أخبار أبي الطمحان القيني

الجزء الثالث عشر

بسم الله الرحمن الرحيم

أخبار أبي الطمحان القيني

اسمه ونسبه

أبو الطمحان اسمه حنظلة بن الشرقي ، أحد بني القين بن جسر بن شيع الله من قضاعة، وقد تقدم هذا النسب في عدة مواضع من الكتاب في أنساب شعرائهم.

إدراكه الجاهلية والإسلام واتصاله بالزبير بن عبد المطلب

وكان أبو الطمحان شاعراً فارساً خارباً صعلوكاً. وهو من المخضرمين، أدرك الجاهلية والإسلام، فكان خبيث الدين فيهما كما يذكر. وكان ترباً للزبير بن عبد المطلب في الجاهلية ونديماً له. أخبرنا بذلك أبو الحسن الأسدي عن الرياشي عن أبي عبيدة.
ومما يدل على أنه قد أدرك الجاهلية ما ذكره ابن الكلبي عن أبيه قال : خرج قيسبة بن كلثوم السكوني، وكان ملكاً، يريد الحج – وكانت العرب تحج في الجاهلية فلا يعر ، بعضها لبعض – فمر ببني عامر بن عقيل، فوثبوا عليه فأسروه وأخذوا ماله وما كان معه، وألقوه في القد ، فمكث فيه ثلاث سنين، وشاع باليمن أن الجن استطارته. فبينا هو في يوم شديد البرد في بيت عجوزٍ منهم إذ قال لها :أتأذنين لي أن آتي الأكمة فأتشرق عليها فقد أضر بي القر؟! فقالت له نعم. كانت عليه جبة له حبرةٌ لم يترك عليه غيرها، فتمشى في أغلاله وقيوده حتى صعد الأكمة، ثم أقبل يضرب ببصره نحو اليمين، وتغشاه عبرةٌ فبكى، ثم رفع طرفه إلى السماء وقال: اللهم ساكن السماء فرج لي مما أصبحت فيه. فبينا هو كذلك إذ عرض له راكب يسير، فأشار إليه أن أقبل، فأقبل الراكب، فلما وقف عليه قال له: ما حاجتك يا هذا؟ قال: أين تريد؟ قال: أريد اليمن. قال: ومن أنت؟ قال أنا أبو الطمحان القيني، فاستعبر باكياً. فقال له أبو الطمحان: من أنت ؟ فإني أرى عليك سيما الخير ولباس الملوك، وأنت بدارٍ ليس فيها ملك. قال: أنا قيسبة بن كلثوم السكوني، خرجت عام كذا و كذا أريد الحج، فوثب عليَ هذا الحي فصنعوا بي ما ترى، وكشف عن أغلال و قيوده، فاستعبر أبو الطمحان، فقال له قيسبة: هل لك في مائة ناقة حمراء؟ قال: ما أحوجني إلى ذلك! قال: فأنخ، فأناخ. ثم قال له: أمعك سكين؟ قال نعم. قال: ارفع لي عن رحلك، فرفع له عن رحله حتى بدت خشبة مؤخره ، فكتب عليها قيسبة بالمسند ، وليس يكتب به غير أهل اليمن:

بلغا كندة الملـوك جـمـيعـاً

 

حيث سارت بالأكرمين الجمال

أن ردوا العين بالخميس عجالاً

 

واصدروا عنه والروايا ثقـال

هزئت جارتي وقالت عجـيبـاً

 

إذ رأتني في جيدي الأغـلال

إن تريني عاري العظام أسيراً

 

قد براني تضعضعٌ واختـلال

فلقد أقدم الكتـيبة بـالـسـي

 

