أبو نواس

أبو نواس
762-813م

شاعر من شعراء العصر العبّاسي الأوّل. اسمه الحسن بن هانئ بن الصّباح، وكنيته أبو نواس. ولد في الأهواز في بلاد فارس سنة 145 هـ من أبٍ عربيٍّ دمشقيٍّ وأمٍ فارسيّةٍ، ولكنه لم ينعم طويلاً بحياة الأسرة الهانئة، فقد مات أبوه في البصرة وهو بعد صغير؛ ولم تحفظ الأم عهد الوفاء والأمومة، فصرفت الصّبي إلى عطّارٍ يشتغلُ عنده في أسواق البصرة.

ولكن الحسن راح إلى جانب عمله يختلف إلى مجالس العلم، فيُخالط المسجدييّن ويتردّد على أبواب الراوية عمرو بن العلاء فيكتب لغةً وعلماً. وعاشر إلى ذلك مجان عصره وخلعائه في البصرة والكوفة، أمثال والبة بن الحبّاب ومطيع بن أيّاس، وخَلَف الأحمر، فتأثّر بهم وتخرّج على مذهبهم في التّهتك والمجون.

ثم انتقل إلى بغداد بعد خروجه سنةً كاملةً إلى البادية ليقوّم لسانه على العربية الصّحيحة. فاتّصل بالبرامكة، وآل الربيع، ومَدَح هارون الرشيد الذي لم يلبث أن سجنه لهجائه قريشاً. فتوجّه حينئذٍ إلى مصر ومدح واليها الخصيب، ولكنّه لم يقم عنده طويلا، بل هجره وهجاه، وقفل عائدًا إلى بغداد حيث كانت تستهويه مجالسها وحياة الفسق والمجون فيها.

ولما وصل الأمين إلى الخلافة انقطع النّواسي إليه وأصبح شاعره ونديمه المقرّب، يعتزّ بذلك ويزهو راضياً به على الزمان. ولكن هذا الرِّضا لم يدم طويلاً، فقد سجنه الأمين حقبةً عندما احتدم الخلاف بينه وبين أخيه المأمون، وذُكِرَ اسم الشّاعر في معرض الدعاوة السّيئة ضدّ الخليفة.

انصرف عن حياة اللّهو في السّنة الأخيرة من عمره، بعد مقتل الأمين، ولم يلبث أن مات عام199هـ إثر ضعفٍ بالغٍ وتوبةٍ، يصوّرهما في آخر ما قاله:

دبّ فيّ السقام سُفلاً وعُـلوًا                 وأراني أموت عضوًا فعضوا

لهف نفسي على ليالي وأيّام               تجـاوزتهـن لعبـًا ولـهوا

وأسأنا كل الإساءة إلى ربّنا                  صفحـًا عنـّا إلـهي وعفوا

ويُعتَبَر أبو نوّاس شاعر الخمرة بلا منازع. عاقرها ليلاً نهارًا، مقتفيًا في وصفها أثر الأعشى والأخطل النّصراني.غير أنه تفوّق عليهما معًا وأبدع، إذ كانت بالنسبة إليه المعبودة المكرمة، “فلم نستطع دون السجود لها صبراً”. وبَزّ في خمرياته كلّ شعراء العرب، ونَظر إليها نظرةً فلسفيةً تُحدّد أسلوب التّعامل معها، ووَضَع أصول المنادمة وآدابها، ولخّصها في خمسة شروطٍ بقوله:

أصول الشّرب والندمانِ خمسٌ               فأولها التزيّن بالوقارِ

وجعل الخمرةُ تسكن الجنائن والقصور ونزّهها عن سُكنى الخيام، محتقراً العرب وعاداتهم، مدفوعًا بالشّعوبية التي تحتقر الأعراب وتخفض من شأنهم، إذ يقول:

لا تبك ليلى ولا تطرب إلى هند           واشرب على الخمر من حمراء كالورد

ويرد على لائميه لمعاقرتهما بالقول:

دع عنك لومي فإن اللوم إغراء               وداوني بالتي كانت هي الدّاء

وخمريات النّواسي عرضُ لثقافيته المتشعّبة الواسعة التي شملت مختلف العلوم وشتى أنواع المعرفة، فكان في كلّ ذلك فارسًا مجلّيا لا يُشَقُّ له غبار.

