حكاية مسرور التاجر مع معشوقته زين المواصف

 

 

حكاية مسرور التاجر مع معشوقته زين المواصف

ومما يحكى أنه كان في قديم الزمان وسالف العصر والأوان رجل تاجر اسمه مسرور وكان ذلك الرجل من أحسن أهل زمانه كثير المال مرفه الحال ولكنه كان يحب النزهة في الرياض والبساتين ويتلهى بهوى النساء الملاح فاتفق إنه كان نائماً في ليلة من الليالي فرأى في نومه أنه في روضة من أحسن الرياض وفيها أربع طيور من جملتهما حمامة بيضاء مثل الفضة المجلية فأعجبته تلك الحمامة وصار في قلبه منها وجد عظيم وبعد ذلك رأى أنه نزل عليه طائر عظيم خطف تلك الحمامة من يده فعظم ذلك عليه، ثم بعد ذلك انتبه من نومه فلم يجد الحمامة فصار يعالج أشواقه إلى الصباح فقال في نفسه لا بد أن أروح اليوم إلى من يفسر لي هذه المنام.
وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الثامنة والثمانين بعد السبعمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن مسرور التاجر لما انتبه من نومه صار يعالج أشواقه إلى الصباح وقال لا بد أن أروح اليوم إلى من يفسر لي هذا المنام، فقام يمشي إلى أن بعد عن منزله فلم يجد من يفسر له هذا المنام، ثم بعد ذلك طلب الرجوع إلى منزله فبينما هو في الطريق إذا خطر بباله أن يمر على دار من دور التجار وكانت تلك الدار لبعض الأغنياء فلما وصل إليها وإذا به يسمع بها صوت أنين من كبد حزين وهو ينشد هذه الأبيات:

نسيم الصبا هبت لنا من رسومها
معطرة يشفي العليل شميمهـا

وقفت بأطـلال دوارس سـائلاً
وليس يجيب الدمع إلا رميمها

فقلت نسيم الريح بالله خـبـري
هل الدار هذي قد يعود نعيمها

وأحظى بظبي مال بي لين قده
وأجفانه الوسنا ضناني سقيمها

فلما سمع مسرور ذلك الصوت نظر في داخل البيت فرأى روضة من أحسن الرياض في باطنها ستر من ديباج أحمر مكلل بالدر والجوهر وعليه من وراء الستر أربع جوار بينهن صبية دون الخماسية وفوق الرباعية كأنها البدر المنير والقمر المستدير بعينين كحيلتين وحاجبين مقرنين وفم كأنه خاتم سليمان وشفتين وأسنان كالدر والمرجان وهي تسلب العقول بحسنها وجمالها وقدها واعتدالها فلما رآها مسرور دخل الدار وبالغ في الدخول حتى وصل إلى الستر فرفعت رأسها إليه ونظرته فعند ذلك سلم عليها فردت عليه السلام بعذوبة الكلام. فلما نظرها وتأملها طاش عقله وذهب قلبه ونظر إلى الروضة وكانت من الياسمين المنثور والبنفسج والورد والنارنج وجميع ما يكون فيها من المشموم وقد توشحت جميع الأشجار بالأثمار وفي تلك الروضة طيور من قمري وحمام وبلبل ويمام وكل طير يغرد بصوته والصبية تتمايل في حسنها وجمالها وقدها واعتدالها يفتتن بها كل من رآها ثم قالت أيها الرجل ما الذي أقدمك على دار غير دارك وعلى جوار غير جوارك من غير إجازة أصحابها فقال لها: يا سيدتي رأيت هذه الروضة فأعجبني حسن اخضرارها وفيح أزهارها وترنم أطيارها فدخلتها لأتفرج فيها ساعة من الزمان وأروح إلى حال سبيلي فقالت له حباً وكرامة. فلما سمع مسرور التاجر كلامها ونظر إلى ظرفها ورشاقة قدها تحير من حسنها وجمالها ومن لطافة الروضة والطير فطار عقله من ذلك وصار متحيراً في أمره وأنشد هذه الأبيات:

قمري تبدي في بديع محاسـن
بين الربا والرواح والريحـان

والآس والنسرين ثم بنفـسـج
فاحت روائحه من الأغصـان

يا روضة كملت بحسن صفاتها
وحوت جميع الزهر والأفنان

فالبدر يجلي تحت ظل غصونها
والطير تنشد أطيب الألحـان

قمريها وهزارها ويمـامـهـا
وكذا البلابل هيجت أشجانـي

وقف الغرام بمهجتي متحـيراً
في حسنها كتحير السـكـران

فلما سمعت زين المواصف شعر مسرور نظرت إليه نظرة أعقبتها ألف حسرة وسلبت بها عقله ولبه وأجابته عن شعره بهذه الأبيات:

لا ترتجى وصل التي علقتهـا
وأقطع مطامعك التي أماتهـا

وذر الذي ترجوه أنك لم تطق
صد التي في الغانيات عشقتها

تجنى على العشاق الحاظي ولم
تعظم على مقالة قد قلتـهـا

فلما سمع مسرور كلامها تجلد وكتم أمرها في سره وتنكر وقال في نفسه ما للبلية إلا الصبر ثم داموا على ذلك إلى أن هجم الليل فأمرت بحضور المائدة فحضرت بين أيديهما وفيها من سائر الألوان من السماني وأفراخ الحمام ولحوم الضأن فأكلا حتى اكتفيا ثم أمرت برفع الموائد فرفعت وحضرت آلات الغسل فغسلا أيديهما ثم أمرت بوضع الشمعدانات فوضعت وجعل فيها شمع الكافور ثم بعد ذلك قالت زين المواصف والله أن صدري ضيق في هذه الليلة لأني محمومة فقال لها مسرور شرح الله صدرك وكشف غمك فقالت يا مسرور أنا معودة بلعب الشطرنج فهل تعرف فيه شيئاً؟ قال أنا عارف به. فقدمته بين أيديهما وإذا هو من الآبنوس مقطع بالعاج له رقعة مرقوقة بالذهب الوهاج وحجارته من درٍ وياقوت.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة التاسعة والثمانين بعد السبعمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أنها لما أمرت بإحضار الشطرنج أحضروه بين أيديهما فلما رآه مسرور حار فكره فالتفتت إليه زين المواصف وقالت له: هل تريد الحمر أم البيض؟ فقال: يا سيدة الملاح وزين الصباح خذي أنت الحمر لأنهم ملاح ولمثلك أملح ودعي لي الحجارة البيض. فقالت: رضيت بذلك. فأخذت الحمر وصفتها مقابل البيض ومدت يديها إلى القطع تنقل في الميدان فنظر إلى أناملها، فرآها كأنها من عجين، فاندهش مسرور من حسن أناملها ولطف شمائلها فالتفتت إليه وقالت: يا مسرور لا تندهش وأصبر وأثبت فقال لها يا ذات الحسن الذي فضح الأقمار إذا نظرك المحب كيف يكون له اصطبار.

فبينما هو كذلك وإذا هي تقول له: الشاه مات فغلبته عند ذلك وعلمت زين المواصف أنه بحبها مجنون فقالت له يا مسرور لا ألعب معك إلا برهن معلوم وقدر مفهوم. فقال لها: سمعاً وطاعةً. فقالت له أحلف لي وأحلف لك أن كلا منا لا يغدر صاحبه. فحلفا معاً على ذلك فقالت له: يا مسرور إن غلبتك أخذت منك عشرة دنانير، وأن غلبتني فأعمل معي ما تريد فظن أنه يغلبها. فقال لها: يا سيدتي لا تخشي في يمينك فإني أراك أقوى مني في اللعب. فقالت له: رضيت بذلك وصار يلعبان ويتسابقان بالبيادق، وألحقهم بالإفراز وصفتهم وقرتهم بالرخاخ وسمحت النفس بتقديم الأفراس، وكان على رأس زين المواصف وشاح من الديباج الأزرق فرفعته عن رأسها وشمرت عن معصم كأنه عمود من نور ومرت بكفها على القطع الحمر وقالت له خذ حذرك فاندهش مسرور وطار عقله وذهب لبه ونظر إلى رشاقتها ومعانيها فاحتار وأخذه الأنبهار فمد يده إلى البيض فراحت إلى الحمر، فقالت: يا مسرور أين عقلك الحمر لي والبيض لك، فقال لها: إن من ينظر إليك يشرد عقله.

فلما نظرت زين المواصف إلى حاله أخذت منه البيض وأعطته الحمر فلعب بها فغلبته ولم يزل يلعب معها وهي تغلبه ويدفع لها في كل مرة عشرة دنانير، فلما عرفت زين المواصف أنه مشغول بهواها قالت له: يا مسرور ما بقيت تنال مرادك إلا إذا كنت تغلبني كما هو شرطك ولا بقيت ألعب معك في كل مرة إلا بمائة دينار. فقال لها حباً وكرامة، فصارت تلاعبه وتغلبه وتكرر ذلك وهو في كل مرة يدفع لها المائة دينار، وداما إلى الصباح وهو لم يغلبها أبدا فنهض قائماً على أقدامه فقالت له ما الذي تريد يا مسرور قال لها: أمضي إلى منزلي وآتي بمالي لعلي أنل منك آمالي، فقالت له: أفعل ما تريد مما بدا لك فمضى إلى منزله وأتاها بالمال جميعه.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة التسعين بعد السبعمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن مسرور لما مضى إلى منزله وأتى لها بالمال جميعه صار يلعب معها وهي تغلبه ولم يقدر أن يغلبها دوراً واحداً ولم يزالا كذلك ثلاثة أيامٍ حتى أخذت منه جميع ماله فلما نفد ماله قالت له: يا مسرور ما الذي تريد؟ قال ألاعبك على دكان العطارة قالت له كم يساوي تلك الدكان؟ قال خمسمائة دينار فنلعب بها خمسة أشواط فغلبته، ثم لعب معها بها على الجواري والعقارات والبساتين والعمارات فأخذت منه ذلك كله وجميع ما يملكه، وبعد ذلك التفتت إليه وقالت له: هل بقي معك شيء من المال تلعب به.

