عروة بن حزام

عروة بن حزام
توفي 650 م

عروة بن حزام بن مهاجر الضني، من بني عذرة.

شاعر من متيّمي العرب، كان يحب ابنة عم له اسمها (عفراء) نشأ معها في بيت واحد، لأن أباه خلفه صغيراً، فكفله عمه.

ولما كبر خطبها عروة، فطلبت أمها مهراً لا قدرة له عليه فرحل إلى عم له في اليمن، وعاد فإذا هي قد تزوجت بأموي من أهل البلقاء (بالشام) فلحق بها، فأكرمه زوجها.

فأقام أياماً وودعها وانصرف، فضنى حباً، فمات قبل بلوغ حيّه ودفن في وادي القرى (قرب المدينة)..

وقد جاء ذكر عروة بن حزام في كتاب الأغاني لأبو الفرج الأصفهاني:

” أنه كان من حديث عروة بن حزام وعفراء بنت عقال: أن حزاماً هلك وترك ابنه عروة صغيراً في حجر عمه عقال بن مهاصر. وكانت عفراء ترباً لعروة، يلعبان جميعاً، ويكونان معاً، حتى ألف كل واحد منهما صاحبه إلفاً شديداً. وكان عقال يقول لعروة، لما يرى من إلفهما: أبشر، فإن عفراء امرأتك ، إن شاء الله. فكانا كذلك حتى لحقت عفراء بالنساء، ولحق عروة بالرجال، فأتى عروة عمةً يقال لها: هند بنت مهاصر، فشكا إليها ما به من حب عفراء ، وقال لها بعض ما يقول لها: يا عمة، إني لأكلمك وأنا منك مستح ، ولكن لم أفعل هذا حتى ضقت ذرعاً بما أنا فيه، فذهبت عمته إلى أخيها فقالت له : يا أخي، قد أتيتك في حاجة أحب أن تحسن فيها الرد ، فإن الله يأجرك بصلة رحمك فيما أسألك. فقال لها: قولي، فلن تسألي حاجة إلا رددتك بها. قالت: تزوج عروة بن أخيك بابنتك عفراء، فقال: ما عنه مذهب، ولا هو دون رجل يرغب فيه ، ولا بنا عنه رغبة، ولكنه ليس بذي مال، وليست عليه عجلة. فطابت نفس عروة، وسكن بعض السكون.

وكانت أمها سيئة الرأي فيه، تريد لابنتها ذا مال ووفر، وكانت عرضة ذلك كمالاً وجمالاً، فلما تكاملت سنه وبلغ أشده عرف أن رجلاً من قومه ذا يسار ومال كثير يخطبها، فأتى عمه، فقال: يا عم، قد عرفت حقي وقرابتي، وإني ولدك وربيت في حجرك، وقد بلغني أن رجلاً يخطب عفراء، فإن أسعفته بطلبته قتلتني وسفكت دمي، فأنشدك الله ورحمي وحقي، فرق له وقال له : يا بني، أنت معدم، وحالنا قريبة من حالك، ولست مخرجها إلى سواك، وأمها قد أبت أن تزوجها إلا بمهر غال، فاضطرب واسترزق الله تعالى .

فجاء إلى أمها فألطفها وداراها، فأبت أن تجيبه إلا بما تحتكمه من المهر، وبعد أن يسوق شطره إليها، فوعدها بذلك.

وعلم أنه لا ينفعه قرابة ولا غيرها إلا بالمال الذي يطلبونه ، فعمل على قصد ابن عم له موسر كان مقيماً باليمن ، فجاء إلى عمه وامرأته فأخبرهما بعزمه، فصوباه ووعداه ألا يحدثا حدثاً حتى يعود.

وصار في ليلة رحيله إلى عفراء، فجلس عندها ليلة هو وجواري الحي ، يتحدثون حتى أصبحوا ، ثم ودعها وودع الحي وشد على راحلته، وصحبه في طريقه فتيان من بني هلال بن عامر كانا يألفانه ، وكان حياهم متجاورين، وكان في طول سفره ساهياً يكلمانه فلا يفهم، فكرةً في عفراء ، حتى يرد القول عليه مراراً، حتى قدم على ابن عمه، فلقيه وعرفه حاله وما قدم له، فوصله وكساه، وأعطاه مائة من الإبل، فانصرف بها إلى أهله.

وقد كان رجل من أهل الشام من أسباب بني أمية نزل في حي عفراء، فنحر ووهب وأطعم ، وكان ذا مال عظيم ، فرأى عفراء، وكان منزله قريباً من منزلهم، فأعجبته وخطبها إلى أبيها، فاعتذر إليه وقال: قد سميتها إلى ابن أخ لي يعدلها عندي، وما إليها لغيره سبيل ، فقال له: إني أرغبك في المهر، قال: لا حاجة لي بذلك ، فعدل إلى أمها، فوافق عندها قبولاً، لبذله ورغبة في ماله، فأجابته ووعدته ، وجاءت إلى عقال فآدته وصخبت معه ، وقالت: أي خير في عروة حتى تحبس ابنتي عليه وقد جاءها الغني يطرق عليها بابها؟ والله ما ندري أعروة حي أم ميت؟ وهل ينقلب إليك بخير أم لا؟ فتكون قد حرمت ابنتك خيراً حاضراً ورزقاً سنياً ، فلم تزل به حتى قال لها: فإن عاد لي خاطباً أجبته. فوجهت إليه أن عد إليه خاطباً. فلما كان من غد نحر جزراً عدة، وأطعم ووهب وجمع الحي معه على طعامه، وفيهم أبو عفراء، فلما طعموا أعاد القول في الخطبة، فأجابه وزوجه ، وساق إليه المهر.