وجاء في “وفيات الأعيان” لابن خلكان: هو أبو علي الحسن بن هانئ بن عبد الأول بن الصباح المعروف بأبي نواس الحكمي الشاعر المشهور؛ كان جده مولى الجراح بن عبد الله الحكمي والي خراسان، ونسبته إليه.

ذكر محمد بن داود بن الجراح في كتاب “الورقة” أن أبا نواس ولد بالبصرة ونشأ بها، ثم خرج إلى الكوفة مع والبة بن الحباب، ثم صار إلى بغداد. وقال غيره: إنه ولد بالأهواز ونقل منها وعمره سنتان. وأمه أهوازية اسمها جلبان، وكان أبوه من جند مروان بن محمد، آخر ملوك بني أمية، وكان من أهل دمشق، وانتقل إلى الأهواز للرباط فتزوج جلبان وأولدها عدة أولاد منهم: أبو نواس وأبو معاذ؛ فأما أبو نواس فأسلمته أمه إلى بعض العطارين، فرآه أبو أسامة والبة بن الحباب، فاستحلاه، فقال له: إني أرى فيك مخايل، أرى لك أن لا تضيعها، وستقول الشعر، فاصحبني أخرجك، فقال لهك ومن أنت؟ فقال: أنا أبو أسامة والبة بن الحباب، فقال: نعم، أنا والله في طلبك، ولقد أردت الخروج إلى الكوفة بسبب لآخذ عنك وأسمع منك شعرك؛ فصار أبو نواس معه وقدم به بغداد، فكان أول ما قاله من الشعر، وهو صبي:

حامل الهوى تعـب

 

يستخفه الـطـرب

إن بكى يحـق لـه

 

ليس ما به لـعـب

تضحكـين لاهـية

 

والمحب ينتـحـب

تعجبين من سقمـي

 

صحتي هي العجب

وهي أبيات مشهورة.

طبقة جديدة…

وروى أن الخصيب صاحب ديوان الخراج بمصر سأل أبا نواس عن نسبه فقال: أغناني أدبي عن نسبي، فأمسك عنه.

وقال إسماعيل بن لوبخت: ما رأيت قط أوسع علماً من أبي نواس، ولا أحفظ منه مع قلة كتبه، ولقد فتشنا منزله بعد موته فما وجدنا له إلا قمطراً فيه جزاز مشتمل على غريب ونحو لا غير.

وهو في الطبقة الأولى من المولدين، وشعره عشرة أنواع، وهو مجيد في العشرة، وقد اعتنى بجمع شعره جماعة من الفضلاء: منهم أبو بكر الصولي وعلي بن حمزة وإبراهيم بن أحمد بن محمد الطبري المعروف بتوزون، فلهذا يوجد ديوانه مختلفاً، ومع شهرة ديوانه لا حاجة إلى ذكر شيء منه.

وكان أبو نواس قوي البديهة والارتجال؛ روي أن الخصيب قال له مرة وهو بالمسجد الجامع: أنت غير مدافع في الشعر ولكنك لا تخطب، فقام من فوره فقال مرتجلاً:  

نحلتكم يا أهل مصر نصيحتـي

 

ألا فخذوا من ناصح بنصـيب

رماكم أمير المؤمنين بـحـية

 

أكول لحيات البـلاد شـروب

فإن يك باقي إثم فرعون فيكـم

 

فإن عصا موسى بكف خصيب

ثم التفت إليه وقال: والله لا يأتي بمثلها خطيب مصقع فكيف رأيت؟ فاعتذر إليه وحلف: ما كنت إلا مازحاً.

