ندوة الرائد: نظام الضرائب في لبنان

ندوة الرائد :

نظام الضرائب في لبنان

نشرت وقائع الندوة في ايار / مايو 1962 ، العدد التاسع عشر ، الرائد العربي

 

عقدت ” ندوة الرائد ” هذا الشهر في مكاتب المجلة واشترك فيها الاساتذة :

1 – جوزف شادر ، رئيس اللجنة المالية والاقتصادية البرلمانية في لبنان . وهو وزير سابق . وقد ادار الندوة .

2 – زكي مزبودي ، رئيس مصلحة الواردات في وزارة المالية اللبنانية واستاذ الاقتصاد في الجامعة اللبنانية .

3 – خليل سالم ، م.ع. في الاقتصاد ، دبلوم في الانماء الاقتصادي .

4 – رجا حماده ، م.ع. في الاقتصاد ، مفوض الحكومة اللبنانية لدى مصرف التسليف الزراعي الصناعي العقاري اللبناني .

5 – حسن عواضة ، مفتش المالية العام ، استاذ الاقتصاد في الجامعة اللبنانية .

وكان موضوع الندوة ” نظام الضرائب اللبناني ” .

جوزف شادر : أشكر للمجلة هذه المبادرة التي تجيء في الوقت المناسب ، ذلك ان الاوساط الرسمية والبرلمانية تبحث حالياً موضوع النظام المالي . ومن الضروري ان تنتقل ” عدوى ” هذه الابحاث الى الاوساط الصحفية . سنبدأ الآن بطرح السؤال الاول :

ما هي الاهداف ، في رأيكم ، التي يجب ان يتوخاها النظام الضرائبي في لبنان ؟.

سالم : هناك بالنسبة للدول المتقدمة اهداف متفق عليها بصورة عامة ، كما يبدو من الدراسات التي ظهرت حول هذا الموضوع . اما بالنسبة للاقتصاد المتخلف فلم تظهر بعد الدراسات الكافية.  وما ظهر من هذه الدراسات حتى الآن خرج من الهند وباكستان ومؤخراً من لبنان . لدينا في هذا المضمار المحاولة التي قام بها الاستاذ رجا حمادة . لكنني اعتقد ، رغم غياب الدراسات الكاملة، ان هناك شبه اتفاق على تشابه الخطوط العامة للنظم الضريبية في حالتي التخلف والنمو . ونستطيع ان نقسم هذه الاهداف الى اقسام ثلاثة : اهداف تتعلق اولاً بتنشيط الاستثمار او بالاحرى عدم اعاقته ، وثانياً باهداف تتعلق بتأمين نوع من العدالة الاجتماعية ، وثالثأ ما تتعلق منها بتأمين الاستقرار الاقتصادي .

إنني اعتقد ان الاختلاف بين اقتصاد نام وآخر متخلف ، من حيث تحديد اهداف النظام الضريبي ، هو في الاساس اختلاف يدور حول تحديد اولوية هذه الاهداف فيما بينها ، اضافة الى موضوع مراعاة ” الظروف الخاصة ” لكل نظام او وضع اقتصادي . وعلى ضوء هذا ، اعتقد اننا في لبنان بحاجة الى نظام ضريبي يؤمن هذه الاهداف الثلاثة ، على ان تعطى الاولوية لتشجيع التوظيف وتحقيق العدالة الاجتماعية ، ومن ثم الاستقرار الاقتصادي . وانا اعتقد ان هذا الهدف ليس باهمية الهدفين الآخرين بالنسبة لوضع الاقتصاد اللبناني الحالي . واحب ان أشير في هذا المجال الى ملاحظتين اثنتين : الاولى تتعلق بازدواجية الاقتصاد اللبناني ، وهي ازدواجية تقوم على وجود مجموعة من القطاعات الاقتصادية المتخلفة بالنسبة للقطاعات الاخرى . إن هذه الازدواجية بحاجة الى معالجة . ومن الضروري ان يتوجه النظام الضريبي الى معالجتها ، الامر الذي لا يفعله نظام الضرائب الحالي .

