أخبار أبي الطفيل ونسبه

أخبار أبي الطفيل ونسبه

هو عامر بن وائلة بن عبد الله بن عمير بن جابر بن حميس بن جدي بن يعد بن ليث بن بكربن عبد مناة بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن الياس بن مضر بن نزار.

وله صحبة برسول الله صلى الله عليه وسلم ورواية عنه. وعمر بعده عمراً طويلا؛ وكان مع أمير المؤمنين علي بن ابي طالب عليه السلام، وروى عنه أيضاً، وكان من وجوه سيعته، وله منه محل خاص يستغني بشهرته عن ذكره، ثم خرج طالباً بدم الحسين بن علي عليهما السلام، مع المختار بن أبي عبيد، وكان معه حتى قتل وأفلت هو، وعمر أيضاً بعد ذلك.

حدثني أحمد بن الجعد قال حدثنا محمد بن يويف بن أسوار الجمحي بمكة، قال: حدثنا يزيد بن ابي حكيم قال: حدثني يزيد بن مليل، عن أبي الطفيل أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع يطوف بالبيت الحرام على ناقته، ويستلم الركن بمحجنه.
أخبرناه محمد بن العباس اليزيدي قال: حدثنا الرياشي قال: حدثنا أبو عاصم عن معروف بن خربوذ عن أبي الطفيل بمثله، وزاد فيه: ثم يقبل المحجن.

حدثني أبو عبيد الله الصيرفي قال: حدثنا الفضل بن الحسن المصري قال: حدثنا أبو نعيم عن بسام الصيرفي عن ابي الطفيل قال: سمعت علياً عليه السلام يخطب فقال: سلوني قبل أن تفقدوني. فقام إليه ابن الكواء، فقال: ما (الذاريات ذروا)؟ قال: الرياح. قال(فالجاريات يسرا)؟ قال: السفن. قال: (فالحاملات وقراً)؟ قال: السحاب. قال(فالمقسمات أمراً)؟ قال: الملائكة. قال: فمن (الذين بدلوا نعمة الله كفراً)؟ قال: الأفجران من قريش: بنو امية وبنو مخزوم. قال: فما كان ذو القرنين، أنبياً أم ملكاً؟ قال: كان عبداً مؤمناً- أو قال صالحاً – أحب الله وأحبه، ضرب ضربةً على قرنه الأيمن فمات، ثم بعث وضرب ضربة على قرنع الأيسر فمات. وفيكم مثله.

وكتب إلي إسماعيل بن محمد المري الكوفي يذكر أن أبا نعيم حدثه بذلك عن بسام. وذكر مثله أخبرني الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه قال: بلغني أن بشر بن مروان حين كان على العراق قال لأنس بن زنيم: أنشدني أفضل شعر قالته كنانة. فانشده قصيدة أبي الطفيل:

أيدعونني شيخاً وقد عشت برهةً

 

وهن من الزواج نحوي نوازع

فقال له بشر: صدقت هذا أشعر شعرائكم. قال: وقال له الحجاج أيضاً: أنشدني قول شاعركم: أيدعونني شيخاً فأنشده إياه فقال: قالتله الله منافقاً، ما اشعره! حدثني أحمد بن عيسى العجلي الكوفي، المعروف بابن أبي موسى، قال: حدثنا الحسين بن نصر بن مزاحم قال: حدثني أبي قال حدثني عمرو بن شمر عن جابر الجعفي قال: سمعت ابن حذيم الناجي يقول: لما استقام لمعاوية أمره لم يكن شيء أحب إليه من لقاء أبي الطفيل عامرو بن العاص ونفر معه، فقال لهم معاوية: اما تعرفون هذا؟ هذا خليل ابي الحسن. ثم قال: يا أبا الطفيل ما بلغ من حبك لعلي؟ قال حيب أم موسى لموسى. قال: فما بلغ من بكائك عليه؟ قال: بكاء العجوز الثكلى والشيخ الرقوب ، وإلى الله أشكو التقصير.

