أخبار أبي حفص الشطرنجي ونسبه

أخبار أبي حفص الشطرنجي ونسبه

نشأته أبو حفص: عمر بن عبد العزيز، مولى بني العباس، وكان أبوه من موالي المنصور فيما يقال، وكان اسمه اسماً أعجمياً، فلما نشأ أبو حفص وتأدب، غيره وسماه عبد العزيز.

أخبرني بذلك عمي، عن أحمد بن الطيب، عن جاعة من موالي المهدي.

ونشأ أبو حفص في دار المهدي ومع أولاد مواليه، وكان كأحدهم، وتأدب، وكان لاعباً بالشطرنج مشغوفاً به، فلقب به لغلبته عليه.

إنقطاعه إلى علية بنت المهدي فلما مات المهدي انقطع إلى علية، وخرج معها لما زوجت، وعاد معها لما عادت إلى القصر، وكان يقول لها الأشعار فيما تريده من الأمور بينها وبين إخوتها وبني أخيها من الخفاء، فتنتحل بعض ذلك، وتترك بعضه، ومما ينسب إليها من شعره ولها فيه غناء، وقد ذكرنا ذلك في أغانيها وأخبارها:

تحبب فإن الحب داعية الحب

وهو صوت مشهور لها.

يخلعون عليه أحب الأوصاف  حدثني الحسن بن علي الخفاف، قال: حدثني أحمد بن الطيب السرخسي قال: حدثني الكندي، عن محمد ابن الجهم البرمكي، قال: رأيت أبا حفص الشطرنجي الشاعر، فرأيت منه إنساناً يلهيك حضوره عن كل غائب وتسليك مجالسته عن هموم المصائب، قربه عرس، وحديثه أنس، جده لعب، ولعبه جد، دين ماجد، إن لبسته على ظاهره لبست مرموقا لا تمله، وإن تتبعته لتستبطن خبرته وقفت على مؤوة لا تطير الفواحش بجنباتها، وكان فيما علمته أقل ما فيه الشعر، وهو الذي يقول: صوت

تحبب فإن الحب داعـية الـحـب

 

وكم من بعيد الدار مستوجب القرب

إذا لم يكن في الحب عتب ولا رضاً

 

فأين حلاوات الرسائل والكـتـب؟

تفكر فإن حدثـت أن أخـا هـوى

 

نجا سالماً فارج النجاة من الكـرب

وأطيب أيام الهـوى يومـك الـذي

 

تورع بالتحريش فيه وبالـعـتـب

قال: وفي هذه الأبيات غناء لعلية بنت المهدي، وكانت تأمره أن يقول الشعر في المعاني التي تريدها، فيقولها، وتغني فيها.
قال: وأنشدني لأبي حفص أيضاً.
صوت

عرضن للذي تحـب بـحـب

 

ثم دعـه يروضـه إبـلـيس

فلعل الزمـان يدنـيك مـنـه

 

إن هذا الهوى جليل نـفـيس

صابر الحب لا يصرفك فـيه

 

من حبيب تجهـم وعـبـوس

وأقل اللجاج واصبر على الجه

 

د فإن الهوى نعـيم وبـوس

في هذه الأبيات للمسدود هزج ذكره لي جحظة وغيره عنه.
وأما قوله:

تحبب فإن الحب داعية الحب

فقد مضت نسبته في أخبار علية.

مساجلة بينه وبين الرشيد على لسان ماردة أخبرني الحسن بن علي، قال: حدثنا عبد الله بن أبي سعد، قال: حدثني محمد بن عبد الله بن مالك، وأخبرني به محمد بن خلف بن المرزبان، قال: حدثني أبو العباس الكاتب قال: كان الرشيد يحب ماردة جاريته، وكان خلفها بالرقة، فلما قدم إلى مدينة السلام اشتاقها، فكتب إليها: صوت

سلام على النازح المغتـرب

 

تحية صب بـه مـكـتـئب

غزال مراتعه بـالـبـلـيخ

 

إلى دير زكي فقصر الخشب

أيا من أعان على نـفـسـه

 

بتخليفه طائعـاً مـن أحـب

سأستر والستر من شيمـتـي

 

هوى من أحب بمن لا أحب

فلما ورد كتابه عليها أمرت أبا حفص الشطرنجي صاحب علية، فأجاب الرشيد عنها بهذه الأبيات، فقال:

أتانـي كـتـابـك يا سـيدي

 

وفيه العجائب كل العجـب

أتزعم أنـك لـي عـاشـق

 

وأنك بي مستهـام وصـب

فلو كان هذا كذا لـم تـكـن

 

لتتركني نهزة لـلـكـرب

وأنت ببغداد ترعـى بـهـا

 

نبات اللذاذة مع من تـحـب

فيا من جفاني ولـم أجـفـه

 

ويا من شجاني بما في الكتب

كتابك قد زادنـي صـبـوة

 

وأسعر قلبي بحر اللـهـب

فهبني نعم قد كتمت الهـوى

 

فكيف بكتمان دمـع سـرب

ولـولا اتـقـاؤك يا سـيدي

 

لوافتك بي الناجيات النجـب

فلما قرأ الرشيد كتابها أنفذ من وقته خادماً على البريد، حتى حدرها إلى بغداد في الفرات، وأمر المغنين جميعاً، فغنوا في شعره.