ف علي السلاح والسـربـال

وكتب تحت الشعر إلى أخيه أن يدفع إلى أبي طمحان مائة ناقةٍ. ثم قال له :أقرىء هذا قومي، فإنهم سيعطونك مائة ناقةٍ حمراء. فخرج تسير به ناقته، حتى أتى حضرموت، فتشاغل بما ورد له ونسي أمر قيسبة حتى فرغ من حوائجه. ثم سمع نسوة من عجائز اليمن يتذاكرن قيسبة ويبكين، فذكر أمره، فأتى أخاه الجون بن كلثوم، وهو أخوه لأبيه وأمه، فقال له: يا هذا، إني أدلك على قيسبة وقد جعل لي مائة من الإبل. قال له: فهي لك. فكشف عن الرحل، فلما قرأه الجون أمر له بمائة ناقةٍ، ثم أتى قيس بن معد يكرب الكندي أبا الأشعث بن قيس، فقال له: يا هذا، إن أخي في بني عقيل أسير، فسر معي بقومك، فقال له: أتسير تحت لوائي حتى أطلب ثأرك وأنجدك، وإلا فامض راشداً. فقال له الجون: مسّ السماء أيسر من ذلك وأهون علي مما خيرته. وضجت السكون ثم فاءوا ورجعوا وقالوا له: وما عليك من هذا! هو ابن عمك ويطلب ذلك بثأرك! فأنعم له بذلك .

اجتماع السكون وكندة لإنقاذ قيسبة

وسار قيس وسار الجون معه تحت لوائه، وكندة والسكون معه، فهو أول يوم اجتمعت فيه السكون وكندة لقيس، وبه أدرك الشرف. فسار حتى أوقع بعامر بن عقيل فقتل منهم مقتلة عظيمة واسنتقذ قيسبة. وقال في ذلك سلامة بن صبيح الكندي:

لا تشتمونا إذ جلبنـا لـكـم

 

ألفي كميتٍ كلها سلـهـبة

نحن أبلنا الخيل في أرضكم

 

حتى ثأرنا منكم قـيسـبة

واعترضت من دونهم مذحجٌ

 

فصادفوا من خيلنا مشغـبة

اعتراف أبي الطمحان بأدنى ذنوبه

حدثنا إبراهيم بن محمد بن أيوب قال حدثنا عبد الله بن مسلم قال: بلغني أن أبا الطمحان القيني قيل له، وكان فاسقاً خارباً، ما أدنى ذنوبك؟ قال: ليلة الدير. قيل له: وما ليلة الدير؟ قال: نزلت بديرانية فأكلت عندها طفيشلاً بلحم خنزير، وشربت من خمرها، وزنيت بها، وسرقت كساءها ، ثم انصرفت عنها.

التجاؤه إلى بني فزارة من جناية جناها وإقامته عندهم حتى هلك

أخبرني عمي قال حدثني محمد بن عبد الله الحزنبل عن عمرو بن أبي عمرو الشيباني عن أبيه قال: جنى أبو الطمحان القيني جنايةً وطلبه السلطان، فهرب من بلاده ولجأ إلى بني فزارة فنزل على رجل منهم يقال له: مالك بن سعد أحد بني شمخ؛ فآواه وأجاره وضرب عليه بيتاً وخلطه بنفسه. فأقام مدة، ثم تشوق يوماً إلى أهله وقد شرب ثمل منه، فقال لمالك: لولا أن يدي تقصر عن دية جنايتي لعدت إلى أهلي. فقال له: هذه إبلي فخذ دية جنايتك وأردد ما شئت. فلما أصبح ندم على ما قاله وكره مفارقة موضعه ولم يأمن على نفسه، فأتى مالكا فأنشده:

سأمدح مالكاً في كل ركـبٍ

 

لقيتهـم وأتـرك كـل رذل

فما أنا والبكارة أو مخـاضٌ

 

عظامٌ جلة سـدسٌ وبـزل

وقد عرفت كلابكم ثـيابـي

 

كأني منكم ونسيت أهـلـي

نمت بك من بني شمخٍ زنـادٌ

 

لها ما شئت من فرعٍ وأصل

قال فقال مالك: مرحباً! فإنك حبيب ازداد حباً، إنما اشتقت إلى أهلك وذكرت أنه يحبسك عنهم ما تطالب به من عقلٍ أو ديةٍ، فبذلت لك ما بذلت، وهو لك على كل حال، فأقم في الرحب والسعة. فلم يزل مقيماً عندهم حتى هلك في دارهم.
قال أبو عمرو في هذه الرواية: وأخبرني أيضاً بمثله محمد بن جعفر النحوي صهر المبرد، قال حدثنا ثعلب عن ابن الأعرابي قال :