ورأيت في بعض الكتب أن المأمون كان يقول: لو وصفت الدنيا نفسها لما وصفت بمثل قول أبي نواس:  

ألا كل حي هالك وابن هالك

 

وذو نسب في الهالكين عريق

إذا امتحن الدنيا لبيب تكشفـت

 

له عن عدو في ثياب صديق

والبيت الأول ينظر إلى قول امرئ القيس:  

فبعض اللوم عاذلـتـي فـإنـي

 

سيكفيني التجارب وانتسـابـي

إلى عرق الثرى وشجت عروقي

 

وهذا الموت يسلبني شـبـابـي

وقد سبق في ترجمة الحسن البصري نظير هذا المعنى.

وما أحسن ظنه بربه عز وجل حيث يقول:  

تكثر ما استطعت من الخطايا

 

إذا كان القدوم على كـريم

وقال وهي من رواية أخرى:

تكثر ما استطعت من الخطايا

 

فإنك بالغ ربـا غـفـورا

ستبصر إن وردت عليه عفواً

 

وتلقى سيداً ملكـاً كـبـيرا

تعض ندامة كفـيك مـمـا

 

تركت مخافة النار السرورا

وهذا من أحسن المعاني وأغربها؛ وأخباره كثيرة.

ومن شعره الفائق المشهور قصيدته الميمية التي حسده عليها أبو تمام حبيب المقدم ذكره ووازنها بقوله:  

دمن ألم بها فقـال سـلام

 

كم حل عقدة صبره الإلمام

وأول قصيدة أبي نواس المشار إليها، وهي مما مدح به الأمين محمد بن هارون الرشيد أيام خلافته:  

يا دار ما صنعت بك الأيام

 

لم يبق فيك بشاشة تستام

يقول من جملتها في صفة ناقته:  

وتجشمت بي هول كل تنوفة

 

هوجاء فيها جـرأة إقـدام

تذر المطي وراءها فكأنهـا

 

صف تقدمهن وهي إمـام

وإذا المطي بنا بلغن محـمـداً

 

فظهورهن على الرجال حرام

وهذا البيت له حكاية سيأتي ذكرها في ترجمة ذي الرمة غيلان الشاعر المشهور.

وقد أذكرني هذا البيت واقعة جرت لي مع صاحبنا جمال الدين محمود ابن عبد الله الإربلي الأديب المجيد في صناعة الألحان وغير ذلك، فإنه جاءني إلى مجلس الحكم العزيز بالقاهرة المحروسة في بعض شهور سنة خمس وأربعين وستمائة وقعد عندي ساعة، وكان الناس يزدحمون لكثرة أشغالهم حينئذ، ثم نهض وخرج، فلم أشعر إلا وقد حضر غلامه وعلى يده رقعة مكتوب فيها هذه الأبيات:  

يا أيها المولى الذي بـوجـوده

 

أبدت محاسنـهـا لـنـا الأيام

إني حججت إلى مقامك حجة ال

 

أشواق لا ما يوجـب الإسـلام

وأنخت بالحرم الشريف مطيتي

 

فتسربت واستاقـهـا الأقـوام

فظللت أنشد عند نشداني لـهـا

 

بيتاً لمن هو في القريض إمـام

“وإذا المطي بنا بلغن محـمـداً

 

فظهورهن على الرجال حرام”

فوقفت عليها وقلت لغلامه: ما الخبر؟ فذكر أنه لما قام من عندي وجد مداسة قد سرق، فاستحسنت منه هذا التضمين. والعرب يشبهون النعل بالراحلة، وقد جاء هذا في شعر المتقدمين والمتأخرين، واستعمله المتنبي في مواضع من شعره.

ثم جاءني من بعد جمال الدين المذكور، وجرى ذكر هذه الأبيات، فقلت له: ولكن أنا اسمي أحمد، لا محمد، فقال: علمت ذلك، ولكن أحمد ومحمد سواء، وهذا التضمين حسن ولو كان الاسم أي شيء كان.

وكان محمد الأمين المقدم ذكره قد سخط على أبي نواس لقضية جرت له معه، فتهدده بالقتل وحبسه، فكتب إليه من السجن:

بك أستجير من الـردى

 

متعوذاً من سطو باسك

وحياة رأسـك لا أعـو

 

ذ لمثلها، وحاية رأسك

من ذا يكون أبـا نـوا

 

سك إن قتلت أبا نواسك

وله معه وقائع كثيرة.

