أثر الاتفاقية الودية بين المصرف الوطني السويسري والمصارف السويسرية

ندوة الرائد

أثر الاتفاقية الودية بين المصرف الوطني السويسري والمصارف السويسرية

على تدفق الاموال الى سويسرا وانعكاساتها على السوق المالية اللبنانية

ينهج ” الرائد العربي ” إعتباراً من عدده الاول على عقد ندوة شهرية يشترك فيها صفوة من رجال الاقتصاد والمال والاختصاص ، يتناقشون في احدث وأهم المشكلات الاقتصادية والمالية والتجارية التي تشغل أعمدة الصحف العالمية والرأي العام ، ولها علاقة ما بالاسواق العربية . وقد عقد ” الرائد العربي ” ندوته الاولى في تمام الساعة العاشرة من صباح يوم الاربعاء الواقع في 21 ايلول / سبتمبر 1960 في غرفة اجتماعات دار الهندسة للتصميم والاستشارات الفنية لبحث موضوع الاتفاقية الودية التي عقدت بين البنك الوطني السويسري والبنوك التجارية السبسرية يوم 18 آب / اغسطس 1960 ، واشترك في هذه الندوة كل من السادة :

1 – الاستاذ انيس بيبي ، رئيس مجلس ادارة ومدير عام بنك الاتحاد الوطني ، بيروت

2 – الدكتور عصام عاشور ، رئيس دائرة التجارة في الجامعة الاميركية في بيروت

3 – السيد جون مونكس ، من شركة مورغن ترست Morgan Trust

4 – الدكتور محمد عطا الله ، مدير عام الشركة العربية للتوظيف المالي ِ.م.ل. ( تحت التأسيس )

5 – مدير احد البنوك العالمية ( وقد طلب الينا عدم نشر إسمه لاعتبارات ادارية تتعلق به وسنشير اليه هنا بحرف م )

إستهل الندوة الاستاذ موريس خوري ، رئيس دائرة الاستثمارات الادارية والمالية في ” دار الهندسة ” بعرض موضوع الودائع الاجنبية في سويسرا بصورة عامة ، فقال : يتعلق موضوع ندوتنا اليوم بالعوامل التي أدت الى عقد الاتفاقية الودية بين البنك الوطني السويسري والبنوك التجارية السويسرية ، ومدى النجاح المنتظر ان تحققه هذه الاتفاقية ، وتأثير ذلك على السوق المالية اللبنانية .

إن العامل الاساس الذي حدا بالبنك الوطني السويسري الى إتخاذ هذا الاجراء الموقت ، هو تدفق الاموال الاجنبية بكثرة الى سويسرا ، وبشكل خاص من البلدان التي تشهد اضطرابات سياسية . فقد زادت أرصدة البنوك السويسرية في الفترة الواقعة بين 15 تموز / يوليو و 18 ايلول / سبتمبر 1960 بحوالى بليون فرنك سويسري ، فوصلت الاموال المودعة الى رقم قياسي يزيد قليلاً عن تسعة بلايين فرنك . ويظهر ان هذه الزيادة الكبيرة في أرصدة البنوك ، وما يتبعها من زيادة في النقد المتداول ، تحمل بعض المخاطر التي تؤثر في الاقتصاد السويسري تأثيراً سيئاً . لهذا ، ومحافظة على توازن اقتصاد البلد واستقرار عملتها ، قام البنك الوطني السويسري ، بالتعاون مع البنوك التجارية بإتخاذ هذا الاجراء بقصد الحد من تدفق الاموال الاجنبية ، خصوصاً تلك التي تلجأ الى سويسرا في ظروف خاصة ثم تعود فتتركها عندما تتبدل تلك الظروف .

فاستناداً الى نصوص هذه الاتفاقية ( نصها في آخر وقائع هذه الندوة ) ، توقفت البنوك السويسرية عن دفع الفائدة على الاموال المودعة بعد اول تموز / يوليو 1960 في حسابات جارية ، كما أخضعت هذه الاموال ، اذا ما اريد سحبها ، لاعلام المصرف بذلك قبل ثلاثة أشهر من سحبها ، إلا اذا كان القصد من سحبها تحويلها الى عملة اخرى او استعمالها في شراء أسهم أو سندات اجنبية او اخراجها من البلد . وتخضع مثل هذه الودائع الى فائدة ربع سنوية يتحملها المودع حددت بربع في المائة فصلياً ، الا اذا وافق مودعها على تجميدها لمدة ستة اشهر على الاقل . ووافقت البنوك السويسرية ان تسعى جهدها لمنع استثمار الاموال الاجنبية في اسهم وسندات سويسرية او في عقارات او رهونات عقارية او في شركات عقارية لها املاك في سويسرا . غير ان الاتفاقية إستثنت بعض انواع المعاملات المالية وبعض الاشخاص من هذه الشروط .

