أخبار أبي حشيشة

أخبار أبي حشيشة

أبو حشيشة لقب غلب عليه، وهو محمد بن أمية بن أبي أمية، يكنى أبا جعفر، وكان أهله جميعاً متصلين بإبراهيم المهدي، وكان هو من بينهم معنياً بالطنبور، يغني أحسن غناء وخدم جماعة من الخلفاء أولهم المأمون، ومن بعده إلى المعتمد.

وله يقول أبو صالح بن يزداد وكتب بها في استتاره :

جعلت فداك يا بن أبي أميه

 

أرى الأيام قد حكمت عليه

وملني الصديق وخان عهدي

 

فما أقرا لكم كتـبـاً إلـيه

فإن كان الضمير كما بدا لي

 

فهذا والإله هو الـبـلـيه

كان أكثر انقطاعه إلى أبي أحمد بن الرشيد أيام حياته، وكان أبوه وجده وأخواله كتاباً.

 

وقرأت على أحمد بن جعفر جحظة ما ذكره عن أبي حشيشة في كتابه الذي ألفه في أخبار مراتب الطنبوريين والطنبوريات وكان من ذلك أنه قال: شاهدت أبا حشيشة مدة، وكان يتغنى في أشعار خالد الكاتب وبني أمية، وكانت معه فقر من الأحاديث يضعها مواضعها، وكانت له صنعة تقدم فيها كل طنبوري، لا أحاشي من قولي ذلك، فمنها:

كأن هموم الناس في الأرض كلها

 

علي وقلبي بينهم قـلـب واحـد

ولي شاهدا عدل سهاد وعـبـرة

 

وكم مدع للحب من غير شاهـد

وهو خفيف رمل مطلق. قال جحظة: ورأيته في القدمة التي قدمها مع ابن المدبر بين يدي المعتمد، وقد غناه

حرمت بذل نوالـك

 

واسوأتا من فعالك!

لما مللت وصالـي

 

آيستني من وصالك

فوهب له مائتي دينار.

واللحن رمل مطلق.

أخبرني جحظة فيما قرأته عليه، قال: حدثني ابن نوبخت: يعني علي بن العباس قال: رأيته وقد حضرت عريب عند ابن المدبر، وهو يغني، فقالت له عريب: أحسنت يا أبا جعفر، ولو عاش الشيخان ما قلت لهما هذا – تعني علويه ومخارقاً.

حدثني أبو حشيشة، قال: هجم علي خادم أسود، فقال لي: البس ثيابك، فعلمت أن هذا لا يكون إلا عن أمر خليفة أو أمير، فلم أراجعه، حتى لبست ثيابي، فمضيت معه فعبر بي الجسر، وأدخلني إلى دار لا أعرفها، ثم اجتاز بي في رواق فيه حجر تفوح منهن رائحة الطعام والشراب، فأدخلت منهن إلى حجرة مفروشة، وجاءني بمائدة كأنها جزعة يمانية قد نشرت في عراصها الحبرة ، فأكلت وسقاني رطلين وجاءني بصندوق ففتحته فإذا فيه طنابير، فقال لي: اختر، فاخترت واحداً، وأخذ بيدي، فأدخلني إلى دار فيها سماعة وفيها رجلان على أحدهما قباء غليظ، وعلى الآخر ثياب ملحم وخز، فقال لي صاحب الخز: اجلس، فجلست، فقال: أكلت وشربت؟ فقلت: نعم. قال: عندنا؟ قلت: نعم، قال: تغني ما نقول لك؟ فقلت: قل، فقال: تغني بصنعتك:  

يا كثير الإقبال والانصراف

 

وملولاً ولو أشأ قلت خاف

وهو رمل مطلق، فغنيته إياه، وجعل يطلب مني صوتاً بعد صوت من صنعتي، فأغنيه، ويستعيده، ويشرب هو والرجل، وأسقى بالأنصاف المختوته إلى أن صلوا العشاء الآخرة، وهم لا يشربون إلا على الصوت الأول لا يريده غيره، ثم أومأ إلي الخادم: قم، فقمت، فقال لي صاحب القباء منهما، أتعرفني؟ قلت: لا والله، قال: أنا إسحاق بن إبراهيم الطاهري، وهذا محمد بن راشد الخناق، والله لئن بلغني أنك تقول: إنك رأيتني لأضربنك مائتي سوط، انصرف. فخرجت ودفع إلى الخادم ثلاثمائة دينار، فجهدت أن يقبل منها شيئاً على سبيل ابر، فما فعل.

