أخبار أبي الأسد ونسبه

أخبار أبي الأسد ونسبه

اسمه، فيما ذكر لنا عيسى بن الحسين الوراق عن عيسى بن إسماعيل تينة عن القحذمي، نباته بن عبد الله الحماني. وذكر أبو هفان المهزمي أنه من بني شيبان. وهو شاعر مطبوع متوسط الشعر، من شعراء الدولة العباسية من أهل الدينور. وكان طبًّا مليح النوادر مزاحاً خبيث الهجاء، وكان صديقاً لعلويه المغني الأعسر، ينادمه ويواصل عشرته ويصله علويه بالأكابر، ويعرضه للمنافع، وله صنعةٌ في كثير من شعره.

فأخبرني عمي قال: حدثنا عبد الله بن أبي سعد قال: حدثني محمد بن محمد الأبزاري قال: كان أبو الأسد الشاعر صديقاً لعلويه، وكان كثيراً ما يغنى في شعره. فدعانا علويه ليلةً، ووعدته جارية لآل يحيى بن معاذ وكانت تأخذ عنه الغناء أن تزوره تلك الليلة، وكانت من أحسن الناس وجهاً وغناءً، وكان علويه يهيم بها، فانتظرناها حتى أيسنا منها احتباساً. فقال علويه لأبي الأسد: قل في هذا شعراً، فقال:

محبٌّ صـد ألـفـه

 

فليس لليله صـبـح

صحا عنه الذي يرجو

 

زيارته وما يصحـو

قال: فصنع علويه فيه لحناً من خفيف الثقيل هو الآن مشهورٌ في أيدي الناس، وغنانا فيه، فلم نزل نشرب عليه حتى أصبحنا. وصنع في تلك الليلة بحضرتنا فيه الرمل في شعر أبي وجزة السعدي:

قتلتني بغير ذنبٍ قـتـول

 

وحلالٌ لها دمي المطلول

ما على قاتلٍ أصاب قتيلاً

 

بدلالٍ ومقلتـين سـبـيل

أخبرني الحسن بن علي الخفاف قال: حدثنا ابن مهرويه قال: حدثني أبو هفان قال: كتب أبو الأسد وهو من بني حمان إلى موسى بن الضحاك:

لموسى أعبدٌ وأنـا أخـوه

 

وصاحبه ومالي غير عبد

فلو شاء الإله وشاء موسى

 

لآنس جانبي فرجٌ بسعـد

قال: وفرجٌ غلامٌ كان لأبي الأسد، وسعدٌ غلام كان لموسى فبعث إليه موسى بسعد، وقاسمه بعده بقية غلمانه، فأخذ شطرهم وأعطاه شطرهم.

أخبرني محمد الخزاعي قال: حدثني العباس بن ميمون طائع قال: هجا أبو الأسد أحمد بن أبي داودٍ فقال:

أنت امرؤٌ غث الصنيعة رثـهـا

 

لا تحسن النقمى إلى أمثـالـي

نعماك لا تعدوك إلا في امـرىءٍ

 

في مسك مثلك من ذوي الأشكال

وإذا نضرت إلى صنيعك لم تجـد

 

أحداً سموت به إلى الإفـضـال

فاسلم بغير سلامةٍ ترجى لـهـا

 

إلا لـسـدك خـلة الأنـــذال

قال: فأدى إليه سلامة وهو عبد الرحمن بن عبد الله بن عائشة هذه الأبيات عن أبي الأسد، فبعث إليه ببرد واستكفه، وبعث بابن عائشة إلى مظالم ما سبذان، وقال له: قد شركته في التوبيخ لنا فشركناك في الصفقة، فإن كنتما صادقين في دعواكما كنتما من الأنذال، وإن كنتما كاذبين فقد جريتما بالقبيح حسناً.

