أخبار أبي تمام ونسبه

أخبار أبي تمام ونسبه

 أبو تمام حبيب بن أوس الطائي، من نفس طيّىء صليبة . مولده ومنشؤه منبج، بقرية منها يقال لها جاسم. شاعر مطبوع، لطيف الفطنة، دقيق المعاني، غواص على ما يستصعب منها، ويعسر متناوله على غيره. وله مذهب في المطابق، هو كالسابق إليه جميع الشعراء، وإن كانوا قد فتحوه قبله، وقالوا القليل منه، فإن له فضل الإكثار فيه، والسلوك في جميع طرقه. والسليم من شعره النادر شيء لا يتعلق به أحد. وله أشياء متوسطة، ورديئة رذلة جداً.

وفي عصرنا هذا من يتعصب له فيفرط، حتى يفضله على كل سالف وخالف، وأقوام يتعمدون الرديء من شعره فينشرونه، ويطوون محاسنه، ويستعملون القحة والمكابرة في ذلك، ليقول الجاهل بهم: إنهم لم يبلغوا علم هذا وتمييزه إلا بأدب فاضل، وعلم ثاقب. وهذا مما يتكسب به كثير من أهل هذا الدهر، ويجعلونه وما جرى مجراه من ثلب الناس، وطلب معايبهم، سبباً للترفع، وطلباً للرياسة. وليست إساءة من أساء في القليل، وأحسن في الكثير، مسقطة إحسانه؛ ولو كثرت إساءته أيضا ثم أحسن، لم يقل له عند الإحسان أسأت، ولا عند الصواب أخطأت، والتوسط في كل شيء أجمل، والحق أحق أن يتبع.

وقد روي عن بعض الشعراء أن أبا تمام أنشده قصيدة له أحسن في جميعها، إلا في بيت واحد، فقال له: يا أبا تمام، لو ألقيت هذا البيت ما كان في قصيدتك عيب. فقال له: أنا والله أعلم منه مثل ما تعلم، ولكن مثل شعر الرجل عنده مثل أولاده، فيهم الجميل والقبيح، والرشيد والساقط، وكلهم حلو في نفسه، فهو وإن أحب الفاضل، لم يبغض الناقص، وإن هوي بقاء المتقدم، لم يهو موت المتأخر.

واعتذاره بهذا ضدٌّ لما وصف به نفسه في مدحه الواثق، حيث يقول:

جاءتك من نظم اللسان قلادة

 

سمطان فيها اللؤلؤ المكنون

أحذاكها صنع اللسان يمـدّه

 

جفرٌ إذانضب الكلام معـين

ويسيء بالإحسان ظناً لا كمن

 

هو بابنه وبشعره مفـتـون

فلو كان يسيء بالإساءة ظناً ولا يفتتن بشعره، كنا في غنّى عن الاعتذار له.

وقد فضل أبا تمام من الرؤساء والكبراء والشعراء، من لا يشق الطاعنون عليه غباره، ولا يدركون وإن جدوا آثاره، وما رأى الناس بعده إلى حيث انتهوا له في جيده نظيراً ولا شكلاً؟ ولولا أن الرواة قد أكثروا في الاحتجاج له وعليه، وأكثر متعصبوه الشرح لجيد شعره، وأفرط معادوه في التسطير لرديئه، والتنبيه على رذله ودنيئه، لذكرت منه طرفا، ولكن قد أتى من ذلك مالاً مزيد عليه.
أخبرني عمي قال: حدثني أبي قال: سمعت محمد بن عبد الملك الزيات يقول: أشعر الناس طرّاً الذي يقول:

وما أبالي وخير القـول أصـدقـه

 

حقنت لي ماء وجهي أو حقنت دمي

فأحببت أن أستثبت إبراهيم بن العباس ، وكان في نفسي أعلم من محمد وآدب، فجلست إليه، وكنت أجري عنده مجرى الولد، فقلت له: من أشعر أهل زماننا هذا؟ فقال: الذي يقول:

مطـر أبـوك أبـو أهـلّة وائل

 

ملأ البـسـيطة عـدة وعـديدا

نسبٌ كأن عليه من شمس الضحى

 

نوراً ومن فلق الصباح عمـودا

ورثوا الأبوّة والحظوظ فأصبحوا

 

جمعوا جدوداً في العلا وجـدودا

فاتفقا على أن أبا تمام أشعر أهل زمانه.

