ليلى الأخيلية

ليلى الأخـيلية
تو. 85 هـ

ليلى الأخيلية من أهم شاعرات العرب المتقدمات في الإسلام ولا يتقدمها أحد من النساء سوى الخنساء. هي ليلى بنت عبد الله بن الرحال وسميت الرحالة. آخر أجدادها كان يعرف بالأخيل وهم ينتسبون إلى قبيلة بني عامر.

عاصرت ليلى الأخيلية أهم أحداث عصرها السياسية، ولكن شعرها خلا من تلك الأحداث باستثناء رثائها لعثمان الذي استشهد سنة 35هـ. وبرزت ليلى بجمالها وشجاعتها التي مكنتها من التصدي لأكبر الشخصيات، ومقدرتها على إسكات فحول الشعراء بشاعريتها الواضحة في شعرها وعفتها.

نشأت ليلى منذ صغرها مع ابن عمها توبة بن الحمير. والمشهور عنها أنها عشقت توبة وعشقها. وكان يوصف بالشجاعة ومكارم الأخلاق والفصاحة. وكان اللقاء عند الكبر عندما كانت ليلى من النساء اللواتي ينتظرن الغزاة، وكان توبة مع الغزاة فرأى ليلى وافتتن بها. وهكذا توطدت علاقة حب عذري. ولكن رفض والد ليلى كان عائقاً في زواجهما.

زوّجها أبوها من أبي الأذلع. ولكن زواج ليلى لم يمنع توبة من زيارتها وكثرت زياراته لها. فتظلم بنو الأذلع إلى السلطان الذي أهدر دم توبة، إذا عاود زيارة ليلى، فأخذوا يترصدون له في المكان المعتاد. وذات يوم علمت ليلى بمجيء توبة وخرجت للقائه سافرة وجلست في طريقه فاستغرب خروجها سافرة. ولكنه فطن أنها أرادت أن تعلمه عن كمين نصب له فأخذ فرسه وركض، وكانت ليلى هي السبب في نجاته. وفي هذا الحدث يقول توبة:

وكنت إذا ما جئت ليلى تبرقعت      فقد رابني منها الغداة سفورها

تزوجت ليلى مرتين، وكان زواجها الأول من الأذلعي. ومن أهم صفات زوجها الأول أنه كان غيوراً جداً. وبعض القصص تقول إنه طلقها لغيرته الشديدة من توبة، وقصص أخرى أنه مات عنها. أما زوجها الثاني فهو سوار بن أوفي القشيري والملقب بابن الحيا. وكان سوار شاعراً مخضرماً من الصحابة. ويقال إن ليلى أنجبت منه العديد من الأولاد.

كانت ليلى في ذلك الزمان مشهورة بين الأمراء والخلفاء. فحظيت بمكانة لائقة واحترام كبير. فأسمعت الخلفاء شعرها سواء كان من الرثاء أو المديح ونالت منهم الأعطيات والرغبات. وكذلك كان الشعراء يحتكمون إليها وكانت تفاضل بينهم.

ذات يوم وفدت ليلى على معاوية بن أبي سفيان ولديها عدة قصائد مدحته فيها، وقصيدة لها وصفت فيها ناقتها التي كانت تجوب الأرض لتصل إلى معاوية فيجود عليها من كرمه. وسأل معاوية ذات يوم ليلى عن توبة العشيق إذ كان يصفه الناس بالجمال والشجاعة والكرم . فقالت “يا أمير المؤمنين سبط البنان، حديد اللسان، شجى للأقران، كريم المختبر، عفيف المئزر، جميل المنظر”. ثم قال معاوية وما قلت له ؟ قالت : “قلت ولم أتعد الحق وعلمي فنه”. فأعجب من وصفها وأمر لها بجائزة عظيمة واستنشدها المزيد.

كانت ليلى على علاقة وثيقة بالحجاج بن يوسف وبالأمويين عامة . ويذكر ذات يوم أنها دخلت على الحجاج، فاستؤذن لليلى فقال الحجاج من ليلى ؟ قيل الأخيلية صاحبة توبة . فقال: ادخلوها. فدخلت امرأة طويلة دعجاء العينين، حسنة المشية، حسنة الثغر. وعند دخولها سلمت فرد عليها الحجاج ورحب بها. وبعد جلوسها سألها عن سبب مجيئها فقالت للسلام على الأمير والقضاء لحقه والتعرض لمعروفه. ثم قال لها وكيف خلفت قومك؟ قالت تركتهم في حال خصب وأمن ودعة. أما الخصب ففي الأموال والكلأ، وأما الأمن فقد أمنه الله عز وجل، وأما الدعة فقد خامرهم من خوفك ما أصلح بينهم. ثم قالت: ألا أنشدك؟ فقال: إذا شئت، فقالت:

أحــجاج لا يفـلل سلاحك إنما المنـايا بكـف الله حيث تراها
إذا هبـط الحجاج أرضاً مريضة تتبـع أقصـى دائـها فشفـاها
شفاها من الداء العضال الذي بها غـلام إذا هـز القنـا سقـاها
سقاها دمــاء المارقين وعلـها إذا جمحت يوماً وخفيـف أذاها
إذا سمـع الحجـاج صوت كتيبة أعـد لها قبـل النـزول قراها

بعد انتهائها قال الحجاج: لله ما أشعرها. وأمر لها بخمسمائة درهم، وخمسة أثواب وخمسة جِمال. وبعد مسيرها أقبل الحجاج على مجلسه وقال: أتدرون من هذه؟ قالوا:لا والله ما رأينا امرأة أفصح وأبلغ ولا أحسن إنشاداً . قال: هذه ليلى صاحبة توبة. ولم يكن الحجاج يظهر بشاشته ولا سماحته في الخلق إلا في اليوم الذي دخلت عليه ليلى الأخيلية.

إن أغلب القدماء أشادوا بأن ليلى الأخيلية شاعرة فاقت أكثر الفحول من الشعراء، وشهدوا لها بالفصاحة والإبداع. ومن الذين أعجبوا بشعرها الفرزدق حتى أنه فضل ليلى على نفسه، وأبو نواس الذي حفظ العديد من قصائدها، وأبو تمام الذي ضرب بشعرها المثل، وأبو العلاء المعري الذي وصف شعرها بأنه حسن ظاهره.

تتسم العطفة في شعرها بالهدوء والاستسلام للقدر على شيء من التفلسف والتأمل في الوجود. ويتبين من شعرها تأثير البيئة الأموية التي عادت فيها العصبيات القبلية إلى الظهور، وتفاخر الشعراء بقبائلهم كقول الأخيلية:

نحن الأخايل لا يزال غلامنا           حتى يدب على العصا، مشهوراً
تبـكي الرماح إذا فقدن أكفنا         جزعاً، وتعرفنا الرفاق بحـوراً

ويلاحظ التأنق اللفظي في شعر الأخيلية. وهذا التأنق يأتي بعيداً عن التكلف والتعقيد. ومن أساليب التأنق اللفظي يلاحظ في شعرها الطباق، وهناك غموض خفيف وبساطة قريبة من عالم الشعر والخيال. ومن سمات شعر الأخيلية التكرار اللفظي. وهذا التكرار مستحسن لدى الأخيلية وغايته تأكيد المعنى والإكثار من الألفاظ المتشابهة.