قال الأصبهاني: فممن غنى فيه إبراهيم الموصلي؛ غنى فيه لحنين، أحدهما ماخوري، والآخر ثاني ثقيل عن الهشامي. وغنى يحيى بن سعد بن بكر بن صغير العين فيه رملا. ولابن جامع فيه رمل بالنبصر، ولفليح بن العوراء ثاني ثقيل بالوسطى، وللمعلي خفيف رمل بالوسطى، ولحسين بن محرز هزج بالوسطى، ولأبي زكار الأعمى هزج بالبنصر، هذه الحكايات كلها عن الهشامي، وقال: كان المختار من هذه الألحان كلها عند الرشيد الذي اشتهاه منها وارتضاه لحن سليم.

يصلح بين الرشيد وعلية بأبياته أخبرني جعفر بن قدامة بن زياد الكاتب، قال: حدثني محمد بن يزيد النحوي، قال: حدثني جماعة من كتاب السلطان: أن الرشيد غضب على علية بنت المهدي، فأمرت أبا حفص الشطرنجي شاعرها أن يقول شعراً يعتذر فيه عنها إلى الرشيد، ويسأله الرضا عنها، فيستعطفه لها فقال: صوت

لو كان يمنع حسن العقل صاحبه

 

من أن يكون له ذنب إلى أحـد

كانت علية أبرا الناس كـلـهـم

 

من أن تكافا بسوء آخـر الأبـد

مالي إذا غبت لم أذكر بـواحـدة

 

وإن سقمت فطال السقم لم أعـد

ما أعجب الشيء ترجوه فتحرمه

 

قد كنت أحسب أني قد ملأت يدي

فأتاها بالأبيات، فساتحسنتها، وغنت فيها، وألقت الغناء على جماعة من جواري الرشيد، فغنينه إياه في أول مجلس جلس فيه معهن، فطرب طرباً شديداً، وسألهن عن القصة، فأخبرنه بها، فبعث إليها، فحضرت، فقبل رأسها، واعتذرت، فقبل عذرها، وسألها إعادة الصوت، فأعادته عليه، فبكى، وقال: لا جرم أني لا أغضب أبداً عليك ما عشت.

بيتان في دنانير بمائتي دينار حدثني محمد بن يحيى الصولي، قال: حدثنا الحسين بن يحيى، عن عمرو بن بانة، قال: دخل أبو حفص الشطرنجي على يحيى بن خالد، وعنده ابن جامع، وهو يلقي على دنانير صوتاً أمره يحيى بإلقائه عليها، وقال لأبي حفص: قل في دنانير بيتين يغني فيهما ابن جامع، ولك بكل بيت مائة دينار إن جاءت كما أريد، فقال أبو حفص: صوت

أشبهك المسك وأشبهته

 

قائمة في لونه قاعده

لا شك إذ لونكما واحد

 

أنكما من طينة واحدة

قال: فأمر له يحيى بمائة دينار، وغنى فيهما ابن جامع.

قال الأصبهاني: لحن ابن جامع في هذين البيتين هزج.

صديق حميم لأسرة الخليفة أخبرني جعفر بن قدامة، قال: حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه قال: كان أبو حفص الشطرنجي ينادم أبا عيسى بن الرشيد، ويقول له الشعر، فينتحله، ويفعل مثل ذلك بأخيه صالح وأخته، وكذلك بعلية عمتهم، وكان بنو الرشيد جميعاً يزورونه ويأنسون به، فمرض، فعادوه جميعاً سوى أبي عيسى فكتب إليه: يعاتب ابن الرشيد لأنه لم يعده في مرضه

إخاء أبي عيسى إخاء ابن ضرة

 

وودي ود لابـن أم ووالــد

ألم يأته أن الـتـأدب نـسـبة

 

تلاصق أهواء الرجال الأباعد

فما باله مستعذباً من جفـائنـا

 

موارد لم تعذب لنا من موارد

أقمت ثلاثاً حلف حمى مضرة

 

فلم أره في أهل ودي وعائدي

سلام هي الدنيا قروض وإنمـا

 