أخبرني محمد بن يحيى الصولي، وعلي بن سليمان الأخفش قالا: حدثنا محمد بن يزيد النحوي قال: قدم عمارة بن عقيل بغداد، فاجتمع الناس إليه، فكتبوا شعره وشعر أبيه، وعرضوا عليه الأشعار. فقال بعضهم: ها هنا شاعر يزعم قوم أنه أشعر الناس طرّاً، ويزعم غيرهم ضد ذلك. فقال: أنشدوني قوله. فأنشدوه:

غدت تستجير الدمع خوف نوى غد

 

وعاد قتاداً عندها كـل مـرقـد

وأنقذها من غمرة الـمـوت أنـه

 

صدود فراق لا صدود تـعـمـد

فأجرى لها الإشفاق دمعاً مـورداً

 

من الدم يجري فوق خـد مـورّد

هي البدر يغنيها تودّد وجـهـهـا

 

إلى كل من لاقت وإن لـم تـودّد

ثم قطع المنشد. فقال له عمارة: زدنا من هذا. فوصل نشيده وقال:

ولكنني لم أحو وفراً مجمّعاً

 

ففزت به إلا بشمل مبـدد

ولم تعطني الأيام نوما مسكنا

 

ألد به إلا بنـوم مـشـرد

فقال عمارة: لله دره! لقد تقدم في هذا المعنى من سبقه إليه، على كثرة القول فيه، حتى لقد حبب إلي الاغتراب، هيه. فأنشده:

وطول مقام المرء في الحي مخلق

 

لديباجتيه فاغـتـرب تـتـجـدد

فإني رأيت الشمس زيدت محـبة

 

إلى الناس أن ليست عليهم بسرمد

فقال عمارة: كمل والله، لئن كان الشعر بجودة اللفظ، وحسن المعاني، واطراد المراد، واتساق الكلام، فإن صاحبكم هذا أشعر الناس.

أخبرني محمد بن يحيى الصولي قال: حدثني محمد بن موسى بن حماد قال: سمعت علي بن الجهم يصف أبا تمام ويفضله، فقال له رجل: والله لو كان أبو تمام أخاك مازدت على مدحك هذا. فقال: إن لم يكن أخاً بالنسب، فإنه أخ بالأدب والمودة؛ أما سمعت ما خاطبني به حيث يقول:

إن يكد مطّرف الإخاء فإننـا

 

نغدو ونسري في إخاء تالـد

أو يختلف ماء الوصال فماؤنا

 

عذب تحدر من غمام واحد

أو يفترق نسب يؤلف بيننـا

 

أدب أقمناه مقـام الـوالـد

أخبرني محمد قال: حدثني هارون بن عبد الله المهلبي قال: كنا في حلقة دعبل، فجرى ذكر أبي تمام، فقال دعبل: كان يتتبع معاني فيأخذها. فقال له رجل في مجلسه: وأي شيء من ذلك، أعزك الله؟ قال: قولي:

وإن امرأ أسدى إلـي بـشـافـع

 

إليه ويرجو الشكر مني لأحمـق

شفيعك فاشكر في الحـوائج إنـه

 

يصونك عن مكروهها وهو يخلق

فقال الرجل: فكيف قال أبو تمام؟ فقال: قال:

فلقيت بين يديك حلو عطائه

 

ولقيت بين يدي مر لسؤاله

وإذا امرؤ أسدى إليك صنيعة

 

من جاهه فكأنها من مالـه

فقال له الرجل: أحسن والله. فقال: كذبت قبحك الله. فقال: والله لئن كان أخذه منك، لقد أجاد، فصار أولى به منك. وإن كنت أخذته منه فما بلغت مبلغه. فغضب دعبل وانصرف.