أقبلت ليلى من سفر وأرادت أن تزور قبر توبة ذات يوم ومعها زوجها الذي كان يمنعها، ولكنها قالت: “والله لا أبرح حتى أسلم على توبة”. فلما رأى زوجها إصرارها تركها تفعل ما تشاء. فوقفت أمام القبر وقالت: “السلام عليك يا توبة”. ثم قالت لقومها ما عرفت له كذبة. فلما سألوها عن ذلك قالت أليس هو القائل:

ولو أن ليلى الأخيلية سلمـت علـي، ودوني تربـة وصـفائح
لسلمت تسليم البشاشة أوصاح إليها صدى من جانب القبر صائح

فما باله لم يسلم علي كما قال؟! وكانت بجانب القبر بومة فلما رأت الهودج فزعت وطارت في وجه الجمل، الذي أدى إلى اضطرابه ورمى ليلى على رأسها وماتت في نفس الوقت ودفنت بجانب قبر توبة. وكانت المنطقة تعرف بالري.

وورد في كتاب “الأغاني” لأبي الفرج الأصفهاني: هي ليلى بنت عبد الله بن الرحال وقيل ابن الرحالة بن شداد بن كعب بن معاوية، وهو الأخيل وهو فارسها الهرار ، ابن عبادة بن عقيل بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة. وهي من النساء المتقدمات في الشعر من شعراء الإسلام .

وكان توبة بن الحمير يهواها. وهو توبة بن الحمير بن حزم بن كعب بن خفاجة بن عمرو ابن عقيل .

جاءها توبة يوماً فسفرت له لتحذره: أخبرني ببعض أخبارهما أحمد بن عبد العزيز الجوهري ومحمد بن حبيب بن نصر المهلبي قالا حدثنا عبد الله بن أبي سعد الوراق قال حدثنا محمد بن علي أبو المغيرة قال حدثنا أبي عن أبي عبيدة قال حدثني أنيس بن عمرو العامري قال: كان توبة بن الحمير أحد بني الأسدية، وهي عامرة بنت والبة بن الحارث، وكان يتعشق ليلى بنت عبد الله بن الرحالة ويقول فيها الشعر، فخطبها إلى أبيها فأبى أن يزوجه إياها وزوجها في بني الأدلع. فجاء يوماً كما كان يجيء لزيارتها، فإذا هي سافرة ولم ير منها إليه إلا بشاشةً، فعلم أن ذلك لأمرٍ ما كان، فرجع إلى راحلته فركبها ومضى، وبلغ بني الأدلع أنه أتاها فتبعوه ففاتهم. فقال توبة في ذلك:

نأتك بليلى دارها ولا تزورهـا

 

وشطت نواها واستمر مريرها

وهي طويلة، يقول فيها:

وكنت إذا ما جئت ليلى تبرقعت

 

فقد رابني منها الغداة سفورها

أخبرني أحمد بن عبد العزيز قال حدثنا عمر بن شبة قال: كان توبة بن الحمير إذا أتى ليلى الأخيلية خرجت إليه في برقع. فلما شهر أمره شكوه إلى السلطان، فأباحهم دمه إن أتاهم. فمكثوا له في الموضع الذي كان يلقاها فيه. فلما علمت به خرجت سافرةً حتى جلست في طريقه فلما رآها سافرةً فطن لما أرادت وعلم أنه قد رصد، وأنها أسفرت لذلك تحذره، فركض فرسه فنجا. وذلك قوله:

وكنت إذا ما جئت ليلى تبرقعت

 

فقد رابني منها الغداة سفورها

قال أبو عبيدة وحدثني غير أنيس أنه كان يكثر زيارتها، فعاتبه أخوها وقومها فلم يعتب ، وشكوه إلى قومه فلم يقلع، فتظلموا منه إلى السلطان فأهدر دمه إلى أن أتاهم. وعلمت ليلى بذلك، وجاءها زوجها وكان غيوراً فحلف لئن لم تعلمه بمجيئه ليقتلنها، ولئن أنذرته بذلك ليقتلنها. قالت ليلى: وكنت أعرف الوجه الذي يجيئني منه، فرصدوه بموضعٍ ورصدته بآخر، فلما أقبل لم أقدر على كلامه لليمين، فسفرت وألقيت البرقع عن رأسي. فلما رأى ذلك أنكره فركب راحلته ومضى ففاتهم .

عرفها رجل من بني كلاب وخبره معها ومع زوجها: أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا عبد الله بن أبي سعد قال حدثني أحمد بن معاوية بن بكر قال حدثني أبو زيادٍ الكلابي قال: خرج رجل من بني كلابٍ ثم من بني الصحمة يبتغي إبلاً له حتى أوحش وأرمل ، ثم أمسى بأرض فنظر إلى بيت بوادٍ، فأقبل حيث ينزل الضيف، فأبصر امرأة وصبياناً يدورون بالخباء فلم يكلمه أحد. فلما كان بعد هدأةٍ من الليل سمع جرجرة إبلٍ رائحةٍ، وسمع فيها صوت رجلٍ حتى جاء بها فأناخها على البيت، ثم تقدم فسمع الرجل يناجي المرأة ويقول: ما هذا السواد حذاءك؟ قالت: راكب أناخ بنا حين غابت الشمس ولم أكلمه. قفال لها: كذبت، ما هو إلا بعض خلانك، ونهض فضربها وهي تناشده، قال الرجل: فسمعته يقول: والله لا أترك ضربك حتى ياتي ضيفك هذا فيغيثك. فلما عيل صبرها قالت: يا صاحب البعير يا رجل! وأخذ الصحمي هرواته ثم أقبل يحضر حتى أتاها وهو يضربها، فضربه ثلاث ضربات أو أربعاً، ثم أدركته المرأة فقالت: يا عبد الله، ما لك ولنا! نح عنا نفسك، فانصرف فجلس على راحلته وأدلج ليلته كلها وقد ظن أنه قتل الرجل وهو لا يدري من الحي بعد ، حتى أصبح في أخبيةٍ من الناس، ورأى غنماً فيها أمة مولدة، فسألها عن أشياء حتى بلغ به الذكر ، فقال: أخبريني عن أناس وجدتهم بشعب كذا . فضحكت وقالت: إنك لتسألني عن شيء وأنت به عالم. فقال: وما ذاك لله بلادك؟ فوالله ما أنا به عالم. قالت: ذاك خباء ليلى الأخيلية، وهي أحسن الناس وجهاً، وزوجها رجل غيور فهو يعزب بها عن الناس فلا يحل بها معهم، والله ما يقربها أحد ولا يضيفها، فكيف نزلت أنت بها؟ قال: إنما مررت فنظرت إلى الخباء ولم أقربه، وكتمها الأمر. وتحدث الناس عن رجل نزل بها فضربها زوجها فضربه الرجل ولم يدر من هو. فلما أخبر باسم المرأة وأقر على نفسه تغنى بشعر دل فيه على نفسه وقال:

ألا يا ليل أخت بني عـقـيلٍ

 

أنا الصحمي إن لم تعرفيني

دعتني دعوة فحجزت عنهـا

 

بصكاتٍ رفعت بها يمينـي

فإن تك غيرة أبرئك منـهـا

 

