عنترة بن شداد

عـنترة بـن شـدّاد
525 -615م

هو عنترة بن شدّاد بن قراد العبسي. أمّه زبيبة، حبشية سوداء، سباها أبوه في إحدى غزواته. كان لها أولاد من غير شدّاد.

كان عنترة أسود اللّون، أخذ السّواد من أمه، وكان يُكنّى بأبي المغلس، لِسَيْره إلى الغارات في الغلس وهو ظلمة الليل. ويُلَقّب بعنترة الفلحاء.

وعنترة من فرسان العرب المعدودين. ولم يُلقّب عن عبث بعنترة الفوارس، إذ قال ابن قتيبة: “كان عنترة من أشدّ أهل زمانه وأجودهم بما ملكت يده، وقد فرّق بين الشّجاعة والتّهور”.

لكن العرب، بالرّغم من شجاعته، كانوا يستبعدونه، وذلك لأنهم كانوا يستبعدون أبناء الإماء، ولا يعترفون بهم إلاّ إذا نجبوا. وهكذا كان شأن عنترة، فلم يعترف به أبوه إلاّ بعد أن ظهرت شجاعته وفروسيّته.

وفي ادعاء أبيه إياه روايات منها: إن السّبب في ادعاء أبيه إياه أنّ عبسا أغاروا على طيء، فأصابوا نعمًا، فلما أرادوا القسمة قالوا لعنترة: “لا نقتسم إلا نصيبًا مثل أنصبائنا لأنّك عبد”. فلمّا طال الخطب بينهم، كرّت عليهم طيئ فاعتزلهم عنترة، وقال: “دونكم القوم”. فقال له أبوه: “كُرّ يا عنترة”! فقال: “أَوَيَحسن العبد الكرّ ؟” فقال له أبوه: “العبد غيرك”. فاعترف به، فَكرّ واستنقذ النَّعم.

أحبّ عنترة عبلة بنت عمه مالك بن قرّاد العبسي. وكان عمّه قد وعده بها ولكنه لم يف بوعده، وإنّما كان يتنقل بها في قبائل العرب ليبعدها عنه. وحُبّ عبلة كان له تأثير عظيم في نفس عنترة وشعره، وهي التي صيّرته بحبها، ذلك البطل المغامر في طلب المعالي، وجعلته يزدان بأجمل الصّفات وأرفعها. وهي التي رقّقت شعره كما رقّقت عاطفته، ونفحته بتلك العذوبة؛ وكان سبب تلك المرارة واللّوعة اللّتين ربما لم تكونا في شعره لولا حرمانه إيّاها.

لعنترة شخصية محبوبة لأنّ كلّ ما فيها من الصّفات يجعل صاحبها قريبًا من القلوب. فهو بطل شجاع جريء الفؤاد، حليم الطّباع، رقيق القلب، يشكو في حظّه العاثر في الحب وظلم قومه له وإنكارهم جميل فعله نحوهم.

أما في موت عنترة، فهناك روايات كثيرة، أشهرها ما رواه صاحب الأغاني، من أنه قُتِل بسهمٍ رماه به وُزْرٌ بن جابر النَّبهاني، الملقّب بالأسد الرّهيص.

وعنترة شاعر من فحول شعراء الجاهلية؛ وهو من أصحاب المعلّقات السّبع. ومطلع معلّقته:

هَلْ غَادَرَ الْشُّعَرَاءُ مِنْ مُتَرَدَّمِ                    أم هل عرفْتَ الدار بعد تَوَهُّمِ

جاء في “الاغاني” لأبي الفرج الأصفهاني: ((أمه أمة حبشية، كان أبوه نفاه ثم ألحقه بنسبه: هو عنترة بن شداد، وقيل: ابن عمرو بن شداد، وقيل: عنترة بن شداد بن عمرو بن معاوية بن قراد بن مخزوم بن ربيعة، وقيل: مخزوم بن عوف بن مالك ابن غالب بن قطيعة بن عبس بن بغيض بن الريث بن غطفان بن سعد بن قيس بن عيلان بن مضر. وله لقبٌ يقال له عنترة الفلحاء، وذلك لتشقق شفتيه. وأمه أمةٌ حبشية يقال لها ربيبة، وكان لها ولدٌ عبيدٌ من غير شداد، وكانوا إخوته لأمه. وقد كان شداد نفاه مرةً ثم اعترف به فألحق بنسبه. وكانت العرب تفعل ذلك، تستعبد بني الإماء، فإن أنجب اعترفت به وإلا بقي عبداً.