حدث أحمد بن معاوية الباهلي عن عطاء الملك قال: دخلنا المسجد الجامع فإذا على السارية-مكتوب بخط جليل-التي إليها أبو عبيدة يجلس:  

صلى الإله على لوط وشيعته

 

أبا عبيدة قل باللـه آمـينـا

قال: فقال لي أبو عبيدة: امحه، قلت: لا أناله، فركع وارتفعت على ظهره حتى محوته فقلت: لم يبق إلا الطاء، فقال: الطامة في الطاء، فمحوتها، فلما جلس قال: والله ما أتهم بهذا إلا الخبيث الماجن المتهنك-يعني أبا نواس-؛ قال: فبلغ قوله أبا نواس، فحلف أنه لم يفعل ذلك، فقبل يمينه.

وكان أبو عبيدة يحب أبا نواس ويقدمه لظرفه وأدبه، وكان أبو نواس يتعلم من أبي عبيدة ويشنأ الأصمعي ويهجوه، فقيل له: ما تقول في الأصمعي؟ فقال: بلبل في قفص؛ قيل: فما تقول في خلف الأحمر؟ قال: جمع العلم وفهمه؛ قيل: فما تقول في أبي عبيدة؟ قال: ذاك أديم طوي على علم.

وكان بمصر رجل يعرف بالحسن بن عمر الأجهري يقول الشعر الضعيف، وكان ناقص العقل، فقيل له: إن أردت أن يعلو شأنك في الشعر فاهج أبا نواس، فأتاه وهو جالس في المجلس والناس حوله فأنشده:  

ألا قل للنواسي الض

 

عيف الحال والقـدر

خبرنا منـك أحـوالاً

 

فلم نحمدك في الخبر

وما روعت بالمـنـظ

 

ر ولكن رعت بالكدر

قال: وكان هذا الشاعر من أوحش الناس صورة، فنظر إليه أبو نواس وقال: بم أهجوك وبأي شيء أصفك وقد سبقني الله تعالى إلى توحش منظرك وتقبيح مخبرك؟ وهل أكون إن قلت شيئاً إلا سارقاً من ربي ومتكلفاً على ما قد كفاني؟ فقال له بعض من معه: اهجه على حال لا نقول إنه أفحمك، فقال من وزن شعره:  

بما أهجـوك لا أدري

 

لساني فيك لا يجري

إذا فكرت في هجـو

 

ك أبقيت على شعري

قال: فقاموا على أبي نواس فقبلوا رأسه وصفقوا الأيدي جهرا.

حدث الصولي عن عبد الله بن محمد بن حفص قال: غلست يوماً إلى المسجد فإذا بأبي نواس يكلم امرأة عند باب المسجد، وكنت أعرفه في مجالس الحديث والآداب، فقلت له: مثلك يقف هذا الموقف بحق أو باطل? فاعتذر ثم كتب إلي ذلك اليوم هذه الأبيات:  

إن التي أبصـرتـهـا

 

سحراً تكلمني رسـول

دسـت إلـي رسـالة

 

كادت لها نفسي تزول

من واضح الخـدين يق

 

صر خطوه ردف ثقيل

متنكب قوس الصـبـا

 

يرمي وليس له رسيل

فلو أن أذنك عـنـدنـا

 

حتى تسمع ما تقـول

لرأيت ما استقبحت من

 

أمري لديك هو الجميل

وحكى الصولي عن إسماعيل بن نصر أخي محمد بن نصر الذي يقول فيه أبو نواس من جملة قصيد:  

فصلى هذه في وقت هذي

 

فكل صلاته أبداً قضـاء

وذاك محمد تفديه نفسـي

 

وحق له وقل له الفـداء

قال: رأيت أبا نواس وقد صلى الظهر وقام يتطوع فقلت له: ما بدا لك في هذا؟ قال: ليصعد إلى السماء اليوم خبر ظريف.