أخبرني الحسن بن علي قال: حدثني ابن مهرويه قال: حدثني عبد الله بن محمد بن جرير قال: سمعت محمد بن حازم الباهلي يقدم أبا تمام ويفضله، ويقول: لو لم يقل إلا مرثيته التي أولها:

أصم بك الناعي وإن كان أسمعا

وقوله:

لو يقدرون مشوا على وجناتهم

 

وجباههم فضلاً عن الأقـدام

لكفتاه.

أخبرني عمي قال: حدثني عبيد الله بن عبد الله بن طاهر قال: كان عمارة بن عقيل عندنا يوماً، فسمع مؤدباً كان لولد أخي يرويهم قصيدة أبي تمام:

الحق أبلج والسيوف عوار

فلما بلغ إلى قوله:

سود اللباس كأنما نسجت لـهـم

 

أيدي السموم مدارعا من قـار

بكروا وأسروا في متون ضوامر

 

قيدت لهم من مربط النـجـار

لا يبرحون ومن رآهم خالـهـم

 

أبداً على سفر من الأسـفـار

فقال عمارة: لله دره! ما يعتمد معنى إلا أصاب أحسنه، كأنه موقوف عليه.

أخبرني محمد بن يحيى الصولي قال: حدثني أبو ذكوان قال: قال لي إبراهيم بن العباس: ما اتكلت في مكاتبتي قط إلا على ما جاش به صدري، وجلبه خاطري، إلا أني قد استحسنت قول أبي تمام:

فإن باشر الإصحار فالبيض والقنا

 

قراه وأحواض المنايا مناهـلـه

وإن يبن حيطاناً عليه فـإنـمـا

 

أولئك عقالاته لا مـعـاقـلـه

وإلا فأعلمـه بـأنـك سـاخـط

 

عليه، فإن الخوف لا شك قاتلـه

فأخذت هذا المعنى في بعض رسائلي، فقلت: “فصار ما كان يحرزهم يبرزهم، وكان كان يعقلهم يعتقلهم “. قال: ثم قال لي إبراهيم: إن أبا تمام اخترم وما استمتع بخاطره، ولا نزح ركي فكره، حتى انقطع رشاء عمره.

أخبرني محمد قال: حدثني أبو الحسين بن السخي قال: حدثني الحسين بن عبد الله قال: سمعت عمي إبراهيم بن العباس يقول لأبي تمام، وقد أنشد شعراً له في المعتصم: يا أبا تمام، أمراء الكلام رعية لإحسانك.

أخبرني محمد قال: حدثني هارون بن عبد الله قال: قال لي محمد بن جابر الأزدي، وكان يتعصب لأبي تمام: أنشدت دعبل بن علي شعراً لأبي تمام ولم أعلمه أنه له، ثم قلت له: كيف تراه؟ قال: أحسن من عافية بعد يأس. فقلت: إنه لأبي تمام. فقال: لعله سرقه! أخبرني محمد قال: حدثني أحمد بن يزيد المهلبي عن أبيه قال: ما كان أحد من الشعراء يقدر على أن يأخذ درهماً بالشعر في حياة أبي تمام، فلما مات اقتسم الشعراء ما كان يأخذه.