اما الملاحظة الثانية فتتعلق بتجميع النشاطات الاقتصادية جغرافياً . فالملاحظ ان أكثر الاعمال تنشط في مدينة بيروت كمحور ثم في ضواحيها ، بينما لا تنال المناطق الاخرى نصيبها من الازدهار . ومثل هذه الحالة تؤدي الى تركيز الثروة والنشاط والنفوذ والسلطة في ايدي فئة دون اخرى .

حماده : أود ان أضيف الى ما ذكره الاستاذ سالم هدفين آخرين يجب ان يتوخى تحقيقها في أي نظام ضريبي . الهدف الاول ، وهو هدف رئيس ، يتعلق ” بالكفاءة المالية ” ، أي ان تؤمن الضرائب المفروضة في بلد ما مجموع النفقات التي يجب على الحكومة ان تقوم بها ، وليس فقط تلك النفقات التي تقوم بها فعلاً في فترة زمنية معينة . ويجب ان نلاحظ ان واردات الضرائب في لبنان لا تكفي لتغطية النفقات التي تنفقها الحكومة فعلاً . اذا أخذنا مجموع الموازنات العامة ، أي الموازنات العادية والموازنات المستقلة ، فاننا نجد انه خلال السنوات الاخيرة كان هناك عجز بلغ معدله السنوي بحسب الاحصاءات التي قمت بتحضيرها نحو 46 مليون ليرة لبنانية، وهي آخر سنة قمت بتحضير احصاءاتها . وقد بلغ العجز سنة 1957 نحو 39 مليون ليرة بينما بلغ سنة 1956 نحو 27 مليون ليرة لبنانية .

شادر : هذا موضوع قابل للنقاش . فالقول ان هناك مثل هذا العجز ليس صحيحاً ابداً ابداً . ولقد ذكر الاستاذ رجا حماده في كتابه عن النظام المالي في لبنان هذا العجز ، كما ذكره ايضاً تقرير بعثة ارفد ، وهو رأي مهم جداً وخطير جداً . عندما نقول ان عجز عام 1956 في ميزانية الدولة العامة بلغ 37 مليون ليرة لبنانية ثم 46 مليون ليرة لبنانية ثم 53 مليون ليرة في السنوات التالية ، ان هذا يعني ان مجموع عجز السنوات الاخيرة بلغ حوالى مئتي مليون ليرة . ولو كان هناك عجز حقيقي بهذه القيمة لكنا اعلنا افلاسنا .

سالم : لقد قمت بدراسة هذا الموضوع وتوصلت الى نتيجة مماثلة تقريباً لتلك التي ذكرها الاستاذ حماده .

حمادة : بلغ مجموع العجز في السنوات الثلاث المذكورة حوالى 112 مليون ليرة لبنانية . هذا ، اذا استثنينا المساعدات الاميركية . وعلى كل حال ، اذا كان النظام الضرائبي يكفي حالياً لتأمين نفقات الدولة فانه بالتأكيد ليس كافياً لتغطية النفقات التي يجب على الحكومة ان تقوم بها . وهذا ما يجب ان يتوخاه نظام الضرائب في اي بلد . والهدف الثاني الذي أود ان أذكره هو ضرورة الحد من التفاوت في ” الرفاهية الاقتصادية ” الناتجة عن الدخل وليس مجرد التفاوت في الدخل نفسه. واذا ما نظر الى نظام الضرائب اللبناني نجد انه بعيد كل البعد عن تأمين هذه الغاية ، وبعيد حتى عن تخفيف التباين في توزيع الدخل ، باعتبار ان لنظامنا الضريبي أثراً انحدارياً. وهذا ناتج عن كون أكثر الضرائب غير مباشرة ، ويقع أغلبها على حاجات ضرورية فعلاً ، كالبنزين والكاز ، او هي ضرورية بحكم العادة ، كالضريبة المفروضة على التبغ . ومع ان هذه الضرائب تصيب الغني والفقير على حد سواء ، فان أثرها النسبي أثقل على الفقير منه على الثري ، إذ تزيد نسبتها الى الدخل كلما قل الدخل وتنقص نسبتها كلما زاد . ولا يقابل هذا التناقض في الضرائب غير تصاعد في الضرائب المباشرة . فكثير من الضرائب المباشرة نسبي او قليل التصاعد .

