مالك بن الريب

مالك بن الريب
تو. 56 هـ

هو مالك بن الريب بن حوط من بني مازن بن مالك بن عمرو بن تميم، ولد في أول دولة بني أمية ونشأ في بادية بني تميم بالبصرة في العراق.

كان مالك بن الريب جميلاً لبّاساً وشجاعاً وفتاكاً لا ينام إلا متوشحاً سيفه،، وكان يقطع الطريق مع ثلاثة نفرٍ من المقريبن له فطلبهم مروان بن الحكم وكان عاملا على المدينة (661-669م) فهربوا الى فارس.

لما ولى معاوية بن أبي سفيان سعيد بن عثمان بن عفان على خراسان (56هـ) لقيَ سعيدٌ مالكاً في طريقه فاستصلحه واستتابه ثم اصحبه معه وأجرى عليه في كل شهر خمسمائة دينار، وترك مالك أهله وراءه في فارس. وكانت ولاية سعيد على خراسان أقل من عام، فرجع عنها ومعه مالك بن الريب، ولم يسر سعيدٌ عن خراسان إلا قليلاً حتى مرض مالك وأشرف على الموت فخلفه وترك عنده مُرّةَ الكاتب ورجلا أخر، فكانت وفاة مالك بن الريب في خراسان في إبّان شبابه.

ورد في “الأغاني” لأبي الفرج الأصفهاني: هو مالك بن الريب بن حوط بن قرط بن حسل بن ربيعة بن كابية بن حرقوص بن مازن بن مالك بن عمرو بن تميم.

لص قاطع طريق وكان شاعراً فاتكاً لصاً، ومنشؤه في بادية بني تميم بالبصرة من شعراء الإسلام في أول أيام بني أمية.

الوالي يريد استصلاحه: أخبرني بخبره علي بن سليمان الأخفش قال: أخبرنا أبو سعيد السكري عن محمد بن حبيب عن ابن الأعرابي وعن هشام بن الكلبي وعن الفضل بن محمد وإسحاق بن الجصاص وحماد الراوية وكلهم قد حكى من خبره نحواً مما حكاه الآخرون قالوا: استعمل معاوية بن أبي سفيان سعيد بن عثمان بن عفان على خراسان، فمضى سعيد بجنده في طريق فارس، فلقيه بها مالك بن الريب المازني، وكان من أجمل الناس وجهاً، وأحسنهم ثياباً فلما رآه سعيد أعجبه، وقال له: مالك، ويحك تفسد نفسك بقطع الطريق! وما يدعوك إلى ما يبلغني عنك من العبث والفساد، وفيك هذا الفضل! قال: يدعوني إليه العجز عن المعالي، ومساواة ذوي المروءات ومكافأة الإخوان، قال: فإن أنا أغنيتك، واستصحبتك، أتكف عما كنت تفعل؟ قال: إي والله أيها الأمير، أكف كفاً لم يكف أحد أحسن منه، قال: فاستصحبه، وأجرى له خمسمائة درهم في كل شهر.

داود بن الحكم يتعقبه هو وأصحابه قالوا: وكان السبب الذي من أجله وقع مالك بن الريب إلى ناحية فارس أنه كان يقطع الطريق هو وأصحاب له، منهم شظاظ – وهو مولى لبني تميم، وكان أخبثهم – وأبو حردبة، أحد بني أثالة بن مازن، وغويث، أحد بني كعب بن مالك بن حنظلة، وفيهم يقول الراجز:

الله نجاك من القـصـيم

 

وبطن فلج ونبي تـمـيم

ومن بنى حـردبة الأثـيم

 

ومالك وسيفه المسمـوم

ومن شظاظ الأحمر الزنيم

 

ومن غويث فاتح العكوم

فساموا الناس شراً، وطلبهم مروان بن الحكم، وهو عامل على المدينة، فهربوا فكتب إلى الحارث بن حاطب الجمحي، وهو عامله على بني عمرو بن حنظلة يطلبهم، فهربوا منه.

