سِبطِ اِبنِ التَعاويذي

سِبطِ اِبنِ التَعاويذي
519 – 583 هـ / 1125 – 1187 م

محمد بن عبيد الله بن عبدالله، أبو الفتح، المعروف بابن التعاويذي أو سبط ابن التعاويذي.

شاعر العراق في عصره،عباسي، من أهل بغداد مولداً ووفاةً، ولي فيها الكتابة في ديوان المقاطعات، وعمي سنة 579 هـ وهو سبط الزاهد أبي محمد ابن التعاويذي، كان أبوه مولى اسمه (نُشتكين) فسمي عبيد الله.

قال ابن خلكان في “وفيات الأعيان“: أبو الفتح محمد بن عبيد الله بن عبد الله الكاتب المعروف بابن التعاويذي، الشاعر المشهور؛ كان مولى لابن المظفر واسمه نشتكين، فسماه ولده المذكور عبيد الله، وهو سبط أبي محمد المبارك بن علي بن نصر السراج الجوهري الزاهد المعروف بابن التعاويذي، وإنما نسب إلى جده المذكور لأنه كفله صغيرا، ونشأ في حجره فنسب إليه.

وكان أبو الفتح المذكور شاعر وقته، لم يكن فيه مثله، جمع شعره بين جزالة الأافاظ وعذوبتها ورقة المعاني ودقتها، وهو في غاية الحسن والحلاوة، وفيما أعتقد لم يكن قبله بمائتين سنة من يضاهيه، ولا يؤاخذني من يقف على هذا الفصل فإن ذلك يختلف بميل الطباع، ولله القائل:

وللناس فيما يعشقون مذاهب

وكان كاتبا بديوان المقاطعات ببغداد، وعمي في آخره عمره سنة تسع وسبعين، وله في عماه أشعار كثيرة يرثي بها ويندب زمان شبابه وتصرفه، وكان قد جمع ديوانه بنفسه قبل العمى، وعمل له خطبة طريفة، ورتبه أربعة فصول، وكل ما جدده بعد ذلك سماهالزيادات فلهذا يوجد ديوانه في بعض النسخ خاليا من الزيادات، وفي بعضها مكملا بالزيادات، ولما عمي كان باسمه راتب في الديوان، فالتمس أن ينقل باسم أولاده.

وكان وزير الديوان العزيز شرف الدين أبو جعفر أحمد بن محمد بن سعيد بن إبراهيم التميمي وزير الإمام المستنجد بالله المعروف بابن البلدي، وقد عزل أرباب الدواوين وحسبهم وحاسبهم وصادرهم وعاقبهم ونكل بهم، فعمل سبط ابن التعاويذي في ذلك قوله:

يا قـاصـدا بـغـداد حـد عـــن بـــلـــدة

 

للـجـور فـيهــا زخـــرة وعـــبـــاب

إن كـنـت طـالـب حـاجة فـارجـع فـقـــد

 

سدت عـلـى الـراجـي بـهـــا الأبـــواب

ليسـت، ومـا بـعـد الـزمـان، كـعـهـدهــا

 

أيام يعـمـر ربـعـــهـــا الـــطـــلاب

ويحـلـهـا الـرؤسـاء مـن ســاداتـــهـــا

 

والـجـــلة الأدبـــاء والـــكـــتـــاب

والـدهـر فـي أولـى حـداثــتـــه ولـــل

 

أيام فـيهـــا نـــضـــرة وشـــبـــاب

والـفـضـل فـي سـوق الـكـرام يبـاع بــال

 

غالـــي مـــن الأثـــمـــــان، والآداب

بادت وأهـلـوهـا مـعـا، فـبــيوتـــهـــم

 

ببـقـاء مـــولانـــا الـــوزير خـــراب

وارتـهــم الأجـــداث أحـــياء تـــهـــا

 

ل جـنـادل مـن فـوقـــهـــم وتـــراب

فهـم خـلـود فـي مـحـابـسـهــم يصـــب

 

علـيهـم بـعـــد الـــعـــذاب عـــذاب

لا يرتجى منها إيابهم،

 

 وهل يرجى لسكان القبور إياب

والناس قد قامت قيامتهم، فلا

 

أنـسـاب بــينـــهـــم ولا أســـبـــاب

والـمـرء يسـلـمـه أبـــوه وعـــرســـه

 

ويخـونـه الـقــربـــاء والأحـــبـــاب

لاشـافـعـل تـغـنـي شـفـاعـــتـــه، ولا

 

جان لـه مـمــا جـــنـــاه مـــتـــاب

شهـدوا مـادهـم فـعــاد مـــصـــدقـــا

 

من كـان قـبـل بـبـعـــثـــه يرتـــاب

حشـــر ومـــيزان وعـــرض جــــرائد

 

وصـائف مـنـــشـــورة وحـــســـاب

وبـهـا زبـانـية تـبـث عـلـــى الـــورى

 

وسـلاسـل ومـــقـــامـــع وعـــذاب

ما فـاتـهـم مـن كـل مــا وعـــدوا بـــه

 

في الـحـــشـــر إلا راحـــم وهـــاب

وله في الوزير المذكور:

