آراء في مشروع الضمان الاجتماعي اللبناني

                                                                                

آراء في مشروع الضمان الاجتماعي اللبناني

الفلسفة التي يرتكز عليها مشروع القانون ليست سليمة

ظروف لبنان توجب الأخذ بفكرة الانعاش الاجتماعي

ابراهيم قمبرجي
استاذ علوم في مشاكل العمل والعلاقات الصناعية
مدرس اقتصاد في جامعة ميسوري الاميركية سابقاً
نشر المقال في ايار/ مايو 1961 ، العدد السابع ، الرائد العربي

إن مشروع قانون الضمان الاجتماعي الذي وضعته لجنة العمل التابعة لوزارة الشؤون الاجتماعية جاء يحقق للعامل الذي يشمله نظام الضمان المكاسب التالية :

1 – يضمن مشروع القانون العامل ضد المرض ويضمن العاملة ، بالاضافة الى ذلك ، في حالات الامومة .

2 – يضمن المشروع العامل ضد طوارىء العمل والامراض المهنية .

3 – ينظم المشروع التعويضات العائلية المستحقة للاجراء حسب قانون العمل اللبناني .

4 – ينظم المشروع تعويضات نهاية الخدمة .

إن هذه المكاسب الاربعة التي وضع المشروع لتحقيقها بحاجة الى ان يناقشها اصحاب العلاقة المختصون والخبراء مناقشة توضح بالضبط نصيبها من الصحة والواقعية والفائدة من الوجهة الصناعية والاجتماعية . إن المناقشة الدائرة اليوم حول المشروع ما زالت مقصورة على الصحف اليومية التي لا تسمح لها طبيعتها ايفاء الموضوع حقه . كما ان أغلب الانتقادات التي وجهت الى المشروع كانت ذات صفة شخصية او فئوية ، ولم تكن منبثقة عن أسس علمية تأخذ مصلحة المجتمع منطلقاً ومرتكزاً .

الاهداف في الميزان

اذا جئنا نبحث هذه المكاسب الاربعة واحداً واحداً ، باعتبار ان هذه المكاسب هي أهداف المشروع ، تكونت لدينا الملاحظات التالية ، نوردها بكثير من الايجاز .

– فيما يتعلق بضمان المرض والامومة ، نعتقد ان عدداً كبيراً من المؤسسات الصناعية والتجارية في البلد تعطي لعمالها وموظفيها من الامتيازات والضمانات ضد المرض ما يفوق كثيراً المكاسب التي يقترحها مشروع الضمان الاجتماعي . كما وان زج موضوع الامومة في هذا المشروع ليس مناسباً ولا هو في صالح العامل في المدى البعيد ، ذلك ان موضوع الامومة موضوع اجتماعي عام ، وليس موضوعاً اجتماعياً خاصاً يتصل برب العمل ، مع العلم ان مشروع الضمان الاجتماعي قائم في الاصل على شؤون هذه العلاقة . ولو فرضنا ان نطاق فكرة الضمان الاجتماعي يشمل موضوع الامومة ، فانه يتوجب عدم ادخاله في المشروع الحالي ، لأن هذا البند من شأنه ان يسد طريق العمل في وجه الكثير من الامهات اختصاراً للتكاليف ، ويساعد في اغلاق الباب امام المتزوجات وجود فائض دائم في اليد العاملة يسهل على صاحب العمل ان يختار بين عزباء ومتزوجة .