وإن تك قد جننت فذا جنوني

سألها الحجاج هل كان بينها وبين توبة ريبة وجوابها له: أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا رشد بن خنتم الهلالي قال حدثني أيوب بن عمرو عن رجل يقال له ورقاء قال: سمعت الحجاج يقول لليلى الأخيلية: إن شبابك قد ذهب، واضمحل أمرك وأمر توبة؛ فأقسم عليك إلا صدقتني، هل كانت بينكما ريبة قط أو خاطبك في ذلك قط؟ فقالت: لا والله أيها الأمير إلا أنه قال لي ليلةً وقد خلونا كلمةً ظننت أنه قد خضع فيها لبعض الأمر، فقلت له:

وذي حاجةٍ قلنا له لا تبح بها

 

فليس إليها ما حييت سبـيل

لنا صاحب لا ينبغي أن نخونه

 

وأنت لأخرى فارغ وحلـيل

فلا والله ما سمعت منه ريبةً بعدها حتى فرق بيننا الموت. قال لها الحجاج: فما كان منه بعد ذلك؟ قالت: وجه صاحباً له إلى حاضرنا فقال: إذا أتيت الحاضر من بني عبادة بن عقيل فاعل شرفاً ثم اهتف بهذا البيت:

عفا الله عنها هل أبيتـن لـيلةً

 

من الدهر لا يسري إلي خيالها

فلما فعل الرجل ذلك عرفت المعنى فقلت له:

وعنه عفا ربي وأحسن حفظه

 

عزيز علينا حاجة لا ينالهـا

مقتل توبة وسببه وكيف كان: أخبرني بالسبب في مقتل توبة محمد بن الحسن بن دريد إجازةً عن أبي حاتم السجستاني عن أبي عبيدة، والحسن بن علي الخفاف قال حدثنا عبد الله بن أبي سعد قال حدثنا محمد بن علي ابن المغيرة عن أبيه عن أبي عبيدة، وأخبرني علي بن سليمان الأخفش قال أخبرنا أبو سعيد السكري عن محمد بن حبيب عن ابن الأعرابي، ورواية أبي عبيدة أتم واللفظ له. قال أبو عبيدة: كان الذي هاج مقتل توبة بن الحمير بن حزم بن كعب بن خفاجة بن عمرو بن عقيل بن كعب ابن ربيعة بن عامر بن صعصعة أنه كان بينه وبين بني عامر بن عوف بن عقيلٍ لحاء ، ثم إن توبة شهد بني خفاجة وبني عوفٍ وهم يختصمون عند همام بن مطرف العقيلي في بعض أمورهم. قال: وكان مروان بن الحكم يومئذٍ أميراً على المدينة في خلافة معاوية بن أبي سفيان، فاستعمله على صدقات بني عامر. قال: فوثب ثور بن أبي سمعان بن كعب بن عامر بن عوف بن عقيل على توبة بن الحمير فضربه بجرزٍ وعلى توبة الدرع والبيضة، فجرح أنف البيضة وجه توبة. فأمر همام بثور بن أبي سمعان فأقعد بين يدي توبة، فقال: خذ بحقك يا توبة. فقال له توبة: ما كان هذا إلا عن أمرك، وما كان ليجترئ علي عند غيرك. وأم همام صوبانة بنت جون بن عامر بن عوف بن عقيل فاتهمه توبة لذلك، فانصرف ولم يقتص منه. فمكثوا غير كثيرٍ، وإن توبة بلغه أن ثور بن أبي سمعان خرج في نفرٍ من رهطه إلى ماء من مياه قومه يقال له قوباء يريدون مالهم بموضع يقال له جرير بتثليثٍ قال: وبينهما فلاة فاتبعه توبة في ناس من أصحابه، فسأل عنه وبحث حتى ذكر له أنه عند رجلٍ من بني عامر بن عقيل يقال له سارية بن عمير بن أبي عدي وكان صديقاً لتوبة. فقال توبة: والله لا نطرقهم عند سارية الليلة حتى يخرجوا عنه. فأرادوا أن يخرجوا حين يصبحون. فقال لهم سارية. ادرعوا الليل؛ فإني لا آمن توبة عليكم الليلة فإنه لا ينام عن طلبكم. قال: فلما تعشوا ادرعوا الليل في الفلاة. وأقعد له توبة رجلين فغفل صاحبا توبة. فلما ذهب الليل فزع توبة وقال: لقد اغتررت إلى رجلين ما صنعا شيئاً، وإني لأعلم أنهم لم يصبحوا بهذه البلاد، فاقتص آثارهم، فإذا بأثر القوم قد خرجوا، فبعث إلى صاحبيه فأتياه، فقال: دونكما هذا الجمل فأوقراه من الماء في مزادتيه ثم اتبعا أثري، فإن خفي عليكما أن تدركاني فإني سأنور لكما إن أمسيتما دوني. وخرج توبة في أثر القوم مسرعاً، حتى إذ انتصف النهار جاوز علماً يقال له أفيح في الغائط. فقال لأصحابه: هل ترون سمراتٍ إلى جنب قرون بقرٍ؟ وقرون بقر مكان هنالك فإن ذلك مقيل القوم لم يتجاوزوه فليس وراءه ظل. فنظروا فقال قائل: أرى رجلاً يقود بعيراً كأنه يقوده لصيدٍ. قال توبة: ذلك ابن الحبترية، وذلك من أرمى من رمى. فمن له يختلجه دون القوم فلا ينذرون بنا؟ قال: فقال عبد الله أخو توبة: أنا له. قال: فاحذر لا يضربنك، وإن استطعت أن تحول بينه وبين أصحابه فافعل. فخلي طريق فرسه في غمضٍ من الأرض، ثم دنا منه فحمل عليه، فرماه لابن الحبترية قال: وبنو الحبتر ناس من مذحج في بني عقيل فعقر فرس عبد الله أخي توبة واختل السهم ساق عبد الله، فانحاز الرجل حتى أتى أصحابه فأنذرهم، فجمعوا ركابهم وكانت متفرقةً. قال: وغشيهم توبة ومن معه، فلما رأوا ذلك صفوا رحالهم وجعلوا السمرات في نحورهم وأخذوا سلاحهم ودرقهم، وزحف إليهم توبة، فارتمى القوم لا يغني أحداً منهم شيئاً في أحد. ثم إن توبة وكان يترس له أخوه عبد الله، قال: يا أخي لا تترس لي؛ فإني رأيت ثوراً كثيراً ما يرفع الترس، عسى أن أوافق منه عند رفعه مرمى فأرميه. قال: ففعل، فرماه توبة على حلمة ثديه فصرعه. وجال القوم فغشيهم توبة وأصحابه فوضعوا فيهم السلاح حتى تركوهم صرعى وهم سبعة نفرٍ. ثم إن ثوراً قال انتزعوا هذا السهم عني. قال توبة: ما وضعناه لننتزعه. فقال أصحاب توبة: انج بنا نأخذ آثارنا ونلحق راويتنا، فقد أخذنا ثأرنا من هؤلاء وقد متنا عطشاً . قال توبة: كيف بهؤلاء القوم الذي لا يمنعون ولا يمتنعون !. فقالوا: أبعدهم الله. قال توبة: ما أنا بفاعل وما هم إلا عشيرتكم، ولكن تجيء الراوية فأضع لهم ماءً وأغسل عنهم دماءهم وأخيل عليهم من السباع والطير لا تأكلهم حتى أوذن قومهم بهم بعمقٍ . فأقام توبة حتى أتته الراوية قبل الليل، فسقاهم من الماء وغسل عنهم الدماء، وجعل في أساقيهم ماءً، ثم خيل لهم بالثياب على الشجر، ثم مضى حتى طرق من الليل سارية بن عويمر بن أبي عدي العقيلي فقال: إنا قد تركنا رهطاً من قومكم بسمراتٍ من قرون بقر، فأدركوهم، فمن كان حياً فداووه، ومن كان ميتاً فادفنوه، ثم انصرف فلحق بقومه. وصبح سارية القوم فاحتملهم وقد مات ثور بن أبي سمعان ولم يمت غيره. فلم يزل توبة خائفاً. وكان السليل بن ثورٍالمقتول رامياً كثير البغي والشر، فأخبر بغرةٍ من توبة وهو بقنةٍ من قنان الشرف يقال لها قنة بني الحمير، فركب في نحو ثلاثين فارساً حتى طرقه؛ فترقى توبة ورجل من إخوته في الجبل، فأحاطوا بالبيوت، فناداهم وهو في الجبل: هأنذا من تبغون فاجتنبوا البيوت. فقالوا: إنكم لن تستطيعوه وهو في الجبل، ولكن خذوا ما استدف لكم من ماله، فأخذوا أفراساً له ولإخوته وانصرفوا. ثم إن توبة غزاهم، فمر على أفلت بن حزن بن معاوية بن خفاجة ببطن بيشة . فقال: يا توبة أين تريد؟ قال: أريد الصبيان من بني عوف بن عقيلٍ. قال: لا تفعل فإن القوم قاتلوك، فمهلاً. قال: لا أقلع عنهم ما عشت، ثم ضرب بطن فرسه فاستمر به يحضر وهو يرتجز ويقول:

تنجو إذا قيل لـهـا يعـاط

 

تنجو بهم من خلل الأمشاط

حتى انتهى إلى مكانٍ، يقال له حجر الراشدة، ظليلٍ، أسفله كالعمود، وأعلاه منتشر، فاستظل فيه هو وأصحابه. حتى إذا كان بالهاجرة مرت عليه إبل هبيرة بن السمين أخي بني عوف بن عقيلٍ واردةً ماءً لهم يقال له طلوب، فأخذها وخلى طريق راعيها، وقال له: إذا أتيت صدغ البقرة مولاك فأخبره أن توبة أخذ الإبل، ثم انصرف توبة يطرد الإبل . قال: فلما ورد العبد على مولاه فأخبره نادى في بني عوف وقال: حتام هذا! فتعاقدوا بينهم نحواً من ثلاثين فارساً ثم اتبعوه. ونهضت امرأة من بني خثعم من بني الهرة كانت في بني عوف وكانت تؤخذ لهم، فقالت: أروني أثره، فخرجوا بها فأروها أثره، فأخذت من ترابه فسافته فقالت: اطلبوه فإنه سيحبس عليكم. فطلبوه فسبقهم، فتلاوموا بينهم وقالوا: ما نرى له أثراً، وما نراه إلا وقد سبقكم. قال: وخرج توبة حتى إذا كان بالمضجع من أرض بني كلابٍ جعل نذارته وحبس أصحابه. حتىإذا كان بشعبٍ من هضبةٍ يقال لها هند من كبد المضجع جعل ابن عمٍ له يقال له قابض بن عبد الله ربيئةً له على رأس الهضبة فقال: انظر فإن شخص لك شيء فأعلمنا. فقال عبد الله بن الحمير: يا توبة إنك حائن ، أذكرك الله، فوالله ما رأيت يوماً أشبه بسمرات بني عوفٍ يوم أدركناهم في ساعتهم التي أتيناهم فيها منه ، فانج إن كان بك نجاة. قال: دعني، فقد جعلت ربيئة ينظر لنا. قال: ويرجع بنو عوف بن عقيل حين لم يجدوا أثر توبة فيلقون رجلاً من غني، فقالوا له: هل أحسست في مجيئك أثر خيلٍ أو أثر إبلٍ؟ قال: لا والله. قالوا: كذبت وضربوه. فقال: يا قوم لا تضربوني؛ فإني لم أجد أثراً، ولقد رأيت زهاء كذا وكذا إبلاً شخوصاً في هاتيك الهضبة، وما أدري ما هو. فبعثوا رجلاً منهم يقال له يزيد بن رويبة لينظر حتى ما في الهضبة. فأشرف على القوم، فلما رآهم ألوى بثوبه لأصحابه حتى جاءوا، فحمل أولهم على القوم حتى غشي توبة، وفزع توبة وأخوه إلى خيلهما، فقام توبة إلى فرسه فغلبته لا يقدر على أن يلجمها ولا وقفت له، فخلى طريقها، وغشيه الرجل فاعتنقه، فصرعه توبة وهو مدهوش وقد لبس الدرع على السيف فانتزعه ثم أهوى به ليزيد بن رويبة فاتقاه بيده فقطع منها، وجعل يزيد يناشده رحم صفية، وصفية أم له من بني خفاجة. وغشي القوم توبة من ورائه فضربوه فقتلوه، وعلقهم عبد الله بن الحمير يطعنهم بالرمح حتى انكسر. قال: فلما فرغوا من توبة لووا على عبد الله بن الحمير فضربوا رجله فقطعوها. فلما وقع بالأرض أشرع سيفه وحده ثم جثا على ركبتيه وجعل يقول: هلموا، ولم يشعر القوم بما أصابه. وانصرف بنو عوف بن عقيل، وولى قابض منهزماً حتى لحق بعبد العزيز بن زرارة الكلابي فأخبره الخبر. قال: فركب عبد العزيز حتى أتى توبة فدفنه وضم أخاه. ثم ترافع القوم إلى مروان ابن الحكم، فكافأ بين الدمين وحملت الجراحات. ونزل بنو عوفٍ بن عقيلٍ البادية ولحقوا بالجزيرة والشام .