فقال لها: وحق من أوقعني معك في شرك المحبة ما بقيت يدي تملك شيء من المال وغيره لا قليلاً ولا كثيراً. فقالت له: كل شيء يكون أوله رضاً لا يكون آخره ندامة، فإن كنت ندمت فخذ مالك واذهب عنا إلى حال سبيلك وأنا أجعلك في حل من قبلي قال مسرور وحق من قضى علينا بهذه الأمور لو أردت أخذ روحي لكانت قليلة في رضاك، فما عشق قلبي أحداً سواك فقالت: يا مسرور حينئذ اذهب وأحضر القاضي والشهود واكتب لي جميع الأملاك والعقارات.

فقال: حباً وكرامة ثم نهض قائماً في الوقت والساعة وأتى بالقاضي والشهود وأحضرهم عندها، فلما رآها القاضي طار عقله وذهب لبه وتبلبل خاطره من حسن أناملها وقال: يا سيدتي لا أكتب الحجة إلا بشروط أن تشتر العقارات والجواري والأملاك وتصير كلها تحت تصرفك وفي حيازتك. فقالت: قد اتفقنا على ذلك، فاكتب لي حجة بأن ملك مسرور وجواريه وما تملكه يده ينقل إلى ملك زين المواصف بثمن جملته كذا وكذا فكتب القاضي ووضع الشهود خطوطهم على ذلك، وأخذت الحجة زين المواصف.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الواحدة والتسعين بعد السبعمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن زين المواصف لما أخذت الحجة من القاضي مشتملة على أن جميع ما كان ملكاً لمسرور صار ملكاً لها قالت له: يا مسرور اذهب إلى حال سبيلك فالتفتت جاريتها هبوب وقالت له أنشد شيئاً من الأشعار، فأنشد في شأن لعب الشطرنج هذه الأبيات:

أشكر الزمان وما قد حل بي وجرى
واشتكي الخسر والشطرنج والنظرا

في حب جـاريةٍ غـيداء نـاعـمةٍ
ما مثلها في الورى أنثى ولا ذكـرا

قد فرقت لي سهاماً من لواحظـهـا
وقدمت لي جيوشاً تغلب البـشـرا

حمراً وبيضاً وفرسانـاً مـصـادمةٍ
فبادرتني وقالت لي خـذ الـحـذرا

وأهملتني إذا مـرت أنـامـلـهـا
في جنح ليلٍ بهيمٍ يشبه الـشـعـرا

لم أستطع لخلاص البيض أنقلـهـا
والوجد صير مني الدمع منهـمـرا

بيادق ورخـوخ مـع فـــرازنة
كرت فأدبر جيش البيض منكسـرا

خيرتـنـي بـين الـعـسـكـرين
فاخترت تلك الجيوش البيض مقتمرا

وقلت لهم هذه الجيوش البيض تصلـح
لي هم المراد وأما أنت فالـحـمـرا

ولاعبتني على رهـنٍ رضـيت بـه
ولم أكن عن رضاها أبلغ الـوطـرا

يا لهف قلبي ويا شوقي ويا حـزنـي
على وصال فتاة تشبـه الـقـمـرا

ما القلب في حرقٍ كـلا ولا أسـف
على عقاري ولكن يألف الـنـظـرا

وصرت حيران مبهوتاً علـى وجـل
أعاتب الدهر فيما تـم لـي وجـرى

قالت فما لك مبهوتاً فقـلـت لـهـا
هل شارب الخمر يصحو عندما سكرا

أنسية سلبت عقلـي بـقـامـتـهـا
أن لان منها فؤاد يشبه الـحـجـرا

أطبعت نفسي وقلت اليوم أملـكـهـا
على الرهان ولا خوفـاً ولا حـذرا

لا زال يطمع قلبي في تواصـلـهـا
حتى بقيت على الحالين مفـتـقـرا

هل يرجع الصب عن عشقٍ أضر به
ولو غدا في بحار الوجد مـنـحـدرا

فأصبح العـبـد لا مـال بـقـلـبـه
أسير شوقي ووجد ما قضى وطـرا

فلما سمعت زين المواصف هذه الأبيات تعجبت من فصاحة لسانه وقالت له: يا مسرور دع عنك هذا الجنون وارجع إلى عقلك وأمض إلى حال سبيلك فقد أفنيت مالك وعقارك في لعب الشطرنج ولم تحصل غرضك وليس لك جهة من الجهات توصلك إليه، فالتفتت مسرور إلى زين المواصف وقال لها يا سيدتي اطلبي أي شيءٍ ولك كل ما تطلبينه فإني أجيء به إليك وأحضره بين يديك. فقالت: يا مسرور ما بقي معك شيء من المال فقال لها: يا منتهى الآمال إذا لم يكن عندي شيء من المال تساعدني الرجال فقالت له: هل الذي يعطي يصير مستطيعاً؟ فقال لها: إن لي أقارب وأصحاباً ومهما طلبته يعطوني إياه.

فقالت له أريد منك أربع نوافج من المسك الأذفر وأربع أواق من الغالية وأربعة أرطال من العنبر وأربعة آلاف دينار وأربع مائة حلة من الديباج الملوكي المزركش فإن كنت يا مسرور تأتي بذلك الأمر أبحث لك الوصال. فقال: هذا علي هين يا مخجلة الأقمار، ثم أن مسرور أخرج من عندها ليأتيها بالذي طلبته منه، فأرسلت خلفه هبوب الجارية حتى تنظر قدره عند الناس الذي ذكرهم لها، فبينما هو يمشي في شوارع المدينة إذ لاحت منه التفاتة فرأى هبوب على بعد فوقف إلى أن لحقته.

فقال لها: يا هبوب إلى أين أنت ذاهبة؟ فقالت له أن سيدتي أرسلتني خلفك من أجل كذا وكذا. وأخبرته بما قالته لها زين المواصف من أوله إلى آخره. فقال لها: والله يا هبوب أن يدي لا تملك شيئاً من المال. قالت له: فلأي شيء وعدتها؟ فقال: كم من وعد لا يفي به صاحبه والمطل بالحب لا بد منه. فلما سمعت هبوب ذلك منه قالت له يا مسرور طب نفساً وقر عيناً والله لأكونن سبباً في اتصالك بها ثم أنها تركته ومشت وما زالت ماشية إلى أن وصلت إلى سيدتها فبكت بكاءً شديداً وقالت لها: يا سيدتي والله أنه رجل كبير المقدار ومحترم عند الناس.

فقالت لها سيدتها: لا حيلة في قضاء الله تعالى أن هذا الرجل ما وجد عندنا قلباً رحيماً لأننا أخذنا ماله ولم يجد عندنا مودة ولا شفقة في الوصال وأن وصلنه إلى مراده أخاف أن يشيع الأمر فقالت لها هبوب: يا سيدتي ما سهل علينا حاله وأخذ ماله ولكن ما عندك إلا أنا وجاريتك سكوب فمن يقدر أن يتكلم منا فيك ونحن جواريك فعند ذلك أطرقت برأسها إلى الأرض فقال لها الجواري يا سيدتي الرأي عندنا أن ترسلي خلفه وتنعمي عليه ولا تدعيه يسأل أحداً من اللئام فما أمر السؤال فقبلت كلام الجواري ودعت بدواةٍ وقرطاساً وكتبت هذه الأبيات:

دنا الوصل يا مسرور فأبشر بلا مطل
إذا أسود جنح الليل فاتأت بالفـعـل

ولا تسأل الأنذال في المال يا فـتـى
فقد كنت في سكرٍ وقد رد لي عقلي

فما لك مردودٌ عـلـيك جـمـيعـه
وزدتك يا مسرور من فوقه وصلـي

لأنـك ذو صـبـرٍ وفـيك حـلاوةً
على جور محبوبٍ جفاك بلا عـدل

فبادر لتحظى بالمنى ولـك الـهـنـا
ولا تعط أهمالاً فيدري بنا أهـلـي

هلم إلينا مسرعـاً غـير مـبـطـئ
وكل من ثمار الوصل في غيبة البعل

ثم أنها طوت الكتاب وأعطته لجاريتها هبوب ومضت إلى مسرور فوجدته يبكي وينشد قول الشاعر:

وهب على قلبي نسيم من الـجـوى
ففتت الأكباد من فـرط لـوعـتـي

لقد زاد وجـدي بـعـد أحـبـتـي
وفاضت جفوني في تزايد عبـرتـي

وعندي من الأوهام مـا أن أبـح بـه
لصنم الحصى والصخر لانت بسرعة

ألا ليت شعري هل أرى ما يسرنـي
وأحظى بما أرجوه من نيل بغـيتـي

وتطوى ليالي الصد من بعد نشرهـا
وأبرأ مما دخل القلب حلت صبوتـي

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الثانية والتسعين بعد السبعمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن مسروراً لما زاد به الهيام صار ينشد الأشعار وهو في غاية الشوق فبينما هو يترنم بتلك الأبيات ويرددها إذ سمعته هبوب فطرقت عليه الباب فقام وفتح لها فدخلت وناولته الكتاب فأخذه وقرأه وقال لها يا هبوب ما وراءك من أخبار سيدتك؟ فقالت له يا سيدي أن في هذا الكتاب ما يغني عن رد الجواب وأنت من ذي الألباب ففرح مسرور فرحاً شديداً وأنشد هذين البيتين:

ورد الكتاب فسرنا مضمـونة
وردت أني في الفؤاد أصونه

وازدادت شوقاً عندما قبلتـه
فكأنما در الهوى مكنـونـه

ثم أنه كتب كتاباً لها وأعطاه لهبوب فأخذته وأتت به إلى زين المواصف فلما وصلت إليها به صارت تشرح لها محاسنه وتذكر أوصافه وكرمه وصارت مساعدة له على جمع شمله فقالت لها زين المواصف: يا هبوب أنه أبطأ عن الوصول إلينا فقالت لها هبوب: إنه سيأتي سريعاً فلم تستتم كلامها وإذا به قد أقبل وطرق الباب ففتحت له وأخذته وأجلسته عند سيدتها زين المواصف فسلمت عليه ورجعت به وأجلسته إلى جانبها ثم قالت لجاريتها هبوب: هات له بدلة من أحسن ما يكون فقامت هبوب وأتت ببدلةٍ مذهبةٍ فأخذتها وأفرغتها عليه وأفرغت على سيدتها بدلة أيضاً من أفخر الملابس ووضعت على رأسها سبيكة من اللؤلؤ الرطب وربطت على السبيكة عصابة من الديباج مكللة بالدر والجوهر واليواقيت وأرخت من تحت العصبة سالفتين ووضعت في كل سالفة ياقوتة حمراء مرقومة بالذهب الوهاج وأرخت شعرها كأنه الليل الداج وتبخرت بالعود وتعطرت بالمسك والعنبر فقالت لها جاريتها هبوب: الله يحفظك من العين فصارت تمشي وتتبختر في خطواتها وتنعطف فأنشدت الجارية من بديع شعرها هذه الأبيات:

خجلت غصون البان من خطواتها
وسطت على العشاق من لحظاتها

قمر تبدي في غياهب شعـرهـا
كالشمس تشرق في دجى وفراتها

طوبى لمن باتت تتيه بحسـنـهـا
ويموت فيها حالفاً بـحـياتـهـا

فشكرتها زين المواصف، ثم أنها أقبلت على مسرور وهي كالبدر المشهور فلما رآها مسرور نهض قائماً على قدميه وقال: إن صدق قلبي فما هي إنسية وإنما هي من عرائس الجنة، ثم أنها دعت بالمائدة فحضرت ثم أنهم أكلوا وشربوا وتلذذوا وطربوا ورفعت سفرة الطعام وقدموا سفرة المدام ودار بينهم الكأس والطاس وطابت لهم الأنفاس وملأ الكأس مسرور وقال: يا من أنا عبدها وهي سيدتي فقالت: يا مسرور كل من تمسك بدينه وأكل خبزنا وملحنا وجب حقه علينا فخل عنك هذه الأمور وأنا أرد عليك أملاكك وجميع ما أخذنا منك، فقال: يا سيدتي أنت في حل مما تذكرينه وأن كنت غدرت في اليمين الذي بيني وبينك فأنا أروح وأصير مسلماً، فقالت جاريتها هبوب: يا سيدتي أنت صغيرة السن وتعرفين كثيراً وأنا استشفع عندك بالله العظيم، فإن لم تطيعيني وتجبري خاطري لا أنام عندك في الدار، فقالت لها: يا هبوب لا يكون إلا ما تريدينه، قومي جددي لنا مجلساً فنهضت الجارية هبوب وجددت مجلساً وزينته وعطرته بأحسن العطر كما تحب وتختار وجهزت الطعام وأحضرت المدام ودار بينهم الكأس والطاس طابت لهم الأنفاس، وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الرابعة والتسعين بعد السبعمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن زين المواصف لما أمرت جاريتها هبوب بتجديد مجلس الأنس قامت وجددت الطعام والمدام ودار بينهم الكأس والطاس وطابت لهم الأنفاس فقالت زين المواصف: يا مسرور قد آن أوان اللقاء والتداني فإن كنت لحبنا تعاني فأنشيء لنا شعر بديع المعاني، فأنشد مسرور هذه القصيدة:

أسرت وفي قلبي لهيبٌ تضرما
بحبل وصالٍ في الفراق تصرما

وحب فتاةٍ كان قـلـبـي حـبـهـا
وقد سلبت عقلي بخـدٍ تـنـعـمـا

لها الحاجب المقرون والطرف أحور
وثغرٍ يحاكي البرق حين تبـسـمـا

لها من سنين العمر عشـر وأربـع
ودمعي حكى في حب هاتيك عندما

فعانيهـا مـا بـين نـهـرٍ وروضةٍ
بوجه يفوق البدر في أفق السـمـا

وقفت لها شبـه الأسـير مـهـابةً
وقلت سلام الله يا ساكن الحـمـى

فردت سلامي عـنـد ذلـك رغـبة
بلطف حديث مثل در تـنـظـمـا

وحين رأت قولي لديها تحـقـقـت
مرامي وصار القلب منها مصممـا

وقالت أما هـذا الـكـلام جـهـالة
فقلت لها كفي عن الصب ألـومـا

فإن تقبليني اليوم فالخـطـب هـين
فمثلك معشوقاً ومثلـى مـتـيمـا

فلما رأت مني المرام تـبـسـمـت
وقالت ورب خالق الأرض والسمـا

يهودية أقسـى الـنـهـود ديتـهـا
وما أنت إلا للنصـارى مـلازمـا

فكيف ترى وصلي ولست بملـتـي
فإن تبع هذا الفعل تصبـح نـادمـا

وتلعب بالدينين هل حل في الهـوى
ويصبح مثلي بالمـلام مـكـلـمـا

وتهوى به الأديان في كـل وجـهةٍ
وتبقى على ديني ودينك محـرمـا

وتحلف بالإنجيل قـولاً مـحـقـقـاً
لتحفظ سري في هواك وتكـتـمـا

وأحلف بالـتـوراة إيمـان صـادقٍ
بأني على العهد الذي قد تـقـدمـا

حلفت على ديني وشرعي ومذهبـي
وحلفتها مثلي يمينـاً مـعـظـمـا

وقلت لها ما الاسم يا غاية المـنـى
فقالت أنا زين المواصف في الحما

فناديت يا زين المواصـف أنـنـي
بحبك مشغوف الـفـؤاد مـتـيمـا

وعاينت من تحت اللثام جمـالـهـا
فصرت كئيب القلب والحال مغرما

فما زلت تحت الستر أخضع شاكـياً
كثير غرام في الفؤاد تـحـكـمـا

فلما رأت حالي وفـرط تـولـهـي
أمالت لي وجهاً ضاحكاً متبسـمـا

وهبت لنا ريح الـوصـال وعـرت
نوافج عطر المسك جيداً ومعصمـا

وقد عبقت منها الأماكـن كـلـهـا
وقبلت من فيها رحيقاً ومبـسـمـا

ومالت كغصن البان تحـت غـلائل
وحللت وصلا كان قبل مـحـرمـا

وبتنا بجمع الشمل والشمل جـامـع
بضم ولثم وارتشاف من الـلـمـى

وما زينة الدنيا سوى مـن تـحـبـه
يكون قريباً منك كي تتـحـكـمـا

فلما تجلى الصبح قامـت وودعـت
بوجه جميل فائق قمـر الـسـمـا

وقد أنشدت عند الوداع ودمـعـهـا
على الخد منثوراً وبعضها منظمـا

فلم أنس عهد الله ما عشت في الورى
وحسن الليالي واليمين المعـظـمـا

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الخامسة والتسعين بعد السبعمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن مسروراً لما أنشد القصيدة المذكورة وسمعتها زين المواصف أطربت وقالت له: يا مسرور ما أحسن معانيك ولا عاش من يعاديك، ثم دخلت المقصورة ودعت بمسرور فدخل عندها واحتضنها وعانقها وقبلها وبلغ منها ما ظن أنه محال وفرح بما نال من طيب الوصال، فعند ذلك قالت زين المواصف له: يا مسرور أن مالك حرام علينا حلال لك لأننا قد صرنا أحباباً، ثم أنها ردت إليه كل ما أخذته من الأموال وقالت له: يا مسرور هل لك من روضة نأتي إليها ونتفرج عليها؟ قال: نعم لي روضة ليس لها نظير.