أخبرني عمي والحسن بن علي ومحمد بن يحيى وجماعة من أصحابنا، وأظن أيضاً جحظة حدثنا به، قالوا: حدثنا عبيد الله بن عبد الله بن طاهر قال: لما قدم أبو تمام إلى خراسان اجتمع الشعراء إليه، وسألوه أن ينشدهم، فقال: قد وعدني الأمير أن أنشده غداً، وستسمعوني . فلما دخل على عبد الله أنشده:

هن عوادي يوسف وصواحبـه

 

فعزماً فقدماً أدرك السؤل طالبه

فلما بلغ إلى قوله:

وقلقل نأي من خراسان جـأشـهـا

 

فقلت اطمئني أنضر الروض عازبه

وركب كأطراف الأسنة عـرسـوا

 

على مثلها والليل تسطو غياهـبـه

لأمر علـيهـم أن تـتـم صـدوره

 

وليس عليهم أن تـتـم عـواقـبـه

فصاح الشعراء بالأمير أبي العباس: ما يستحق مثل هذا الشعر غير الأمير أعزه الله! وقال شاعر منهم يعرف بالرياحي: لي عند الأمير أعزه الله جائزة وعدني بها، وقد جعلتها لهذا الرجل جزاء عن قوله للأمير. فقال له: بل نضعفها لك، ونقوم له بما يجب له علينا. فلما فرغ من القصيدة نثر عليه ألف دينار، فلقطها الغلمان، ولم يمس منها شيئا، فوجل عليه عبد الله وقال: يترفع عن بري، ويتهاون بما أكرمته به. فلم يبلغ ما أراده منه بعد ذلك.

أخبرني أبو مسلم محمد بن بحر الكاتب وعمي، عن الحزنبل، عن سعيد بن جابر الكرخي، عن ابيه: أنه حضر أبا دلف القاسم بن عيسى وعنده أبو تمام الطائي، وقد أنشده قصيدته:

على مثلها من أربع ومـلاعـب

 

أذيلت مصونات الدموع السواكب

فلما بلغ إلى قوله:

إذا افتخرت يوماً تميم بـقـوسـهـا

 

وزادت على ما وطدت من مناقـب

فأنتم بذي قار أمالـت سـيوفـكـم

 

عروش الذين استرهنوا قوس حاجب

محاسن من مجد متى تقرنوا بـهـا

 

محاسن أقوام تكن كـالـمـعـايب

فقال أبو دلف: يا معشر ربيعة، ما مدحتم بمثل هذا الشعر قط، فما عندكم لقائله؟ فبادروه بمطارفهم يرمون بها إليه. فقال أبو دلف: قد قبلها وأعاركم لبسها، وسأنوب عنكم في ثوابه. تمّم القصيدة يا أبا تمام. فتممها، فأمر له بخمسين ألف درهم، وقال: والله ما هي بإزاء استحقاقك وقدرك. فاعذرنا، فشكره وقام ليقبل يده، فحلف ألا يفعل، ثم قال له: أنشدني قولك في محمد بن حميد:

وما مات حتى مات مضرب سـيفـه

 

من الضرب واعتلت عليه القنا السّمر

وقد كان فوت الموت سهـلاً فـرده

 

إليه الحفاظ المرّ والخلـق الـوعـر

فأثبت في مستنقع المـوت رجـلـه

 

وقال لها من تحت أخمصك الحشـر

غدا غدوةً والـحـمـد نـسـج ردائه

 

فلم ينصرف إلا وأكفـانـه الأجـر

كأن بني نـبـهـان يوم مـصـابـه

 

نجوم سماء خرمن بينـهـا الـبـدر

يعزون عن ثاو يعزى به الـعـلـى

 

ويبكى عليه البأس والجود والشعـر

فأنشده إياها، فقال: والله لوددت أنها في. فقال: بل أفدي الأمير بنفسي وأهلي، وأكون المقدم، فقال: إنه لم يمت من رثي بهذا الشعر، أو مثله.

أخبرني أبو الحسن الأسدي قال: حدثنا الحسن بن عليل العنزي قال: حدثني إسحاق بن يحيى الكاتب قال: قال الواثق لأحمد بن أبي دواد: بلغني أنك أعطيت أبا تمام الطائي في قصيدة مدحك بها ألف دينار. قال: لم أفعل ذلك يا أمير المؤمنين، ولكني أعطيته خمس مئة دينار رعاية للذي قاله للمعتصم:

فاشدد بهارون الخلافة إنه

 

سكن لوحشتها ودار قرار

ولقد علمت بأن ذلك معصم

 

ما كنت تتركه بغير سوار

فابتسم وقال: إنه لحقيق بذلك.