حرشت عليه امرأة أبيه فضربه أبوه فكفته عنه فقال فيها شعراً: فأخبرني علي بن سليمان النحوي الأخفش قال أخبرنا أبو سعيد الحسن بن الحسين السكري عن محمد بن حبيب، قال أبو سعيد وذكر ذلك أبو عمرو الشيباني، قالا: كان عنترة قبل أن يدعيه أبوه حرشت عليه امرأة أبيه وقالت: إنه يراودني عن نفسي، فغضب من ذلك شداد غضباً شديداً وضربه ضرباً مبرحاً وضربه بالسيف، فوقعت عليه امرأة أبيه وكفته عنه. فلما رأت ما به من الجراح بكت – وكان اسمها سمية وقيل: سهية – فقال عنترة: صوت

أمن سمية دمع الـعـين مـذروف

لو أن ذا منك قبل اليوم معـروف

كأنها يوم صدت ما تـكـلـمـنـي

ظبيٌ بعسفان ساجي العين مطروف

تجللتنى إذ أهوى العصـا قـبـلـي

كأنها صنمٌ يعـتـاد مـعـكـوف

العبد عبدكـم والـمـال مـالـكـم

فهل عذابك عني اليوم مصـروف

تنسى بلائي إذا ما غارةٌ لـحـقـت

تخرج منها الطوالات السراعـيف

يخرجن منها وقد بلت رحـائلـهـا

بالماء تركضها الشم الغـطـاريف

قد أطعن الطعنة النجلاء عن عرضٍ

تصفر كف أخيها وهو مـنـزوف

غنى في البيت الأول والثاني علوية، ولحنه من الثقيل الأول مطلق في مجرى البنصر، وقيل: إنه لإبراهيم. وفيهما رملٌ بالوسطى يقال: إن لابن سريج، وهو من منحول ابن المكي. قوله مذروف: من ذرفت عينه، يقال: ذرفت تذرف ذريفاً وذرفاً، وهو قطرٌ يكاد يتصل. وقوله: لو أن ذامنك قيل اليوم معروف. أي قد أنكرت هذا الحنو والإشفاق منك، لأنه لو كان معروفاً قبل ذلك لم ينكره. ساجي العين. ساكنها. والساجي: الساكن من كل شيء. مطروف: أصابت عينه طرفةٌ، وإذا كان كذلك فهو أسكن لعينه. تجللتني: ألقت نفسها علي. وأهوى: اعتمد. صنم يعتاد أي يؤتى مرةً بعد مرة. ومعكوف: يعكف عليه. والسراعيف: السراع، واحدتها سرعوفة. والطوالات: الخيل. والرحائل: السروج. والشمم: ارتفاع في الأنف. والغطاريف: الكرام والسادة أيضاً. والغطرفة: ضرب من السير والمشيء يختال فيه. والنجلاء: الواسعة. يقال: سنانٌ منجلٌ: واسع الطعنة: عن عرض أي عن شقٍّ وحرف. وقال غيره: أعترضه اعتراضاً حين أقاتله.

سبب ادعاء أبيه إياه: أخبرني محمد بن الحسن بن دريد قال حدثني عمي عن ابن الكلبي، وأخبرني إبراهيم بن أيوب عن ابن قتيبة قال قال ابن الكلبي: شدادٌ جد عنترة غلب على نسبه، وهو عنترة بن شداد، وقد سمعت من يقول: إنما شداداً عمه، كان نشأ في حجره فنسب إليه دون أبيه. قال: وإنما ادعاه أبوه بعد الكبر، وذلك لأن أمه كانت أمةً سوداء يقال لها ربيبة، وكانت العرب في الجاهلية إذا كان للرجل منهم ولدٌ من أمةٍ استعبدوه. وكان لعنترة إخوةٌ من أمة عبيدٌ. وكان سبب ادعاء أبي عنترة إياه أن بعض أحياء العرب أغاروا على بني عبس فأصابوا منهم واستاقوا إبلاً، فتبعهم العبسيون فلحقوهم فقاتلوهم عما معهم وعنترة يومئذٍ فيهم، فقال له أبوه: كر يا عنترة. فقال عنترة: العبد لا يحسن الكر، إنما يحسن الحلاب والصر. فقال: كر وأنت حر. فكر وهو يقول:

أنا الهجين عـنـتـره

كل امرىء يحمي حره

أسـوده وأحـمــره

والشعرات المشعـره

الواردات مشـفـره

وقاتل يومئذ قتالاً حسناً، فادعاه أبوه بعد ذلك وألحق به نسبه.