ثم مضى إلى منزله وأمر جواريه أن يصنعن طعاماً فاخراً وأن يهيئن مجلساً حسناً وصحبة عظيمة، ثم أنه دعاها إلى منزله فحضرت هي وجواريها فأكلوا وشربوا وتلذذوا وطربوا ودار بينهم الكأس والطاس وطابت لهم الأنفاس وخلا كل حبيب بحبيبه فقالت: يا مسرور خطر ببالي شعر رقيق أريد أن أقوله على العود فقال لها: قوليه، فأخذت العود بيدها وأصلحت شأنه وحركت أوتاره وحسنت النغمات وأنشدت تقول هذه الأبيات:

قد مال بي طربٌ من الأوتـار
وصفا الصبوح لنا لدى الأسحار

والحب يكشف عن فؤادٍ متـيم
فبدا الهوى بهتك الأسـتـار

مع خمرة رقت بحسن صفاتها
كالشمس تجلى في يد الأقمار

في ليلةٍ جاءت لنا بسرورهـا
تمحو بصفو شائب الأكـدار

فلما فرغت من شعرها قالت: يا مسرور أنشدنا شيئاً من أشعارك ومتعنا بفواكه أثمارك فأنشد هذين البيتين:

طربنا على بـدرٍ يدير مـدامةً
ونغمة عود في رياض مقامنا

وغنت قماريها ومالت غصونها
سخيراً وفي أنحائها غاية المنى

فلما فرغ من شعره قالت له زين المواصف: أنشد لنا شعر فيما رقع لنا أن كنت مشغولاً بحبنا، فقال حباً وكرامة وأنشد هذه القصيدة:

قف واستمع ما جرى لي
في حب هذا الغزالـي

ريم رمانـي بـنـبـل
ولحظه قـد غـزالـي

فتنت عـشـقـاً وأنـي
في الحب ضاق احتيالي

هويت ذات دلالٍ
محجوبة بالـنـصـال

أبصرتها وسـط روضٍ
وقدهـا ذو اعـتـدال

سلمت قالـت سـلامـاً
لما صنعت لمـقـالـي

سألت ما الاسم قـالـت
اسمي وفاق جمـالـي

سميت زين المواصـف
فقلت رقي لـحـالـي

فإن عـنـدي غـرامـاً
هيهات صب مثـالـي

قالت فإن كنت تـهـوى
وطامعاً في وصـالـي

أريد مـالاً جـــزيلاً
يفـوق كـل نــوال

أريد مـنـك ثـيابــاً
من الحرير الغـوالـي

وربع قنطـار مـسـكٍ
برسم لـيل وصـالـي

ولـؤلـؤ وعـقـيقــاً
من النفيس الـغـالـي

وفـضة ونـضـــار
من الحلي الحـوالـي

أظهرت صبراً جمـيلاً
على عظيم اشتغـالـي

فأنعمت لـي بـوصـلٍ
فيا لـه مـن وصـال

أن لامني الغير فـيهـا
أقـول يا لـلـرجـال

لهـا شـعـور طـوالٍ
والوزن وزن اللـيالـي

وخـدهـا فــيه وردٌ
مثل اللظى في اشتعال

وجفنـهـا فـيه سـيفٌ
ولحظها كالمـنـبـال

وثغرهـا فـيه خـمـرٌ
وريقـهـا كـالـزلال

كأنـه عــقـــد درٍ
حوى نظـام الـلآلـي

وجيدهـا جـيد ظـبـي
ملـيحة فـي كـمـال

وصـدرهـا كـرخـامٍ
ونهدهـا كـالـقـلال

وبطنـهـا فـيه طـي
معطر بـالـغـوالـي

وتـحـت ذلـك شـيءٌ
له انتـهـت آمـالـي

مربـوب وسـمـــينٌ
مكلـثـم يا مـوالـي

كأنـه تـخـت مـلـكٍ
عليك أعرض حـالـي

بين العمودين تـلـقـى
مصاطباً بـتـعـالـي

لكـنـه فـيه وصـفٌ
يدهي عقول الـرجـال

له شـفـاه كـبـــارٍ
ونفـرةٌ كـالـبـغـال

يبدو بـحـمـرة عـينٍ
ومشفرٌ كـالـجـمـال

إذا أتـــيت إلـــيه
بهمةٍ فـي الـفـعـال

تلقاه حـر الـمـلاقـي
بقـوةٍ واحـتـفــال

يرد كـل شـجـــاعٍ
محلول عزمٍ القـتـال

وتـارة تـلــقـــاه
بلحـيةٍ فـي مـطـال

ينبـيك عـنـه مـلـيح
ذو بـهـجةٍ وجـمـال

كمثل زين المـواصـف
مليحةٌ في الـكـمـال

أتـيت لـيلاً إلـيهــا
ونلت شـيئاً حـلالـي

ولـيلةً بـت مـعـهـا
فاقت جميع اللـيالـي

لما أتى الصبح قـامـت
ووجهها كـالـهـلال

تهز مـنـهـا قـوامـاً
هز الرماح الغـوالـي

وودعتـنـي وقـالـت
متى تعود الـلـيالـي

فقلت يا نـور عـينـي
إذا أردت تـعـالــي

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة السادسة والتسعين بعد السبعمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن مسرور لما انتهى من إنشاده القصيدة طربت زين المواصف طرباً عظيماً وحصل لها غاية الإنشراح وقالت: يا مسرور قد دنا الصباح ولم يبق إلا الرواح خوفاً من الإفتضاح فقال: حباً وكرامة ثم نهض على قدميه وأتى بها إلى أن أوصلها إلى منزلها ومضى إلى محله وبات يفكر في محاسنها. فلما أصبح الصباح وأضاء بنوره ولاح هيأ لها هديةً فاخرةً وأتى بها إليها وجلس عندها وأقام على ذلك مدة أياماً وهما في أرغد عيش وأهنأه.