من الجدير ذكره هنا ان ما يقرب من نصف الاموال التي دخلت سويسرا مؤخراً هي أموال سويسرية تمثل استحقاقات للبنوك والشركات على عملائها ومدينيها في الخارج .

ثم طرح الاستاذ خوري السؤال الاول وبدأ المشاركون مناقشته .

ما هو مدى تأثير هذا الاجراء على دخول الاموال الاجنبية الى سويسرا كعلاج لتجنب أخطار التضخم المالي في رأيكم ؟

عاشور : تمثل هذه الاتفاقية إجراء واحداً من اجراءات عديدة يمكن لسويسرا اتخاذها لتجنب اخطار التضخم المالي . اما مدى نجاح هذا الاجراء فيعتمد اولاً وآخراً ، على ما اعتقد ، على ردود الفعل التي ستحدثه هذه الاتفاقية لدى المودعين الاجانب . فربما اختار اصحاب رؤوس الاموال الاستمرار في ارسال اموالهم الى سويسرا رغم توقف دفع الفائدة . وفي هذه الحالة سيستمر التضخم المالي .

م : إن الاشارة التي وردت عند عرض الموضوع عن ان نصف الاموال التي وردت الى سويسرا هي اموال سويسرية ، لا تغير شيئاً بالنسبة للوضع . إذ انه من الطبيعي ان نفترض ان السلطات السويسرية كانت تنتظر الاموال المستثمرة في الخارج ، قبل ان تقوم باتخاذ هذه الاجراءات . إن النصف الآخر من الاموال الواردة من الخارج هو المهم . واعتقد ان اصحاب هذه الاموال يودعونها عادة في سويسرا ، رغبة منهم حفظها في مكان أمين وليس من اجل الحصول على فائدة مرتفعة . وهذا ما يقلل من امكانات نجاح الاجراءات المتخذة .

مونكس : إن هذه الاجراءات تعني عملياً ان أصحاب رؤوس الاموال الاجنبية لن يحصلوا على فائدة مصرفية اذا أودعوا أموالهم في المصارف السويسرية ، بل على العكس قد يضطرون الى دفع عمولة او فائدة تبلغ واحداً في السنة اذا لم تتجاوز مدة الايداع ستة اشهر ، كما أنهم لا يستطيعون شراء عقارات او اسهم او سندات سويسرية ولكنهم يستطيعون شراء اسهم وسندات اجنبية في السوق المالية السويسرية .

م : هذا الاجراء الاخير اتخذ بالطبع لتجنب خطر التضخم المالي .

مونكس : الهدف من هذا الاجراء هو التخفيف من تأثير هذه الاموال في السوق المالية السويسرية ، وعلى العقارات والاسهم والسندات السويسرية .

عاشور : إن تأثير هذه الاموال على اسعار العقارات له أهمية خاصة ، حيث ترى سويسرا ان معظم الاموال الاجنبية التي تدخلها تستعمل في شراء العقارات . فحينما تضطرب الاحوال العالمية يزداد تدفق الاموال الاجنبية الى سويسرا فيزداد الطلب على العقارات ، مع ما يتبع ذلك من تأثيرات على اقتصاد البلد . ويترتب على ذلك ان قطاعاً مهماً من قطاعات الاقتصاد السويسري يتأثر مباشرة بالظروف السياسية الدولية .

مونكس : تجدر الملاحظة هنا أن الجزء الاكبر من الاموال التي تدخل سويسرا يستغل في شراء الاوراق المالية الاجنبية . ومع انه لا يمكنني ان أعطي النسب الصحيحة ، إلا أنني أقدر ما يستثمر من هذه الاموال في الخارج يزيد عن 90 % من المجموع . وهذا يعني ان حوالى 10 % فقط ذات أثر تضخمي ، وان هذا الجزء وحده يتأثر بالاجراءات التي عمد البنك الوطني لبسويسري الى إتخاذها .

بيبي : احب ان أضيف الى ما قاله السيد مونكس ان ما يقلل ايضاً من فعالية هذه الاجراءات هو كونها قصيرة الاجل .

