أخبار أبي الهندي ونسبه

أخبار أبي الهندي ونسبه

اسمه ونسبه وشعره: اسمه غالب بن عبد القدوس، بن شبث بن ربعي. وكان شاعراً مطبوعاً، وقد أدرك الدولتين: دولة بني أمية، وأول دولة ولد العباس. وكان جزل الشعر، حسن الألفاظ، لطيف المعاني. وإنما أخمله وأمات ذكره بعده من بلاد العرب، ومقامه بسجستان وبخراسان، وشغفه بالشراب ومعاقرته إياه، وفسقه وما كان يتهم به من فساد الدين.

هو أول من وصف الخمر من شعراء الإسلام: واستفرغ شعره بصفة الخمر، وهو أول من وصفها من شعراء الإسلام، فجعل وصفها وكده وقصده، ومن مشهور قوله فيها ومختاره:

سقيت أبا المطرح إذ أتانـي

 

وذو الرعثات منتصبٌ يصيح

شرابا يهرب الذبـان مـنـه

 

ويلثغ حين يشربه الفصـيح

أبو نواس يأخذ من معانيه في الخمر: أخبرني علي بن سليمان الأخفش، قال: حدثني فضل اليزيدي أنه سمع إسحاق الموصلي يوماً يقول، وأنشد شعراً لأبي الهندي في صفة الخمر، فاستحسنه وقرظه، فذكر عنده أبو نواس، فقال: ومن أين أخذ أبو نواس معانيه إلا من هذه الطبقة؟ وأنا أوجدكم سلخه هذه المعاني كلها في شعره، فجعل ينشد بيتاً من شعر أبي الهندي، ثم يستخرج المعنى والموضع الذي سرقه الحسن فيه حين أتى على الأبيات كلها واستخرجها من شعره.

شعر مأخوذ من شعره: أخبرني الحسن بن علي؛ قال: حدثني محمد بن القاسم بن مهرويه قال: حدثني عبد الله بن أبي سعد. قال: حدثني شيخ من أهل البصرة، قال: كنا عند أبي عبيدة، فأنشد منشد شعراً في صفة الخمر -أنسيه الشيخ- فضحك ثم قال: هذا أخذه من قول أبي الهندي:

سيغني أبا الهندي عن وطب سالم

 

أباريق لم يعلق بها وضر الزبـد

مفـدمةٌ قـز كـأن رقـابـهـا

 

رقاب بنات الماء تفزع للـرعـد

جلتها الجوالي حين طاب مزاجها

 

وطيبتها بالمسك والعنبر والـورد

تمج سلافا في الأباريق خالـصـاً

 

وفي كل كأس من مهاً حسن القد

تضمـنـهـا زق أزب كـأنـه

 

صريعٌ من السودان ذو شعر جعد

نسخت من كتاب ابن النطاح.

ثلاثة أيام يسكر فيها كلما أفاق: حدثني بعض أصحابنا: أن أبا الهندي اشتهى الصبوح في الحانة ذات يوم، فأتى خماراً بسجستان في محلة يقال لها: كوه زيان -وتفسيره: جبل الخسران- يباع فيها الخمر والفاحشة، ويأوي إليها كل خارب وزانٍ ومغنية ، فدخل إلى الخمار فقال له: اسقني، وأعطاه ديناراً، فكال له، وجعل يشرب حتى سكر، وجاء قوم يسألون عنه فصادفوه على تلك الحال. فقالوا للخمار: ألحقنا به؛ فسقاهم حتى سكروا، فانتبه فسأل عنهم، فعرفه الخمار خبرهم، فقال له: هذا الآن وقت السكر، الآن طاب، ألحقني بهم، فجعل يشرب حتى سكر، وانتبهوا فقالوا للخمار: ويحك! هذا نائم بعد! فقال: لا، ولقد انتبه، فلما عرف خبركم شرب حتى سكر، فقالوا: ألحقنا به فسقاهم حتى سكروا، وانتبه فسأل عن خبرهم، فعرفه فقال: والله لألحقن بهم، فشرب حتى سكر، ولم يزل ذلك دأبه ودأبهم ثلاثة أيام لم يلتقوا وهم في موضع واحد، ثم تركوا الشرب عمداً حتى أفاق، فلقوه.

وهذا الخبر بعينه يحكي لواليه بن الحباب مع أبي نواس، وقد ذكر في أخبار والبة، والصحيح أنه لأبي الهندي، وفي ذلك يقول:

ندامى بعد ثالـثةٍ تـلاقـوا

 

يضمهم بـكـوه زيان راح

وقد باكرتها فتركت منـهـا

 

قتيلاً ما أصابتنـي جـراح

وقالوا أيها الخمار مـن ذا؟

 

فقال أخ تخونه اصطبـاح

فقالوا هات راحك ألحقـنـا

 

به وتعللوا ثم استـراحـوا

فما إن لبثتهم أن رمـتـهـم

 

بحد سلاحها ولهـا سـلاح

وحان تنبهي فسألت عنـهـم

 

فقال أتاحهم قـدر مـتـاح

رأوك مجدلاً فاستخبرونـي

 

فحركهم إلى الشرب ارتياح

فقلت بهم فألحقني فهـبـوا

 

فقالوا هل تنبه حين راحوا؟

فقال نعم فقالوا ألحـقـنـا

 