يا رب أشكو إليك ضرا

 

أنت على كشفه قدير

أليس صرنـا زمـان

 

فيه أبو جعفـر وزير

وذكر محب الدين المعروف بابن النجار في تاريخ بغداد أن الإمام المستنجد بالله توفي يوم الاثنين ثامن شهر ربيع الآخر سنة وستين وخمسمائة وتولى بعده ولده المستضيء بأمر الله وجلس للمبايعة يوم الثلاثاء ثاني اليوم المذكور، فخرج أستاذ الدار عضد الدين أبو الفرج المذكور عقيب هذا ومعه ابن السيبي فقال له: إن الخليفة قد تقدم أن يستوفي القصاص من هذان وأشار إلى الوزير، فأخذ وسحب وقطع أنفه ويده ورجلهن ثم ضربت رقبته، وجمع في ترس وألقي في دجلة، وكان هذا الوزير قد قطع أنف أم ابن السيبي المذكور ويد أخيه ورجله في أيام ولايته، فاقتص منه في هذا اليوم، نعوذ بالله من سوءالعاقبة.

وكتب سبط ابن التعاويذي إلى عضد الدين أبي الفرج محمد بن المظفر، وهو من ابناء مواليه يطلب منه شعيرا لفرسه، وهو الذي فعل بالوزير ابن البلدي تلك الفعلة المذكورة قبل هذا:

مولاي يامـن لـــه أياد

 

ليس إلى عدهـا سـبـيل

ومن إذا قلت الـعـطـايا

 

فجـوده وافـر جــزيل

إليه إن جارت الـلـيالـي

 

نأوي وافــــــــر

إن كميتي العتـيق سـنـا

 

فأعجب لما يجلب الفضول

ولم أخل للـسـقـاء أنـي

 

لثقل أعـبـائه حـمـول

فإن أكن عالـيا عـلـيه

 

فهو على كاهلي ثقـيل

أرجل كالبوم لـيس فـيه

 

خير كثـير ولا قـلـيل

ليس له مخبـر حـمـيد

 

ولا له منظر جـمـيل

وهو حرون وفيه بـطء

 

ولاجـواد ولا ذلــول

لا كفل معـجـب لـراء

 

إذا رآه ولا تـلـــيل

مقصرا إن مشى، ولكـن

 

إن حضر الاكل مستطيل

يعجبه التبن والشعـيرال

 

مغسول والقت والقصيل

إذا رأى عكـشـا رايت

 

اللعاب من شدقه يسـيل

وليس فيه من المعـانـي

 

شيء سوى أنـه أكـول

فهب له اليوم ماتسـنـى

 

وهبه من نعض ماتنـيل

ولا تقـل إن ذا قـلـيل

 

فالجل في عينيه جلـيل

صنف كتابا سماه الحجبة والحجاب يدخل في مقدار خمس عشرة كراسة، وأكال الكلام فيه، وهو قليل الوجود. وذكر العماد الأصبهاني في كتاب الخريدة أن ابن التعاويذي المذكور كان صاحب لما كان بالعراق، فلما انتقل العماد إلى الشام واتصل بخدمة السلطان صلاح الدين كتب إليهابن التعاويذي رسالة يطلب منه فروة، وذكر الرسالةن وهيوقد كلف مكارمه وإن لم يكن للجود عليها كلفة، وأتحفه بما وجهه إليه من أمله وهو لعمر الله تحفه، أهدى فروة دمشقية، سرية نقية، يلين لمسها، ويزين لبسها، ودباغتها نظيفة، وخياطتها لطيفة، طويلة كطوله، سابغة كأنعمه حالية كذكره، جميلة كفعله، واسعة كصدره، نقية كعرضه، رفيعة كقدره، موشية كنظمه ونثره، ظاهرها كظاهره، وباطنها كباطنه، يتجمل بها اللابس، وتتحلى بها المجالس، وهي لخادمه سربال، وله-حرس الله مجده – جمال، يشكره عليها من لم يلبسها، ويثني عليه من لم يتدرعها، تذهب خميلة وبرها، ويبقى حميد أثرها، ويخلق إهابها وجلدها، ويتجدد شكرها وحمدها، وقد نظم أبياتا ركب في نظمها الغرر، وأهدى بها التمر إلى هجر، إلا أنه قد عرض الطيب على عطاره، ووضع الثوب في يد بزازة، وأحل الثناء في محله، وجمع بين الفضل وأهله، وهي في حسنه وخفارة كرمه ثم ذكر القصيدة التي أولها:  

بأبي من ذبت في الح

 

ب له شوقا وصبوة

وهي موجودة في ديوانه. وكتب العماد جواب القصيدة على هذا الروي أيضا، وهما طويلتان.

وكانت ولادة ابن التعاويذي  في العاشر من رجب يوم الجمعة سنة تسع عشرة وخمسمائة. وتوفي في ثاني شوال سنة أربع، وقيل ثلاث وثمانين وخمسمائة ببغداد، ودفن في باب أبرز، رحمه الله تعالى. وقال ابن النجارفي تاريخه: مولده يوم الجمعة، وتوفي يوم السبت ثامن عشر شوال