عطا الله : أعتقد ان السلطات السويسرية لا تنوي بالفعل منع الاموال الاجنبية من دخول سويسرا ، بل انها ترغب في استغلال الطلب المتزايد على خدمات مصارف بلادها لفرض شروط اكثر فائدة لسويسرا .

خوري : لكن ليست هذه هي المرة الاولى التي يلجأ فيها البنك الوطني السويسري الى مثل هذه الاجراءات . فقد إتخذ إجراءات مماثلة بين عامي 1937 و 1939 ، ومرة ثانية عام 1951 ، ومرة ثالثة بين عامي 1955 و 1958 . فهل زادت هذه الاجراءات من ثقة اصحاب رؤوس الاموال بسلامة اموالهم في سويسرا ؟ .

عاشور : أود أن أؤكد ان هذه الاجراءات ليست إلا طريقة واحدة للحد من التضخم المالي ، الناتج عن تدفق الاموال الاجنبية ، وان هنالك طرقاً ووسائل أخرى يمكن للبنك السويسري ان يلجأ اليها .

خوري : يقودنا هذا الى طرح السؤال الثاني :

ما هي الوسائل الاخرى التي قد يلجأ اليها البنك الوطني السويسري بقصد الحد من دخول الاموال الاجنبية الى سويسرا وتشجيع اخراجها ، اذا وجد ان الاتفاقية الودية لم تؤد الى النتيجة التي عقدت من أجلها ؟ .

عاشور : يمكن للسلطات السويسرية ، كما سبق وان المحت ، معالجة هذه المشكلة بالتدخل المباشر في السوق المالية وبيع سندات الخزينة ، كما وانها تستطيع ، بواسطة البنك المركزي ، أن تفرض نسباً عالية لاحتياطي النقد لدي البنوك التجارية .

عطا الله : هناك رأي يقول إن السبب في ان سويسرا لم تلجأ الى مثل هذه الاجراءات الا لسبب ، هو ارتفاع اسعار الاسهم والسندات السويسرية.

عاشور : ولكن اذا عرضت الحكومة او البنك المركزي سندات للبيع فان اسعارها ستهبط .

عطا الله : أي أن تعرض للبيع سندات سويسرية ؟

عاشور : بالطبع . فامتصاص الزائد من النقد المتداول يتطلب عرض مثل هذه السندات .

مونكس : غير ان سوق الاسهم والسندات السويسرية محدودة جداً . فهناك عدد قليل من الصناعات في سويسرا ، وبالتالي فإن الاسهم المتداولة قليلة جداً . أما ارتفاع اسعار الاسهم فهو ناتج عن حالة العرض والطلب في السوق ، ولا نستطيع ان نقول ان الاسعار إرتفعت الى حد أعلى من المعقول ما دامت حالة الطلب باقية على ما هي عليه الان . وطرح سندات حكومية في السوق سيقلل من الطلب على الاسهم الاخرى. واذا نقص الطلب هبطت الاسعار .

عطا الله : ولكن ألا يسبب تدفق الاموال الاجنبية إرتفاعاً في الطلب على السندات والاسهم ؟

مونكس : يتوقف ذلك على اختيار اصحاب رؤوس الاموال الاجنبية كطريقة لتوظيف اموالهم .

عطا الله : ألا تعتقد ان أصحابها يشترون بالفعل سندات واسهماً سويسرية ؟

عاشور : لا شك في ان هذه الاموال هي مصدر زيادة في الطلب على الاسهم والسندات السويسرية

عطا الله : هناك قضية اعتقد انها ذات أهمية بالغة ، وهي أن في سويسرا ميلاً شديداً للانضمام الى ما يسمى ” باوروبا المتحدة ” . وقد تطلب بلدان هذه المنطقة من سويسرا ان تتخذ من الاجراءات ما يكفل عدم تدفق الاموال من هذه البلدان الى سويسرا ، وقد يتسبب عن ذلك خسارة في مكانة سويسرا المصرفية .

عاشور : إن حدوث مثل هذا الامر يتطلب وقتاً طويلاً . فتطوير السوق المالية وخلق الثقة بها لا يتم في وقت قصير . وهناك أمران مهمان آخران ، أولهما : ان دمج الاسواق المالية لبلدان ” اوروبا المتحدة ” لا يتم بنفس السهولة التي يتم فيها دمج اقتصادياتها . وثانيهما : ان ” اوروبا المتحدة ” طرف في النزاعات الدولية بينما سويسرا تقف على الحياد . وهذا لا يعني ان سويسرا ستبقى مكاناً آمنا وأميناً ولكنها ستظل المكان الأسلم بالنسبة لغيرها من البلدان .