يقتل حارسه ويخلص صديقه: فبعث إليه الحارث رجلاً من الأنصار فأخذه، وأخذ أبا حردبة، فبعث بأبي حردبة وتخلف الأنصاري مع القوم الذين كان مالك فيهم، وأمر غلاماً له، فجعل يسوق مالكاً. فتغفل مالك غلام الأنصاري، وعليه السيف، فانتزعه منه، وقتله به، وشد على الأنصاري، فضربه بالسيف حتى قتله، وجعل يقتل من كان معه يميناً وشمالاً.

ثم لحق بأبي حردبة، فتخلصه، وركبا إبل الأنصاري، وخرجا فراراً من ذلك هاربين، حتى أتيا البحرين، واجتمع إليهما أصحابهما، ثم قطعوا إلى فارس فراراً من ذلك الحدث الذي أحدثه مالك، فلم يزل بفارس، حتى قدم عليه سعيد بن عثمان، فاستصحبه.

شعره في مهربه: فقال مالك في مهربه ذلك:

أحقاً على السلطان أما الـذي لـه

 

فيعطى وأما ما يراد فـيمـنـع

إذا ما جعلت الرمل بيني وبـينـه

 

وأعرض سهب بين يبرين بلقـع

من الأدمى لا يستجم بها القـطـا

 

تكل الرياح دونـه فـتـقـطـع

فشأنكم يا آل مروان فاطـلـبـوا

 

سقاطي فما فيه لباغيه مطـمـع

وما أنا كالغير المـقـيم لأهـلـه

 

على القيد في بحبوحة الضيم يرتع

ولولا رسول الله أن كان منـكـم

 

تبين من بالنصف يرضى ويقنـع

وقال أيضاً:

لو كنتم تنكرون العذر قلت لكم

 

يا آل مروان جاري منكم الحكم

وأتقكم يمين الـلـه ضـاحـية

 

عند الشهود وقد توفي به الذمم

لا كنت أحدث سوءاً في إمارتكم

 

ولا الذي فات مني قبل ينتقـم

نحن الذين إذا خفتم مـجـلـلة

 

قلتم لنا: إننا منكم لتعتصـمـوا

حتى إذا انفرجت عنكم دجنتهـا

 

صرتم كجرم فلا إل ولا رحم

وقال مالك حين قتل غلام الأنصاري الذي كان يقوده:

غلام يقول السيف يثقل عاتقـي

 

إذا قادني وشط الرجال المجحدل

فلولا ذباب السيف ظل يقودنـي

 

بنسعته شئن البنان حـزنـبـل

أراد اغتيال مالك فاغتاله مالك وقال في ذلك شعراً قالوا: وبينا مالك بن الريب ذات ليلة في بعض هناته وهو نائم – وكان لا ينام إلا متوشحاً بالسيف – إذ هو بشيء قد جثم عليه لا يدري ما هو، فانتفض به مالك، فسقط عنه، ثم انتحى له بالسيف فقده نصفين، ثم نظر إليه فإذا هو رجل أسود كان يقطع الطريق في تلك الناحية، فقال مالك في ذلك:

أدلجت في مهمة ما إن أرى أحـداً

 

حتى إذا حان تعريس لمـن نـزلا

وضعت جنبي وقلت: الله يكلؤنـي

 

مهما تنم عنك من عين فما غفـلا

والسيف بينب وبين الثوب مشعـره

 

أخشى الحوادث إني لم أكن وكيلا

ما نمت إلا قليلا نـمـتـه شـئزاً

 

حتى وجدت على جثماني الثقـلا

داهية من دواهي الليل بـيتـنـي

 

مجاهدا يبتغي نفسي وما خـتـلا

أهويت نفحاً له واللـيل سـاتـره

 

إلا توخيته والجرس فـانـخـزلا

لما ثنى الله عنـي شـر عـدوتـه

 

رقدت لا مثبتاً ذعراً ولا بـعـلا

أما ترى الدار قفراً لا أنيس بـهـا

 

إلا الوحوش وأمسى أهلها احتملا

بين المنيفة حيث استن مدفـعـهـا

 

وبين فردة من وحشيهـا قـبـلا

وقد تقول وما تخفي لجـارتـهـا

 