حدثني جحظة قال: حدثني أبو حشيشة، قال: وجه إلي إسحاق بن إبراهيم الطاهري، فصرت إليه وهو في داره التي على طرف الخندق، فدعا بجونة ، فأكل وأكلت من ناحية، ودعا بستارة وقال: تغن بصنعتك:

عاد الهوى بالكأس بردا

 

فأطع إمارة من تبدى

وهو خفيف رمل مطلق.
فغنيته مراراً، ثم ضرب الستارة، وقال: فولوه، فقالته جارية فأحسنت غاية الإحسان، فضحك ثم قال: كيف تراه؟ فقلت: قد والله بغضوه إلي، فازداد في الضحك، وأنا أرمق جبة خز خضراء كانت عليه، فقال: كم ترمق هذه الجبة؟ يا غلام، كانت عشرة أثواب خز فقطعت منها هذه الجبة، فهات التسعة فجيء بها، فدفعها إلي فكتب أبيع رذالها بستين ديناراً.

حدثني جحظة قال: حدثني أبو حشيشة أن بني الجنيد الإسكافيين كانوا أول من اصطنعه، وأنهم كانوا يسمونه الظريف، وأن أول منزل ابتاعه من أموالهم إلى أن شاع خبره، وتفاقم أمره، قال: وكانوا آكل الناس، رأيت رجلاً منهم، وقد أكل هو وابن عم له اثنين وعشرين رأساً كباراً، وشربا، فسكرا وناما، ثم انتبها في وقت الظهر، فدعوا بالطعام، فعادا إلى الأكل، ما أنكر منهما شيئاً.

ونسخت من كتاب ألفه أبو حشيشة، وجمع فيه أخباره مع من عاشره، وخدم من الخلفاء، وهو كتاب مشهور، قال: أول من سمعني من الخلفاء المأمون، وهو بدمشق، وصفني له مخارق، فأمر بأشخاصي إليه، وأمر لي بخمسين ألف درهم أتجهز بها، فلما وصلت إلي أدناني، وأعجب بي، وقال للمعتصم: هذا ابن من خدمك وخدم آبائك وأجدادك يا أبا إسحاق، جد هذا أمية كاتب جدك المهدي على كتابة السر وبيت المال والخاتم، وحج المهدي أربع حجج كان جد هذا زميله فيها. واشتهى المأمون من غنائي:

كان ينهى فنهى حين انتهـى

 

وانجلت عنه غيابات الصبـا

خلع اللهو وأضحى مسبـلاً

 

للنهى فضل قمـيص وردا

كيف يرجو البيض من أولـه

 

في عيون البيض شيب وجلا

كان كحلاً لمآقـيهـا فـقـد

 

صار بالشيب لعينيها قـذى

الشعر لدعبل، والغناء لمحمد بن حسين بن محرز رمل بالوسطى.

قال أبو حشيشة: وكان مخارق قد نهاني أن أغني ما فيه ذكر الشيب من هذا الشعر، وأن أقتصر على البيتين الأولين؛ لأن المأمون كان يشتد عليه ذكر الشيب، ويكرهه جداً من المغنين، وأمر ألا يغنيه أحد بشعر قيل في الشيب أو فيه ذكر له، فمررت في الشعر كله، فقال: يا مخارق، ألا تحسن أدب هذا الفتى! فنقفني مخارق نقفة صلبة، فما عدت بعدها لذكر شيء فيه الشيب.

وذكر أبو حشيشة في كتابه هذا مما كان يشتهيه عليه المأمون وغيره من الخلفاء أصواتاً كثيرة، ولا فائدة في ذكرها هاهنا، لأنها طويلة، فذكرت مما كان يختاره عليه كل خليفة صوتاً. قال أبو حشيشة: كان المعتصم يشتهي علي:

أسرفت في سوء الصنيع

 

وفتكت بي فتك الخلـيع

وولعت بـي مـتـمـرداً

 

والعذر في طرف الولوع

صيرت حبك شـافـعـاً

 

فأتيت من قبل الشـفـيع

الشعر لأصرم بن حميد، والغناء لأبي حشيشة.
قال: وكان الواثق يختار من غنائي:

يا تاركي متلـدد الـع

 

واد جـذلان الـعـداة

انظر إلي بـعـين را

 

ض نظرة قبل الممات

خليتني بـين الـوعـي

 

د وبين ألسنة الوشـاة

ماذا يرجي بـالـحـيا

 

ة منغص روح الحياة؟

الشعر لمحمد بن سعيد الأسدي، والغناء لأبي حشيشة خفيف الرمل.