عطا الله : إن اعتبار سويسرا مكاناً آمناً وأميناً لحفظ الاموال يدعو الى التساؤل .

م :الاعتقاد السائد لدى الجميع هو ان سويسرا مكان أمين لحفظ الاموال . وقد برهنت فترة ما بين الحربين على ذلك .

بيبي : هناك أمور عديدة تجعل من سويسرا مكاناً أميناً . فحرية السوق المالية والحياد السياسي وسرية المصارف ، كلها عوامل تطمين . ففي سويسرا يطمئن الاجنبي الى أن ودائعه ستحاط بسرية تامة بحيث لا يعلم بها احد على الاطلاق .

عاشور : إلا انني أعتقد أن الاجراءات الاخيرة قد تخلق عند أصحاب الودائع شعوراً بعدم الاطمئنان ، بالنسبة لما قد يتخذ من اجراءات لاحقة اذا فشلت الاجراءات الحالية في الحد من دخول الاموال الجديدة الى البلد .

م : لهذا السبب ، سارعت المصارف السويسرية الى إبلاغ عملائها في الخارج أن هذه الاجراءات هي إجراءات موقتة . فهي رسمياً سارية المفعول لمدة سنة واحدة ، وقد تلغى قبل انتهاء المدة الرسمية .

بيبي : أعتقد أنه اذا تزعزعت ثقة أصحاب الاموال الاجنبية بسلامة أموالهم في سويسرا ، فإنهم بالطبع سيحولونها الى بلدان أخرى ، كايطاليا والمانيا وغيرهما .

خوري : ينقلنا هذا التعليق الاخير الى سؤال جديد هو :

ما هي امكانات التوظيف الاخرى المتوفرة حالياً لرؤوس الاموال الاجنبية المودعة في المصارف السويسرية ، والتي قد تترك سويسرا كنتيجة للاجراءات الاخيرة ؟

عاشور : من الممكن ان يقبل اصحاب الاموال على شراء الذهب .

بيبي : بما ان ” الاتفاقية الودية ” تحد من شراء العملة السويسرية فقط ، فإن باستطاعة اصحاب الاموال الاجنبية شراء عملات اخرى كالدولار والاسترليني ، وتركها في سويسرا .

خوري : لقد ورد ذكر انكلترا كمجال لاستثمار الاموال ، فهل من بلدان أخرى قد تجذب هذه الاموال اليها ؟.

بيبي : ليست انكلترا البلد الوحيد الذي قد يجذب رؤوس الاموال الاجنبية . فهناك المانيا الغربية وايطاليا مثلاً. وايطاليا بالذات استطاعت ان تجذب كميات كبيرة من الاموال عن طريق رفع الفائدة المصرفية على ودائع الطلب .

عاشور : أعتقد ان الاموال التي تجتذبها ايطاليا تختلف عن تلك التي تودع في سويسرا . فالذين يستثمرون أموالهم في ايطاليا يبتغون الحصول على فائدة مرتفعة ، بينما الذين يودعونها في سويسرا يفعلون ذلك من اجل حفظها في مكان أمين . أما المانيا الغربية ، فإنها تعاني وضعاً شبيهاً بوضع سويسرا ، وأعتقد ان السلطات الالمانية تنوي اتخاذ إجراءات تحد من استقبال الاموال الاجنبية .

م : لقد قيدت السلطات الالمانية بالفعل الاستقراض من المصارف الاجنبية ، إذ ان ارتفاع الفائدة المصرفية في المانيا يغري بعض المصارف الاجنبية بايداع بعض اموالها هناك . غير انه يجب الا نضع حداً فاصلاً بين ميزتي سلامة الاموال والفائدة التي تدفع عليها ، إذ انه من الممكن الحصول على الاثنتين معاً .

عاشور : وانا ايضاً أعتقد بامكان الحصول على هاتين الفائدتين معاً . على كلٍ ، فان هذا يعتمد اولاً وآخراً على المفهوم الشخصي لمعنى السلامة .