مزبودي : اذا أردنا تحديد أهداف النظام الضرائبي الأمثل ما علينا الا ان نبحث في معطيات الواقع اللبناني كي نصل الى تحديد تلك الاهداف ، على اعتبار ان دور النظام الضريبي الحيادي قد انتهى واصبح النظام الضرائبي يستخدم كوسيلة لتحقيق غايات اقتصادية واجتماعية ، من شأنه ان يؤثر في كل القطاعات الاقتصادية ، كما انه يجب ان يؤمن رفاهية بين المواطنين لتحقيق العدالة الاجتماعية بين الجميع . وحينما نتكلم عن الناحية الاقتصادية يجب ان نفهم بالطبع ان الغاية الاقتصادية التي ينشدها كل بلد هي رفع مستوى الرفاه وتوزيع الرفاهية بين جميع طبقات الشعب وبين كل المناطق . وهذا يعني زيادة الانتاج ، وبالتالي زيادة الدخل الوطني والعمل على توزيع هذا الدخل على الجميع ، بحيث نؤمن لكل المواطنين قدرة شرائية تمكنهم من العيش برخاء وطمأنينة . فهل النظام في حالته الحاضرة يؤمن ذلك ؟ .

هناك بعض اقتباسات وبعض نصوص وضعت في حالات طارئة تحت ضغط اصحاب العلاقة ، فصدر مثلاً قانون في سنة 1954 يعفي بعض المؤسسات التي تتوفر فيها شروط معينة  من ضريبة الدخل . لكن المسألة الضريبية لم تبحث من كل نواحيها . وقد أصبحنا اليوم بحاجة لدرس الواقع اللبناني بمجمله ، ومن ثم تحديد الاهداف . واذا جاز لنا ان نحدد بعض الاهداف قبل دراسة الموضوع دراسة كاملة ، يمكننا ان نقول ان لبنان ، وهو في بداية نموه الاقتصادي ، بحاجة الى مستلزمات اساسية للتنمية ، أعني بها كل ما يتطلبه النشاط الفردي من مستلزمات لا يستطيع الفرد ان يؤمن توفيرها او لانها لا تدخل في نطاق ما هو مطلوب منه تأديته ولكنها في الوقت نفسه تؤثر في نشاط عمله ، كشبكات الطرق والمرافيء وسواها . وعلى الدولة ، في هذا الحقل ، حقل المستلزمات ، ان تحسن سبل العيش والكسب للمواطن باقامة المرافق وتأمين ، على الاقل ، بعض حاجاته الصحية والسكنية والثقافية . لكن ، من أين نأتي بالمال ؟

الهدف الاول لأي نظام ضريبي هو زيادة حصيلة الضرائب . وهذا الهدف مرتبط ومشروط باهداف اخرى ، لا سيما العدالة الضريبية . وهذا هو الهدف الثاني ، انها العدالة الضريبية غير المحققة في لبنان على اعتبار ان العدالة تقضي بالمساواة وشمول جميع المكلفين الذين لهم القدرة على الدفع . هذا الامر غير حاصل في النصوص التشريعية الحالية . ضريبة الاملاك المبنية موضوعة على أساس نسبي ، في حين ان من يحصل على دخل من تجارته او صناعته او مهنته الحرة يدفع ضريبة على أسس تصاعدية . هنا تفاوت في المعاملة تتنافى والعدالة الضريبية . ثم هناك هدف ثالث ، وهو هدف اجتماعي يتمحور حول أخذ الاوضاع الشخصية بالاعتبار . من الضروري تحديد حد ادنى من الدخل يعفى من الضريبة . وهذا الحد لا يمكن تحديده على اساس صحيح طالما ان الحاصلات غير كافية لتغطية عبء النفقات العامة . صحيح ان هناك من يستفيد من تنزيل قدره الف وخمسماية ليرة لبنانية ، لكن لا يمكن اعتبار هذا التنزيل كحد أدنى للمعيشة . وهنا تقف حصيلة الضرائب حائلاً دون رفع الحد الادنى الحقيقي للمعيشة . واذا طبقنا الحد الادنى قد تتلاشى حصيلة الضريبة .