قال معاوية: إن أصحابي هؤلاء لو سئلوا عني ما قالوا: إذاً والله ما نقول الباطل. قال لهم معاوية: لا والله ولا الحق تقولون. ثم قال معاوية: وهو الذي يقول:

إلى رجب السبعين تعتـرفـونـنـي

 

مع السيف في حواء جـم عـديدهـا

رجوف كمتن الطود فيها مـعـاشـر

 

كغلب السباع نمـرهـا وأسـودهـا

كهول وشبـان وسـادات مـعـشـر

 

على الخيل فرسان قليل صـدودهـا

كأن شعاع الشمس تـحـت لـوائهـا

 

إذا طلعت اعش العـيون حـديدهـا

يمورون مور الريح إمـا ذهـلـتـم

 

وزالت باكفال الرجـال لـبـودهـا

شعارهـم سـيمـا الـنـبـي، وراية

 

بها انتقم الرحمن ممـن بـكـيدهـا

تخطفـهـم إياكـم عـنـد ذكـرهـم

 

كخطف ضواري الطير طيراً تصيدها

فقال معاوية لجلسائه: أعرفتموه؟ قالوا: نعم، هذا أفحش شاعر وألام جليس. فقال معاوية: يا أبا الطفيل أتعرفهم؟ فقال: ما أعرفهم بخير، ولا أبعدهم من شر. قال: وقام خزيمة الأسدي فأجابه فقال:

إلى رجب أو غرة الشهـر بـعـده

 

نصبحكم حمر المنـايا وسـودهـا

ثمانون الفاً دين عثـمـان دينـهـم

 

كتائب فيهـا جـبـرئيل يقـودهـا

فمن عاش منكم عاش عبداً ومن يمت

 

ففي النار سقياه هنـاك صـديدهـا

أخبرني عبد الله بن محمد الرازي قال: حدثنا أحمد بن الحارث قال: حدثنا المدائني عن أبي مخنف عن عبد الملك بن نوفل بن مساحق، قال: لما رجع محمد بن الحنيفة من الشام حبسه ابن الزبير في سجن عارم، فخرج إليه جيش من الكوفة عليهم أبو الطفيل عامر بن وائلة، حتى أتوا سجن عارم فكسروه وأخرجوه، فكتب ابن الزبير إلى أخيه مصعب: أن يسير نساء كل من خرج لذلك. فأخرج مصعب نساءهم وأخرج فيهن أم الطفيل امرأة أبي الطفيل، وابناً له صغيراً يقال له يحيى، فقال أبو الطفيل في ذلك:

إن يك سيرهـا مـصـعـب

 

فإني إلى مصعب مـذنـب

أقود الكتيبة مـسـتـلـمـاً

 

كاني أخـو عـرة أجـرب

علـي دلاص تـخـيرتـهـا

 

وفي الكف ذو رونق مقضب

أخبرني أحمد بن عبد العزيز قال: حدثنا عمر بن شبة قال: حدثنا محمد بن حميد الرازي قال: حدثنا سلمة بن الفضل عن فطربن خليفة قال: سمعت أبا الطفيل يقول: لم يبق من الشيعة غيري. ثم تمثل:

وخلفت سهماً في الكنـانة وجـداً

 

سيرمى به أو يكسر السهم كاسره

أخبرني أحمد بن عبد العزيز قال: حدثنا عمر بن شبة قال: حدثني أبو عاصم قال: حدثني أبو عاصم قال: حدثني شيخ من بني تيم اللات قال: كان أبو الطفيل مع المختار في القصر، فرمى بنفسه قبلأن يؤخذ وقال:

ولما رأيت الباب قد حيل دونه

 

تكسرت باسم الله فيمن تكسرا

أخبرني محمد بن خلف وكيع قال: حدثنا احمد بن عبد الله بن شداد الشابي قال: حدثني المفضل بن غسان قال: حدثني عيسى بن واضح، عن سليم بن مسلم المكي، عن ابن جريج عن عطاء قال: دخل عبد اله بن صفوان على عبد الله بن الزبير، وهو يومئذ بمكة، فقال: أصبحت كما قال الشاعر :