رواية لأبي عبيدة في مقتله وسببه: قال أبو عبيدة: وقد كان توبة أيضاً يغير زمن معاوية بن أبي سفيان على قضاعة وخثعمٍ ومهرة وبني الحارث بن كعبٍ. وكانت بينهم وبين بني عقيلٍ مغاورات ، فكان توبة إذا أراد الغارة عليهم حمل الماء معه في الروايا ثم دفنه في بعض المفازة على مسيرة يومٍ منها، فيصيب ما قدر عليه من إبلهم فيدخلها المفازة فيطلبه القوم، فإن دخل المفازة أعجزهم فلم يقدروا عليه فانصرفوا عنه. قال: فمكث كذلك حيناً. ثم إنه أغار في المرة الأولى التي قتل فيها هو وأخوه عبد الله بن الحمير ورجل يقال له قابض بن أبي عقيل ، فوجد القوم قد حذروا فانصرف توبة مخفقاً لم يصب شيئاً. فمر برجل من بني عوف بن عامر بن عقيلٍ متنحياً عن قومه، فقتله توبة وقتل رجلاً كان معه من رهطه واطرد إبلهما، ثم خرج عامداً يريد عبد العزيز بن زرارة بن جزء بن سفيان بن عوف بن كلاب، وخرج ابن عم لثور بن أبي سمعان المقتول، فقال له خزيمة: صر إلى بني عوف بن عامر بن عقيلٍ فأخبرهم الخبر. فركبوا في طلب توبة فأدركوه في أرض بني خفاجة، وقد أمن في نفسه فنزل، وقد كان أسرى يومه وليلته، فاستظل ببرديه وألقى عنه درعه وخلى عن فرسه الخوصاء تتردد قريباً منه، وجعل قابضاً ربيئةً له ونام، فأقبلت بنو عوف بن عامر متقاطرين لئلا يفطن لهم أحد، فنظر قابض فأبصر رجلاً منهم إلى توبة فأنبهه. فقال توبة: ما رأيت؟ قال: رأيت شخص رجلٍ واحد، فنام ولم يكترث له، وعاد قابض إلى مكانه فغلبته عيناه فنام. قال: فأقبل القوم على تلك الحال فلم يشعر بهم قابض حتى غشوه، فلما رآهم طار على فرسه. وأقبل القوم إلى توبة، وكان أول من تقدم غلام أمرد على فرس عريٍ يقال له يزيد بن رويبة ابن سالم بن كعب بن عوف بن عامر بن عقيلٍ؛ ثم تلاه ابن عمه عبد الله بن سالم ثم تتابعوا. فلما سمع توبة وقع الخيل نهض وهو وسنان فلبس درعه على سيفه ثم صوت بفرسه الخوصاء فأتته، فلما أراد أن يركبها أهوت ترمحه ، ثلاث مراتٍ، فلما رأى ذلك لطم وجهها فأدبرت، وحال القوم بينه وبينها. فأخذ رمحه وشد على يزيد بن رويبة فطعنه فأنفذ فخذيه جميعاً . وشد على توبة ابن عم الغلام عبد الله بن سالم فطعنه فقتله، وقطعوا رجل عبد الله. فلما رجع عبد الله بعد ذلك إلى قومه لاموه وقالوا له: فررت عن اخيك، فقال عبد الله بن الحمير في ذلك . قال أبو عبيدة وحدثني أيضاً مزرع بن عبد الله بن همام بن مطرف بن الأعلم قال: كان أهل دارٍ من بني جشم بن بكر بن هوازن يقال لهم بنو الشريد حلفاء لبني عداد بن خفاجة في الإسلام، فكان بينهم وبين خميس بن ربيعة رهط قومه قتال على ماءةٍ تدعى الحليفة وعامتها لجد بن همام. قال وشهد عبد الله بن الحمير ذلك وهو أعرج، عرج يوم قتل توبة فلم يغن كثير غناءٍ. فقالت بنو عقيل: لو توبة تلقاهم لبلوا منه بغير أفوق ناصل . فقال عبد الله بن الحمير يعتذر إليهم: قصيدة لعبد الله بن الحمير يعتذر فيها إلى قومه بعد قتل أخيه:

تأوبني بعـارمة الـهـمـوم

كما يعتاد ذا الـدين الـغـريم

 

كأن الهم لـيس يريد غـيري

ولو أمسى لـه نـبـط وروم

 

علام تقوم عاذلـتـي تـلـوم

تؤرقني وما إنجاب الصـريم

 

فقلت لها رويداً كي تجـلـى

غواشي النوم والليل البـهـيم

 

ألما تعلـمـي أنـي قـديمـاً

إذا ما شئت أعصي من يلـوم

 

وأن المـرء لا يدري إذا مـا

يهم علام تحمله الـهـمـوم

 

وقد تعدي على الحاجات حرف

كركن الرعن ذعلبة عـقـيم

 

مداخلة الفـقـار وذات لـوثٍ

على الحزان مقحمة غشـوم

 

كأن الرحل منها فـوق جـأبٍ

بذات الحاذ معقله الـصـريم

 

طباه برجلة الـبـقـار بـرق

فبات الليل منتصـبـاً يشـيم

 

فبينا ذاك إذ هبطـت عـلـيه

دلوح المزن واهـية هـزيم

 

تهب لها الشمال فتمـتـريهـا

ويعقبها بـنـافـحةٍ نـسـيم

 

يكب إذا الرذاذ جرى عـلـيه

كما يصغي إلى الآسي الأميم

 

إذا ما قال أقشـع جـانـبـاه

نشت من كل ناحـيةٍ غـيوم

 

فاشعـر لـيلة أرقـاً وقـراً

يسهره كما أرق الـسـلـيم

 

ألا من يشتري رجلاً برجلٍ

تخونها السلاح فما تسـوم

تلومك في القتال بنو عقيلٍ

وكيف قتال أعرج لا يقوم

ولو كنت القتيل وكان حـياً

لقاتل لا ألـف ولا سـئوم

ولا جثـامة ورع هـيوب

ولا ضرع إذا يمسي جثوم

       

قال: ثم إن خفاجة رهط توبة جمعوا لبني عوف بن عامر عقيل الذين قتلوا توبة، فلما بلغهم الخبر لحقوا ببني الحارث بن كعب، ثم افترقت بنو خفاجة. فلما بلغ ذلك بني عوف رجعوا، فجمعت لهم بنو خفاجة أيضاً قبائل عقيل. فلما رأت ذلك بنو عوف بن عامر بن عقيل لحقوا بالجزيرة فنزلوها؛ وهم رهط إسحاق بن مسافر بن ربيعة بن عاصم بن عمرو بن عامر بن عقيل. ثم إن بني عامر بن صعصعة صاروا في أمرهم إلى مروان بن الحكم وهو والي المدينة لمعاوية بن أبي سفيان، فقالوا: ننشدك الله أن تفرق جماعتنا، فعقل توبة وعقل الآخرين معاقل العرب مائةً من الإبل، فأدتها بنو عامر. قال: فخرجت بنو عوف بن عامر قتلة توبة فلحقوا بالجزيرة، فلم يبق بالعالية منهم أحد، وأقامت بنو ربيعة بن عقيلٍ وعروة ابن عقيل وعبادة بن عقيل بمكانهم بالبادية .