وحكى غير ابن الكلبي أن السبب في هذا أن عبساً أغاروا على طيىء، فأصابوا نعماً، فلما أرادوا القسمة قالوا لعنترة: لا نقسم لك نصيباً مثل أنصبائنا لأنك عبد. فلما طال الخطب بينهم كرت عليهم طيىء، فاعتزلهم عنترة وقال: دونكم القوم، فإنكم عددهم. واستنقذت طيىء الإبل. فقال له أبوه: كر يا عنترة. فقال: أو يحسن العبد الكر! فقال له أبوه: فاعترف به، فكر واستنقذ النعم. وجعل يقول:

أنا الهجين عـنـتـره

كل امرىء يحمي حره

الأبيات.

قال ابن الكلبي: وعنترة أحد أغربه العرب، وهم ثلاثة: عنترة وأمه ربيبة، وخفاف بن عمير الشريدي وأمه ندبة، والسليك بن عمير السعدي وأمه السلكة، وإليهن ينسبون. وفي ذلك يقول عنترة:

إني امرؤٌ من خير عبسٍ منصبـاً

شطري وأحمي سائري بالمنصل

وإذا الكتيبة أحجمت وتلاحظـت

ألفيت خيراً من معمٍّ مـخـول

يقول: إن أبي من أكرم عبس بشطري، والشطر الآخر ينوب عن كرم أمي فيه ضربي بالسيف، فأنا خيرٌ في قومي، ممن عمه وخاله منهم وهو لا يغني غنائي. وأحسب أن في القصيدة هي التي يضاف إليها البيتان اللذان يغنى فيهما، وهذه الأبيات قالها في حرب داحس والغبراء.

حامى عن بني عبس حين انهزمت أمام تميم، فسبه قيس بن زهير فهجاه: قال أبو عمرو الشيباني: غزت بنو عبس بني تميم وعليهم قيس بن زهير، فانهزمت بنو عبس وطلبتهم بنو تميم، فوقف لهم عنترة، ولحقتهم كبكبةٌ من الخيل، فحامى عنترة عن الناس فلم يصب مدبرٌ. وكان قيس بن زهير سيدهم، فساءه ما صنع عنترة يومئذ، فقال حين رجع: والله ما حمى الناس إلا ابن السوداء. وكان قيس أكولا. فبلغ عنترة ما قال، فقال يعرض به قصيدته التي يقول فيها: صوت

بكرت تخوفني الحتـوف كـأنـنـي

أصبحت عن عرض الحتوف بمعزل

فأجبتهـا أن الـمـنـية مـنـهـلٌ

لا بد أن أسقى بكأس الـمـنـهـل

فاقنى حياءك لا أبالـك واعـلـمـي

أني امرؤ سأمـوت إن لـم أقـتـل

إن المنية لـو تـمـثـل مـثـلـث

مثلي إذا نزلوا بضنـك الـمـنـزل

إني امرؤ من خير عبسٍ منـصـبـاً

شطري وأحمي سائري بالمنـصـل

وإذا الكتيبة أحجمت وتـلاحـظـت

ألفيت خيراً مـن مـعـمٍّ مـخـول

والخيل تعلم والفوارس أنـنـي

فرقت جمعهم بصربة فيصـل

إذا لا أبادر في المضيق فوارسي

أو لا أوكل بـالـرعـيل الأول

إن يلحقوا أكرر وإن يستلحمـوا

أشدد وإن يلفوا بضنـكٍ أنـزل

حين النزول يكون غاية مثلـنـا

ويفر كل مضللٍ مسـتـوهـل

والخيل ساهمة الوجوه كأنـمـا

 تسقى فوارسها نقيع الحنـظـل

ولقد أبيت على الطوى وأظلـه

حتى أنال به كريم الـمـأكـل    

عروضه من الكامل. غنت في الأربعة الأبيات الأول والبيت الثاني عريب خفيف رمل بالبنصر من رواية الهشامي وابن المعتز وأبي العبيس.

