أخبار أبي الشيص ونسبه

أخبار أبي الشيص ونسبه

اسمه محمد بن رزين بن سليمان بن تميم بن نهشل- وقيل: أبن بهيش- أبن خراش بن خالد بن عبد بن دعبل بن أنس بن خزيمة بن سلامان بن أسلم بن أفضى بن حارثة بن عمرو مزيقيا ابن عامر بن ثعلبة.

وكان أبو الشيص لقباً غلب عليه. وكنيته أبو جعفر، وهو ابن عم دعبل بن علي بن رزين لحا. وكان أبو الشيص من شعراء عصره، متوسط المحل فيهم، غير نبيه الذكر، لوقوعه بين مسلم بن الوليد وأشجع وأبي نواس، فخمل وأنقطع إلى عقبة بن جعفر بن الأشعث الخزاعي، وكان أميراً على الزقة، فمدحه بأكثر شعره، فقلما يروى له في غيره. وكان عقبة جواداً فأغناه عن غيره. ولأبي الشيص ابن يقال له عبد الله شاعر أيضاً، صالح الشعر، وكان منقطعاً إلى محمد بن طالب، فأخذ منه جامع شعر أبيه، ومن جهته خرج إلى الناس.

وعمي أبو الشيص في آخر عمره، وله مراث في عينيه قبل ذهابهما وبعده، نذكر منها مختارها مع أخباره.

وكان سريع الهاجس جداً، فيما ذكر عنه. فحكى عبد الله بن المعتز أن أبا خالد العامري قال له: من أخبرك أنه كان في الدنيا أشعر من أبي الشيص فكذبه. والله لكان الشعر عليه أهون من شرب الماء على العطشان. وكان من أوصف الناس للشراب، وأمدحهم للملوك.

وهكذا ذكر ابن المعتز، وليس توجد هذه الصفات كما ذكر في ديوان شعره، ولا هو بساقط، ولكن هذا سرف شديد.
أخبرني عمي قال: حدثنا الكراني عن النضر بن عمر قال: قال لي أبو الشيص: لما مدحت عقبة بن جعفر بقصيدتي التي أولها:

تنكري صدي ولا أعراضـي

 

ليس المقل عن الزمان براض

أخبرني الحسن بن علي قال: حدثنا محمد بن القاسم بن مهروية قال: أنشدت إبراهيم بن المهدي أبيات أبي يعقوب الريمي التي يرثي بها عينه، يقول فيها:

إذا ما مات بعضك فابك بعضاً

 

فإن البعض من بعض قريب

فأنشدني لأبي الشيص يبكي عينيه:

يا نفس بكي بأدمع هـتـن

 

وواكف كالجمان في سنن

على دليلي وقـائدي ويدي

 

ونور وجهي وسائس البدن

أبكي عليها بها مخـافة أن

 

تقرنني والظلام في قرن

وقال أبو هفان: حدثني دعبل أن امرأة لقيت أبا الشيص، فقالت: يا أبا الشيص: عميت بعدي. فقال: قبحك الله، دعوتني باللقب، وعيرتني بالضرر.

أخبرني محمد بن القاسم الأنباري قال: حدثني أبي، عن أحمد بن عبيد قال: اجتمع مسلم بن الوليد وأبو نواس وأبو الشيص ودعبل في مجلس، فقالوا: لينشد كل واحد منكم أجود ما قاله من الشعر. فاندفع رجل كان معهم فقال: اسمعوا مني أخبركم بما ينشد كل واحد منكم قبل أن ينشد. قالوا: هات فقال لمسلم: أما أنت يا أبا الوليد فكأني بك قد أنشدت:

إذا ما عـلـت مـنـا ذؤابة واحـد

 

وإن كان ذا حلم دعته إلى الجهـل

هل العيش إلا أن تروح مع الصبـا

 

وتغدو صريع الكأس والأعين النجل

قال: وبهذا البيت لقب صريع الغواني، لقبه به الرشيد، فقال له مسلم: صدقت.
ثم أقبل على أبي نواس فقال له: كأني بك يا أبا علي قد أنشدت:

لا تبك ليلى ولا تطـرب إلـى هـنـد

 