مونكس : إن المفهوم الشخصي لمعنى سلامة الاموال ذو أثر مهم . وأود ان أشير الى سندات الحكومة الكندية كمثل على ذلك ، وهي السندات التي طرحت للبيع خلال العام الماضي . أعتقد أن الاستثمار في سندات حكومية هو استثمار مضمون . ولكن عندما طرحت الحكومة الكندية سندات تزيد قليلاً عن 6 % ظن البعض ان الاستثمار في هذه السندات غير أمين وذلك بسبب ارتفاع الفائدة .

عاشور : إن تقدير سلامة الاموال يختلف باختلاف الاشخاص . فالمواطن البريطاني يعتبر ان الاستثمار في سندات الحكومة البريطانية هو أسلم استثمار ، بينما لا يعتقد الاجنبي ان هذا الاستثمار أمين وسليم إلا إذا تأكد من حقه في اخراج أمواله من بريطانيا اذا اراد ذلك .

عطا الله : ولكن ما هي ” مجالات الاستثمار ” لاصحاب الاموال في بلدان العالم العربي ، والذين هم بالتالي “أجانب” في جميع هذه البلدان المذكورة .

عاشور : لو واجهت انا شخصياً هذه المشكلة لكنت أفكر جدياً في نقل أموالي الى كندا ، وذلك بسبب استقرار البلد وامكانية نمو الاقتصاد الكندي .

مونكس : أي ان هناك اعتبارين لرأيك هذا ، هما : الاستقرار والنمو .

عاشور : واعتقد ان عامل النمو يكسب كندا الافضلية على سويسرا . إلا ان موقع سويسرا الجغرافي وقربها من هذا الجزء من العالم وسهولة دخول الاشخاص اليها ، يجعل ابناء هذه المنطقة يفضلون إيداع اموالهم فيها.

خوري : من المعلوم ان الاجراءات السويسرية إتخذت للحد من تدفق الاموال الهاربة والاموال التي تدخل البلاد لمدة قصيرة لتعود من ثم لتتركها عندما تجد اماكن استثمار اخرى أمينة ومربحة . أما الاموال العربية في سويسرا ، وهي موضوع اهتمامنا الخاص ، فهي أموال مقيمة . وسؤالنا الآن يتعلق بمصير هذه الاموال .

ما رأيكم في مدى تأثر الاموال العربية بالاجراءات السويسرية الاخيرة ؟

م : هناك بعض الالتباس في المادة الاولى من الاتفاقية . فأنا أعتقد انها تعني ان للمصارف حق الاختيار بين امرين : فإما أن تجدد الودائع السابقة عند حلول موعد استحقاقها مع ابقاء الفائدة المتفق عليها سابقاً ، واما أن تلغي هذه الفائدة اذا شاءت .

عاشور : إن التأويل الاصح لهذه المادة في اعتقادي هو ان الفائدة تلغى وجوباً . إلا ان للمصرف الحق في اختيار وقت الغائها . فاما ان تلغى حال صدور الاتفاقية واما ان تلغى عند استحقاق الودائع .

م : اذا قبلنا بهذا التأويل فعلينا ان نتوقع ان تغادر معظم الودائع الاجنبية سويسرا .

عطا الله : أعتقد ان التدفق غير الطبيعي للاموال الاجنبية يبرر إتخاذ اجراءات تمييزية ضد الاموال غير المقيمة . غير انه لا يبرر تنفير العملاء الدائمين .

م : ومما يؤيد هذا الرأي أن الاجراءات الاخيرة إتخذت لمواجهت التدفق غير الطبيعي للاموال الاجنبية الذي حدث في شهري تموز / يوليو وآب / أغسطس ، وليس للحد من المجرى العادي لهذه الاموال الى سويسرا . وعليه ، فأنا لا أظن ان أي مصرف سويسري سوف يقوم بالغاء الفائدة على الاموال المودعة لديه منذ سنوات عديدة .

خوري : يفهم من البحث ان استمرار دفع الفائدة على الاموال المقيمة في سويسرا يتوقف على علاقة العميل بالمصرف . وبما ان الاموال العربية مقيمة في سويسرا لامد طويل فليس من المنتظر ان تتأثر بالاجراءات الاخيرة . يبقى لدينا سؤال أخير وهو :

هل تعتقدون ان لبنان ، كبلد يؤمن بمبدأ التجارة الحرة يهيء ملجأ ومجالاً لاستثمار الاموال الاجنبية ، وبالاخص الاموال العربية المودعة حالياً في مصارف سويسرا ؟ وما هي المغريات التي تقدمها سوق لبنان المالية للمودع الاجنبي ؟ .