شعره في الاعتذار لامرأته من ركوبه الأهوال

عاتبت أبا الطمحان القيني امرأته في غاراته ومخاطرته بنفسه، وكان لصاً خارباً خبيثاً، وأكثرت لومه على ركوب الأهوال ومخاطرته بنفسه في مذاهبه، فقال لها:

لو كنت في ريمان تحرس بابه

 

أراجيل أحبوشٍ وأغضف آلف

إذاً لأتتني حيث كنت منـيتـي

 

يخب بها هادٍ بأمـري قـائف

فمن رهبةٍ آتي المتالف سادراً

 

وأية أرض ليس فيها متالـف

شعره في بجير بن أوس الطائي وإطلاقه من الأسر

فأما البيت الذي ذكرت من شعره أن فيه لعريب صنعة وهو:

أضاءت لهم أحسابهم ووجوههم

فإنه من قصيدة له مدح بها بجير بن أوس بن حارثة بن لأمٍ الطائي، وكان أسيراً في يده. فلما مدحه بهذه القصيدة أطلقه وجزّ ناصيته، فمدحه بعد هذا بعدة قصائد. وأول هذه الأبيات:

إذا أقبل أي الناس خـيرُ قـبـيلةً

 

وأصبر يوماً لا توارى كواكـبـه

فإن بني لأم بن عـمـروٍ أرومةٌ

 

علت فوق صعبٍ لا تنال مراقبه

أضاءت لهم أحسابهم ووجوههـم

 

دجى الليل حتى نظم الجزع ثاقبه

لهم مجلس لا يحصرون عن الندى

 

إذا مطلب المعروف أجدب راكبه

وأما خبر أسره والرقعة التي أسر فيها فإن علي بن سليمان الأخفش أخبرني بها عن أحمد بن يحيى ثعلب عن ابن الأعرابي قال:

حرب جديلة والغوث الطائيين

كان أبو الطمحان القيني مجاوراً في جديلة من ظيىء، وكانت قد اقتتلت بينها وتحاربت الحرب التي يقال لها “حرب الفساد” وتحزبت حزبين: حزب جديلة وحزب الغوث، وكانت هذه الحرب بينهم أربعة أيام، ثلاثة منها للغوث ويومٌ لجديلة. فأما اليوم الذي كان لجدلة فهو “يوم ناصفة”. وأما الثلاثة الأيام التي كانت للغوث فإنها “يوم قارات حوق” ويوم البيضة “ويوم عرنان” وهو آخرها وأشدها وكان للغوث، فانهزمت جديلة هزيمة “قبيحة”، وهربت فلحقت بكلب وحالفتهم وأقامت فيهم عشرين سنة.
شعره لما أسر في هذه الحرب وأسر أبو الطمحان في هذه الحرب: أسره رجلان من طيىء واشتركا فيه، فاشتراه منهما بجير بن أوس بن حارثة لما بلغه قوله:

أرقت وآبتني الهموم الطوارق

 

ولن يلق ما لاقيا قبلي عاشق

إليكم بني لأمٍ تخب هجـائهـا

 

بكل طريق صادفته شبـارق

لكم نائل غمر وأحـلام سـادةٍ

 

وألسنةٌ يوم الخطاب مسالـق

ولم يدع داعٍ مثلكم لعـظـيمةٍ

 

إذا وزمت بالساعدين السوارق

السوارق: الجوامع واحدتها سارقة.

قال فابتاعه بجير من الطائيين بحكمهما، فجز ناصيته وأعتقه.