حكى الصولي عن أبي العتاهية قال: لقيت أبا نواس في المسجد الجامع فعذلته وقلت له: أما آن لك أن ترعوي؟ أما حان لك أن تزدجر؟ فرفع رأسه إلي وقال:  

أتراني يا عتاهـي

 

تاركاً تلك الملاهي

أتراني مفسداً بالنس

 

ك عند القوم جاهي

قال: فلما ألححت عليه بالعذل أنشأ يقول:  

لن ترجع الأنفس عن غيها

 

ما لم يكن منها لها زاجر

قال: فوددت اني قلت هذا البيت بكل شيء قلته.

وقال أبو العتاهية: قد قلت عشرين ألف بيت في الزهد وددت أن لي مكانها الأبيات الثلاثة التي قالها أبو نواس وهي:  

يا نواسي تـوقـر

 

وتعز وتصـبـر

إن يكن ساءك دهر

 

فلما سرك أكثـر

يا كبير الذنب عفو

 

الله عن ذنبك أكبر

وأشيع عن أبي نواس أنه رجع عما كان عليه من البطالة وشرب الخمر وزهد في اللذات، فاجتمع أصحابه وأقبلوا عليه يهنئونه بذلك، فوضع بين يديه باطية وجعل لا يدخل عليه أحد يهنئه إلا شرب بين يديه رطلاً وأنشد:  

قالوا نزعت ولما يعلموا وطـري

 

في كل أغيد ساجي الطرف مياس

كيف النزوع وقلبي قد تقـسـمـه

 

لحظ العيون وقرع السن بالكـاس

قال محمد بن نافع: كان أبو نواس لي صديقاً، فوقع بيني وبينه هجرة في آخر عمره، ثم بلغتني وفاته فتضاعف علي الحزن؛ فبينا أنا بين النائم واليقظان إذا رأيته فقلت: أبا نواس؟ قال: لات حين كنية، قلت: الحسن بن هانئ؟ قال: نعم، قلت: ما فعل الله بك؟ قال: غفر لي بأبيات قلتها في علتي قبل موتي وهي تحت الوسادة؛ فأتيت أهله فلما رأوني أجهشوا بالبكاء فقلت لهم: قال أخي شعراً قبل موته، قالوا: لا نعلم إلا أنه دعا بدواة وقرطاس وكتب شيئاً لا ندري ما هو، قلت: ايذنوا لي أدخل؛ قال: فدخلت إلى مرقده فإذا ثيابه لم تحرك بعد، فرفعت وسادة فلم أر شيئاً ثم رفعت أخرى فإذا أنا برقعة فيها مكتوب:  

يا رب إن عظمت ذنوبي كثرة

 

فلقد علمت بأن عفوك أعظـم

إن كان لا يدعوك إلا محسـن

 

فمن الذي يرجو ويدعو المجرم

أدعوك رب كما أمرت تضرعاً

 

فإذا رددت يذي فمن ذا يرحـم

ما لي إليك وسيلة إلا الـرجـا

 

وجميل عفوك ثم أني مسـلـم

وقد سبق في ترجمة أبي عرم أحمد بن دراج القسطلي ذكر بعض قصيدة أبي نواس الرائية.

وذكره الخطيب أبو بكر في “تاريخ بغداد” وقال: ولد في سنة خمس وأربعين وقيل سنة ست وثلاثين ومائة، وتفي في سنة خمس، وقيل ست، وقيل ثمان وتسعين ومائة ببغداد، ودفن في مقابر الشونيزي، رحمه الله تعالى.

وإنما قيل له أبو نواس لذؤابتين كانتا له تنوسان على عاتقيه.

والحكمي-بفتح الحاء المهملة والكاف وبعدها ميم- هذه النسبة إلى الحكم بن سعد الشعيرة، قبيلة كبيرة باليمن منها الجراح بن عبد الله الحكمي، وكان أمير خراسان، وقد تقدم أن أبا نواس من مواليه فنسب إليه. وقد تقدم الكلام على سعد العشيرة في ترجمة المتنبي في حرف الهمزة.