حدثني علي بن سليمان الأخفش قال: حدثنا محمد بن الحسن بن الحرون قال: كان سبب هجاء أبي الأسد أحمد بن أبي داودٍ أنه مدحه فلم يثبه، ووعده بالثواب ومطله، فكتب إليه:

ليتك إذ نبـتـنـي بـواحـدةٍ

 

تقنعني مـنـك آخـر الأبـد

تخلـف ألا تـبـرنـي أبـداً

 

فإن فيها برداً علـى كـبـدي

اشف فؤادي منـي فـإن بـه

 

مني جرحاً نـكـأتـه بـيدي

إن كان رزقي إليك فارم بـه

 

في ناظري حيةٍ على رصـد

قد عشت دهراً وما أقـدر أن

 

أرضى بما قد رضيت من أحد

فكيف أخطأت لا أصبـت ولا

 

نهضت من عثرةٍ إلـى سـدد

لو كنت حراً كما زعمت وقـد

 

كددتني بالمـطـال لـم أعـد

صبرت لما أسـأت بـي فـإذا

 

عدت إلى مثلها فـعـد وعـد

فإنني أهل ذاك في طمـعـي

 

وفي خطائي سبيل معتـمـد

أبعدني الله حين يحـمـلـنـي

 

حرصي على مثل ذا من الأود

الآن أيقنت بعد فعـلـك بـي

 

أني عبـدٌ لأعـبـد قـفـد

فصرت من سوء ما رميت به

 

أكنى أبا الكلب لا أبا الأسـد

أخبرني علي بن الحسين بن عبد السميع المروزي قال: حدثني عيسى بن إسماعيل تينة عن القحذمي قال: كان أبو الأسد الشاعر واسمه نباته بن عبد الله الحماني منقطعاً إلى الفيض بن صالح وزير المهدي، وفيه يقول:

ولائمةٍ لامتك يا فيض فـي الـنـدى

 

فقلت لها لن يقدح اللوم في البـحـر

أرادت لتنهى الفيض عن عادة النـدى

 

ومن ذا الذي يثني السحاب عن القطر

مواقع جود الفيض في كـل بـلـدةٍ

 

مواقع ماء المزن في البلد القـفـر

كأن وفود الفيض لمـا تـحـمـلـوا

 

إلى الفيض لاقوا عنده ليلة الـقـدر

وكان أبو الأسد قبله منقطعاً إلى أبي دلف مدة، فلما قدم عليه علي بن جبلة العكوك غلب عليه، وسقطت منزلة أبي الأسد عنده، فانقطع إلى الفيض بعد عزله عن الوزارة ولزومه منزله، وذلك في أيام الرشيد. وفيه يقول:

أتيت الفيض مشتكياً زمـانـي

 

فأعداني علـيه جـود فـيض

وفاضت كفه بالـبـذل مـنـه

 

كما كف ابن عيسى ذات غيض

أخبرني عيسى بن الحسين قال: حدثني ابن مهرويه قال: حدثني علي بن الحسن بن الأعرابي، قال: سأل أبو الأسد بعض الكتاب، وهو علي بن يحيى المنجم، حاجةً يسأل فيها بعض الوزراء، فلم يفعل. وبلغ حمدون بن إسماعيل الخبر، فسأل له فيها مبتدئاً ونجزها وأنفذها إليه.

فقال أبو الأسد يهجو الرجل الذي كان سأله الحاجة، ويمدح حمدون بن إسماعيل:

صنعٌ من الله أني كنت أعـرفـكـم

 

قبل اليسار وأنتم في الـتـبـابـين

فما مضت سنةً حـتـى رأيتـكـم

 

تمشون في القز والقوهي والـلـين

وفي المشاريق ما زالت نسـاؤكـم

 

يصحن تحت الدوالي بالـوراشـين

فصرن يرفلن في وشي العراق وفي

 

طرائف الخز من دكنٍ وطارونـي

أنسين قطع الحلاوي من معادنـهـا

 

وحملهن كشوثاً في الـشـقـابـين

حتى إذا أيسروا قالوا وقـد كـذبـوا

 

نحن الشهاريج أولاد الـدهـاقـين

في است أم ساسان أيرى إن أقربكم

 

وأير بغلٍ مشظٍّ في اسـت شـيرين

لو سيل أوضعهم قدراً وأنـذلـهـم

 