الحتوف: ما عرض للإنسان من المكاره والمتالف. عن عرض أي ما يعرف منها. بمعزل أي في ناحية معتزلة عن ذلك. ومنهل: مورد. وقوله: فاقني حياءك. أي احفظيه ولا تضيعيه. والضنك: الضيق. يقول: إن المنية لو خلقت مثالاً لكانت في مثل صورتي. والمنصب: الأصل. والمنصل: السيف، ويقال منصل أيضاً بفتح الصاد. وأحجمت: كعت. والكتيبة: الجماعة إذا اجتمعت ولم تنتشر. وتلاحظت: نظرت من يقدم على العدو. وأصل التلاحظ النظر من القوم بعضهم إلى بعض بمؤخر العين. والفيصل: الذي يفصل بين الناس. وقوله: لا أبادر في المضيق فوارسي أي لا أكون أول منهزم ولكني أكون حاميتهم. والرعيل: القطعة من كل شيء. ويستلحموا: يدركوا. والمستلحم: المدرك، وأنشد الأصمعي:

نجى علاجاً وبشراً كل سلـهـبةٍ

واستلحم الموت أصحاب البراذين

وساهمة: ضامرة متغيرة، قد كلح فوارسها لشدة الحرب وهولها. وقوله: ولقد أبيت على الطوى وأظله. قال الأصمعي: أبيت بالليل على الطوى وأظل بالنهار كذلك حتى أنال به كريم المأكل أي ما لا عيب فيه علي، ومثله قوله: إنه ليأتي علي اليومان لا أذوقهما طعاماً ولا شراباً أي لا أذوق فيهما. والطوى: خمص البطن، يقال: رجل طيان وطاوي البطن.

أنشد النبي صلى الله عليه وسلم بيتاً من شعره فود لو رآه: وأخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهري قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثنا ابن عائشة قال: أنشد النبي صلى الله عليه وسلم قول عنترة:

ولقد أبيت على الطوى وأظله

حتى أنال به كريم المأكـل

فقال صلى الله عليه وسلم: ما وصف لي أعرابيٌّ قط فأحببت أن أراه إلا عنترة.

كيف ألحق أخوته لأمه بنسب قومه: أخبرني علي بن سليمان قال حدثنا أبو سعيد السكري عن محمد بن حبيب عن ابن الأعرابي وأبي عبيدة: أن عنترة كان له إخوة من أمه، فأحب عنترة أن يدعيهم أقومه، فأمر أخاً له كان خيرهم في نفسه يقال له حنبل، فقال له: أرو مهرك من اللبن ثم مر به علي عشاءً. فإذا قلت لكم: ما شأن مهركم متخدداً مهزولاً ضامراً، فاضرب بطنه بالسيف كأنك تريهم أنك قد غضبت مما قلت: فمر عليهم، فقال له: يا حنبل، ما شأن مهركم متخدداً أعجر من اللبن؟ فأهوى أخوه بالسيف إلى بطن مهره فضربه فظهر اللبن. فقال في ذلك عنترة:

أبني زبيبة ما لمهركم

متخدداً وبطونكم عجر

ألكم بإيغال الوليد على

أثر الشياه بشدةٍ خبـر

وهي قصيدة. قال: فاستلاظه نفرٌ من قومه ونفاه آخرون. ففي ذلك يقول عنترة:

ألا يا دار عبلة بـالـطـوي

كرجع الوشم في كف الهدي

وهي طويلة يعدد فيها بلاءه وآثاره عند قومه.

جوابه حين سئل أنت أشجع العرب: أخبرني عمي قال أخبرني الكراني عن النضر بن عمرو عن الهيثم بن عدي قال: قيل لعنترة: أنت أشجع العرب وأشدها؟ قال لا. قيل: فبماذا شاع لك هذا في الناس؟ قال: كنت أقدم إذا رأيت الإقدام عزماً، وأحجم إذا رأيت الإحجام حزماً، ولا أدخل إلا موضعاً أرى لي منه مخرجاً، وكنت أعتمد الضعيف الجبان فأضربه الضربة الهائلة يطير لها قلب الشجاع فأثني عليه فأقتله.

أخبرني حبيب بن نصر وأحمد بن عبد العزيز قالا حدثنا عمر بن شبة قال: قال عمر بن الخطاب للحطيئة: كيف كنتم في حربكم؟ قال: كنا ألف فارس حازمٍ. قال: وكيف يكون ذلك؟ قال: كان قيس بن زهير فينا وكان حازماً فكنا لا نعصيه. وكان فارسنا عنترة فكنا نحمل إذا حمل ونحجم إذا أحجم. وكان فينا الربيع بن زياد وكان ذا رأي فكنا نستشيره ولا نخالفه. وكان فينا عروة بن الورد فكنا نأتم بشعره، فكنا كما وصفت لك. فقال عمر: صدقت.