نأتي الى الهدف الاساسي الرابع المتعلق بتفاعل الضريبة ، باعتبارها وسيلة لتحقيق غايات اقتصادية واجتماعية وتتعلق بالمتطلبات الحقيقية لمختلف القطاعات . فهل ان الضريبة تتفاعل حالياً مع المتطلبات الاقتصادية والاجتماعية ؟. هذا هو السؤال الذي يقودنا الى الهدف الخامس ، وهو ” الهدف الاداري ” ، ونعني به : التجاوب مع الفكرة القائلة بالامركزية واللاحصرية  ، كأن لا نحمل اصحاب العلاقة اعباء الانتقال من اماكن بعيدة الى الادارات المركزية لتصريف شؤونهم الضريبية . وهناك ناحية ادارية اخرى تتعلق بالنصوص الحالية الغامضة والمتناقضة احياناً ، حتى يصعب على الضالعين في الشؤون المالية تفهمها بسرعة . هناك عبارات غريبة عن زمننا الحاضر . وهناك قوانين تعود الى ايام العثمانيين . كل هذا لا يجوز . وكل هذه الامور تستلزم منا تعديل النصوص وتحديثها وجعلها واضحة وفي متناول فهم الجميع.

هذه بعض الاهداف التي يجب ان يتوخاها النظام الضرائبي والتي نحن في صدد تحقيقها حسب توفر الدراسات.

عواضة : رغم ان لبنان يعيش في ظل نظام ليبرالي واقتصاد حر ، فانا اعتقد انه لزام علينا ان نحدد معنى ذلك بالنسبة للنظام الضرائبي . وما أراه اليوم هو هذا التزايد في التدخل الحكومي في العالم وفي لبنان في شؤون المال والاقتصاد . وانني اعتقد ان هذا الدور سيستمر بالازدياد في المستقبل . وقد لا نصل في لبنان الى ” التوجيه الاقتصادي ” في نظام تشرف عليه الدولة ، لكن ذلك لا يعني ان دور الحكومة ليس آخذاً بالازدياد ، ومن ضمنه التدخل المتزايد في النظام الضرائبي وصياغته . فالضريبة قد أصبحت اليوم اكثر من مجرد اداة تحقق أهدافاً مالية ، بل هي أضحت ، وقبل كل شيء ، وسيلة من وسائل التدخل الحكومي لتحقيق أهداف اقتصادية واخرى اجتماعية ، وفي بعض الاحيان سياسية .

السؤال المطروح على بساط البحث يتوخى الكشف عن اهداف هذا النظام الاقتصادي القائم اليوم في لبنان . طبعاً هناك اهداف عامة يتوخاها كل نظام اقتصادي في كل البلدان . لكن الذي يهمنا في هذا السؤال هو لبنان .

في رأي ، اولاَ ، انه ليس من نظام ضرائبي في لبنان . هناك قوانين ضرائب فقط . ” النظام ” يفترض وجود الانسجام بين القوانين بحيث تحدد الاهداف ومن ثم تشرع القوانين لتحقيق هذه الاهداف مجتمعة . ” النظام الضرائبي ” في لبنان كنظام منسجم في اهدافه ونصوصه ليس موجوداً . هناك قوانين ضرائب مبعثرة ، سنت كل واحدة منها لجنة او مسؤول ، وليس من تنسيق بينها حتى نستطيع ان نسميها نظاماً .

شادر : صحيح .

عواضة : لقد ذكر الزملاء المشاركون في هذه الندوة كافة الاهداف الرئيسة التي يجب ان يتوخاها النظام الضرائبي في لبنان . لكنني أعتقد انه من الضروري ان نشير الى وجود تناقض ، في بعض الاحيان ، بين الاهداف التي ذكرناها . هناك ، على سبيل المثال ، تناقض بين هدف الوفرة الذي يفترض زيادة الضرائب ، وهدف تشجيع الاستثمار الذي يفترض العكس . أي انه قد يكون من الصعب ان نحقق كل الاهداف بالنسبة ذاتها.

شادر : لننتقل الآن الى السؤال الثاني .

اذا ما درسنا نظام الضرائب المعمول به حالياً في لبنان على ضوء الاهداف التي يجب ان يتوخاها السؤال الاول ، ما هي النتائج التي يمكن ان نخرج بها ؟

أ – ما هي الاراء والاقتراحات التي يمكن ان نتقدم بها من أجل اصلاح النظام الضرائبي في لبنان ؟

1 – اقتراحات بالنسبة ” لعدالة ” توزيع الضرائب .