وأما الصولي فتأتي ترجمته في المحمدين، وعلي بن حمزة لم أقف له على ترجمة. وتوزون أخذ الأدب عن أبي عمر الزاهد وبرع فيه، وكان يسكن بغداد، وتوفي في جمادى الأولى سنة خمس وخمسين وثلثمائة، رحمه الله تعالى.

من قصائده:..

وحسبك ضوؤها مصباحاً
لا جفّ دمع الذي
يا دار ما فعلت بــك
دع عنك لومي
دع الـربع ما للربع فيك نصيبُ
وعـظتك  واعظة القتير
يارُبَّ مَجْلِسِ فِتْيانٍ سمَوْتُ له،
أما يسُرُّكَ أنَّ الأرضَ زَهْراءُ
لقَدْ طالَ في رَسْمِ الدّيارِ بُكائي،
لَمّا غَدَا الثَعْلَبُ في اعتِدائِهِ،
وَارِفَة ٌ للطّيْرِ في أرْجائِها
ولا تأخُذْ عن الأعْرابِ لهْواً،
ساعٍ بكأسٍ إلى ناشٍ على طَرَبِ،
يا خاطبَ القهوة الصّهباءِ، يا مَهُرها
إصْدعْ نَجيَّ الْهُمومِ بالطّرَبِ،
ومَقْرُورٍ مَزَجْتُ له شَمولاً
وتقول طَوْراً: ذا فتى ً غَزِلٌ مَنْ غائبٌ في الحبّ لم يَؤبِ
سَخّرَ الله للأمِينِ مطايا
لَسْتُ بدارٍ عَفَتْ وغَيّرَها
ألا حَيِّ أطلالاً بسيْحانَ ، فالعذبِ
قدْ أغْتَدي، والليلُ في إهابِهِ،
يا رُبّ غَيْثٍ آمنِ السُّرُوبِ،
يا بُؤسَ كلبي سيّدِ الكلابِ،
لا أستزيدُ حَبيبي من مُواتاتي
يا أيّها العاذلُ دَعْ مَلْحاتِ
لنا خمرٌ ، وليسَ بخمر مخْلٍ ،
ياذا الذي يَخْطِرُ في مِشْيتِهْ،
ما لي وللعاذِلاتِ
قد أغتدي، والطيرُ في مثْواتِها،
وفتيَـة ٍ كنُجومُ الليْلِ أوجُهُهمْ ،
يا صاحِبَيّ عصَيْتُ مُصْطبَحـا ،
ومائِلِ الرّأسِ نشْوانٍ، شدوْتُ له:
تُعاتِبُني على شُرْبِ اصْطِباحِ،
وَأبيضَ مثلُ البَدرِ دارَة ُ وَجهِهِ،
قد عذّبَ الحبُّ هذا القلب ما صلُحـا ،
غَرَّدَ الدّيكُ الصَّدوحُ
لاصيدَ إلاّ بالصّقورِ اللُّمَّحِ
عاجَ الشقِيّ على دارٍ يُسائِلُها،
يا طِيبَنا بقُصُورِ القُفصِ، مُشرِفَة ً
باكِرْ صَبوحكَ، فهْوَ خيرُ عَتادِ،
لا تبْكِ رَسْماً بجانبِ السّنَدِ،
رُبَّ غَزَالٍ كأنّهُ قَـمَــرٌ
دَعَتِ الهمومَ إلى شغافِ فُؤادي،
أيا مُلِينَ الْحَديدِ
أرَبْعَ البـلى ! إنّ الخشـوعَ لَبـَـاد
ألا فاسقِني خمراً، وقل لي: هيَ الخمرُ،
وفتيانِ صِدْقٍ قد صَرَفْتُ مَطيّهُمْ
أعْـطَتْكَ رَيحــانَهَـا العُــقــارُ ،
وخِـمّــارٍ حـطَطْتُ إليـهِ ، لَيْــلاً ،
آذَنَكَ النّاقُوسُ بالفَجْرِ،