أخبرني علي بن سليمان قال: حدثنا محمد بن يزيد النحوي قال: خرج أبو تمام إلى خالد بن يزيد بن مزيد وهو بأرمينية، فامتدحه، فأعطاه عشرة آلاف درهم ونفقة لسفره، وقال: تكون العشرة الآلات موفورة، فإن أردت الشخوص فاعجل، وإن أردت المقام عندنا فلك الحباء والبر. قال: بل أشخص. فودعه؟ ومضت أيام، وركب خالد يتصيد، فرآه تحت شجرة، وبين يديه زكرة فيها شراب، وغلام يغنيه بالطنبور. فقال: أبو تمام؟ قال: خادمك وعبدك. قال: ما فعل المال؟ فقال:

علمني جودك السماح فـمـا

 

أبقيت شيئاً لدي من صلتـك

مامرشهرحتى سمحـت بـه

 

كأن لي قدرة كمـقـدرتـك

تنفق في اليوم بالهبات وفي ال

 

ساعة ما تجتنيه في سنـتـك

فلست أدري من أين تنفق لـو

 

لا أن ربي يمد في هبـتـك

فأمر له بعشرة أخرى، فأخذها وخرج.
أخبرني محمد بن يحيى الصولي قال: حدثنا عون بن محمد الكندي قال: حدثنا محمد بن سعد أبو عبد الله الرقي، وكان يكتب للحسن بن رجاء؟ قال: قدم أبو تمام مادحا للحسن بن رجاء، فرأيت منه رجلاً عقله وعلمه فوق شعره، فاستنشده الحسن ونحن على نبيذ قصيدته اللامية التي امتدحه بها، فلما انتهى إلى قوله:

أنا من عرفت فإن عرتك جهالةً

 

فأنا المقـيم قـيامة الـعـذال

عادت لـه أيامـه مـســودة

 

حتى تـوهـم أنـهـن لـيال

فقال الحسن: والله لا تسود عليك بعد اليوم. فلما قال:

لاتنكري عطل الكريم من الغنى

 

فالسيل حرب للمكان العـالـي

وتنظري حيث الركاب ينصهـا

 

محيى القريض إلى مميت المال

فقام الحسن بن رجاء على رجليه، وقال: والله لا أتممتها إلا وأنا قائم. فقام أبو تمام لقيامه، وقال:

لما بـلـغـنـا سـاحة الـحـسـن انـقـضـى

 

عنـا تـمـــلـــك دولة الإمـــحـــال

بسـط الـرجـاء لـنـا بـرغـــم نـــوائب

 

كثـرت بـهـن مـــصـــارع الآمـــال

أغـلـى عـذارى الـشـعـر إن مـهـورهــا

 

عنـد الـكـرام وإن رخـصـــن غـــوال

ترد الـظـنـون بـنـا عـلـى تـصـديقـهــا

 

ويحـكـــم الآمـــال فـــي الأمـــوال

أضـحـى سـمـي أبـيك فـيك مـصـدقـــا

 

بأجـــل فـــائدة وأيمـــن فــــــال

ورأيتـنـي فـسـألـت نـفـسـك سـيبـهــا

 

لي ثـم جـدت ومـا انـتـظـرت سـؤالــي

كالغيث ليس له أريد غمامهأولم يرد بد من التهطال

 

 

فتعانقا وجلسا. وقال له الحسن: ما أحسن ما جلوت هذه العروس! فقال: والله لو كانت من الحور العين لكان قيامك لها أوفى مهورها.

قال محمد بن سعد: وأقام شهرين، فأخذ على يدي عشرة آلاف درهم، وأخذ غير ذلك مما لم أعلم به؟ على بخل كان في الحسن بن رجاء.