واشرب على الورد من حمراء كالورد

تسقيك من عينها خمـراً ومـن يدهـا

 

خمراً فمالك من سـكـرين مـن بـد

فقال له: صدقت.
ثم أقبل على دعبل فقال له: وأنت يا أبا علي، فكأني بك تثشد قولك:

أين الشباب وأيةً سـلـكـا

 

لا أين يطلب ضل بل هلكا

لا تعجبي ياسلم مـن رجـل

 

ضحك المشيب برأسه فبكى

فقال: صدقت. ثم أقبل على أبي الشيص، فقال له: وأنت يا أبا جعفر، فكأني بك وقد أنشدت قولك:

لا تنكري صدي ولا إعراضي

 

ليس المقل عن الزمان براض

فقال له: لا. ما هذا أردت أن أنشد، ولا هذا بأجود شيء قلته. قالوا: فأنشدنا ما بدا لك. فأنشدهم قوله:

وقف الهوى بي حيث أنت فليس لي

 

متـأخـرعـنـه ولا مـتـقـدم

أجد المـلامة فـي هـواك لـذيذةً

 

حباً لذكرك فليلـمـنـي الـلـوم

أشبهت أعدائي فصرت أحـبـهـم

 

إذكان حظي منك حظي منـهـم

وأهنتني فأهنت نفسـي صـاغـراً

 

ما من يهون عليك ممـن يكـرم

لعريب في هذا الشعر لحنان: ثقيل أول، ورمل.

قال: فقال أبو نواس، أحسنت والله وجودت، وحياتك لأسرقن هذا المعنى منك، ثم لأغلبنك عليه، فيشتهر ما أقول، ويموت ما قلت. قال: فسرق قوله:

وقف الهوى بي حيث أنت فليس لي

 

متـأخـرعـنـه ولا مـتـقـدم

سرقاً خفياً، فقال في الخصيب:

فما جازه جود ولا حل دونه

 

ولكن يسير الجود حيث يسير

فسار بيت أبي نواس، وسقط بيت أبي الشيص.

نسخت من كتاب جدي لأمي يحمى بن محمد بن ثوابة بخطه: حدثني الحسن بن سعد قال: حدثني رزين بن علي الخزاعي أخو دعبل قال: كنا عند أبي نواس أنا ودعبل وأبو الشيص ومسلم بن الوليد الأنصاري، فقال أبو نواس لأبي الشيص: أنشدني قصيدتك المخزية. قال: وما هي؟ قال: الضادية. فما خطر بخلدي قولك:

ليس المقل عن الزمان براض

إلا أخزيتك استحساناً لها، فإن الأعشى كان إذا قال القصيدة عرضها على ابنته، وقد كان ثقفها وعلمها ما بلغت به استحقاق التحكيم والاختيار لجيد الكلام، ثم يقول لها: عدي لي المخزيات، فتعد قوله:

أغر أروع يستسقى الغمـام بـه

 

لو قارع الناس عن أحسابهم قرعا

وما أشبهها من شعره. قال أبو الشيص: لا أفعل. إنها ليست عندي عقد در مفصل، ولكني أكاثر بغيرها، ثم أنشده قوله:

وقف الهوى بي حيث أنت فليس لي

 

متـأخـرعـنـه ولا مـتـقـدم

الأبيات المذكورة، فقال له أبو نواس: قد أردت صرفك عنها، فأبيت أن تخلى عن سلبك، أو تدرك في هربك قال: بل أقول في طلبي، فكيف رأيت هذا الطراز؟ قال: أرى نمطاً خسروانياً مذهباً حسناً، فكيف تركت:

في رداء من الصفيح صقيل

 

وقميص من الحديد مـذال

قال: تركته كما ترك مختار الدرتين إحداهما، بما سبق في ألحاظه، وزين في ناظره.
أخبرني الحسن بن علي قال: حدثني ابن مهرويه قال: حدثني أبي قال: حدثني من قال لأبي نواس: من أشعر طبقات المحدثين؟ قال: الذي يقول:

يطوف علينا بهـا أحـور

 