م : من غير المتوقع ان يجتذب لبنان الكثير من الاموال الاجنبية . فهو غير معروف على مستوى عالمي . غير انه قد يجتذب رؤوس الاموال من البلدان المجاورة . لكن فرص الاستثمار فيه قليلة جداً.

عاشور : أؤيد زميلي في ملاحظته التي تعني في الواقع ، أن لبنان لم يصبح بعد سوقاً عالمية ، بل ما يزال سوقاً إقليمية .

بيبي : وبالتحديد سوقاً عربية . لهذا لا أعتقد ان لبنان سيكون في المستقبل القريب مجالاً رئيساً لإستثمار الاموال الاجنبية .

عطا الله : ما هي الوسائل الواجب إتخاذها لجعل لبنان مجالاً رئيساً للاستثمار .

مونكس : إن ميدان الاستثمار في لبنان ، كما أشار زملائي ، محدود . وكذلك هو الحال في سويسرا . لكن الاموال التي تدخل الى سويسرا وتنتظر فرص الاستثمار في الخارج تودع في بنوك سويسرا ، ثقة من أصحابها بأن البنوك هناك مهيأة لتقديم النصائح والارشادات لعملائها حول أحسن طرق الاستثمار . وهذا ، في رأي ، ليس بالضرورة صحيحاً ، إذ أن أكثر البنوك العالمية مهيأة ومجهزة لتقديم الارشادات والنصائح لعملائها .

عاشور : كي يتمكن لبنان من إستيعاب المزيد من رؤوس الاموال الاجنبية ، يتوجب عليه تطوير سوقه المالية . غير ان هذه السوق قد بلغت حالياً مستوى يستحيل معه تطويرها الى حد أبعد ، ما لم تحدث تغييرات جذرية في الاقتصاد اللبناني نفسه . وهذا يتطلب وقتاً طويلاً .

بيبي : تجدر الاشارة هنا الى ان معظم الاموال التي دخلت لبنان في السنوات العشر الماضية قد إستثمرت ، إما في شكل ودائع مصرفية ذات فائدة ، وإما في شراء العقارات . ولم يستعمل إلا القليل منها في الاستثمار بمعناه الصحيح .
مونكس : اذا أخذنا بعين الاعتبار إمكانية تحويل الاموال التي تدخل لبنان الى استثمارات خارجية ، فإن المجال سيتسع امام هذه الاموال.

عطا الله : في هذا الصدد ، يشبه الوضع في لبنان الوضع السائد حالياً في سويسرا ، أي أن مجال الاستثمار الصناعي المحلي ضيق ، كما ان امكانية الربح في الاستثمارات العقارية أصبحت محدودة . ولكن هل من الضروري ان يستوعب لبنان كل هذه الاموال داخلياً ؟ أليس من الممكن جعل لبنان وسيطاً مالياً ؟ أي أن يقوم بالمهمة التي قامت بها سويسرا طوال هذه المدة .

عاشور : إن أهم ما يتوجب على السلطات اللبنانية القيام به هو تنظيم مهنة الصيرفة ، وذلك عن طريق إنشاء مصرف مركزي وإصدار قانون للمصارف . فهذه الاجراءات هي من مستلزمات نمو السوق المالية .

عطا الله : لا أعتقد انه يمكن للاصلاح المصرفي ان يطور السوق المالية ، بل من المحتمل ان يعوق مثل هذا التطور . فالمصرف المركزي سوف يلجأ الى تقييد حرية المعاملات المالية .

عاشور : إن وجود مصرف مركزي وقانون للمصارف كفيلان بالقضاء على التطورات غير السليمة ، وان عدم وجود جهاز للقيام بمثل هذا العمل حالياً هو من اهم أوجه النقص في لبنان . فأي بادرة غير سليمة قد تسبب عواقب وخيمة بسبب عدم وجود مصرف مركزي . وهذا يجعل أصحاب الاموال يترددون في ايداع أموالهم في المصارف اللبنانية .

بيبي : لنضرب مثلاً على هذا . فما حدث سنة 1956 اثر الاعتداء على قناة السويس ، عندما طالب اصحاب الودائع بسحب ودائعهم ، مما أحرج المصارف ، بينما كان وجود المصرف المركزي في سوريا ضمانة لسلامة الوضع المالي . كما ان المصارف اللبنانية وجدت صعوبة كبيرة في اقناع بنك سوريا ولبنان بمساعدتها .