قال: وكان المتوكل يحبني، وكانت أغانيه التي يشتهيها علي كثيرة منها:  

أطعت الهوى وخلعت العذارا

 

وباكرت بعد القراح العقـارا

ونازعك الكأس من هـاشـم

 

كريم يحب عليها الـوقـارا

فتى فرق الحمـد أمـوالـه

 

يجر القميص ويرخي الإزارا

رأى الله جعفر خـير الأنـام

 

فملكـه ووقـاه الـحـذارا

الشعر والغناء لأبي حشيشة.
قال: كان الفتح بن خاقان يشتهي علي:

قالوا عشقت فقلت أحسن من مشى

 

والعشق ليس على الكريم بعـار

يا من شكوت إليه طول صبابتـي

 

فأجابني بـتـجـهـم الإنـكـار

قال: وكان المستعين يشتهي علي:

وما أنس لا أنس منها الخشوع

 

وفيض الدموع وغمز الـيد

وخدي مضافاً إلـى خـدهـا

 

قياماً إلى الصبح لم تـرقـد

الشعر لمحمد بن أبي أمية والغناء لأبي حشيشة.

قال: وأخبرني محمد بن علي بن عصمة – وكان إليه الزهد في دنيا كلها – قال: حضرت المعتز وقد ورد عليه جواب كتابه إلى محمد بن عبد الله بن طاهر، وكان كتب إليه يطلبني منه، فكتب إليه محمد: إني عليل، لا فضل في للخدمة، قال أبو عصمة: فقال لي المعتز: يا أبا محمد، صديقك أبو حشيشة يؤثر علينا آل طاهر، فقلت له: يا سيدي، أنا أعلم الناس بخبره، هو والله عليل: ما فيه موضع لخدمة أمير المؤمنين، قال: ثم ذكرني المعتمد. وحرضه علي ابن حمدون، فكتب إليه أيوب سليمان بن عبد الله بن طاهر -وهو يومئذ أمير بغداد – في إشخاصي، فشخصني إليه من ساعتي، فأكرمني، وأدنى في مجلسي، وأمر لي بجائزة، واشتهى علي:

قلبـي يحـبـك يا مـنـى

 

قلبي ويبغض من يحـبـك

لأكـون فـرداً فـي هـوا

 

ك فليت شعري كيف قلبك؟

الشعر لأحمد بن يوسف الكاتب، والصنعة لأبي حشيشة رمل.

قال أبو حشيشة: سمع إبراهيم بن المهدي أصواتاً من غناء محمد بن الحارث بن بسخنر وعمرو بن بانة، فاستحسنها وأخذها جواريه، وقال: الطنبور كله باطل، فإن كان فيه شيء حق فهذا. وأشتهي أن يسمعني. فهبته هيبة شديدة، وقلت: إن رضيني لم يزد ذلك في قدري، وإن لم يرضني بقيت وصمة آخر الدهر، وكان يطلبني من محمد بن الحارث بن بسخنر خاصة، ومن إسحاق بن عمرو بن بزيع، فكنت أفر منهما، حتى صرت بسر من رأى، وأنا في تلك الأيام منقطع إلى أبي أحمد بن الرشيد، ونحن في مضارب لم نكن سكناً المنازل بعد، فوافى إلى أبي أحمد بن الرشيد رسول إبراهيم بن المهدي فأبلغه السلام، وقال: يقول لك عمك: قد أعيتني الحيل في هذا الخبيث، وأنا أحب أن أسمعه، وهو يهرب مني، فأحب أن تبعث به إلي، ويكون زيرب معه تؤنسه. فقال لي: أبو أحمد: لا بد أن تمضي إلى عمي، فجهدت كل الجهد أن يعفيني، فأبى، فلما رأيت أنه لا بد لي منه لبست ثيابي، ومضيت إليه، وهو نازل في دسكرة، فرحب بي وقرب، وبسطني كل البسط ومعي زيرب، ودعا بالنبيذ، وأمر خدماً له كباراً، فجلسوا معي وشربوا وسقوني، وعرض لي بكل حيلة أن أغني، فهبته هيبة شديدة، وحصرت. وشرب، ودعا بثلاث جوار، فخرجت وجلسن، وقال لهن: قلن:

كيف احتيالي وأنت لا تصل

 

عيل اصطباري وقلت الحيل

إن كان جسمي هواك ينحله

 

فإن قلبي عـلـيك يتـكـل

الشعر لخالد الكاتب، والغناء لأبي حشيشة الرمل. وكان يسميه الرهباني، عمله على لحن من ألحان النصارى سمعه من رهبان في الليل يرددونه، فغناه عليه.