لقال من فخره إني ابـن شـوبـين

وقال أقطعني كسـرى وورثـنـي

 

فمن يفاخرنـي أم مـن ينـاوينـي

من ذا يخبر كسرى وهو في سقـر

 

دعوى النبيط وهم بيض الشياطـين

وأنهم زعمـوا أن قـد ولـدتـهـم

 

كما ادعى الضب إني نطفة النـون

فكان ينحز جـوف الـنـار واحـدةً

 

تفري وتصدع خوفاً قلـب قـارون

أما تراهم وقد حطوا بـرادعـهـم

 

عن أتنهم واستبـدوا بـالـبـراذين

وأفرجوا عن مشارات البقول إلـى

 

دور الملوك وأبواب الـسـلاطـين

تغلي على العرب من غيظٍ مراجلهم

 

عداوةً لرسول الـلـه فـي الـدين

فقل لهـم وهـم أهـلٌ لـتـزنـيةٍ

 

شر الخليقة يا بخر الـعـثـانـين

ما الناس إلا نزارٌ في أرومـتـهـا

 

وهاشمٌ سرجها الشم الـعـرانـين

والحي من سلفي قحطـان إنـهـم

 

يزرون بالنبط اللكن الـمـلاعـين

فما على ظهرها خلقٌ له حـسـبٌ

 

مما يناسب كسرى غير حـمـدون

قرمٌ عليه شهـنـشـاهـيةٌ ونـبـاً

 

ينبيك عن كسروي الجد مـيمـون

وإن شككت ففي الإيوان صـورتـه

 

فانظر إلى حسب بادٍ ومـخـزون

أخبرني عمي قال: حدثنا أحمد بن أبي طاهر.

أن أبا الأسد زار أبا دلف في الكرج، فحجب عنه أياماً، فقال يعاتبه وكتب بها إليه:

ليت شعري أضاقت الأرض عني

 

أم بفـج أنـا الـغـداة طـريد

أم أنا قانـعٌ بـأدنـى مـعـاشٍ

 

همتي القوت والقليل الـزهـيد

مقولي قاطعٌ وسيفـي حـسـامٌ

 

ويدي حـرةٌ وقـلـبـي شـديد

رب بابٍ أعز من بـابـك الـيو

 

م عليه عـسـاكـرٌ وجـنـود

قد ولجنـاه داخـلـين غـدواً

 

ورواحاً وأنت عـنـه مـذود

فاكفف اليوم من حجابك إذ لس

 

ت أميراً ولا خميساً تـقـود

واغترب في فدافد الصد إذ لس

 

ت أسيراً ولا عـلـي قـيود

لا يقيم العزيز في بلد الـهـو

 

ن ولا يكبت الأريب الجـلـيد

أخبرني علي بن صالح بن الهيثم قال: أنشدني أبو هفان لأبي الأسد في صديق له يقال له بسطام كان براً به قال: وهذا من جيد شعره، وقد سرق البحتري معناه منه في شعر مدح به علي بن يحيى المنجم:

أعدو على مال بسطامٍ فأنهبه

 

كما أشاء فلا تثنى إلـي يدي

حتى كأني بسطامٌ بما احتكمت

 

فيه يداي وبسطامٌ أبو الأسـد

أخبرني علي بن صالح بن الهيثم قال: حدثني أبو هفان، وأخبرني به يحيى بن علي بن يحيى قال: حدثني أبو أيوب المدايني قال: حدثنا أبو هفان قال: حدثني أبو دعامة قال: لما مات إبراهيم الموصلي قيل لأبي الأسد – وكان صديقه – ألا ترثيه؟ فقال يرثيه:

تولى الموصلي فقد تولـت

 

بشاشات المزاهر والقـيان

وأي ملاحةٍ بقيت فتبـقـى

 

حياة الموصلي على الزمان

ستبكيه المزاهر والملاهـي

 

ويسعدهن عاتقة الـدنـان

وتبكيه الغـوية إذ تـولـى

 