جواره في بني جديلة وقتل تيس له غلاماً منهم وشعره في ذلك أخبري الحسن بن علي قال: حدثنا أبو أيوب المدني قال حدثني مصعب بن عبد الله الزبيري قال: كان أبو الطمحان القيني مجاوراً لبطن من طيء يقال لهم بنو جديلة، فنطح تيس له غلاماً منهم فقتله، فتعلقوا أبا الطمحان وأسروه حتى أدى ديته مائةً من الإبل . وجاءهم نزيله، وكان يدعى هشاماً، ليدفع عنه فلم يقبلوا قوله، فقال له أبو الطمحان:

أتاني هشامٌ يدفع الضيم جاهداً

 

يقول ألا ماذا ترى وتقـول

فقلت له قم يا لك الخير أدها

 

مذللةُ إن الـعـزيز ذلـيل

فإن يك دون القين أغبر شامخٌ

 

فليس إلى اليقين الغداة سبيل

انتعاش المأمون ببتين له

أخبري عمي قال: حدثنا عبد الله بن أبي سعد قال: حدثني محمد بن عبد الله بن مالك، عن إسحاق قال: دخلت يوماً على المأمون فوجدته حائراً متفكراً غير نشيط، فأخذت أحدثه بملح الأحاديث وطرفها، أستميله لأن يضحك أو ينشط، فلم يفعل. وخطر ببالي بيتان فأنشدته إياهما، وهما:

ألا عللاني قبل نوح الـنـوائح

 

وقبل نشوز النفس بين الجوانح

وقبل غدٍ، يا لهف نفسي على غدٍ

 

إذا راح أصحابي ولست برائح

فتنبه كالمتفزع ثم قال: من يقول هذا ويحك؟ قلت: أبو الطمحان القيني يا أمير المؤمنين. قال: صدق والله، أعدهما علي. فأعدتهما عليه حتى حفظهما. ثم دعا بالطعام فأكل، ودعا بالشراب فشرب. وأمر لي بعشرين ألف درهم.

استشهاد خالد بن يزيد ببيتين له في ريبة اعتذر عنها الحسن لعبد الملك

أخبرني حبيب بن نصر المهلبي قال: حدثني أحمد بن الحارث الخراز قال: حدثني المدائني قال: عاتب عبد الملك بن مروان الحسن بن الحسن عليهما السلام على شيء بلغه عنه من دعاء أهل العراق إياه إلى الخروج معهم على عبد الملك، فجعل يعتذر إليه ويحلف له. فقال له خالد بن يزيد بن معاوية: يا أمير المؤمنين، ألا تقبل عذر ابن عمك وتزيل عن قلبك ما قد أشربته إياه؟ أما سمعت قول أبي الطمحان القيني:

إذا كان في صدر ابن عمك إحـنةٌ

 

فلا تستثرها سوف يبدو دفـينـهـا

وإن حمأة المعروف أعطاك صفوها

 

فخذ عفوه لا يلتبس بك طـينـهـا

خبره مع الزبير بن عبد المطلب

قال المدائني: ونزل أبو الطمحان على الزبير بن عبد المطلب بن هاشم، وكانت العرب تنزل عليه، فطال مقامه لديه، واستأذنه في الرجوع إلى أهله وشكا إليه شوقاً إليهم، فلم يأذن له. وسأله المقام، فأقام عنده مدة، ثم أتاه فقال له:

ألا حنت المرقال وائتـب ربـهـا

 

تذكر أوطاناً وأذكر مـعـشـري

ولو عرفت صرف البيوع لسرهـا

 

بمكة أن تبتاع حمضـاً بـإدخـر

أسرك لو أنا بجـنـبـي عـنـيزةٍ

 

وحمضٍ وضمران الجناب وصعتر

إذا شاء راعيها استقى من وقـيعةٍ

 

كعين الغراب صفوها لـم يكـدر

فلم أنشده إياها أذن له فانصرف، وكان نديماً له.

صوت

لا يعتري شربنا اللحاء وقد

 

توهب فينا القيان والحلل

وفتيةٍ كالسيوف نادمتهـم

 

لا حصرٌ فيهم ولا بخـل

الشعر للأسود بن يعفر، والغناء لسليم، خفيف ثقيل أول بالبنصر.