أخبرني الصولي قال: حدثني عون بن محمد قال: شهدت دعبلاً عند الحسن بن رجاء وهو يضع من أبي تمام، فاعترضه عصابة الجرجرائي، فقال: يا أبا علي، اسمع مني ما قاله، فإن أنت رضيته فذاك؟ وإلا وافقتك على ما تذمه منه، وأعوذ بالله فيك من ألا ترضاه، ثم أنشده قوله:

أما إنه لولا الخلـيط الـمـودع

 

ومغنى عفا منه مصيف ومربع

فلما بلغ إلى قوله:

هو السيل إن واجهته انقدت طوعه

 

وتقتاده من جانـبـيه فـيتـبـع

ولم أر نفعاً عند من ليس ضـائراً

 

ولم أرضراً عند من ليس ينـفـع

معاد الورى بعد الممات وسـيبـه

 

معاد لنا قبل الممات ومـرجـع

فقال له دعبل: لم ندفع فضل هذا الرجل، ولكنكم ترفعونه فوق قدره، وتقدمونه علىمن يتقدمه، وتنسبون إليه ما قد سرقه. فقال له عصابة: إحسانه صيرك له عائباً، وعليه عاتباً.

أخبرني الصولي قال: حدثنا الحسن بن وداع كاتب الحسن بن رجاء قال: حضرت أبا الحسين محمد بن الهيثم بالجبل وأبو تمام ينشده:

أسقى ديارهم أجش هزيم

 

وغدت عليهم نضرة ونعيم

قال: فلما فرغ أمر له بألف دينار، وخلع عليه خلعة حسنة، وأقمنا عنده يومنا، فلما كان من غد كتب إليه أبو تمام:

قد كسانا من كسـوة الـصـيف

 

خرق مكتس من مكارم ومساع

حلةً ســـابــــرية ورداءً

 

كسحا القيض أورداء الشجـاع

كالسراب الرقراق في الحسن إلا

 

أنه ليس مثلـه فـي الـخـداع

قصبيا تسترجف الريح مـتـف

 

ه بأمر من الهبـوب مـطـاع

رجفانا كأنـه الـدهـرمـنـه

 

كبد الضب أوحشا الـمـرتـاع

لازما مايليه تـحـسـبـه جـز

 

ءاً من المتنـتـين والأضـلاع

يطرد اليوم ذا الهجير ولو شـب

 

ه فـي حـره بـيوم الــوداع

خلعةً من أغر أروع رحب الص

 

در رحب الفؤاد رحب الـذراع

سوف أكسوك مايعفي علـيهـا

 

من ثناء كالبرد برد الصـنـاع

حسن هاتيك في العـيون وهـذا

 

حسنه في القلوب والأسـمـاع

فقال محمد بن الهيثم: ومن لا يعطي على هذا ملكه؟ والله لا بقي في داري ثوب إلا دفعته إلى أبي تمام، فأمر لى بكل ثوب كان يملكه في ذلك الوقت.

أخبرنا محمد بن العباس اليزيدي قال: حدثني عمي الفضل قال: لما شخص أبو تمام إلى عبد الله بن طاهر وهو بخراسان، أقبل الشتاء وهو هناك، فاستثقل البلد، وقد كان عبد الله وجد عليه، وأبطأ بجائزته، لأنه نثر عليه ألف دينار فلم يمسسها بيده، ترفعاً عنها، فأغضبه وقال: يحتقر فعلي، ويترفع علي. فكان يبعث إليه بالشيء بعد الشيء كالقوت، فقال أبو تمام:

لم يبق للصـيف لارسـم ولاطـلـل

 

ولا قشيب فيستكسـى ولا سـمـل

عدل من الدمع أن يبكي المصيف كما

 

يبكى الشباب، ويبكي اللهو والغـزل

يمنى الزمان انقضى معروفها وغدت

 