2 – علاقة هذا النظام بالنشاط الاقتصادي من ناحيتي النمو والاستقرار .

ب – اعتماداً على النقاش الذي دار في هذه الندوة ، هل يمكننا القول ان طبيعة الاقتصاد اللبناني (التجارية والسياحية ) تستدعي تشريعات ضرائبية من نوع معين ؟ .

سالم : أعتقد اننا في بحثنا للسؤال الاول تطرقنا الى بحث السؤال الثاني . على كل حال ، نستطيع ان نقول ، على ضوء الاهداف التي حددناها في السؤال الاول ، ان نظام الضرائب اللبناني المعمول به حالياً ، يحتاج الى تنقيح كثير وتعديلات متعددة لكي يحقق الاهداف التي نتوخاها . ولنفصل :

1 – لم يأخذ المشروع الحالي ، من ناحية الاستقرار الاقتصادي ، هذه الناحية بعين الاعتبار . ولا أعتقد ان اي ضريبة وضعت لمراعاة هذه الناحية . لذلك ، فانني اعتبر نظامنا الضرائبي قد أغفل تماماً هذه الناحية .

2 – ناحية كفاءة النظام المالي . سبق ان ذكرنا خلال مداولاتنا ان القسم الاكبر من الضرائب في لبنان هو ضرائب غير مباشرة ، وان تحصيل هذا النوع من الضرائب أسهل بكثير من تحصيل الضرائب المباشرة ، ولا يمكن الحكم على كفاءة جهاز الجباية عبر تحصيل هذا النوع من الضرائب . فالامتحان الاصح للكفاءة هو في مجال جباية الضرائب المباشرة . وعلى هذاالاساس يتبين لنا ان النظام والجهاز الحاليين بحاجة الى اصلاحات جذرية كبيرة .

3 – ناحية العدالة الاجتماعية . أرى ان نظام الضرائب اللبناني لا يحقق هذه الغاية. وهنا اقسم الحديث الى قسمين اثنين : الاول يتعلق بالضرائب غير المباشرة ، والثاني يتعلق بالضرائب المباشرة .

أ – الضرائب غير المباشرة ، وهي التي تشكل الجزء الاكبر من واردات الضرائب ، تقع على عاتق كل المستهلكين ، بغض النظر عن انتاجيتهم ومستوى دخلهم وكمية الجهد الذي يبذلونه . إن دفع هذه الضريبة يتم على اساس كمية استهلاك المكلف من المواد الخاضعة للضريبة . وبالتالي ، فان هذه الضريبة لا تأخذ بالاعتبار موضوع تفاوت الدخول او الثروات .

ب – نلاحظ ، في ما يخص الضرائب المباشرة ، وجود فجوات كبيرة تؤدي الى توزيع اعباء الضريبة بشكل غير عادل اجتماعياً او اقتصادياً . ثم ان الضرائب تقع على مورد الدخل وتختلف مع اختلافه . لذلك تسهل عملية التهرب من تسديد الضريبة عن طريق التلاعب في التصريح عن موارد الدخل . وهناك ناحيتان عامتان ايضاً : الاولى ، ان النظام الضرائبي اللبناني لا يأخذ بالاعتبار نسبة المجهود الذي يبذله الفرد للحصول على دخله ، والثانية ، ان هناك تفاوتاً بين نسبة تزايد معدلات الضريبة ونسبة اتساع فئات الدخل ( income brackets ) الموازية لها خاصة بالنسبة للضريبة المفروضة على الدخل الصناعي والتجاري وغير التجاري. ففي المستويات الدنيا للدخل يلاحظ ان ” فئات الدخل ” تتسع بنسبة ادنى من نسبة الزيادة في معدلات الضرائب، بينما هي في المستويات العليا عكس ذلك . وبالتالي ، ان النظام الضرائبي هو في صالح ذوي الدخل المرتفع وليس في صالح ذوي الدخل المتوسط . ثم انه أقل تصاعدية بالفعل مما يبدو عليه في الظاهر.

إن هذه الشوائب وشبيهاتها مما يعاني منه نظام الضرائب يجب ان تعدل . ولعل في فرض ضريبة على مجمل الدخل ، أي من مختلف مصادره ، بدل الضرائب المنفردة التي تعتمد على مصدر الدخل ، حلاً صحيحاً للمشكلة.