رواية أبي عبيدة عن مزرع في مقتله وسببه: قال أبو عبيدة وحدثنا مزرع بن عمرو بن همام قال أبو عبيدة: وكان معي أبو الخطاب وغيره قال: توبة بن حمير بن ربيعة بن كعب بن خفاجة بن عمرو بن عقيلٍ، وأمه زبيدة. فهاج بينه وبين السليل بن ثور بن أبي سمعان بن عامر بن عوف بن عقيل كلام، وكان شريراً ونظير توبة في القوة والبأس، فبلغ الحور وهو الكلام إلى أن أوعد كل واحدٍ منهما صاحبه، فالتقى بعد ذلك توبة والسليل على غديرٍ من ماء السماء، فرمى توبة السليل فقتله. ثم إن توبة أغار ثانيةً على إبل بني السمين بن كعب بن عوف بن عقيلٍ واردةً ماءهم فاطردها. واتبعوه وهم سبعة نفر: يزيد بن رويبة، وعبد الله بن سالمٍ، ومعاوية بن عبد الله قال أبو عبيدة: ولم يذكر غير هؤلاء فانصرفوا يجنبون الخيل يحملون المزاد، فقصوا أثر توبة وأصحابه فوجدوهم وقد أخذوا في المضجع من أرض بني كلابٍ في أرضٍ دمثةٍ تربةٍ، فضلت فرس توبة الخوصاء من الليل، فأقام واضطجع حتى أصبح، وساق أصحابه الإبل، وهم ثلاثة نفرٍ سوى توبة: المحرز أحد بني عمرو بن كلابٍ، وقابض بن أبي عقيل أحد بني خفاجة، وعبد الله بن حمير أخو توبة لأمه وأبيه. فلما أصبح توبة إذا فرسه الخوصاء راتعة أدنى ظلمٍ قريبة منه ليس دونها وجاح فأشلاها حتى أتته، ثم خرج يعدو حتى لحق بأصحابه، فانتهوا إلى هضبةٍ بكبد المضجع، فارتقى توبة فوقها ينظر الطلب ، فرآه القوم ولم يرهم عند طلوع الشمس، وبالت الخوصاء حين انتهت إلى الهضبة، فقال القوم: إنه لطائر أو إنسان. فركب يزيد بن رويبة وكان أحدث القوم سناً، وأمه بنت عم توبة، فأغار ركضاً حتى انتهى إلى الهضبة فإذا بول الفرس وعليه بقية من رغوته، وإذا أثر توبة يعرفونه، فرجع فخبر أصحابه. واندفع توبة وأصحابه حتى نزلوا إلى طرف هضبةٍ يقال لها الشجر من أرض بني كلاب، فقالوا بالظهيرة، فلم يشعر شعره إلا والإبل قد نفرت، وكانت بركاً بالهاجرة، من وثيد الخيل. فوثب توبةً، وكان لا يضع السيف، فصب الدرع على السيف متقلده وهلاً، وداجت القوم، فطلب قائم السيف فلم يقدر عليه تحت الدرع فلم يستطع سله، فطار إلى الرمح فأخذه، فأهوى به طعناً إلى يزيد بن رويبة، وقد كان يزيد عاهد الله ليقتلنه أو ليأخذنه، فأنفذ فخذ يزيد، واعتنقه يزيد فعض بوجنتيه، واستدبره عبد الله بالسيف ففلق رأس توبة، وهيت توبة حين اعتوره الرجلان بقابضٍ: يا قابض فلم يلو عليه، وفر قابض والكلابي، وذب عبد الله بن حمير عن أخيه، فأهوى له معاوية بن عبد الله بالسيف فأصاب ركبته فاختلعت أي سقطت. فأتى قابض من فوره ذلك عبد العزيز بن زرارة أحد بني أبي بكر بن كلابٍ فقال: قتل توبة. فنادى في قومه، فجاءه أبوه زرارة فقال: أين تريد؟ فقال: قتل توبة. فقل أبوه طوط سحقاً لك! أتطلب بدم توبة أن قتلته بنو عقيلٍ ظالماً لها باغياً عادياً عليها! قال: لكني أجنه إذاً. قال أبوه: أما هذه فنعم. فألقى السلاح وانطلق حتى أجنه، وحمل أخاه عبد الله بن حمير. قال: فأهل البادية يزعمون أن محرزاً سحر فأخذ عن سيفه. فقالت ليلى الأخيلية بنت عبد الله بن الرحالة بن شداد بن كعب ابن معاوية فارس الهرار ابن عبادة بن عقيلٍ: رثت ليلى توبة بعدة قصائد:

نظرت وركن مـن ذقـانـين دونـه

 

مفاوز حوضي أي نظـرة نـاظـر

لأونس إن لم يقصر الطرف عنـهـم

 

فلم تقصر الأخبار والطرف قاصري

فوارس أجلي شأوها عـن عـقـيرةٍ

 

لعاقرها فيهـا عـقـيرة عـاقـر

شأوها : سرعتها وهو الطلق وجريها، وقال غيره: غايتها. عقيرة: تعني توبة. لعاقرها: تعني لعاقر توبة، تريد يزيد بن رويبة. ووجه آخر : في عقيرة عاقرٍ معنى مدحٍ أي عقيرة كريمة لعاقرها. ووجه آخر: عقيرة لعاقرها: فيها الهلاك بعقرها

فآنست خيلاً بالرقـي مـغـيرةً

 

سوابقها مثل القطا المـتـواتـر

 

قتيل بني عوفٍ وأيصـر دونـه

 

قتيل بني عوفٍ قتـيل يحـابـر

 

توارده أسيافـهـم فـكـأنـمـا

 

تصادرن عن أقطاع أبيض باتـر

 

من الهندوانيات في كل قـطـعةٍ

 

دم زل عن أثرٍ من السيف ظاهر

 

أتته المنايا دون زغفٍ حـصـينةٍ

 

وأسمر خطيٍ وخوصاء ضامـر

 

على كل حرداء السراة وسـابـحٍ

 

درأن بشباك الـحـديد زوافـر

 

عوابس تعدو الثعلبـية ضـمـراً

 

وهن شواحٍ بالشكيم الشـواجـر

فلا يبعدنك اللـه يا تـوب إنـمـا

 

لقاء المنايا دارعاً مثل حـاسـر

فإلا تك القتلـى بـواءً فـإنـكـم

 

ستلقون يوماً ورده غير صـادر

وإن السليل إذ يباوي قـتـيلـكـم

 

كمرحومةٍ من عركها غير طاهر

فإن تكن القتلى بـواءً فـإنـكـم

 

فتىً ما قتلتم آل عوف بن عامـر

فتىً لا تخطاه الـرفـاق ولا يرى

 

لقدرٍ عيالاً دون جـارٍ مـجـاور

ولا تأخذ الكوم الجلاد رماحـهـا

 

لتوبة في نحس الشتاء الصنابـر

إذا ما رأته قـائمـاً بـسـلاحـه

 

تقته الخفاف بالثقال الـبـهـازر

إذا لم يجد منها برسلٍ فقـصـره

 

ذرى المرهفت والقلاص التواجر

قرى سيفه منها مشاشاً وضـيفـه

 

سنام المهاريس السباط المشافـر

وتوبة أحـيا مـن فـتـاةٍ حـييةٍ

 

وأجرأ من ليثٍ بخـفـان خـادر

ونعم الفتى إن كان توبة فـاجـراً

 

وفوق الفتى إن كان ليس بفاجـر

فتى ينهل الحاجات ثـم يعـلـهـا

 

فيطلعها عنه ثنايا الـمـصـادر

           

خرج توبة إلى الشام فلقيه زنجي وخبره معه: أخبرني الحسن بن علي عن عبد الله بن أبي سعدٍ عن أحمد بن معاوية بن بكر قال حدثني أبو الجراح العقيلي عن أمه دينار بنت خيبري بن الحمير عن توبة بن الحمير قال: خرجت إلى الشام، فبينا أنا أسير ليلةً في بلادٍ لا أنيس بها ذات شجرٍ نزلت لأريح، وأخذت ترسي فألقيته فوقي، وألقيت نفسي بين المضطجع والبارك. فلما وجدت طعم النوم إذا شيء قد تجللني عظيم ثقيل قد تجللني عظيم ثقيل قد برك علي، ونشزت عنه ثم قمصت منه قماصاً فرميت به على وجهه، وجلست إلى راحلتي فانتضيت السيف، ونهض نحوي فضربته ضربة انخزل منها، وعدت إلى موضعي وأنا لا أدري ما هو أإنسان أم سبع، فلما أصبحت إذا هو أسود زنجي يضرب برجليه وقد قطعت وسطه حتى كدت أبريه، وانتهيت إلى ناقةٍ مناخةٍ موقرةٍ ثياباً من سلبه، وإذا جارية شابةً ناهد وقد أوثقها وقرنها بناقته. فسألتها عن خبرها، فأخبرتني أنه قتل مولاها وأخذها منه. فأخذت الجميع وعدت إلى أهلي. قال أبو الجراح قالت أمي: وأنا أدركتها في الحي تخدم أهلنا .