– اما في ما يتعلق بضمان طوارىء العمل والامراض المهنية ، فنعتقد ان مثل هذا الضمان متوفر في قانون العمل اللبناني الحالي بشكل أكمل فائدة مما هو في مشروع قانون الضمان الاجتماعي المقترح ، بدليل ان قانون العمل ينص على اعطاء العامل اجرة يوم كامل ابتداء من اول يوم لتعطله عن العمل بسبب طارىء العمل او المرض المهني ، في حين ان مشروع قانون الضمان الاجتماعي لا يوفر له ذلك ، اذ ينص على دفع ثلاثة ارباع الاجر في الفترة الاولى من طارىء العمل ، وتنخفض هذه النسبة الى النصف اذا كان العامل المصاب في المستشفى . كما ان في الضمان المقترح بعض الغبن في حق بعض اصحاب العمل . فالواضح ان بعض الاعمال تحصل فيها نسبة كبيرة من طوارىء العمل والامراض المهنية ، بينما لا تحصل تلك النسبة في اعمال اخرى ، ومع ذلك فمشروع القانون يوجب على جميع ارباب العمل الاشتراك في صندوق الضمان وكأنهم يقومون بأعمال متساوية في خطورتها على العمال وتعرضهم لاحتمالات طوارىء العمل . ولو فرضنا ان المشروع أخذ بمبدأ التمييز بين هذه المؤسسات ، وصنف اعمال كل منها من حيث نسبة طوارىء العمل ، لوجدنا ان مثل هذا العمل يغرق الدولة والصندوق في منازعات لا حصر لها بين ارباب العمل والعمال ، وقد يكون فيها العامل الخاسر الاوحد .

– اما من حيث التعويضات العائلية ، فانه يمكننا القول ان هذه التعويضات أصبحت ، من الوجهة العملية ، جزءاً من الاجور . وعلى هذا الاساس يجب ان تعتبر صميم العلاقة اليومية بين العامل ورب العمل ، وتكون ادارتها بهذه الحال كأي تعويض آخر . مع العلم ان قانون العمل الحالي يحمي العامل في موضوع التعويضات العائلية .

– اما بشأن تعويضات نهاية الخدمة ، فمن الملاحظ ان الفلسفة التي من أجلها وضعت تعويضات الصرف مفقودة بحسب المشروع المقترح . ذلك لأن القصد من تعويضات الصرف هي تمكين العامل المصروف من ان يكون حائزاً على قليل من المال النقدي الذي يؤمن له العيش خلال فترة التفتيش عن عمل آخر . وبموجب مشروع الضمان الاجتماعي لا ينال العامل تعويض الصرف الا في حالات معينهة . وهذه الحالات لا تشمل التفتيش عن عمل لأنها بحسب المشروع مقصورة على التعويض بسبب انقضاء عشرين عاماً على الاجير في الخدمة المتواصلة او اذا بلغ الاجير الستين من عمره او اذا أصيب بعجز دائم تحققت منه اللجنة الطبية المنصوص عليها في القانون او في حال زواج المرأة الاجيرة وانقطاعها عن العمل .

لقد أفقد القانون المقترح تعويض الصرف الغاية التي وضع من أجلها ، واتجه به اتجاهاً جديداً تسيطر عليه فكرة الادخار لا النجدة . هذا ، بالاضافة الى ان الفائدة من تعويض الصرف الذي ينص عليه المشروع ، هي أقل من الفائدة المنصوص عليها في قانون العمل اللبناني ، لأن مشروع الضمان الاجتماعي ينص على ان التعويض الذي يدفع للعامل في الحالات المذكورة ، انما يكون مبنياً على معدل دخل العامل في آخر سنة من سني عمله . وقد تكون هذه السنة ، لسوء حظ العامل ، ليست السنة التي كان يأخذ فيها العامل الأجر الاعلى. وهذا يمكن ان يحصل ما دام العامل قد انتقل من عمل الى آخر أقل منه مرتبة او فاعلية ، اما بسبب ضعف في الانتاجية او بسبب تقدم في السن . وليس هذا هو الحال بالنسبة لقانون العمل الساري المفعول .

من دراستنا للمكاسب التي يبشر بها القانون المقترح ، فان مشروع الضمان الاجتماعي لا يشكل بالنسبة لاهدافه أي تقدم عما هو قائم الان في قانون العمل من الوجهة الواقعية ان من الوجهة العملية في العلاقات الصناعية . وهو يشكل في بعض الحالات تراجعاً ، لا سيما في ضمان طوارىء العمل والامراض المهنية وتعويض الصرف او نهاية الخدمة .