فإن تصبك من الأيام جـائحة

 

لا أبك منك على دنيا ولا دين

قال: وما ذاك يا أعرج؟ قال: هذا عبد الله بن عباس يفقه الناس، وعبيد الله أخوه يطعم الناس، فما بقيالك؟ فأحفظه ذلك فأرسل صاحب شرطته عبد الله بن مطيع فقال له: انطلق إلى ابني عباس فقل لهما: أعمدتما إلى راية ترابية قد وضعها الله فنصبتماها، بددا عني جمعكما ومن ضوى إليكما من ضلال أهل العراق، وإلا فعلت وفعلت! فقال ابن عباس: قل لابن الزبير: يقول لك ابن عباس: ثكلتك أمك، والله ما يأتينا من الناس غير رجلين: طالب فقه أو طالب فضل، فأي هذين تمنع؟ فأنشأ أبو الطفيل عامر بن واثلة يقول:

لادر در الليالي كيف تضـحـكـنـا

 

منها خطوب أعاجيب وتـبـكـينـا

ومثل ما تـحـدث الأيام مـن غـير

 

يا ابن الزبير عن الدنـيا يسـلـينـا

كنا نجيء ابن عباس فـيقـبـسـنـا

 

علماً ويكسبـنـا أجـراً ويهـدينـا

ولا يزال عـبـيد الـلـه مـتـرعةً

 

جفانه مطعما ضيفاً ومـسـكـينـا

فالبر والدين والـدنـيا بـدارهـمـا

 

ننال منها الذي نبـغـي إذا شـينـا

إن النبي هو النور الذي كـشـفـت

 

به عمايات بـاقـينـا ومـاضـينـا

ورهطه عصمة في ديننـا ولـهـم

 

فضل علينا وحـق واجـب فـينـا

ولست فاعلمه أولى منهـم رحـمـاً

 

يا ابن الزبير ولا أولـى بـه دينـا

ففيم تمنعهم عـنـا وتـمـنـعـنـا

 

منهم، وتؤذيهـم فـينـا وتـؤذينـا

لن يؤتى الله من أخزى ببغـضـهـم

 

في الدين عزاً ولا في الأرض تمكينا

أخبرني الحسن بن علي قال: حدثني هارون بن محمد بن عبد المك الزيات قال: حدثني الزبير بن بكار قال: حدثني بعض أصحابنا: أن أبا الطفيل عامر بن واثلة دعي في مادبة، فغنت فيها قينة قوله يرثي ابنه:

خلى طفيل علي الهم وانشعبا

 

وهد ذلك ركني هدة عجبـا

فبكى حتى كاد يموت.

وقد أخبرني بهذا الخبر عمي عن طلحة بن عبد الله الطلحي، عن أحمد بن إبراهيم: أن أيا الطفيل دعي إلى وليمة فغنت قينة عندهم:

خلى علي طفيل الهم وانشعبـا

 

وهد ذلك ركني هدة عجـبـا

وابني سمية لا انساهمـا أبـداً

 

فيمن نسيت وكل كان لي وصبا

فجعل ينشج ويقول: هاه هاه طفيل! ويبكي حتى سقط على وجهه ميتاً.
وأخبرني محمد بن مزيد قال: حدثنا حماد عن ابيه بخبر أبي الطفيل هذا، فذكر مثل ما مضى، وزاد في الأبيات:

فاملك عزاءك إن رزء بليت به

 

فلن يرد بكاء المرء ما ذهبـا

وليس يشفي حزيناً من تذكـره

 

إلا البكاء إذا ما ناح وانتحبـا

فإذ سلكت سبيلاً كنت سالكهـا

 

ولا محالة ان يأتي الذي كتبـا

فما لبطنك من ري ولا شبـع

 

