٌ لم تقع به تجربةٌ منا، ولا جرت بمثله عادةٌ لنا، وما أشك في معرفته بذلك. فليبدأ بنفسه فليخصها؛ فإذا عوفي ورأيناه ذلك قد أثر عليه أثراً محموداً استعمله أبوه. فنعر أبوه وجعل يضحك به، وخجل ابنه، وانصرف القوم يضحكون ويعجبون من خبثهم جميعاً واتفاقهم في ذلك المذهب.

أمر المهدي مروانياً بقتل خارجي فنبا السيف في يده فقال هو في ذلك شعراً: أخبرني عمي قال حدثنا ميمون بن هارون عن أحمد بن إبراهيم بن إسماعيل عن أبيه قال: كان عند المهدي رجل من بني مروان، فدخل إليه وسلم عليه. فأتى المهدي بعلج فأمر المرواني بضرب عنقه، فأخذ السيف وقام فضربه فنبا السيف عنه، فرمى به المرواني وقال: لو كان من سيوفنا ما نبا. فسمع المهدي الكلام فغاظه حتى تغير لونه وبان فيه. فقام يقطينٌ فأخذ السيف وحسر عن ذراعيه ثم ضرب العلج فرمى برأسه، ثم قال: يا أمير المؤمنين، إن هذه السيوف الطاعة لا تعمل إلا في أيدي الأولياء ولا تعمل في أيدي أهل المعصية. ثم قام أبو دلامة فقال: يا أمير المؤمنين، قد حضرني بيتان أفأقولهما؟ قال: قل. فأنشده:

أيهذا الإمام سيفك ماضٍ

 

وبكف الولي غير كهام

فإذا ما نبا بكفٍ علمنـا

 

أنها كف مبغضٍ للإمام

قال: فسري عن المهدي وقام من مجلسه، وأمر حجابه بقتل الرجل المرواني فقتل.