به قد لاح للرائي صبـاح

فما إن زال الـدأب مـنـا

 

ثلاثاً يستغب ويسـتـبـاح

نبيت معاً وليس لنا لـقـاءٌ

 

ببيت ما لنـا فـيه بـراح

يموت مختنقاً: أخبرني عمي الحسن بن أحمد، قال: حدثني الحسن بن عليل العنزي، قال: قال صدقة بن إبراهيم البكري: كان أبو الهندي يشرب معنا بمرو، وكان إذا سكر يتقلب تقلباً قبيحاً في نومه، فكنا كثيراً ما نشد رجله لئلا يسقط من السطح، فسكر ليلة وشددنا رجله بحبل، وطولنا فيه ليقدر على القيام إلى البول وغير ذلك من حوائجه، فتقلب وسقط من السطح، وأمسكه الحبل فبقي منكساً وتخنق بما في جوفه من الشراب، فأصبحنا فوجدناه ميتاً. قال صدقة: فمررت بقبره بعد ذلك فوجدت عليه مكتوباً:

اجعلوا إن مت يوماً كـفـنـي

 

ورق الكرم وقبري معصـره

إنني أرجو مـن الـلـه غـداً

 

بعد شرب الراح حسن المغفره

قال: فكان الفتيان بعد ذلك يجيئون إلى قبره، ويشربون ويصبون القدح إذا انتهى إليه على قبره.
قال حماد بن إسحاق عن أبيه في وفاة أبي الهندي: إنه خرج وهو سكران في ليلة باردة من حانة خمار وهو ريان، فأصابه ثلج فقتله، فوجد من غد ميتاً على الطريق.

شعره وقد كف عن الشراب مدة: وروى حماد بن إسحاق عن أبيه، قال: حج نصير بن سيار وأخرج معه أبا الهندي، فلما حضرت أيام الموسم قال له: يا أبا الهندي، إنا بحيث ترى، وفد الله وزوار بيته، فهب لي النبيذ في هذه الأيام واحتكم علي، فلولا ما ترى، ما منعتك، فضمن له ذلك وغلظ عليه الاحتكام، ووكل به نصر بن سيار، فلما انقضى الأجل مضى في السحر قبل أن يلقي نصراً، فجلس في أكمة يشرف منها على فضاء واسع، فجلس عليها ووضع بين يديه إداوة، وأقبل يشرب ويبكي، ويقول:

أديرا علي الكأس إني فقدتهـا

 

كما فقد المفطوم در المراضع

حليف مدام فارق الراح روحه

 

فظل عليها مستهل المدامـع

قال: وعاتب قوم أبا الهندي على فسقه ومعاقرته الشراب، فقال:

إذا صليت خمساً كـل يوم

 

فإن الله يغفر لي فسوقي

ولم أشرك برب الناس شيئاً

 

فقد أمسكت بالدين الوثيق

وجاهدت العدو ونلت مالاً

 

يبلغني إلى البيت العتـيق

فهذا الدين ليس به خفـاء

 

دعوني من بنيات الطريق

شعره وقد امتنع من أجر فسقه: قال إسحاق: وشرب يوماً أبو الهندي بكوه زيان عند خمارة هناك، وكان عندها نسوةٌ عواهر، ففجر بهن ولم يعطهن شيئاً، فجعلن يطالبنه بجعل فلم ينفعهن، فقال في ذلك:

آلي يميناً أبو الهنـدي كـاذبةً

 

ليعطين زواني لست ماشينـا

وغرهن فلما أن قضى وطراً

 

قال ارتحلن فأخزى الله ذادينا

يخطب امرأة فيرد أهلها خطبته: أخبرني عمي عن هبيد بن عبد الله بن طاهر، عن أبي محلم، قال: خطب أبو الهندي غالب بن عبد القدوس بن شبث بن ربعي إلى رجل من بني تميم، فقال: لو كنت مثل أبيك لزوجتك، فقال له غالب: لكنك لو كنت مثل أبيك ما خطبت إليك.

أمثلة من سرعة جوابه: قال أبو محلم: ومر نصر بن سيار بأبي الهندي، وهو سكران يتمايل، فوقف عليه فعذله وسبه، وقال: ضيعت شرفك، وفضحت أسلافك. فلما طال عتابه التفت إليه فقال: لولا أني ضيعت شرفي لم تكن أنت على خراسان، فانصرف نصر خجلاً.

قال أبو محلم: وكان بسجستان رجل يقال له: برزين ناسكا، وكان أبوه صلب في خرابة فجلس إليه أبو الهندي -فطفق ويعرض له بالشراب. فقال له أبو الهندي: أحدكم يرى القذاة في عين أخيه، ولا يرى الخشبة في أست أبيه! فأخجله.
قال أبو محلم: وكان أسرع الناس جواباً.

صوت

لقد قلت حين قـر

 

بت العيس يا نوار

قفوا فاربعوا قليلاً

 

فلم يربعوا وساروا

فنفسي لها حنـين

 

وقلبي له انكسـار

وصدري به غلـيل

 

ودمعي له انحدار

الشعر لسعيد بن وهب، والغناء لسليم رمل بالوسطى عن الهشامي، ومن جامع سليم ونسخة عمرو الثانية.