عطا الله : ولكن هل من الممكن الحد من تدخل المصرف المركزي ؟

مونكس : على المصرف المركزي الآ ينافس المصارف التجارية ، بل أن ينظم عمليات هذه المصارف . ففي لبنان يستطيع أي مصرف حالياً ان يقوم بأي عملية مالية مهما يكن فيها من خطر على المصرف نفسه ، كأن يستثمر كل أمواله في شراء العقارات . وهذا مما يقلل من ثقة المودعين بهذه المصارف . فلو حدث هذا الامر في انكلترا مثلاً ، لتدخل البنك المركزي وطلب من المصرف تنويع استثماراته لضمان سلامة وضعه ومركزه .

عطا الله : هل تعتقدون ان لدى المصارف في لبنان المؤهلات الكافية لتقوم بالمهمة التي تقوم بها المصارف السويسرية حالياً ، أي أن تستعمل الودائع الاجنبية في استثمارات خارجية ؟

م : بالنسبة للامور المالية لا تقل المصارف في لبنان كفاءة عن المصارف السويسرية . أما القيام باستثمارات خارجية ، فهذا يوجب عليها ان تستعين بالمصارف العالمية او بالخبراء الاجانب .

عاشور : تستطيع المصارف في لبنان ان تقوم بعمليات تجارية ومالية قصيرة الأجل . أما القيام بعمليات طويلة الأجل فهذا أمر آخر .

عطا الله : ما الذي تسطيع المصارف اللبنانية عمله لتصبح قادرة على القيام بمثل هذه العمليات الطويلة الأجل، خصوصاً ما يتعلق منها بالاستثمار ؟

مونكس : تقوم المصارف في البلدان المتقدمة بإنشاء أجهزة أبحاث للاستثمار وتستعين هذه الاجهزة بعملاء في الخارج ، إذ لا يمكنها القيام بجميع الدراسات الاحصائية من دون مساعدة خارجية .

بيبي : إن بعض المصارف في لبنان تستعين ايضاً بخدمات وكلاء مصرفيين أجانب عندما يطلب اليها القيام باستثمارات خارجية . كما ان المصارف تستعين بخبراء السوق المالية المحلية اذا شاءت ان تقوم باستثمارات محلية .

عطا الله : إذن ، فهل سيكون انشاء أجهزة أبحاث للاستثمار في المصارف اللبنانية عاملاً في جعل لبنان مجالاً أفضل لاستثمار الاموال الاجنبية ؟

مونكس : إن إنشاء مثل هذه الاجهزة سوف يجعل من لبنان بلداً اكثر استقراراً وثقة بحيث يمكن للاموال الاجنبية التي تدخله ان تستثمر خارجياً . ولكن هناك بعض اصحاب الاموال الذين يودون استثمار أموالهم داخلياً . لذا فعلى المصارف ان تحصل من الشركات المحلية على معلومات و بيانات مفصلة تستعين بها .

بيبي : إن إنشاء دوائر للابحاث يتوقف على مدى الفائدة التي ستحصل عليها المصارف من مثل هذا العمل .

مونكس : هناك فائدة أكيدة من مثل هذا العمل .

عاشور : من الخطأ أن ترغم المصارف على إتخاذ مثل هذه الخطوة . فعلى المصارف ان تلمس الفوائد التي ستحصل عليها ، قبل ان تقرر ما تفعله في هذا الشأن . وهذه عملية تحتاج الى وقت طويل .

عطا الله : إن إزدياد الطلب على خدمات أجهزة الابحاث سيحض المصارف على إنشائها .

مونكس : لن يكون على جميع المصارف انشاء دوائر للاستثمار ، إذ ان هناك مصارف تخصصت في هذا النوع من العمل . وهي وحدها تحتاج الى خدمات هذه الاجهزة .

عاشور : هناك إجراء حيوي آخر على لبنان إتخاذه لتشجيع الاستثمار في لبنان ، وهوإصلاح قانون الشركات. فالقانون الحالي يهمل بعض النواحي الضرورية ولا يؤمن للمستثمر الضمانات المطلوبة . أي ان تعديل قانون الشركات ، لكي يوسع مجالات الاستثمارات المحلية ، عليه ان يساير تطورات العصر ويؤمن الضمانات الكافية للمساهم .