حديث معاوية مع ليلى في توبة: أخبرنا اليزيدي عن ثعلب عن ابن الأعرابي قال أخبرنا عطاء بن مصعب القرشي عن عاصم الليثي عن يونس بن حبيبٍ الضبي عن أبي عمرو بن العلاء قال: سأل معاوية بن أبي سفيان ليلى الخيلية عن توبة بن الحمير فقال: ويحك يا ليلى! أكما يقول الناس كان توبة؟ قالت: يا أمير المؤمنين ليس كل ما يقول الناس حقاً، والناس شجرة بغيٍ يحسدون أهل النعم حيث كانوا وعلى من كانت. ولقد كان يا أمير المؤمنين سبط البنان، حديد اللسان، شجاً للأقران، كريم المخبر ، عفيف المئزر، جميل المنظر. وهو يا أمير المؤمنين كما قلت له. قال: وما قلت له؟ قالت قلت ولم أتعد الحق وعلمي فيه:

بعيد الثرى لا يبلغ القوم قـعـره

 

ألد ملد يغلب الحـق بـاطـلـه

إذا حل ركب في ذراه وظـلـه

 

ليمنعهم مما تخـاف نـوازلـه

حماهم بنصل السيف من كل فادحٍ

 

يخافونه حتى تموت خصـائلـه

فقال لها معاوية: ويحك! يزعم الناس أنه كان عاهراً خارباً . فقالت من ساعتها:

معاذ إلهي كـان والـلـه سـيدا

 

جواداً على العلات جماً نوافلـه

أغر خفاجياً يرى البخـل سـبةً

 

تحلب كفاه النـدى وأنـامـلـه

عفيفاً بعيد الهم صلبـاً قـنـاتـه

 

جميلاً محياه قلـيلاً غـوائلـه

وقد علم الجوع الذي بات سـارياً

 

على الضيف والجيران أنك قاتله

وأنك رحب الباع يا توب بالقرى

 

إذا ما لئيم القوم ضاقت منازلـه

يبيت قرير العين من بات جـاره

 

ويضحي بخيرٍ ضيفه ومنازلـه

فقال لها معاوية: ويحك يا ليلى! لقد جزت بتوبة قدره. فقالت: والله يا أمير المؤمنين لو رأيته وخبرته لعرفت أني مقصرة في نعته وأني لا أبلغ كنه ما هو أهله. فقال لها معاوية: من أي الرجال كان؟ قالت:

أتته المنايا حين تم تـمـامـه

 

وأقصر عنه كل قرنٍ يطاوله

وكان كليث الغاب يحمي عرينه

 

وترضى به أشباله وحلائلـه

غصوب حليم حين يطلب حلمه

 

وسم زعاف لا تصاب مقاتلـه

قال: فأمر لها بجائزةٍ عظيمة وقال لها: خبريني بأجود ما قلت فيه من الشعر. قالت: يا أمير المؤمنين، ما قلت فيه شيئاً إلا والذي فيه من خصال الخير أكثر منه. ولقد أجدت حين قلت:

جزى الله خـيراً والـجـزاء بـكـفـه

 

فتىً من عقيلٍ سـاد غـير مـكـلـف

 

فتىً كانت الدنـيا تـهـون بـأسـرهـا

 

عليه ولا ينـفـك جـم الـتـصـرف

 

ينـال عـلـيات الآمـور بـهـــونةٍ

 

إذا هي أعيت كـل خـرقٍ مـشـرف

 

هو الذوب بل أري الخـلايا شـبـيهـه

 

بدرياقةٍ من خمـر بـيسـان قـرقـف

 

فيا توب ما في العـيش خـير ولا نـدٍى

 

يعد وقد أمست فـي تـرب نـفـنـف

 

وما نلت منك النصف حتى ارتميت بك ال

 

منايا بسهمٍ صـائب الـوقـع أعـجـف

 

فيا ألف ألفٍ كنـت حـياً مـسـلـمـاً

 

لألقاك مثل القسـور الـمـتـطـرف

 

كما كنت إذ كنت المنحى من الردى

 

إذا الخيل جالت بالقنا المتقصـف

وكم من لهيفٍ محجرٍ قد أجبـتـه

 

بأبيض قطاع الضريبة مـرهـف

فأنقذته والمـوت يحـرق نـابـه

 

عليه ولم يطعن ولـم يتـنـسـف

 

 

 

 

 

 

ما كان بين توبة وجميل أمام بثينة: أخبرني الحسن بن علي عن ابن مهرويه عن ابن سعد عن القحذمي عن محارب بن غصين العقيلي قال: كان توبة قد خرج إلى الشام، فمر ببني عذرة، فرأته بثينة فجعلت تنظر إليه، فشق ذلك على جميلٍ، وذلك قبل أن يظهر حبه لها. فقال له جميل: من أنت؟ قال: أنا توبة بن الحمير. قال: هل لك في الصراع؟ قال: ذلك إليك، فشدت عليه بثينة ملحفةً مورسة فأتزر بها، ثم صارعه فصرعه جميل. ثم قال: هل لك في النضال ؟ قال: نعم، فناضله فنضله جميل. ثم قال له: هل لك في السباق؟ فقال: نعم، فسابقه فسبقه جميل. فقال له توبة: يا هذا إنما تفعل بريح هذه الجالسة، ولكن اهبط بنا الوادي، فصرعه توبة ونضله وسبقه .

سأل عبد الملك بن مروان ليلى عما رآه توبة فيها فأجابته: أخبرنا إبراهيم بن أيوب عن ابن قتيبة قال: بلغني أن ليلى الأخيلية دخلت على عبد الملك بن مروان وقد أسنت وعجزت، فقال لها: ما رأى توبة فيك حين هويك؟ قالت: ما رآه الناس فيك حين ولوك. فضحك عبد الملك حتى بدت له سن سوداء كان يخفيها .

وفود ليلى على الحجاج وحديثه معها: وأخبرني الحسن بن علي عن ابن أبي سعد عن أحمد بن رشيد بن حكيم الهلالي عن أيوب بن عمرو عن رجلٍ من بني عامر يقال له ورقاء قال: كنت عند الحجاج بن يوسف، فدخل عليه الآذن فقال: أصلح الله الأمير، بالباب امرأة تهدر كما يهدر البعير الناد . قال: أدخلها. فلما دخلت نسبها فانتسبت له. فقال: ما أتى بك يا ليلى؟ قالت: إخلاف النجوم ، وقلة الغيوم ، وكلب البرد، وشدة الجهد، وكنت لنا بعد الله الرد . قال: فأخبريني عن الأرض. قالت: الأرض مقشعرة ، والفجاج مغبرة، وذو الغنى مختل، وذو الحد منفل. قال: وما سبب ذلك؟ قالت: أصابتنا سنون مجحفة مظلمة، لم تدع لنا فصيلاً ولا ربعاً، ولم تبق عافطةً ولا ناقطةً؛ فقد أهلكت الرجال، ومزقت العيال، وأفسدت الأموال، ثم أنشدته الأبيات التي ذكرناه متقدماً . وقال في الخبر: قال الحجاج: هذه التي تقول :

نحن الأخايل لا يزال غلامـنـا

 

حتى يدب على العصا مشهوراً

تبكي الرماح إذا فقدن أكفـنـا

 

جزعاً وتعرفنا الرفاق بحـوراً

ثم قال لها: يا ليلى، أنشدينا بعض شعرك في توبة، فأنشدته قولها:

لعمرك ما بالموت عار على الفتى

 

إذا لم تصبه في الحياة المـعـاير

وما أحد حي وإن عاش سـالـمـاً

 

بأخلد ممن غيبتـه الـمـقـابـر

فلا الحي مما أحدث الدهر معتـب

 

ولا الميت إن لم يصبر الحي ناشر

وكل جديدٍ أو شبابٍ إلـى بـلًـى

 

وكل امرئٍ يوماً إلى الموت صائر

قتيل بني عوفٍ فيا لهـفـتـا لـه

 

وما كنت إياهـم عـلـيه أحـاذر

ولكنني أخشـى عـلـيه قـبـيلةً

 

لها بدروب الشأم بادٍ وحـاضـر

فقال الحجاج لحاجبه: اذهب فاقطع لسانها. فدعا لها بالحجام ليقطع لسانها، فقالت: ويلك! إنما قال لك الأمير اقطع لسانها بالصلة والعطاء، فارجع إليه واستأذنه. فرجع إليه فاستأمره ، فاستشاط عليه وهم بقطع لسانه، ثم أمر بها فأدخلت عليه، فقالت: كاد وعهد الله يقطع مقولي، وأنشدته:

حجاج أنت الذي لا فـوقـه أحـد

 

إلا الخليفة والمستغفر الصـمـد

حجاج أنت سنان الحرب إن نهجت

 

وأنت للناس في الدواجي لنا تقـد

أخبرنا الحسن قال حدثنا عبد الله بن أبي سعد قال حدثني أبو الحسن ميمون الموصلي عن سلمة بن أيوب بن مسلمة الهمداني قال: كان جدي عند الحجاج، فدخلت عليه امرأة برزة ، فانتسبت له فإذا هي ليلى الأخيلية. وأخبرني بهذا الخبر محمد بن العباس اليزيدي، وأخبرنا أحمد بن عبد العزيز الجوهري قال: كنت عند الحجاج. وأخبرني وكيع عن عن إسماعيل بن محمد عن المدائني عن جويرية عن بشر بن عبد الله بن أبي بكر: أن ليلى دخلت على الحجاج، ثم ذكر مثل الخبر الأول، وزاد فيه: فلما قالت:

غلام إذا هز القناة سقاها

قال لها: لا تقولي غلام، قولي همام. وقال فيه: فأمر لها بمائتين. فقالت: زدني، فقال: اجعلوها ثلاثمائة. فقال بعض جلسائه: إنها غنم. فقالت: الأمير أكرم من ذلك وأعظم قدراً من أن يأمر لي إلا بالإبل. قال: فاستحيا وأمر لها بثلاثمائة بعيرٍ، وإنما كان أمر لها بغنمٍ لا إبل .

وأخبرنا به وكيع عن إبراهيم بن إسحاق الصالحي عن عمر بن شبة عن عمرو بن أبي عمرو الشيباني عن أبيه، وقال فيه: ألا قلت مكان غلامٍ همام! وذكر باقي الخبر الذي ذكره من تقدم، وقال فيه: فقال لها: أنشدينا ما قلت في توبة، فأنشدتها قولها:

فإن تكن القتلى بـواءً فـإنـكـم

 

فتىً ما قلتم آل عوف بن عامـر

فتىً كان أحيا من فـتـاةٍ حـييةٍ

 

وأشجع من ليثٍ بخفـان خـادر

أتته المنـايا دون درعٍ حـصـينةٍ

 

وأسمر خطي وجرداء ضامـر

فنعم الفتى إن كان توبة فـاجـراً

 

وفوق الفتى إن كان ليس بفاجر

كأن فتى الفتيان تـوبة لـم ينـخ

 

قلائص يفحصن الحصا بالكراكر

فقال لها أسماء بن خارجة: أيتها المرأة إنك لتصفين هذا الرجل بشيء ما تعرفه العرب فيه. فقالت: أيها الرجل هل رأيت توبة قط؟ قال: لا. فقالت: أما والله ولو رأيته لوددت أن كل عاتقٍ في بيتك حامل منه؛ فكأنما فقيء في وجه أسماء حب الرمان. فقال له الحجاج: وما كان لك ولها! .

وفاتها وكيف كانت: أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا ابن أبي سعد عن محمد بن علي بن المغيرة قال سمعت أبي يقول سمعت الأصمعي يذكر أن الحجاج أمر لها بعشرة آلاف درهم، وقال لها: هل لك من حاجةٍ؟ قالت: نعم أصلح الله الأمير، تحملني إلى ابن عمي قتيبة بن مسلمٍ، وهو على خراسان يومئذٍ فحملها إليه، فأجازها وأقبلت راجعة تريد البادية، فلما كانت بالري ماتت، فقبرها هناك. هكذا ذكر الأصمعي في وفاتها وهو غلط. وقد أخبرني عمي عن الحزنبل الأصبهاني عمن أخبره عن المدائني، وأخبرني الحسن بن علي عن ابن مهدي عن ابن أبي سعدٍ عن محمد بن الحسن النخعي عن ابن الخصيب الكاتب، واللفظ في الخبر للحزنبل، وروايته أتم: أن ليلى الأخيلية أقبلت من سفرٍ، فمرت بقبر توبة ومعها زوجها وهي في هودجٍ لها. فقالت: والله لا أبرح حتى أسلم على توبة، فجعل زوجها يمنعها من ذلك وتأبى إلا أن تلم به. فلما كثر ذلك منها تركها، فصعدت أكمةً عليها قبر توبة، فقالت: السلام عليك يا توبة، ثم حولت وجهها إلى القوم فقالت: ما عرفت له كذبةً قط قبل هذا. قالوا: وكيف؟ قالت: أليس القائل: صوت:

ولو أن ليلى الأخيلية سـلـمـت

 

علي ودوني تـربة وصـفـائح

لسلمت تسليم البـشـاشة أو زقـا

 

إليها صدًى من جانب القبر صائح

وأغبط من ليلى بمـا لا أنـالـه

 

ألا كل ما قرت به العين صالـح

فما باله لم يسلم علي كما قال !. وكانت إلى جانب القبر بومة كامنة، فلما رأت الهودج واضطرابه فزعت وطارت في وجه الجمل، فنفر فرمى بليلى على رأسها، فماتت من وقتها، فدفنت إلى جنبه. وهذا هو الصحيح من خبر وفاتها.

من قصائدها:..

طربت وما هذا بساعة مطرب
فتى لم يزل يزداد خيراً لدن نشا
نطرت وركن من ذقانين دونه
أياعين بكي توبة ابن حمير
أقسمت أرثي بعد توبة هالكاً
إن كنت تبغي أبا بكر فإنهم
جَزَى اللُه خَيْراً وَالجزاءُ بكفِه
أنيخت لدى باب ابن مروان ناقتي
تَخَلّى عَنْ أَبي حَرْبٍ فَوَلّى
ولنعم الفتى ياتوب كنت إذا التقت
أَتاني مِنَ الأَنْباءِ أَنّ عَشِيرة ً
بعيدُ الثَّرَى لا يَبْلُغُ القَوْمُ قَعْرَه
ستحملني ورحلي ذات وخد
لما تَخَايلت الحُمُول حَسِبْتَها
أحجاج إن الله أعطاك غاية
جَزَى اللُّه شَرّا قابِضاً بصنيعه
مُعَاويَ لمْ أكَدْ آتيك تَهْوي