يداه من الكأس مخضوبتان

والشعر لأبي الشيص.
أخبرني الحسين بن القاسم الكوكبي قال: حدثني الفضل بن موسى بن معروف الأصبهاني قال: حدثني أبي قأل: دخل أبو الشيص على أبي دلف وهو يلاعب خادماً له بالشطرنج، فقيل له: يا أبا الشيص، سل هذا الخادم أن يحل أزرار قميصه. فقال أبو الشيص: الأمير أعزه الله أحق بمسألته. قال: قد سألنه، فزعم أنه يخاف العين على صدره، فقل فيه شيئاً. فقال:

وشادن كالبدر يجلو الـدجـى

 

في الفرق منه المسك مذرور

يحاذرالعين عـلـى صـدره

 

فالجيب منه الدهر مـزرور

فقال أبو دلف: وحياتي لقد أحسنت، وأمر له بخمسة آلاف درهم. فقال الخادم: قد والله أحسن كما قلت، ولكنك أنت ما أحسنت، فضحك، وأمر له بخمسة آلاف أخرى.

أخبرني محمد بن عمران الصيرفي قال: حدثنا الحسن بن عليل العنزي قال: حدثني علي بن سعد بن إياس الشيباني قال: تعشق أبو الشيص محمد بن رزين قينةً لرجل من أهل بغداد، فكان يختلف إليها، وينفق عليها في منزل الرجل، حتى أتلف مالاً كثيراً. فلما كف بصره، وأخفق، جعل إذا جاء إلى مولى الجارية حجبه، ومنعه من الدخول، فجاءني أبو الشيص، فشكا إلي وجده بالجارية، واستخفاف مولاها به، وسألني المضي معه إليه، فمضيت معه، فاستؤذن لنا عليه، فأذن، فدخلت أنا وأبو الشيص، فعاتبته في أمره، وعالمت عليه حقه، وخوفته من لسانه ومن إخوانه، فجعل له يوماً في الجمعة يزورها فيه، فكان يأكل في بيته، ويحمل معه نبيذه ونقله، فمضيت معه ذات يوم إليها، فلما وقفنا على بابهم، سمعنا صراخاً شديداً من الدار، فقال لي: ما لها تصرخ؟ أتراه قد مات لعنه الله.

فما زلنا ندق الباب حتى فتح لنا، فإذا هو قد حسر كميه وبيده سوط، وقال لنا: ادخلا، فدخلنا، وإنما حمله على الإذن لنا الفرق مني، فدخلنا وعاد الرجل إلى داخل يضربها، فاستمعنا عليه واطلعنا، فإذا هي مشدودة على سلم وهو يضربها أشد ضرب، وهي تصرخ، وهو يقول: وأنت أيضاً فاسرقي الخبز. فاندفع أبو الشيص على المكان يقول في ذلك:

يقول والسوط على كـفـه

 

قد حرفي جلدتهـا حـزا

وهي على السلم مشـدودة

 

وأنت أيضاً فاسرقي الخنزا

قال: وجعل أبو الشيص يرددهما، فسمعهما الرجل، فخرج إلينا مبادراً، وقال له: أنشدني البيتين اللذين قلتهما، فدافعه، فحلف أنه لا بد من إنشادهما، فأنشده إياهما، فقال لي: يا أبا الحسن، أنت كنت شفيع هذا، وقد أسعفتك بما تحب، فإن شاع هذان البيتان فضحتني، فقل له يقطع هذا، ولا يسمعهما، وله علي يومان في الجمعة. ففعلت ذلك، ووافقته عليه، فلم يزل يتردد إليه يومين في الجمعة حتى مات.
أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان قال: حدثني أحمد بن عبد الرحمن الكاتب، عن أبيه قال: كانت لأبي الشيص جارية سوداء اسمها تبر، وكان يتعشقها، وفيها يقول:

لم تتصفي ياسمـية الـذهـب

 

تتلف نفسي وأنت في لعـب

يابنة عم المسك الذكـي ومـن

 

لولاك لم يتخـذ ولـم يطـب

ناسبك المسك في السـواد وف

 

ي الريح فأكرم بذاك من نسب

أخبرني الحسن بن علي قال: حدثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال: حدثنا علي بن محمد النوفلي، عن عمه قال: كان أبو الشيص صديقاً لمحمد بن إسحاق بن سليمان الهاشمي، وهما حينئذ مملقان، فنال محمد بن إسحاق مرتبة عند سلطانه، واستغنى، فجفا أبا الشيص، وتغير له، فكتب إليه:

الحمد لله رب العالمـين عـلـى

 

قربي وبعدك مني يابن إسحـاق

يا ليت شعري متى تجدي علي وقد

 

أصبحت رب دنـانـير وأوراق

تجدي علي إذا ما قـيل مـن راق

 

والتفت الساق عند الموت بالساق

يوم لعمري تهم الناس أنفـسـهـم

 

وليس ينفع فيه رقـية الـراقـي

حدثني محمد بن العباس اليزيدي قال: حدثنا أبو العباس بن الفرات قال: كنت أسير مع عبيد الله بن سليمان، فاستقبله جعفر بن حفص على دابة هزيل، وخلفه غلام له، وشيخ على بغل له هرم، وما فيهم إلا نضو، فأقبل علي عبيد الله بن سليمان فقال: كأنهم والله صفة أبي الشيص حيث يقول:

أكل الوجيف لحومها ولحومهم

 

فأتوك أنقاضاً على أنقـاض

وقال عبد الله بن المعتز: حدثني أبو مالك عبد الله قال: قال لي عبد الله بن الأعمش: كان أبو الشيص عند عقبة بن جعفر بن الأشعث الخزاعي يشرب، فلما ثمل نام عنده، ثم انتبه في بعض الليل، فذهب يدب إلى خادم له، فوجأه بسكين، فقال له: ويحك، قتلتني والله، وما أحب والله أن أفتضح أني قتلت في مثل هذا، ولا تفضح أنت بي، ولكن خذ دستيجة فاكسرها ولوثها بدمي، واجعل زجاجها في الجرح، فإذا سئلت عن خبري، فقل: إني سقطت في سكري على الدستيجة فانكسرت، فقتلتني، ومات من ساعته. ففعل الخادم ما أمره به، ودفن أبو الشيص، وجزع عقبة عليه جزعاً شديداً. فلما كان بعد أيام سكر الخادم، فصدق عقبة عن خبره، وأنه هو قتله، فلم يلبثه أن قام إليه بسيفه، فلم يزل يضربه حتى قتله.
مدح الكميت مخلد بن يزيد بن المهلب وفيه غناء:

هلا سألت معالـم الأطـلال

 

والرسم بعد تقادم الأحـوال

دمناً تهيج رسومها بعد البلـى

 

طرباً وكيف سؤال أعجم بال

يمشين مشي قطا البطاح تأودا

 

قب البطون رواجح الأكفال

من كل آنسة الحـديث حـيية

 

ليست بفاحشة ولامـتـفـال

أقصى مذاهبها إذا لاقيتـهـا

 

في الشهربين أسرة وحجال

وتكون ريقتها إذا نبهـتـهـا

 

كالشهد أوكسلافة الـجـريال

المتفال: المنتنة الريح. والجريال فيما قيل: اسم للون الخمر. وقيل: بل هو من أسمائها. والدليل على أنه لونها قول الأعشى:

وسلافة مما تعتق بابـل

 

كدم الذبيح سلبتها جريالها

قال سماك بن حرب: حدثني يحنس بن متى الحيري راوية الأعشى: أنه سأله عن هذا البيت فقال: سلبتها لونها: شربتها حمراء، وبلتها بيضاء.

الشعر في هذا الغناء المذكور للكميت بن زيد، والغناء لابن سريج، ثقيل أول بالبنصر، عن عمرو بن بانة. وذكر المكي أنه لابن محرز. وفيه لعطرد خفيف ثقيل. وهذا الشعر من قصيدة للكميت، يمدح بها مخلد بن يزيد بن المهلب، يقول فيها:

قاد الجيوش لخمس عشرة حجة

 

ولداته عن ذاك في أشـغـال

قعدت بهم هماتهم وسمت بـه

 

همم الملوك وسورة الأبطـال

فكأنماعاش المهلب بـينـهـم

 

بأغر قاس مثالـه بـمـثـال

في كفه قصبات كل مـقـلـد

 

يوم الرهان وفوزكل نصـال

ومتى أزنك بمعشر وأزنـهـم

 

بك ألف وزنك أرجح الأثقـال