علقمة الفحل

علقمة الفحل
تو 603م

ولد علقمة في بادية نجد وشب وترعرع فيها . وهي بادية متنوعة الطبيعة ، لا تقسو كما تقسو في غيرها ، بل ان لهوائها ومراعيها سحر حقيقي تأثر به كثيراً هذا الشاعر الجاهلي . فقد تفتحت حواسه على معطيات الجمال الطبيعي والانساني ووَصَبت نفسه من تعبد الجمال الى استيحاء المجد بالقرب من الملوك والامراء .

عاصر علقمة الفحل كبار الشعراء من امرىء القيس الى عمرو بن كلثوم الى النابغة وسواهم، وتقرب من ملوك الغساسنة والمناذرة وخالط امراء العرب وكبارهم مما أغنى ثقافته وأضفى على شعره رونقاً قريباً من زهو المجتمعات المتحضرة ، من دون ان يهمل حياته البدوية التي عاشها وتغنى بها . كانت حياته عاصفة بالعلاقات العاطفية التي تابعها حتى سن المشيب .

لم يتزعم علقمة مذهباً شعرياً ، أكان ذلك في خواطره وحكمه أم في أوصافه ومدائحه . فضيلته الاولى فضيلة اتقان الصنعة الشعرية التي يخرج بها احياناً عن رتابتها بنوع من الانفعال الحار والخيال الساعي الى الانفلات والانطلاق . فهو ينحو نحواً حكمياً ، يُغلب الفكر في ذلك ويقولب جانب الابداع في قوالب من الايقاع الحر الذي يحتضن أفكاراً متداولة ويضفي عليها بعض الذاتية . حكمته هادئة لا تقع فيها على امتعاض من الاشياء ومن حدودها.

صنف بعض النقاد علقمة في الطبقة الرابعة من شعراء الجاهلية ، لكنهم ما انكروا عليه رفاهية المبنى وصلابة السبك ورزانته ، وبخاصة في أشعاره الثلاثة : ” طحا بك قلب في الحسان والطروب ” ، وهي القصيدة التي قالها في مدح الحارث ملك الغساسنة في الشام على أثر الواقعة المعروفة باسم يوم حليمة التي أسر فيها شقيق الشاعر الذي كان يحارب الى جانب المنذر ملك الحيرة ضد الحارث ، فمدح علقمة هذا الاخير وطلب منه في قصيدته العفو عن أخيه فاجيب الى طلبه . أما الثانية فهي “ذهبت في الهجران في غير مذهب”، والثالثة ” هل ما علمت ، وما استودعت مكتوم ” . وقد اعتبرت هذه القصائد من روائع الشعر الجاهلي .

علقمة الفحل شاعر مفكر متأمل وليس شاعراً قلقاً موتوراً على نفسه وعلى الحياة والقدر . أوصافه لا تخرج عن الاطار الكلاسيكي الذي ساد في عصره والتي تطال الاطلال والظعائن والوصف الغزلي والطبيعي الذي يتناول الحيوان والنبات والجماد.

جاء في “نشوة الطرب في تاريخ جاهلية العرب” لابن سعد الأندلسي:  ((علقمة الفحل من شعراء الجاهلية، “يعرف بعلقمة الفحل، سمي بذلك لأنه خلف على امرأة امرئ القيس أم جندب لما حكمت عليه بأنه أشعر منه في صفة الفرس، فطلقها”. وهي “امرأة من طيء، وكان امرؤ القيس لما جاورهم تزوجها، فنزل به علقمة، وقال كل واحد منهما لصاحبه: أنا أشعر، فتحاكما إليها؛ فأنشد امرؤ القيس قصيدته خليلي مرا بي على أم جندب حتى بلغ إلى قوله في الفرس:  

فللسوط أعلاه وللساق ركضـه

 

وللزجر منه وقع أهوج منعب

وأنشدها علقمة قصيدته ذهبت من الهجران في غير مذهب حتى انتهى إلى قوله في الفرس:

فأدركهن ثانيا من عنـانـه

 

يمر كمر الرائح المتحلب

فقالت له: علقمة أشعر منك! قال: وكيف؟ قالت: لأنك زجرت فرسك، وحركته بساقيك، وضربته بسوطك؛ وفرسه جاء الصيد وأدركه ثانياً من عنانه! فغضب امرؤ القيس من قولها، وقال: ليس كما قلت، ولكنك هويته! فطلقها، وتزوجها علقمة”.

والشعر الذي يغنى به من شعر علقمة قوله:  

هل ما علمت وما استودعت مكتوم

 

أم حبلها إذ تأتك اليوم مصـروم

يحملن أترجة نضخ العبير بـهـا

 

كأن تطيابها في الأنف مشمـوم

قد أشهد الشرب فيهم مزهر صدح

 

والقوم تصرعهم صهباء خرطوم

كأن إبريقهم ظبي علـى شـرف

 

مفدم بسبا الكـتـان مـلـثـوم

 المرجع: نشوة الطرب في تاريخ جاهلية العرب لابن سعد الأندلسي

من قصائده:..

هل ما علمتَ وما استُودِعتَ مكتومُ
وشامِتٍ بيَ لا تَخفَى عداوَتُهُ
ونحنُ جَلبنا من ضَريَّة َ خَلَينا