حمادة : في رأي أن أهم ما يجب ان نسعى اليه هو وضع ضريبة شاملة على مجموع الدخل. عندها  يمكن الاستفادة بشكل اكبر من التصاعدية في الضريبة لناحيتي الكفاءة المالية والعدالة الاجتماعية . إن مشروع القانون الجديد لوضع ضريبة تصاعدية على الاملاك المبنية سيؤدي الى تحسين الوضع ، انما ما يجب ان هدف الى تحقيقه ، هو وضع ضريبة تصاعدية على مجموع الدخل ، ولا مانع من ان تكون هناك ضريبة نسبية على مصدر من مصادر الدخل على حدة ، على ان تفرض بالاضافة الى ذلك ضريبة تصاعدية على مجموع الدخل، بعد ان يتجاوز حداً معيناً .

من الممكن ايضاً ، في مجال تحسين الكفاءة المالية للنظام الضرائي اللبناني ، ان تفرض ضريبة جديدة وان تعدل الضرائب الحالية . هنالك مداخيل لا تخضع لأي ضريبة ، كالارباح المتأتية من ارتفاع اسعار الاراضي المعدة للبناء والاراضي الزراعية التي تستفيد من مشاريع الري الحكومية . وتجدر الاشارة الى ان هنالك ضريبة فرضت على مثل هذه الاراضي ، غير انها لم تطبق بعد . كما ان هنالك ضريبة الدخل التي يمكن ان تحسن تحقيقاتها ، كما يمكن ان ترفع معدلاتها على ذوي الدخل المرتفع . وكذلك يمكن رفع معدلات ضريبة الانتقال بالارث والوصايا وهي خفيفة جداً في الوقت الحاضر .

مزبودي : أعتقد ان الموضوع يتعلق بناحية تطبيق الاهداف التي سبق ان تكلمنا عنها . اما الناحية التطبيقية فتستلزم بالطبع استعراض كل القوانين الضريبية . وهناك لجنة ألفت في وزارة المالية في اوائل سنة 1961 برئاسة مدير المالية العام الاستاذ اندريه تويني ، وقد اشتركت شخصياً في اللجنة باعتباري مسؤولاً عن الضرائب ، ودرسنا امكانية تطبيق هذه الاهداف ، ووجدنا ان هناك احصاءات لا بد من جمعها . وهذه الاحصاءات بحكم المعدومة اليوم . وحتى الاحصاءات التي تتعلق بالضرائب نفسها غير موجودة ايضاً . ولكي نتمكن من تحقيق اهداف هذه الناحية التظيمية فاننا نعمل الآن في وزارة المالية على استخدام الاساليب الآلية . وهناك موافقة من وزارة المالية على استخدام مجموعة من الالآت في سبيل اعداد جداول تكليف بالضرائب واستخلاص المعلومات لمعرفة النتائج التي تترتب على تعديل هذه الضريبة او تلك ، بتحرير المعدلات زيادة او نقصاناً ، و ذلك لكي نستطيع ان نقف على المداخيل الصحيحة لكل فئة من المواطنين ، وفي كل نشاط من النشاطات . وهذه الاحصاءات ستعطينا ، بالطبع ، فكرة تقريبية عن الاوضاع . غير ان هذا التطور لا يكفي . لذلك فكرنا في اللجوء الى الهيئات الاقتصادية المختصة ، رسمية كانت او غير رسمية ، للحصول منها على المعلومات ، كما اتصلنا بالخبراء  ومن جملتهم بعثة ارفد لكي نحصل منهم على معلومات تتعلق بالنشاطات الاقتصادية .

