أخبار أبي العيال ونسبه

أخبار أبي العيال ونسبه

أبو العيال بن أبي عنترة ، وقال أبو عمرو الشيباني: ابن أبي عنبر بالباء ولم أجد له نسباً يتجاوز هذا في شيء من الروايات، وهو أحد بني خناعة بن سعد بن هذيل، وهذا أكثر ما وجدته من نسبه، شاعر فصيح مقدم، من شعراء هذيل، مخضرم، أدرك الجاهلية والإسلام، ثم أسلم فيمن أسلم من هذيل، وعمر إلى خلافة معاوية.

وهذه القصيدة يرثى بها ابن عمه عبد بن زهرة، ويقال: إنه كان أخاه لأمه أيضاً.

أخبرني محمد بن العباس اليريدي فيما قرأته عليه من شعر هذيل، عن الرياشي، عن الأصمعي، ونسخت أيضاً خبره الذي أذكره من نسخة أبي عمرو الشيباني قالا: كان عبد بن زهرة غز الروم في أيام معاوية.

وقال أبو عمرو خاصه: مع يزيد بن معاوية في غزاته التي أغراه أبوه إياها، فأصيب في تلك الغزاة جماعة من المسلمين من رؤسائهم وحماتهم، وكانت شوكة الروم شديدة، قتل فيها عبد العزيز بن زرارة الكلابي، وعبد بن زهرة الهذلي وخلق من المسلمين، ثم فتح الله عليهم، وكان أبو العيال حاضراً تلك الغزاة فكتب إلى معاوية قصيدة قرأها وقرئت على الناس، فبكى الناس وبكى معاوية بكاءً شديداً جزعاً لما كتب به.
والقصيدة:

من أبي العيال أخي هذيل فاعلموا

 

قولي ولا تتجمجموا ما أرسـل

أبلغ معـاوية بـن صـخـر آيةً

 

يهوي إليه بها البريد الأعـجـل

والمرء عمراً فأته بـصـحـيفة

 

مني يلوح بها كتاب مـنـمـل

لا تتجمجموا: لا تكتموا. والمنمل: كأن سطوره آثار نمل.

وإلى ابن سعد أن أؤخره فقـد

 

أزرى بنا في قسمه إذ يعدل

وإلى أولي الأحلام حيث لقيتهم

 

أهل البقية والكتاب المنـزل

في ديوان الرجل: حيث البقية والكتاب المنزل.

أنا لقينا بـعـدكـم بـديارنـا

 

من جانب الأمراج يوماً يسأل

أمراً تضيق به الصدور ودونه

 

مهج النفوس وليس عنه معدل

في كل معترك ترى منا فتـىً

 

يهوى كعزلاء المزادة تزعل

تزعل: تدفع دفعاً.

أو سيداً كهلاً يمور دمـاغـه

 

أو جانحاً في رأس رمح يسعل

يسعل: يشرق بالدم.

وترى النبال تعير في أقطارنا

 

شمساً كأن نصالهن السنبـل

وترى الرماح كأنما هي بيننا

 

أشطان بئر يوغلون ونوغـل

حتى إذا رجب تولى فانقضى

 

وجماديان وجاء شهر مقبـل

شعبان قدرنا لوقت رحيلهـم

 

تسعاً يعد لها الوفاء وتكمـل

وتجردت حرب يكون حلابها

 

علقاً ويمريها الغوي المبطل

فاستقبلوا طرف الصعيد إقامة

 

طوراً وطوراً رحلةً فتحملوا

قال الأصمعي وأبو عمرو: وكان أبو العيال وبدر بن عامر، وهما جميعاً من بني خناعة بن سعد بن هذيل يسكنان مصر، وكانا خرجا إليها في خلافة عمر بن الخطاب رضوان الله عليه، وأبو العيال معه ابن أخ له، فبينا ابن أخي أبي العيال قائم عند قوم ينتضلون إذ أصابه سهم فقتله، فكان فيه بعض الهيج، فخاصم في ذلك أبو العيال، واتهم بدر بن عامر، وخشي أن يكون ضلعه مع خصمائه، فاجتمعا في ذلك في مجلس فتناثا فقال بدر بن عامر:

بخلت فطيمة بـالـي تـولـين

 

إلا الكلام وقل مـا يجـدينـي

ولقد تناهى القلب حين نهـيتـه

 

عنها وقد يغوي إذا يعصـينـي

أفطيم هل تدرين كم من متلـف

 

جاوزت لا مرعى ولا مسكون؟

يقول فيها:

وأبو العيال أخي ومن يعرض له

 

منكم بسوء يؤذنـي ويسـونـي

إني وجدت أبا العيال ورهطه

 

كالحصن شد بجندل موضون

أعيا الغرانيق الدواهي دونـه

 

فتركنه أبر بالـتـحـصـين

أسد تفر الأسد من وثـبـاتـه

 

بعوارض الرجاز أو بعـيون

ولصوته زجل إذا آنـسـتـه

 

جر الرحى بشعيره المطحون

وإذا عددت ذوي الثقات وجدته

 

ممن يصول به إلي يمـينـي

فأجابه أبو العيال فقال:

إن البلاء لدى المقاوس معرض

 

ما كان من غيب ورجم ظنون

في ” الديوان “: لدى المقاوس مخرج: والمقوس الحبل الذي يمد به على صدور الخيل أي فما كان عنده من خير أو شر فسيخرج عند الرهان والعدو .

وإذا الجواد وني وأخلف منسراً

 

ضمراً فلا توقن لـه بـيقـين

ولو كان عندك ما تقول جعلتني

 

كنزاً لريب الدهر غير ضنين

ولقد رمقتك في المجالس كلها

 

فإذا وأنت تعين من يبغـينـي

هلا درأت الخصم حين رأيتهم

 

جنفاً علي بألـسـن وعـيون

وزجرت عني كل أشوس كاشح

 

ترع المقالة شامخ العـرنـين

فأجابه بدر بن عامر فقال:

أقسمت لا أنسى منيحة واحد

 

حتى تخيط بالبياض قروني

حتى أصير بمسكن أنوي به

 

لقرار ملحدة العداء شطون

ومنحتني جداء حين منحتني

 

شحصاً بمالئة الحلاب لبون

الشحص: ما ليس فيه لبن من المال

وحبوتك النصح الذي لا يشترى

 

بالمال فانظر بعد ما تحبونـي

وتأمل السبت الذي أحـذوكـه

 

فانظر بمثل إمامه فاحذونـي

فأجابه أبو العيال:

أقسمت لا أنسى شباب قصيدة

 

أبداً فما هذا الذي ينـسـينـي

ولسوف تنساها وتعلـم أنـهـا

 

تبع لآبية العـصـاب زبـون

ومنحتني فرضيت رأي منيحتي

 

فإذا بها والله طيف جـنـون

جهراء لا تألو إذا هي أظهرت

 

بصراً ولا من حاجة تغنينـي

قرب حذاءك قاحلاً أو لـينـاً

 

فتمن في التخصير والتلسـين

وارجع منيحتك التي أتبعتـهـا

 

هوعاً وحد مذلق مـسـنـون

ولهما في هذا المعنى نقائض طوال بطول ذكرها، وليست لها طلاوة إلا ما يستفاد في شعر أمثالهما من الفصاحة، وإنما ذكرت ما ذكرت ها هنا منها لأني لم أجد لهذا الشاعر خبراً غير ما ذكرته.

ألم تسأل بـعـارمة الـديارا

 

عن الحي المفارق أين سارا؟

بلى ساءلتها فأبـت جـوابـاً

 

وكيف سؤالك الدمن القفارا؟

الشعر للراعي، والغناء لإسحاق خفيف ثقيل أول بالبنصر عن عمرو بن جامع وإسحاق .