إني أرى مالك بن الريب قد نحلا

من يشهد الحرب يصلاها ويسعرها

 

تراه مما كسته شاحـبـاً وجـلا

خذها فإني لضراب إذا اختلفـت

 

أيدي الرجال بضرب يختل البطلا

وقال مالك في ذلك أيضاً:

يا عـامـلاً تـحـت الــظـــلام مـــطـــية

 

متـخـايلا لإبـل وغـــير مـــخـــاتـــل

أنـي أنـخـت لــشـــابـــك أنـــيابـــه

 

مسـتـأنـس بـدجـى الـظــلام مـــنـــازل

لا يسـتـريع عـظــيمة يرمـــى بـــهـــا

 

حصـبـاً يحـفـز عـن عـظـام الـكــاهـــل

حربـا تـنـصـبـه بـنـبـــت هـــواجـــر

 

عاري الأشـاجـع كـالـحـسـام الـنــاصـــل

لم يدر مـا غـرف الـقـصــور وفـــيؤهـــا

 

طاو بـنـخـل سـوادهـا الـمـــتـــمـــايل

يقظ الفؤاد إذا القلوب تآنست

 

 جزعا ونبه كل أروع باسل

حيث الدجى متطلعا لغفوله

 

كالـذئب فـي غـلـس الـظـلام الـخــاتـــل

فوجـدتـه ثـبـت الـجـنـان مـــشـــيعـــاً

 

ركـاب مـنـســـج كـــل أمـــر هـــائل

فقـراك أبـيض كـالـعـقــيقة صـــارمـــاً

 

ذا رونـق يعـنـي الـضـــريبة فـــاصـــل

فركـتـب ردعـك بـــين ثـــنـــي فـــائز

 

يعـلـو بــه أثـــر الـــدمـــاء وشـــائل

رجل حرب لا سائس إبل قال: وانطلق مالك بن الريب مع سعيد بن عثمان إلى خراسان، حتى إذا كانوا في بعض مسيرهم اجتاجو إلى لبن، فطلبوا صاحب إبلهم، فلم يجدوه، فقال مالك لغلام من غلمان سعيد: أدن مني فلانة – لناقة كانت لسعيد عزيزة – فأدناها منه، فمسحها وأبس بها حتى درت، ثم حلبها، فإذا أحسن حلب حلبه الناس زأغزره درة، فانطلق الغلام إلى سعيد، فأخبره، فقال سعيد لمالك: هل لك أن تقوم بأمر إبلي، فتكون فيها، وأجزل لك الرزق إلى ما أرزقك، وأضع عنك الغزو؟ فقال مالك في ذلك:

أنـي لأسـسـتـحــيي الـــفـــوارس أن أرى

 

بأرض الـعـدا بـو الـمــخـــاض الـــروائم

وإنـي لأسـتـحـيي إذا الـحـرب شـــمـــرت

 

أن ارخـي دون الـحـرب ثـوب الـمـسـالـــم

ومـا أنـا بـالـنـائي الـحـفـيظة فـي الـوغــى

 

ولا الـمـتـقـى فـي الـسـلـم جـر الـجــرائم

ولا المتأني في العواقب

 

 للذي أهم به من فاتكات العزائم

ولكنني مستوحد العزم مقدم

 

علـى غـمـرات الـحـادث الـمـتـفــاقـــم

قلـيل اخـتـلاف الـرأي فـي الـحـرب بـاســل

 

جمـيع الـفـراد عـنـد حـل الــعـــظـــائم

فلما سمع ذلك منه سعيد بن عثمان، علم أنه ليس بصاحب إبل، وأنه صاحب حرب، فانطلق به معه.
مالك والذئب قالوا: وبينما مالك بن الريب ليلة نائم في بعض مفازاته إذ بيته ذئب، فزجره فلم يزدجر، فأعاد، فلم يبرح، فوثب إليه بالسيف، فضربه، فقتله، وقال مالك في ذلك:

أذئب الغضا قد صرت للنـاس ضـحـكة

 

تغادى بك الركبان شرقـاً إلـى غـرب

فأنت وإن كنـت الـجـرىء جـنـانـه

 