طلبنا ايضاً من وزارة التصميم ومن مجلس التصميم تحديد نتيجة ما قام به هذا الاخير من دراسات حول ماهية الاهداف الحقيقية للنواحي التي يريد ان يؤثر فيها عن طريق الضرائب . ونحن نستهدف من ذلك ان يعطينا مجلس التصميم اهدافاً دقيقة ، حتى نلجأ بدورنا ، وبواسئلنا الضريبية الى تحقيق التأثير والتفاعل بين الضرائب والمتطلبات الاقتصادية . وحينما نحصل على هذه الدراسات والاهداف يعود الينا ان نقارن بين ما يمكننا ان نلجأ اليه ، ومع ما لجأت اليه البلدان الاخرى من تدابير ضريبية ، كي نستفيد ، لا كي نقتبس من خبرة الغير . وبعد الحصول على كل هذه الاحصاءات والدراسات واجراء المقارنات اللازمة نستطيع ، بالطبع ، ان نضع التشريع الضريبي الذي يتلافي السقوط في ما يمكن ان ندعوه عدم العدالة . وقد أحدثنا ، كما يريد الاستاذ سالم ، في قانون ضريبة الاملاك المبنية ضريبة تصاعدية على الاملاك ، ضريبة إضافية تتناول كل ما يزيد عن خمسين الف ليرة من مجموع ما يعود للمالك من مجموع املاكه في لبنان  تبدأ ب 2 بالمئة وتتصاعد الى خمسة و ثمانية و12 بالمئة ولا تتعدى هذا الرقم ، على ان تضاف الى الضريبة النسبية العائدة للبلديات والتي تبلغ 8 بالمئة زائد 13.5 بالمئة كي نؤمن نوعاً من العدالة الضريبية بين فئتين من المكلفين : فئة الملاكين وفئة التجار والصناع واصحاب المهن الحرة . ولم نغال في الضريبية التصاعدية حتى لا نؤثر على حركة العمران ، لأننا اعتبرنا ان البلد لا يزال في حاجة الى تعمير بسبب التطور الاجتماعي . فقد اعتبرنا اننا لا نزال في حاجة ملحة للبناء والتعمير لذلك جعلنا الضريبة التصاعدية معتدلة .

إنني اشارك الاستاذ سالم في ان العدالة مفقودة حتى في قانون ضريبة الدخل ، ذلك لأن هذه الضريبة لا تشمل دخلاً واحداً . ولو انه قانون واحد فانه يشتمل على عدة ضرائب . فهناك ضريبة على الرواتب والاجور ، تتصاعد من 2 بالمئة حتى تصل الى 10 بالمئة وتقف عند هذا الحد . وليس ، في رأي ، من العدل ان تقف الضريبة عند 10 بالمئة في حين تتصاعد الضريبة التجارية والصناعية الى 42 بالمئة ، سيما وان الكثيرين من اصحاب المؤسسات ، خاصة الشركات المساهمة ، يتهربون من الدفع بتحويل الارباح الى رواتب تدفع لهم حتى لا تصل الضريبة الى الحد الاقصى . وهذا ما نعمل على ازالته في سبيل القضاء على التفاوت وعدم العدالة . وهناك بالطبع الضريبة على فوائد رؤوس الاموال الموظفة التي هي بنسبة 10 بالمئة . وهنا ايضاً أشارك الاخ سالم بانها غير عادلة بالنسبة الى صغار الموظفين لأنها تجبرهم على دفع ضريبة ثقيلة وغير عادلة بالمقارنة مع ما يدفعه الكبار ، بينما هؤلاء الصغار يحتاجون الى كل قرش . وما اريد ان أقوله في النهاية اننا جادون في تحقيق العدالة الى أبعد حد ممكن . بالطبع هناك اهداف اقتصادية لا يمكننا تجاهلها . وهذه يجب ان تحدد سلفاً حتى نستطيع ان نشرع لها انظمة ضريبية . لذلك امتنع الآن عن تقديم الاقتراحات المتعلقة بهذا السبيل بانتظار الاحصاءات والمعلومات التي ستردنا قريباً .

سالم : تناول الاستاذ مزبودي الملاحظات التي أثرتها حول غايات النظام الضرائبي في لبنان ، وقد شرح المجهود الذي تبذله الادارة الحالية والاتجاهات المقترحة لمعالجة النواقص . وأقول ان هذا الشرح جاء مطمئناً . لكن شرح الاستاذ مزبودي انحصر بالملاحظات التي أثرتها حول قضية عدالة الضرائب . انما هناك نقطتن بالاضافة الى موضوع العدالة يجب اخذهما بالاعتبار . تتعلق الاولى بقابلية نظام الضرائب على التحكم بالتقلبات الاقتصادية . ويتعلق الثاني بتجمع النشاطات الاقتصادية جغرافياً في منطقة واحدة دون سواها . لذلك ارجو من الاستاذ مزبودي ان يتكرم باعطاء رأيه في هاتين الناحيتين .