أخبرني علي بن سليمان قال حدثنا أبو سعيد السكري قال قال محمد بن حبيب عن ابن الأعرابي عن المفضل عن أبي عبيدة وابن الكلبي قالا: موته واختلاف الروايات في سببه: أغار عنترة على بني نبهان من طيىء فطرد لهم طريدةً وهو شيخ كبير، فجعل يرتجز وهو يطردها ويقول:

آثار ظلمانٍ بقاعٍ محرب

قال: وكان زر بن جابر النبهاني في فتوة، فرماه وقال: خذها وأنا ابن سلمى، فقطع مطاه، فتحامل بالرمية حتى أتى أهله، فقال وهو مجروح:

وإن ابن سلمى عنده فاعلمـوه دمـي

وهيهات لا يرجى ابن سلمى ولا دمي

يحل بأكناف الشـعـاب وينـتـمـي

مكان الثريا ليس بالـمـتـهـضـم

رماني ولم يدهـش بـأزرق لـهـذمٍ

عشية حلوا بين نـعـفٍ ومـخـرم

قال ابن الكلبي: وكان الذي قتله يلقب بالأسد الرهيص. وأما أبو عمرو الشيباني فذكر أنه غزا طيئاً مع قومه، فانهزمت عبس، فخر عن فرسه ولم يقدر من الكبر أن يعود فيركب، فدخل دغلاً، وأبصره ربيئة طيىء فنزل إليه، وهاب أن يأخذه أسيراً فرماه وقتله.

وذكر أبو عبيدة أنه كان قد أسن واحتاج وعجر بكبر سنه عن الغارات. وكان له على رجل من غطفان بكرٌ، فخرج يتقاضاه إياه، فهاجت عليه ريح ٌ من صيف وهو بين شرجٍ وناظرة، فأصابته فقتلته.

كان أحد الذين يباليهم عمرو بن معد يكرب قال أخبرني أبو خليفة عن محمد بن سلام قال: كان عمرو بن معدي كرب يقول: ما أبالي من لقيت من فرسان العرب ما لم يلقني حراها وهجيناها. يعني بالحرين عامر بن الطفيل وعتيبة بن الحارث بن شهاب، وبالعبدين عنترة والسليك بن السلكة.

المرجع: كتاب الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني

من قصائده:..

إذا كـشـفَ الـزمـانُ لـك القناعا
إنـي  امرؤ من خير عبس منصباً
لا يـحملُ الحقد من تعلو به الرتبُ
حكم سيوفك في رقاب العذل
ولَلمَوتُ خيرٌ للفتى من حياتِه
رمتِ الفؤادَ مليحة ٌ عذراءُ
ما زِلتُ مُرتَقِياً إِلى العَلياءِ
كَمْ يُبْعِدُ الدَّهْرُ مَنْ أَرْجُو أُقارِبُهُ
ألا ياعبلُ قد زادَ التصابيْ
سَلا القلبَ عَمّا كان يهْوى ويطْلبُ
حسناتي عند الزَّمانِ ذنوبُ
دَعني أَجِدُّ إلى العَلْيَاءِ في الطَّلبِ
أُعاتِبُ دَهراً لاَ يلِينُ لعاتبِ
إذا قنعَ الفتى بذميمِ عيشِ
سكتُّ فَغَرَّ أعْدَائي السُّكوتُ
أشاقكَ مِنْ عَبلَ الخَيالُ المُبَهَّجُ
أُعاتبُ دَهراً لا يَلينُ لناصِح
طربتَ وهاجتكَ الظباءُ السوانح
إذا جحدَ الجميلَ بنو قرادٍ
أرضُ الشَّرَبَّة ِ شِعْبٌ ووادي
ألا مَنْ مُبْلغٌ أهلَ الجُحُود
صحا مِنْ بعْدِ سكرته فؤَادي
ألا يا عبل ضيعتِ العُهودا
أُعادي صَرْفَ دَهْرٍ لا يُعادى
لأَيِّ حَبيبٍ يَحْسُنُ الرَّأْيُ والوُدُّ
جازتْ ملماتُ الزَّمانِ حدودها
إذا فاضَ دمعي واستهلّ على خدِّي
فخْرُ الرِّجالِ سلاسلٌ وَقيُودُ
إذا رشقت قلبي سهامٌ من الصَّدّ