الفلسفة التي يقوم عليها المشروع

إن الفلسفة التي ارتكز عليها المشروع ليست بالسلامة المطلوبة في مشروع قانون الغاية منه تحسين وضع العامل . والادلة على ذلك كثيرة ، أهمها ان القانون بني في الواقع على الفئة المنتجة من مجموع اليد العاملة في البلد ، مع انه من الواضح ان قسماً كبيراً من اليد العاملة يقاسي بطالة مستديمة خانقة . كما ان المشروع في بدايته لا يتناول اليد العاملة في الحقل الزراعي ، فضلاً عن ان التعويض الذي يناله العامل ، يخرج أصلاً من جيبه ، وعلى الاخص في حالات المرض والامومة التي وضعت فيها نصوص المشروع وكأنها ضمان جماعي لا ضمان اجتماعي ، أي ان العامل ورب العمل يتحملان أكلاف المشروع ويأخذ المريض منه بالقدر الذي يسهم فيه .

خلاصة الاعتراضات على المشروع اذن من حيث الفلسفة التي ارتكز عليها هي انه غير أمين الأمانة الكافية للفكرة التي جاء ليخدمها ، وهي فكرة وجود فئة من المجتمع بحاجة الى مساعدة . كما ليس في هذا المشروع اي معنى من معاني النجدة ، وكل ما تضمنه هو محاولة تنظيم شؤون العامل ورب العمل والعلاقة بينهما ، بينما الحاجة المطلوبة أعمق من ذلك . فهناك حاجة الى مساعدة يسهم فيها بصورة خاصة القادرون ليستفيد منها العامل ، وبالنتيجة العمل نفسه ، ومن وراء العمل ارباب العمل والمجتمع ككل .

ترى على أي أساس قام المشروع ؟ هل قام على أساس فكرة الانعاش الاجتماعي ، أي المساعدة المبنية على العوز والحاجة او فكرة المساعدة المبنية على المساهمة بحسب الدخل ؟ . إن المدد ق في تفاصيل وبنود مشروع الضمان الاجتماعي لا يستطيع ان يخرج بجواب على هذا السؤال لأن بعض ما فيه يشير الى غرض الانعاش ، كالتعويض العائلي مثلاً ، وبعضه الآخر يشير الى عرض الضمان الاجتماعي كما هو واضح في ضمان المرض والامومة . ولعل ضعف المشروع ناتج عن هذه البلبلة ، إذ هو يحطم نفسه كمشروع انعاش بمحاولته ، في بعض بنوده ، لأن يكون ضماناً إجتماعيا ، في حين انه لو تخلى مئة بالمئة عن كل ما هو فلسفة ضمان اجتماعي وقبل مئة بالمئة فكرة الانعاش الاجتماعي لاستطاع ان يقدم للعامل وللاقتصاد وللمجتمع خيراً كثيراً .

خلق الضمان الاجتماعي لسد حاجات مجتمع وبناء اقتصاد متطور ولم يخلق لمجتمع كمجتمعنا المتخلف اقتصادياً واجتماعياً . إن اخذ تعويصات الضمان من مساهمة العامل وصاحب العمل يكون فكرة حسنة عندما تكون الصناعة ، بوجه عام ، في حالة منيعة وتكون قادرة على تحمل التعويضات التي هي اعباء ثقيلة على هذه الصناعات الضعيفة . ففي حال عدم وجود صناعة نامية واقتصاد متطور فان الضمان الاجتماعي عبء لا يجوز ان يتحمله العامل وصاحب العمل وحدهما ، بل لا بد من ان يسهم في اكلافه كل دافعي الضرائب بصورة عادلة ومدروسة . والحقيقة تبقى ان الاخذ بمبدأ الانعاش الاجتماعي لا يشكل نجدة للعامل وحده ولا لصاحب العمل وانما في الحال التي نحن فيها ، يكون نجدة للنمو الاقتصادي في البلد ، لأنه يشكل تخفيفاً من الاعباء الملقاة على الصناعة ومساعدة لها على التأسيس والتطور والاستقواء .