يسراه وفي لنا من بـعـدهـا بـدل

فبلغت الأبيات أبا العميثل شاعر آل عبد الله بن طاهر، فأتى أبا تمام، واعتذر إليه لعبد الله بن طاهر، وعاتبه على ما عتب عليه من أجله، وتضمن له ما يحبه. ثم دخل إلى عبد الله، فقال: أيها الأمير، أتتهاون بمثل أبي تمام وتجفوه؟ فوالله لو لم يكن له ماله من النباهة في قدره، والإحسان في شعره، والشائع من ذكره، لكان الخوف من شره، والتوقي لذمه، يوجب على مثلك رعايته ومراقبته، فكيف وله بنزوعه إليك من الوطن، وفراقه السكن، وقد قصدك عاقداً بك أمله، معملاً إليك ركابه، متعباً فيك فكره وجسمه، وفي ذلك ما يلزمك قضاء حقه، حتى ينصرف راضياً، ولو لم يأت بفائدة، ولا سمع فيك منه ما سمع إلا قوله:

تقول في قومس صحبي وقد أخذت

 

منا الشرى وخطا المهرية القـود

أمطلع الشمس تبغي أن تؤم بنـا،

 

فقلت كلآ ولكن مطلع الـجـود

فقال له عبد الله: لقد نبهت فأحسنت، وشفعت فلطفت، وعاتبت فأوجعت، ولك ولأبي تمام العتبى، ادعه يا غلام. فدعاه، فنادمه يومه، وأمر له بألفي دينار، وما يحمله من الظهر، وخلع عليه خلعة تامة من ثيابه، وأمر ببذرقته إلى آخر عمله.
أخبرني جخظة قال: حدثني ميمون بن هارون قال: مر أبو تمام بمخنث يقول لآخر: جئتك أمس فاحتجبت عني، فقال له: السماء إذا احتجبت بالغيم رجي خيرها. فتبينت في وجه أبي تمام أنه قد أخذ المعنى، ليضمنه في شعره، فما لبثنا إلا أياماً حتى أنشدت قوله:

ليس الحجاب بمقص عنك لي أملاً

 

إن السماء ترجى حين تحتجـب

أخبرني أبو العباس أحمد بن وصيف، وأبو عبد الله أحمد بن الحسن بن محمد الأصبهاني ابن عمي، قال: حدثنا محمد بن موسى بن حماد قال: كنا عند دعبل أنا والقاسم ، في سنة خمس وثلاثين ومئتين، بعد قدومه من الشأم، فذكرنا أبا تمام، فثلبه، وقال: هو سروق للشاعر. ثم قال لغلامه: يا ثقيف، هات تلك المخلاة. فجاء بمخلاة فيها دفاتر، فجعل يمرها على يده، حتى أخرج منها دفتراً، فقال: اقرءوا هذا. فنظرنا فيه، فإذا فيه: قال مكنف أبو سلمى، من ولد زهير بن أبي سلمى، وكان هجا ذفافة العنسي بأبيات منها:

إن الضراط به تصاعد جدكـم

 

فتعاظموا ضرطاً بني القعقاع

قال ثم مات ذفافة بعد ذلك، فرثاه فقال:

أبعد أبي العباس يستعذب الدهـر

 

فما بعده للدهر حسن ولا عـذر

ألا أيها الناعي ذفـافة والـنـدى

 

تعست وشلت من أناملك العشـر

أتنعى لنا من قيس عيلان صخرة

 

تفلق عنها من جبال العدا الصخر

إذا ما أبوالعباس خلى مـكـانـه

 

فلا حملت أنثى ولانالها طـهـر

ولا أمطرت أرضاً سماء ولاجرت

 

نجوم ولا لذت لشاربها الخـمـر

كأن بني القعقاع يوم مـصـابـه

 

نجوم سماء خرمن بينها الـبـدر

توفـيت الآمـال يوم وفـاتــه

 

وأصبح في شغل عن السفرالسفر

ثم قال: سرق أبو تمام أكئر هذه القصيدة، فأدخلها في قصيدته:

كذا فليجل الخطب وليفدح الأمر

 