مزبودي : كانت وزارة المالية ، في كل البيانات التي قدمتها ، تقول ، على سبيل المثال ، انه من المستحسن ان تخفف الضرائب عن المناطق التي يسودها الجمود في سبيل دفع المواطنين الى اقامة نشاطاتهم الاقتصادية والصناعية فيها . بالطبع لم احدد ما هي التدابير التي يمكن ان نتخذها باعتبار انني اعطيت فكرة عامة . قلت اننا بحاجة الى الانتهاء من الدراسات التي نقوم بها نحن في وزارة المال ويقوم بها غيرنا كي نجمعها ونخرج منها بأهداف ومقترحات دقيقة .

فقد سبق ان قلت ان هناك غاية اساسية هي التفاعل بين الضريبة والمتطلبات الاقتصادية . وهذا يعني بالطبع ان تتفاعل الضريبة جغرافياً مع المتطلبات الاقتصادية في كل قطاع ، ابتداء من بدء الاستثمار وانتهاء بالمستهلك .

عواضة : هناك نوعان من الاصلاح لقوانين الضرائب :

أ – اصلاح على المدى الطويل الذي تكلم عنه الاستاذ زكي مزبودي ، وهذا يتطلب دراسات مفصلة ويتم تنفيذه على مدى طويل .

ب – هناك اصلاح أخر ممكن ان يتم تحقيقه الآن ، وهو ما تقوم به حالياً وزارة المالية . وقد شرح الاستاذ مزبودي ، في هذا المجال ، تعديل قانون ضريبة الاملاك المبنية وتطرق الى بحث القوانين الاخرى .

ج – اما بالنسبة الى الضرائب المباشرة ، فيجب ان نلحظ في اصلاح نظام الضرائب ما يتطابق مع مقدرتنا كأفراد وكمؤسسات . ليس من الممكن ان تكون معدلاتنا ارفع من معدلات الدول الاخرى ، خاصة الدول العربية المجاورة . فأحد أسباب الازدهار الذي نشهده اليوم في لبنان يعود الى انخفاض الضرائب اللبنانية مما دفع ببعض رؤوس الاموال العربية الى الاستثمار في بلدنا . والشيء الثاني ، انه من الأفضل ان تقوم هيئة واحدة لتشرف على سن القوانين الضرائبية لأن هذا ، من شأنه ، ان يحدد المسؤولية وان يمنع التصادم . اما بالنسبة لتشجيع المناطق ، ان هذا شيء مهم جداً في لبنان ، وعلينا ان نستعمل الضريبة لتوزيع السكان والنشاطات على مختلف مناطق البلد ، وبذلك نشجع الصناعات خارج المدن .

شادر : الاصلاح اذن يجب ان يتم على مرحلتين : الاولى تتعلق باصلاح نستطبع ان ننفذه الآن ، وهو اصلاح جزئي لكنه يخفف من مشاكل النظام الحالي . والثاني اصلاح طويل المدى يحتاج الى دراسات واحصاءات قبل ان نفكر بتنفيذه .

هكذا انتهت الندوة التي دارت نقاشاتها حول النظام الضرائبي في لبنان . وبقي سؤال واحد كان موضوعاً في برنامجنا ولم يجب عليه المشاركون في الندوة إجابة مباشرة ، بعد ان استغرقت النقاشات وقتاً أطول مما كان من المحدد لها . هذا السؤال هو :

كثراً ما تثار مسألة ” التهرب ” من دفع الضرائب في لبنان . ما هي ، بالتحديد ، هذا المسألة وكبف يمكن مواجهتها والقضاء عليها . ونتساءل :

أ – ما هي الضرائب التي ” يسهل ” التهرب من دفعها ؟ .

ب – ما هي الثغرات الفنية والصياغية في التشريع الضرائبي التي ” تسهل ” مثل هذا التهرب ؟ .

ج – ما هي المشاكل الادارية التي تسهم في تسهيل عملية ” التهرب ” ؟ .

ه – كيف يسهم نظام ” سرية المصارف ” في تسهيل التهرب من دفع الضريبة ؟