فقالته إحداهن، فذهب عقلي، وسمعت شيئاً لم أسمع مثله قط، فقال: يا خليلي، أهذا لك؟ فقلت: نعم – أصلح الله الأمير – وأخذتني رعدة، ثم قال لهن: إيه، قلن:

رب مالـي ولـلـهـوى

 

ما لهـذا الـهـوى دوا

حاز طرفي الذي هوى ال

 

حسن قلبي ومـا حـوى

الشعر لخالد، والغناء لأبي حشيشة رمل.

فغنته فسمعت ما هو أعجب من الأول، فقال: يا خليلي، هذا لك؟ قلت: نعم يا سيدي، قال: هكذا أخذناهما من محمد بن الحارث، ثم شرب رطلاً آخر، فقلت: يا نفس ، دعاك الرجل يسمعك، أو يسمعك، وقويت عزمي، وتغنيته بشعر خالد الكاتب، وهو هذا:

لئن لج قلبك فـي ذكـره

 

ولج حبيبك في هـجـره

لقد أورث العين طول البكا

 

وعز الفؤاد على صبـره

فإن أذهب القلب وجد به

 

فجسمك لا شك في إثره

وأي محب تجافى الهوى

 

بطول التفكر لم يبـره

فجعل يردد البيت الأول والبيت الأخير، وقال لي: لا تخرجن يا خليلي من هذا إلى غيره، فلم أزل أردده عليه، حتى شرب ثلاثاً، واسترحت ساعة، وشربتا وطابت نفسي، ثم استعادني فغنيته، فأعجب بي خلاف الأول، فنظر إلي وضحك، ولم يقل شيئاً، وشرب رطلاً رابعاً وجاءت المغرب، فقال لي: يا خليلي، ما أشك في أنك قد أوحشت ابني منك، فامض في حفظ الله تعالى. فخرجت أطير فرحاً بانصرافي سالماً، فلما وافيت أبا أحمد، وبصر بي من بعيد قال: حنطة، أو شعير؟ فقلت، بل سمسم وشهد، انج على رغم أنف من رغم، فقال: ويحك، أتراني لا أعرف فصلك! ولكن أحببت أن أستعين برأيه على رأيي فيك، وقصصت عليه القصة، فسره ذلك، ولم يرض حتى دس إليه محمد بن راشد الخناق، فسأله عني، فقال: ما ظننت أن يكون في صناعته مثله.

قال أبو حشيشة: وسمع إسحاق بن إبراهيم الموصلي غنائي فاستحسنه، فسئل عني، فقال: غناء الطنبور كله ضعيف، وما سمعت فيه قط أقوى ولا أصح من هذا.

حدثني جحظة، قال: كان سبب موت أبي حشيشة بسر من رأى، أن قلماً غلام الفضل بن كاووس صار إليه في يوم بارد، فدعاه إلى الصبوح، فقال له: أنا لا آكل إلا طعاماً حاراً، وليس عندك إلا فضيلة من مجلية، قال: تساعدني، وتأكل معي، فأكل منها، فجمدت دم قلبه، فمات، فحمله إبراهيم بن المدبر إلى بناته، وما كسبه بسر من رأى معه، فاقتسمنه بينهن.

سقياً لقاطول لا أرى بلـداً

 

أوطنه الموطنون يشبههـا

أمناً وخفضاً ولا كبهجتهـا

 

أرغد أرض عيشاً وأرفهها

البيت الأول من البيتين لعنان جارية الناطفي، والثاني يقال: إنه لعمرو الوراق ، ويقال إنه لأبي نواس، ويقال بل هو لها.

والغناء لعريب خفيف رمل. وكان الشعر: “سقياً لبغداد” فعيرته عريب وجعلت مكانه “سقياً لقاطول”.