ولا تبكيه تالـية الـقـران

فقيل له: ويحك فضحته وقد كان صديقك. فقال: هذه فضيحة عند من لا يعقل، أما من يعقل فلا. وبأي شيءٍ كنت أذكره وأثيه به؟ أبالفقه أم بالزهد أم بالقراءة؟ وهل يرثى إلا بهذا وشبهه! قال أبو الفرج: نسخت من كتاب لأحمد بن علي بن يحيى، أخبرني أبو الفضل الكاتب وهو ابن خالة أبي عمرو الطوسي قال: كنت مقيماً بالجبل فمر بي أبو الأسد الشاعر الشيباني، فأنزلته عندي أياماً، وسألته عن خبره فقال: صادفت شاهين بن عيسى ابن أخي أبي دلف، فما احتبسني ولا برني ولا عرض علي المقام عنده، وقد حضرني فيه أبيات فأكتبها، ثم أنشدني:

إني مررت بشاهينٍ وقد نفحـت

 

ريح العشي وبرد الثلج يؤذينـي

فما وقى عرضه مني بكسـوتـه

 

لا بل ولا حـسـبٍ دانٍ ولا دين

إن لم يكن لبـن الـدايات غـيره

 

عن طبع آبائه الشم العـرانـين

فربما غاب بعلٌ عن حلـيلـتـه

 

فناكها بعض سواس الـبـراذين

وما تحرك أيرٌ فامتلا شـبـقـاً

 

إلا تحرك عرقٌ في است شاهين

ثم قال: لأمزقنه كل ممزقٍ، ولأصيرن إلى أبي دلف فلأنشدنه. ومضى من فوره يريد أبا دلف، فلم يصل إليه، حتى بلغ أبا دلف الشعر، فشق عليه وغمه. وأتاه أبو الأسد فدخل عليه، فسأله عن قصته مع شاهين، فأخبره بها، فقال: هبه لي. قال قد فعلت. وأمر له بعشرة آلالف درهم، فأمسك عنه.

قال أبو الفرج: هذا البيت الأخير لبشار كان عرض له فقال:

وما تحرك أيرٌ فامتلا شبـقـاً

 

إلا تحرك عرقٌ في است ….

ثم قال: في است من؟ ومر به تسنيم بن الحواري فسلم عليه، فقال: في است تسنيم والله. فقال له: أي شيء ويلك؟ فقال: لا تسل. فقال: قد سمعت ما أكره، فاذكر لي سببه. فأنشده البيت، فقال: ويلك! أي شيء حملك على هذا؟ قال: سلامك علي. لا سلم الله عليك ولا علي إن سلمت عليك بعدها، وبشار يضحك. وقد مضى هذا الخبر بإسناده في أخبار بشار.

وقد جمع معه كل ما يغنى في هذه القصيدة:

أجدك إن نعمٌ نـأت أنـت جـازع

 

قد اقتربت لـو أن ذلـك نـافـع

وحسبك من نـأيٍ ثـلاثة أشـهـر

 

ومن حزنٍ أن شاق قلبـك رابـع

بكت عين من أبكاك ليس لك البكى

 

ولا تتخالجك الأمـور الـنـوازع

فلا يسمعن سري وسرك ثـالـثٌ

 

ألا كل سرٍّ جاوز اثـنـين شـائع

وكيف يشيع السر مـنـي ودونـه

 

حجابٌ ومن فوق الحجاب الأضالع

كأن فؤادي بين شقين من عـصـاً

 

حذار وقوع البين والبـين واقـع

وقالت وعيناها تفيضـان عـبـرةً

 

بأهلي بين لي متى أنـت راجـع

فقلت لها باللـه يدري مـسـافـرٌ

 

إذا أضمرته الأرض ما الله صانع

فشدت على فيها اللثام وأعرضـت

 

وأقبلن بالكحل السحيق المـدامـع

عروضه من الطويل. الشعر لقيس بن الحدادية، والغناء لإسحاق في الأول والثاني من الأبيات خفيف رملٍ بالوسطى، وفي الثالث وما بعده أربعة.