غدوْتُ، وما يشْجي فؤادي خَوَادشٌ
وَأحْـوَرَ ، ذمّــيٍّ ، طــرَقْتُ فِـنــاءَهُ ،
غدوْتُ على اللذّاتِ مُنهتكَ السترِ،
يا خليليّ قد خلعْتُ عذاري،
لئن هجَرتْك، بعد الوَصْل، أرْوَى ،
قـلْ للعـــذولِ بحـانَة ِ الخَـمّــارِ،
طرِبْتُ إلى خـمْـرٍ، وقَـصْـفِ الدسـاكرِ،
سقَى الله ظبياً مُبْديَ الغُنْجِ في الخطْرِ
طربْتُ إلى الصَّـنْجِ والمِـزْهَـرِ،
طابَ الزّمانُ، وأورقَ الأشجارُ،
ومُشتعِلِ الخدّيْنِ، يسحَرُ طرْفُهُ،
فَـدَتْـكَ نفـْـسي يـا أبـا جـعفرِ ،
لَمّا جَفَاني الحبِيبُ، وامتَنَعَتْ
مـنّـي إلى المُـتَـكَـبِّـــرْ ،
قد قلتُ، ليلة َ ساروا،
تــذكّـر أمـيـر اللهِ ، والعهدُ يُذكَرُ،
أيـها المُـنـتـابُ عـنْ عُـفُــرِهْ ،
ديارُ نَوارٍ، ما ديارُ نَوارِ،
وبـلـدة ٍ فـيـهـا زَوَرْ،
أمِـنْكَ للْـمكتومِ إظهــارُ،
يا مِنَّة ً إمْتَنّها السُّكْرُ،
أجارة َ بَيْتَيْنَا أبوكِ غَيورُ،
لم تــدْرِ جـارتنـا ، ولا تـدري
قـولاً لـعبّــاسٍ لــكيْ يــدري
دعِ الرّسْمَ الذي دثَرَا،
لَمّا غَدا الثعْلَبُ منْ وِجارِهِ،
يـا أيّهـا المُـطنِـبُ ذا الغــرورِ ،
لَمّا رَأيْتُ اللّيْلَ قَدْ تَشَزّرَا
وقهوَة ٍ عُـتّـقَتْ في دَيْـرِ شمّاسِ،
لأقْطَعَنّ نيَاطَ الْهَمّ بالْكاسِ،
دعْـني من النّاسِ ، ومن لـوْمِهِـمْ
ارْبَعْ على الطّلَلِ الذي انتَسَفتْ
إذا أجْـرى أميــنُ الــلــّـ
ونابهٍ في الهوى لنا ناسِ،
نبّهْ نديمَكَ، قد نَعسْ،
ألمْ تربَعْ على الطّلَل الطِّماسِ
ما منكَ سلْمى ولا أطـلالُها الدُّرُسُ،
أقولُ للقانِصِ حين غلّسَا،
أنْعـتُ كلبـاً جـالَ في رِبـاطِـهِ ،
لستُ لِدَارٍ عَفَتْ بوَصّافِ،
سقياً لبغدادَ، وأيّامِها؛
اسْـقِـني الرّاحَ عـــلى وجْـــ
حلّتْ سعادُ، وأهْلُها سَرفَا
لا تئلُ العصْمُ في الهِضابِ، ولا
وقـهـوة ٍ كجَـنيّ الـورد ، وخـالصة ،
قلْ لـذي الـوجْــه الـــرقـيـقِ
ومُلِـحّـة ٍ في العـذلِ ذاتِ نَصِـيحـَـة ٍ
لقــد صُـبّحَتْ بالخيرِ عيْنٌ تَصَبّحَتْ
ومجْلسِ خمّارٍ، إلى جنْبِ حانة
كـنـتُ منَ الحـبّ فـي ذُرَى نِـيـقِ ،
وأنمرِ الجِلدَة ِ صَيّرْتُهُ
لا بدّ أنْ أفحَصَ عن شانِهِ، قد كانَ لي حمدانُ ذا زَوْرَة ٍ،
هَـلْ مُخطِـىء ٌ حَـتْفـهُ عُـفْـرٌ بشـاهقـة ،