أخوك مديم الوصل عند الشدائد

بيتان ليسا له حدثني جعفر بن الحسين، قال: حدثني ميمون بن هارون، قال: حدثنا أبي عن أبي حفص الشطرنجي: قال: قال لي الرشيد يوماً: يا حبيبي، لقد أحسنت ما شئت في بيتين قلتهما، قلت: ما هما يا سيدي؟ فمن شرفهما استحسانك لهما، فقال: قولك: صوت

لم ألق ذا شجن يبوح بحبه

 

إلا حسبتك ذلك المحبوبـا

حذراً عليك وإنني بك واثق

 

ألا ينال سواي منك نصيبا

فقلت: يا أمير المؤمنين، ليسا لي، هما للعباس بن الأحنف، فقال: صدقك والله أعجب إلي، وأحسن منهما بيتاك حيث تقول:

إذا سرها أمر وفيه مسـاءتـي

 

قضيت لها فيما تريد على نفسي

وما مر يوم أرتجي فـيه راحة

 

فأذكره إلا بكيت على أمسـي

في البيتين الأولين اللذين للعباس بن الأحنف ثقيل لإبراهيم الموصلي، وفيهما لابن جامع رمل عن الهشامي، الروايتان جميعاً لعبد الرحمن، وفي أبيات أبي حفص الأخيرة لحن من كتاب إبراهيم غير مجنس.

ينعي نفسه قبل أن يموت أخبرني محمد بن يحيى الصولي، قال: حدثني الحسين بن يحيى، قال: حدثني عبد الله بن الفضل، قال: دخلت على أبي حفص الشطرنجي شاعر علية بنت المهدي أعوده في علته التي مات فيها، قال: فجلست عنده فأنشدني لنفسه: صوت

نعى لك ظل الشباب المشـيب

 

ونادتك باسم سواك الخطـوب

فكن مستعداً لداعي الـفـنـاء

 

فإن الـذي هـو آت قـريب

ألسنا نرى شهوات الـنـفـو

 

س تفنى وتبقى عليها الذنوب

وقبلك داوى المريض الطبيب

 

فعاش المريض ومات الطبيب

يخاف على نفسه مـن يتـوب

 

فكيف ترى حال من لا يتوب؟

غنى في الأول والثاني إبراهيم هزجا.
انقضت أخباره.

صوت

أبى ليلـي أن يذهـب

 

ونيط الطرف بالكوكب

ونجم دونه الـنـسـرا

 

ن بين الدلو والعقرب

وهذا الصبـح لا يأتـي

 

ولا يدنـو ولا يقـرب

الشعر لأميمة بنت عبد شمس بن عبد مناف، والغناء لإسحاق هزج بالوسطى.

تسرق لحن إسحاق وهو سكران أخبرنا محمد بن يحيى ومحمد بن جعفر النحوي، قالا: حدثنا محمد بن حماد، قال: التقيت مع دمن جارية إسحاق بن إبراهيم الموصلي يوماً، فقلت لها: أسمعيني شيئاً أخذته من إسحاق، فقالت: والله ما أحد من جواريه أخذ منه صوتا قط ولا ألقى علينا شيئاً قط وإنما كان يأمر من أخذ منه من الرجال مثل مخارق وعلويه ووجه القرعة الخزاعي وجواري الحارث بن بسخنر أن يلقوا علينا ما يختارون من أغانيهم، وأما عنه فما أخذت شيئاً قط إلا ليلة، فإنه انصرف من عند المعتصم، وهو سكران، فقال للخادم القيم على حرمه: جئني بدمن، فجاءني الخادم، فدعاني، فخرجت معه، فإذا هو في البيت الذي ينام فيه، وهو يصنع في هذا الشعر:

أبى ليلـي أن يذهـب

 

ونيط الطرف بالكوكب

وهو يتزايد فيه، ويقومه، حتى استوى له، ثم قام إلى عود مصلح معلق كان يكون في بيت منامه، فأخذه، فغنى الصوت، حتى صح له، واستقام عليه، وأخذته عنه، فلما فرغ منه قال: أين دمن؟ فقلت: هو ذا أنا هاهنا، فارتاع، وقال: مذكم أنت هاهنا؟ قلت: مذ بدأت بالصوت وقد أخذته بغير حمدك، فقال: خذي العود، فغنيه، فأخذته، فغنيته، حتى فرغت منه، وهو يكاد أن يتميز غيظاً، ثم قال: قد بقي عليك فيه شيء كثير، وأنا أصلحه لك، فقلت: أنا مستغنية عن إصلاحك، فألحه لنفسك، فاضطجع في فراشه ونام، وانصرفت، فمكث أياما إذا رآني قطب وجهه.

وهذا الشعر تقوله أميمة بنت عبد شمس بن عبد مناف ترثي به من قتل في حروب الفجار من قريش.