ولا ظللت بباقي العيش مرتغبا

وقال حماد بن إسحاق حدثني ابي قال: حدثني أبو عبد الله الجمحي عن أبيه قال: بينا فتية من قريش بطن محسر يتذاكرون الأحاديث ويتناشدون الأشعار، إذا أقبل طويس وعليه قميص قوهي وحبرة قد ارتدى بها ، وهو يخطر في مشيته، فسلم ثم جلس، فقال له القوم: يا أبا عبد المنعم، لو غنيتنا؟ قال: نعم وكرامة اغتنيكم بشعر شيخ من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، من شيعة علي بن أبي طالب عليه السلام، وصاحب رايته، أدرك الجاهلية والإسلام، وكان سيد قومه وشاعرهم. قالوا: ومن ذاك يا أبا عبد المنعم فدتك أنفسنا؟ قال: ذلك أبو الطفيل عامر بن واثلة، ثم اندفع فغنى:

أيدعونني سيخاً وقد عشت حقبة

 

وهن من الزواج نحوي نوازع

فطرب القوم وقالوا: ما سمعنا قط غناء أحسن من هذا.
وهذا الخبر يدل على ان فيه لحناً قديماً ولكنه ليس يعرف

لمـن الـدار اقـفــرت بـــمـــعـــان

 

بين شـاطـي الـيرمـوك فـالـصــمـــان

فالقريات من بلاس فداريا فسكاء فالقصور الدواني

 

 

ذاك مغنى لآل جفنة في الده

 

ر وحـــق تـــصـــرف الأزمــــان

صلـوات الـمـسـيح فـي ذلـــك الـــدي

 

ر دعـاء الـقـسـيس والـــرهـــبـــان

الشعر لحسان بن ثابت، والغناء لحنين بن لوع، خفيف ثقيل أول بالسبابة في مجرى الوسطى.
وهذا الصوت من صدور الغاني ومختارها، وكان إسحاق يقدمه وبفضله. ووجدت في بعض كتبه بخطة قال: الصيحة التي في لحن حنين:

لمن الدار أقفرت بمعان

أخرجت من الصدر، ثم من الحلق، قم من الأنف، ثم من الجبهة، ثم نبرت فأخرجت من القحف، ثم نونت مردودة إلى النف، ثم قطعت.

وفي هذه الأبيات وأبيات غيرها من القصيدة الحان لجماعة اشتركوا فيها، واختلف أيضاً مؤلفو الأغاني في ترتيبها ونسبة بعضها مع بعض إلى صاحبها الذي صنعها، فذكرت ها هنا على ذلك وشرح ما قالوه فيها. فمنها:

قد عفا جاسم إلى بـيت رأس

 

فالحواني فجانب الـجـولان

فحمى جاسم فأبـنـية الـص

 

فر مغنى قنابـل وهـجـان

فالقريات من بـلاس فـداريا

 

فسكاء فالقصور الـدوانـي

قد دنا الفصح فالولائد ينظـم

 

ن سراعاً أكلة المـرجـان

يتبارين في الدعاء إلـى الـل

 

ه وكل الذعاء للـشـيطـان

ذاك مغنى لآل جفنة في الده

 

ر وحق تصرف الـزمـان

صلوات المسيح في ذلك الدي

 

ر دعاء القسيس والرهبـان

قد أراني هناك حق مـكـين

 

عند ذي التاج مقعدي ومكاني

ذكر عمرو بن بانة ان لابن محرز في الأول من هذه الأبيات والرابع خفيف ثقيل أول بالبنصر وذكر علي بن يحيى أن لابن سريج في الرابع والخامس رملا بالوسطى، وأن لمعبد فيهما وفيما بعدهما من الأبيات خفيف ثقيل، ولمحمد بن إسحاق بن برثع ثقيل أول في الرابع والثامن.

وذكر الهشامي ان في الأول لمالك خفيف ثقيل، وواقفه حبش. وذكر حبش أن لمعب في الأول والثاني والرابع ثقيلاً أول بالبنصر.