وليس لعين لم يفض ماؤها عذر

أخبرني الصولي قال: حدثني محمد بن موسى قال: كان أبو تمام يعشق غلاماً خزرياً للحسن بن وهب، وكان الحسن يتعشق غلاماً رومياً لأبي تمام، فرآه أبو تمام يوماً يعبث بغلامه، فقال له: والله لئن أعنقت إلى الروم، لنركضن إلى الخزر. فقال له الحسن: لو شئت حكمتنا واحتكمت. فقال أبو تمام: أنا أشبهك بداود عليه السلام، وأشبه نفسي بخصمه، فقال الحسن: لو كان هذا منظوماً خفناه، فأما وهو منثور فلا، لأنه عارض لا حقيقة له، فقال أبو تمام:

أبا علي لصرف الدهـر والـغـير

 

وللـحـوادث والأيام والـعـبـر

أذكرتني أمر داود وكنـت فـتـىً

 

مصرف القلب في الأهواء والفكر

أعندك الشمس لم يحظ المغيب بهـا

 

وأنت مضطرب الأحشاء للقـمـر

إن أنت لم تترك السيرالحثيث إلـى

 

جاذرالروم أعنقنا إلـى الـخـزر

إن القطوب له مني محـل هـوىً

 

يحل مني محل السمع والبـصـر

ورب أمنع منه جانـبـاً وحـمـى

 

أمسى وتكته مني علـى خـطـر

جردت فيه جنود العزم فانكشفـت

 

منه غيابتهـا عـن نـيكة هـدر

سبحان من سبحتـه كـل جـارحة

 

ما فيك من الأطمحان الأير والنظر

أنت المقيم فما تـغـدو رواحـلـه

 

وأيره أبداً منـه عـلـى سـفـر

أخبرني الصولي قال: حدثني عبد الله بن الحسين قال: حدثني وهب بن سعيد قال: جاء دعبل إلى الحسن بن وهب في حاجة بعد موت أبي تمام، فقال له رجل في المجلس: يا أبا علي، أنت الذي تطعن على من يقول:

شهدت لقد أقوت مغانيكم بعـدي

 

ومحت كما محت وشائع من برد

وأنجدتم من بعد إتـهـام داركـم

 

فما دمع أنجدني على ساكني نجد

فصاح دعبل: أحسن والله وجعل يردد “فيا دمع أنجدني على ساكني نجد” ثم قال: رحمه الله، لو كان ترك لي شيئاً من شعره لقلت إنه أشعر الناس.

أخبرني علي بن سليمان ومحمد بن يحمى قالا: حدثنا محمد بن يزيد قال: مات لعبد الله بن طاهر ابنان صغيران في يوم واحد، فدخل عليه أبو تمام فأنشده:

ما زالت الأيام تخـبـر سـائلا

 

أن سوف تفجع مسهلا أوعاقلا

مجد تأوب طارقـاً حـتـى إذا

 

قلنا أقام الدهرأصبـح راحـلا

نجمان شاء اللـه ألايطـلـعـا

 

إلا أرتداد الطرف حتى يأفـلا

إن الفجيعة بالرياض نواضـراً

 

لأجل منها بالـرياض ذوابـلا

لو ينسبان لكان هـذا غـاربـا

 

للمكرمات وكان هذا كاهـلا

لهفي على تلك المخايل منهمـا

 

لوأمهلت حى تكون شـمـائلا

لغدا سكونهما حجىً وصباهمـا

 

حلماً وتلـك الأريحـية نـائلا

إن الـهـلال إذارأيت نـمـوه

 

أيقنت أن سيكون بدراً كامـلا

شعر لأبي الشيص فيه غناه:

بالله قل ياطـلـل

 

أهلك ماذا فعلـوا

فإن قلبـي حـذر

 

من أن يبينوا وجل

عروضه من الرجز. الشعر لأبي الشيص. والغناء لأحمد بن يحيى المكي. خفيف ثقيل بالوسطى من نسخة عمرو بن بانة الثانية. ومن رواية الهشامي.