وندمـانِ صدقٍ بل يزيد فكاهـة
يزيدُ ! ماذا دهاكَـا
أما تَرَى الشمْسَ حلّتِ الْحَمَلا،
يا رُبّ صاحبِ حانَة ٍ قد رُعتُهُ،
أمالكُ باكرِ الصّهبَـاءَ مـالِ ،
ومَجلسٍ ما لَهُ شَبيهٌ،
وخمّارٍ تحطَطْـتُ إلَيـهِ رَحْلي ،
أحسنُ مِنْ وَقفَة ٍ على طَلَلِ،
دَعِ الوقوفَ على رَسْمٍ وأطْلالِ
مالي بدارٍ خلَتْ من أهلِها شُغُلٌ ،
وَاشْرَبَنْها كأنّها عينُ ديكٍ، انْسَ رَسْمَ الدّيارِ ثمّ الطُّلولا،
نباتُ ! بنتِ ! سباكِ اللهُ من أمَة ٍ ،
خلعْتُ مجـوني ، فاستَرَحتُ من العذْلِ ،
يا مَنْ جَـداهُ قـليـلُ ،
حيّ الديارَ وأهلَها أهـلاً،
هل عرفْتَ الرَّبْعَ أجْلَى
لولا حِـذَاريَ من جنانِ
على خُبْز إسماعيلَ واقيَـة ُ البخْلِ ،
يا شقيقَ النفْسِ من حَكَمِ
صِفَـة ُ الطّـلولِ بلاغَـة ُ القِـدْمِ ،
أديـرا عليّ الكأسَ ينْقَـشِـعُ الغَـمُّ ،
إذا خـطَرَتْ فيكَ الهمومَ ، فداوِهـا
وغريرِ الشّبابِ، محتبكِ الحسـ
يا خَليلَيّ مِن بَني مَخزُومِ
نمتُ إلى الصّبحِ، وإبْليسُ لي
يوْمَ الْخَميسِ أقَمنا ساقِياً حَكَما
بكّرْ صَبوحَكَ بابنَة ِ الكرْمِ
ألا خُذْها كمِصباحِ الظّلامِ،
كتَمتُ الحبّ يا حكـمُ
أعاذلُ ما غَنّيتُ عن المُدامِ ،
يا دارُ! ما فعَلَتْ بكِ الأيّامُ،
لِمَنْ دِمَنٌ تَزْدادُ حُسْنَ رُسُومِ،
خليليّ ! هذا مَـوْقِفٌ من مُتَيَّـمٍ ،
كَفاكَ أنّي قد بِتُّ لم أنَمِ،
غَنّنا بالطّلولِ كيفَ بَلينَا،
وخَمّـارَة ِ للّهْوِ فيها بَقيّة ٌ ،
لمنْ طلَلٌ عاري المحلّ، دفينُ،
لَـعَمـرِي ما تَهيـجُ الكأسُ شَـوْقي ،
عُـجْ للوُقوفِ على راحٍ ، وريحانِ ،
ياساحِرَ الطّرْفِ ! أنت الدّهرَ وَسنانُ ،
لا تَبْكِ للذّاهبينَ في الظُّعُنِ،
لا تَحْزَنَنَّ لفُرقة ِ الأقْرانِ،
لله طَيفٌ سرَى فأرّقَني،
حَيِّ الدّيـارَ ؛ إذِ الزّمانُ زُمانُ ؛
يا كَثيرَ النّـوحِ في الدّمَـنِ ،
يا مَنْ يُبادِلُني عِشقاً بسُلوانِ،
لمن طَلَلٌ لم أُشْجِه، وشَجاني،
طرَحتمْ منَ التّرْحالِ ذِكْراً، فغَمّنا،
ذكرَ الكَرْخَ نازحُ الأوطانِ،
وجْهُ بنانٍ كأنّهُ قمَرٌ
جالستُ يوماً أباناً ؛
ألا كلّ بصرِيٍّ يرَى أنّما العُلى
قد أسْبِقُ الجارِية َ الْجُونَا
الدّارُ أطْـبَقَ إخْـراسٌ على فِـيها ،
لِمَنِ الدّيّارُ تَسَـرْبَلَـتْ بِـبِـلاها ،