فلما كان الليل دخل بها زوجها، وأقام فيهم ثلاثاً، ثم ارتحل بها إلى الشام، وعمد أبوها إلى قبر عتيق، فجدده وسواه، وسأل الحي كتمان أمرها .

وقدم عروة بعد أيام، فنعاها أبوها إليه، وذهب به إلى ذلك القبر، فمكث يختلف إليه أياماً وهو مضنى هالك، حتى جاءته جارية من الحي فأخبرته الخبر ، فتركهم وركب بعض إبله، وأخذ معه زاداً ونفقة، ورحل إلى الشام فقدمها وسأل عن الرجل فأخبر به، ودل عليه، فقصده وانتسب له إلى عدنان ، فأكرمه وأحسن ضيافته، فمكث أياماً حتى أنسوا به، ثم قال لجارية لهم: ” هل لك في يد تولينيها ؟ قالت: نعم، قال: تدفعين خاتمي هذا إلى مولاتك. فقالت : سوءة لك، أما تستحي لهذا القول؟ فأمسك عنها، ثم أعاد عليها وقال لها: ويحك! هي والله بنت عمي، وما أحد منا إلا وهو أعز على صاحبه من الناس جميعاً ، فاطرحي هذا الخاتم في صبوحها ، فإذا أنكرت عليك فقولي لها: اصطبح ضيفك قبلك، ولعله سقط منه. فرقت الأمة وفعلت ما أمرها به.

فلما شربت عفراء اللبن رأت الخاتم فعرفته، فشهقت ، ثم قالت: اصدقيني عن الخبر، فصدقتها . فلما جاء زوجها قالت له: أتدري من ضيفك هذا ؟ قال: نعم، فلان بن فلان ، للنسب الذي انتسب له عروة، فقالت: كلا والله يا هذا، بل هو عروة بن حزام ابن عمي، وقد كتم نفسه حياءً منك.

وقال عمر بن شبة في خبره: بل جاء ابن عم له فقال: أتركتم هذا الكلب الذي قد نزل بكم هكذا في داركم يفضحكم؟ فقال له : ومن تعني؟ قال: عروة بن حزام العذري ضيفك هذا، قال: أوإنه لعروة؟ بل أنت والله الكلب، وهو الكريم القريب.

قالوا جميعاً: ثم بعث إليه فدعاه، وعاتبه على كتمانه نفسه إياه ، وقال له: بالرحب والسعة، نشدتك الله إن رمت هذا المكان أبداً، وخرج وتركه مع عفراء يتحدثان . وأوصى خادماً له بالاستماع عليهما، وإعادة ما تسمعه منهما عليه، فلما خلوا تشاكيا ما وجدا بعد الفراق، فطالت الشكوى، وهو يبكي أحر بكاء، ثم أتته بشراب وسألته أن يشربه، فقال: والله ما دخل جوفي حرام قط، ولا ارتكبته منذ كنت، ولو استحللت حراماً لكن قد استحللته منك، فأنت حظي من الدنيا، وقد ذهبت مني، وذهبت بعدك فما أعيش! وقد أجمل هذا الرجل الكريم وأحسن، وأنا مستحيى منه، ووالله لا أقيم بعد علمه مكاني ، وإني عالم أني أرحل إلى منيتي. فبكت وبكى، وانصرف.

فلما جاء زوجه أخبرته الخادم بما دار بينهما ، فقال: يا عفراء، امنعي ابن عمك من الخروج، فقالت: لا يمتنع، هو والله أكرم وأشد حياءً من أن يقيم بعد ما جرى بينكما، فدعاه وقال له: يا أخي ، أتق الله في نفسك، فقد عرفت خبرك، وإنك إن رحلت تلفت، ووالله لا أمنعك من الاجتماع معها أبداً ، ولئن شئت لأفارقنها ولأنزلن عنها لك. فجزاه خيراً، وأثنى عليه، وقال: إنما كان الطمع فيها آفتي، والآن قد يئست، وقد حملت نفسي على اليأس والصبر، فإن اليأس يسلي ، ولي أمور، ولا بد لي من رجوعي إليها، فإن وجدت من نفسي قوة على ذلك، وإلا رجعت إليكم وزرتكم، حتى يقضي الله من أمري ما يشاء. فزودوه وأكرموه وشيعوه، فانصرف . فلما رحل عنهم نكس بعد صلاحه وتماثله، وأصابه غشي وخفقان؛ فكان كلما أغمي عليه ألقي على وجهه خمار لعفراء زودته إياه؛ فيفيق. فلم يزل في طريقه حتى مات قبل أن يصل إلى حيه بثلاث ليال”.

وبلغ عفراء خبره، فقامت لزوجها فقالت: يا هناء، قد كان من خبر ابن عمي ما كان بلغك، ووالله ما عرفت منه قط إلا الحسن الجميل، وقد مات في وبسببي، ولابد لي من أن أندبه وأقيم مأتماً عليه . قال: افعلي. فما زالت تندبه ثلاثاً، حتى توفيت في اليوم الرابع.

من قصائده:..

وإنّي لتعروني لذكراكِ رعدة
يطالبني عمّي ثمانينَ ناقة
عجبتُ منَ القيسيِّ زيدٍ وتربهِ