منيت بضرغام مـن الأسـد الـغـلـب

بمـن لا ينـام الـلـيل إلا وسـيفـــه

 

رهينة أقوام سـراع إلـى الـشـغـب

ألم تـرنـي يا ذئب إذا جـئت طـارقـاً

 

تخاتلنـي أنـي أمـرؤ وافـر الـلـب

ززجرتك مرات فلـمـا غـلـبـتـنـي

 

ولم تنزجر نهنهت غربك بـالـضـرب

فصرت لقى لـمـا عـلاك ابـن حـرة

 

بأبيض قطاع ينـجـي مـن الـكـرب

ألا رب يوم ريب لـو كـنـت شـاهـداً

 

لهالك ذكرى عند معمـعـمة الـحـرب

ولـسـت تـرى إلا كـمـيا مـجــذلا

 

يداه جميعاً تـثـبـتـان مـن الـتـرب

وآخر يهوى طـائر الـقـلـب هـاربـا

 

وكنت امرأ في الهيج مجتمع الـقـلـب

أصول بذي الزرين أمـشـي عـرضـنة

 

إلى الموت والأقران كالإبـل الـجـرب

أرى الموت لا أنحاش عنـه تـكـرمـا

 

ولو شئت لم أركب على المركب الصعب

ولكن أبـت نـفـسـي وكـانـت أبـية

 

تقاعس أو ينصاع قـوم مـن الـرعـب

تتعلق به ابنته عند الفراق فقال في ذلك شعراً قال أبو عبيدة: لما خرج مالك بن الريب مع سعيد بن عثمان تعلقت ابنته بثوبه، وبكت، وقالت له: أخشى أن يطول سفرك أو يحول الموت بيننا فلا نلتقي، فبكى وأنشأ يقول:

ولقد قلت لابنتي وهـي تـبـكـي

 

بدخيل الهمـوم قـلـبـاً كـئيبـا

وهي تذري من الدموع على الخدّي

 

ن من لوعة الـفـراق غـروبـا

عبرات يكدن يجرحن مـا جـزن

 

ن بـه أو يدعـن فـيه نـدوبـا

حذر الحتف أن يصيب أباهـا

 

ويلاقي في غير أهل شعوبا

اسكتي قد حززت بالدمع قلبي

 

طالما حز دمعكن القلـوبـا

فعسى الله أن يدفـع عـنـي

 

ريب ما تحذرين حتى أءوبـا

ليس شيء يشاؤه ذو المعالـي

 

بعزيز عليه فادعي المجيبـا

ودعي أن تقطعي الآن قلبـي

 

أو تريني في رحلتي تعذيبـا

أنا في قبضة الإلـه إذا كـن

 

ت بعيداً أو كنت منك قريبـا

كم رأينا امرأً أتى من بـعـيد

 

ومقيما على الفراش أصيبـا

فدعيني من انتحـابـك إنـي

 

لا أبالي إذا اعتزمت النحيبـا

حسبي الله ثم قربـت لـلـس

 

ير علاة أنجب بها مركوبـا

من قصائده:..

ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة
أَلا أَيُّها الباغـي البـرازَ تَقَرَّبَـن
إِنّي لأَستَحيـي الفَـوارِسَ أَن أُرى
تَأَلّى حلفَـةً فـي غَيـرِ جُـرمٍ
لَو كُنتُم تُنكِرونَ الغَدرَ قُلتُ   لَكُـم
يا عامِلاً تَحتَ الظَـلامِ مَطِيَّـهُ
أَحَقّاً عَلى السُلطانِ أَمّا الَّذي لَـهُ
وَلَقَد قُلتُ لابنَتي وَهـيَ  تَكـوي
يا قَلَّ خَيـرُ أَميـر كُنـتُ   أَتبَعُـهُ
أَدلَجتُ في مَهمَةٍ مـا إِن أَرى  أَحَـداً
فَإِن تُنصِفوا يا آلَ مَروانَ   نَقتَـرِب
أَذِئبَ الغَضا قَد صِرتَ لِلنـاسِ ضِحكَـة