إذا شئنا ان نكون واقعيين وعمليين ، فلا بد لنا من ان نبدأ ، قبل كل شىء ، بالفصل بين الاشياء التي يجب تركها للعلاقة الثنائية بين العامل ورب العمل ، وتلك التي تتصل بامور خارج هذه العلاقة . فضمان طوارىء العمل وتعويض الصرف والتعويض العائلي بشكله الحاضر ، كلها امور تتصل بصميم العلاقة الصناعية بين العامل ورب العمل ، ويجب تنحيتها عن اي مشروع للانعاش وتركها لقانون العمل العادي وما يحتويه من ضمانات . اما الضمان ضد المرض والامومة فيجب ان تتحمل الدولة اعباءه ، إن لم يكن كلياً فعلى الأقل في جزء منه .

لبنان بحاجة لمشروع إنعاش

لو جاء مشروع الضمان الاجتماعي خلواً من النقائص التي أشرنا اليها في تعليقنا على المكاسب الاربعة التي ناد بها ، ولو جاء مبنياً اكثر مما هو الآن على مساهمة الدولة في تحمل نصيب اكبر من التعويضات العمالية، ولو كان أكثر شمولاً كي يسهم في تعميم خيره على اكبر جزء من المجتمع ، ولو توفرت في المشروع المقترح كل هذه الامور ، لكان بحق مشروع الانعاش الذي يحتاج اليه لبنان في هذ الطور الذي يمر به اليوم. فوجود مشروع انعاش اجتماعي صحيح لا يوفر ازدهاراً اقتصادياً فحسب ، بل يوفر استقرار البلد الاجتماعي والسياسي على نحو منيع وعادل متطور .

إنه ليوم سعد يطل على لبنان يوم يرى البلد ضماناً ضد المرض واثقال الامومة كبندين جوهريين في بنود مشروع اجتماعي تتولى الحكومة فيه تأمين تكاليف الضمان بقصد تخفيف اعباء مرهقة عن القطاعات الاقتصادية من صناعية وتجارية وسواها ، وتسهم بالتالي اسهاماً فعالاً ونشطاً في التنمة الاقتصادي وفي تحقيق العدالة الاجتماعية التي يستفيد منها الكل ، وبنوع خاص ، افراد الفئات المحتاجة . كل ذلك يجب ان يترافق مع سن قانون عمل يتماشى مع تطور المجتمع ككل اجتماعياً واقتصادياً وسياسياً .

الصعوبات الادارية

ليس أخطر من التشاؤم القاتل الا التفاؤل غير المبرر . فالحكومة تكون مبالغة في تفاؤلها ان هي ظنت ان مشروع الضمان الاجتماعي كما اقترحته لجنة العمل ، هو مشروع جيد وممكن التنفيذ ، ان من قبل الدولة او من ينوب عنها . إن تطبيقه يدخل الدولة في تجربة ادارية صعبة للغاية . فلم يسبق للحكومة في لبنان ان تولت بنجاح ادارة مشروع بمثل هذا الطموح الواسع وبمثل هذا التعقيد . ولعل هذه السعة وهذا التعقيد لم يكونا واضحين تمام الوضوح في أذهان واضعي المشروع . ولا يكفي ان يكون الشىء نفسه قد جرب في بلاد اخرى ونجح ، لنسارع في تطبيقه في لبنان . فلكل بلد ظروفه الاقتصادية وعادته الذهنية ومعطياته الاجتماعية . وكل هذه الظروف وهذه العادات وهذه المعطيات تملي علينا ان نكون جد حذرين في الاقدام على مشروع كهذا المشروع دفعة واحدة وبدون الاعتماد على مبدأ التطور من الجزء الى الكل ومن القليل الى الكثير . إن حس الممكن يجب ان يدعم التطلع الى المرغوب فيه في كل مشروع مهم كهذا المشروع . ومن يدقق في هذا المشروع المقترح يجد ان الدولة اللبنانية كانت قليلة الطموح من حيث التطلع الى المرغوب وضعيفة التحسس بالممكن . والناحية الادارية في المشروع هي خير شاهد على هذا الضعف من حس الممكن.