بيبي : هناك أمر آخر . فقانون سرية المصارف المعمول به في لبنان حالياً ، مجهول تقريباً لدى غالبية ابناء البلدان العربية المجاورة لذا يتوجب القيام بدعاية أوسع للتعريف بماهية هذا القانون . وهذا من شأنه ان يشجع أصحاب الاموال على إيداعها في لبنان .

خوري : يمكن تلخيص الاجراءات الواجب اتخاذها في لبنان كي يصبح البلد أوسع مجالاً للاستثمار في ثلاثة أمور رئيسة :

1- إنشاء مصرف مركزي

2 – تشجيع المصارف التجارية على الاهتمام بأجهزة الدراسة فيها .

3- تعديل قانون الشركات

كما ان هناك إجراء رابعاً من الضروري اللجوء اليه ، وهوتعريف الاجنبي بلبنان وبميزاته كسوق مالية .

إختتم الاستاذ موريس خوري الندوة بقوله : أشكر الزملاء اللذين اشتركوا في هذا البحث المفيد ، وأشكر هيئة تحرير مجلة ” الرائد العربي ” التي أفسحت لنا في المجال لعقد هذا الاجتماع اليوم .

نص ” الاتفاقية الودية ” المعقودة بين المصرف السويسري الوطني والمصارف السويسرية بشأن ودائع الافراد الاجانب

1 – ابتداء من 18 آب / أوغسطس 1960 ، وبالتالي في أقرب موعد يمكن فيه الغاء اتفاقية دفع فائدة على ودائع الاجل ، يتوقف دفع الفائدة على الودائع المودعة لحساب عملاء قاطنين في الخارج .

يستثنى من أحكام هذه المادة :

أ – الودائع التوفيرية والودائع لاجل للقاطنين على الحدود والذين يعبرون الحدود بصورة منتظمة ، وودائع العمال الاجانب الذين يعملون في سويسرا بصورة فصلية والاجانب القاطنين في منطقة الحدود ، شرط ان تكون هذه الودائع ودائع توفير .

ب – الودائع التي لا تزيد عن 20 الف فرنك الممثلة بودائع توفير وودائع لاجل ، للاشخاص القاطنين في الخارج والمؤسسات الخيرية والمؤسسات التي لا تهدف الى ربح .

ج – ودائع مصارف الاصدار والمصارف الاجنبية الاخرى اذا استخدمت هذه الودائع في نطاق العمليات الاعتيادية لهذه المصارف واذا لم تزد قيمة هذه الودائع عن معدل ما كانت عليه في الاشهر الستة الاولى من سنة 1960.

2 – تتعهد المصارف السويسرية للمصرف السويسري الوطني ان لا تقبل ، كودائع تسحب غب الطلب ، الاموال التي تردها بعد اول تموز / يوليو 1960 ، بل كودائع لا تسحب الا باشعار مدته ثلاثة أشهر على الاقل ، ما دامت ” الاتفاقية الودية ” سارية المفعول . ولكن تسمح بسحب هذه الودائع شرط ان يطلب المودع من البنك المودع لديه ان :

أ – يحولها الى عملات أخرى

ب – يستعملها للمساهمة في قروض اجنبية بفرنكات سويسرية .

ج – يشتري بها أسهم او سندات أجنبية

3 – تخضع الودائع المودعة بعد 18 آب / اةغسطس 1960 لعمولة ربع سنوية قدرها ربع % ، الا اذا كانت مودعة لفترة معينة لا تقل عن ستة أشهر . أما اذا سحبت هذه الودائع واستعملت للاغراض المنصوص عليها في هذه الاتفاقية فتستوفى هذه العمولة بالنسبة لقيمة الوديعة ومدة الاحتفاظ بها لدى المصرف . ولا ينطبق هذا النص على :

أ – الودائع المذكورة في المادة 1 فقرة أ وب وج .

ب – الودائع التي لا تتجاوز 50 الف فرنك سويسري .

ج – الودائع التي ينوي أصحابها استعمالها بعد فترة ستة اشهر لوفاء التزامات ناتجة عن اتفاقيات ديون وقروض في سويسرا .

د – المدفوعات على الحساب والسلف المتعلقة بسندات مودعة سابقاً شرط الا تتعدى المبالغ التي كانت تدفع عادة .

4 – تتعهد المصارف ان تمنع توظيف الاموال الاجنبية المودعة بعد 1 تموز / يوليو 1960 والتي تحرر بعد إنقضاء مهلة الثلاثة أشهر في شراء أسهم وسندات سويسرية او في شركات عقارية لها املاك في سويسرا او في الرهونات العقارية .