ثم أنه ورد عليها في بعض الأيام كتاب من عند زوجها مضمونه أنه يصل إليها عن قريب فقالت في نفسها لا سلمه الله ولا حياه لأنه إن وصل إلينا تكدر علينا عيشنا، يا ليتني كنت يئست منه، فلما أتى إليها مسرور جلس يتحدث معها على العادة فقالت له: يا مسرور قد ورد علينا كتاباً من عند زوجي مضمونه أنه يصل إلينا من سفره عن قريبٍ فكيف يكون العمل وما لأحدٍ منا عن صاحبه صبر؟ فقال لها: لست أدري ما يكون بل أنت أخبر وأدرى بأخلاق زوجك ولا سيما أنت من أعقل النساء صاحبة الحيل التي تحتال بشيءٍ تعجز عن مثله الرجال، فقالت: إنه رجلٌ صعبٌ وله غيرةٌ على أهل بيته ولكن إذا قدم من سفره وسمعت بقدومه فأقدم عليه وسلم واجلس إلى جانبه وقل له: يا أخي أنا رجلٌ عطارٌ واشتر منه شيئاً من أنواع العطارة وتردد عليه مراراً وأطل معه الكلام، ومهما أمرك به فلا تخالفه فيه فلعل ما احتال به يكون مصادفا، فقال لها: سمعاً وطاعةً وخرج مسرور من عندها، وقد اشتعلت في قلبه نار المحبة، فلما وصل زوجها إلى الدار فرحت بوصوله ورحبت به وسلمت عليه فنظر في وجهها فرأى فيه لون الاصفرار، وكانت غسلت وجهها بالزعفران وعملت فيه بعض حيل النساء فسأل عن حالها فذكرت له أنها مريضة من وقت ما سافرت هي والجواري وقالت له: إن قلوبنا مشغولةٌ عليك لطول غيابك وصارت تشكو إليه مشقة الفراق وتبكي بدمعٍ مهراق وتقول له: لو كان معك رفيق ما أحمل قلبي هذا الهم كله فبالله عليك يا سيدي ما بقيت تسافر إلا برفيقٍ ولا تقطع عني أخبارك لأجل أن أكون مطمئنة القلب والخاطر عليك.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة السابعة والتسعين بعد السبعمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن زين المواصف لما قالت لزوجها لا تسافر إلا برفيق ولا تقطع عني أخبارك لأجل أن أكون مطمئنة القلب والخاطر عليك قال لها: حباً وكرامة والله أن أمرك رشيدٌ ورأيك سديدٌ، وحياتك على قلبي ما يكون إلا ما تريدينه ثم أنه خرج بشيء من بضاعته إلى دكانه وفتحها وجلس يبيع في السوق فبينما هو في دكانه وإذا بمسرور أقبل وسلم عليه وجلس إلى جانبه وصار يحييه ومكث يتحدث معه ساعةً ثم أخرج كيساً وحله وأخرج منه ذهباً ودفعه إلى زوج زين المواصف وقال له: أعطني بهذه الدنانير شيءٌ من أنواع العطارة لأبيعه في دكاني، فقال له سمعاً وطاعةً ثم أعطاه الذي طلبه وصار مسرور يتردد عليه أياماً فالتفت إليه زوج زين المواصف وقال له: أنا مرادي رجلٌ أشاركه في المتجر فقال له مسرور أنا الأخر مرادي رجل أشاركه في المتجر لأن أبي كان تاجراً في اليمن وخلف مالاً عظيماً وأنا خائفٌ على ذهابه، فالتفت إليه زوج زين المواصف وقال له: هل لك أن تكون رفيقاً لي وصاحباً وصديقاً في السفر والحضر وأعلمك البيع والشراء والأخذ والعطاء؟ فقال له مسرور: حباً وكرامة ثم أنه أخذه وأتى به إلى منزله وأجلسه في الدهليز ودخل إلى زوجته زين المواصف وقال لها: أني رافقت رفيقاً ودعوته إلى الضيافة فجهزي لنا ضيافةً حسنةً ففرحت زين المواصف وعرفت أنه مسرور حين تم تدبير حياتها. فلما حضر مسرور في دار زوج زين المواصف قال لها: اخرجي إليه ورحبي به وقولي له: آنستنا فغضبت زين المواصف وقالت: تحضرني قدام رجلٍ غريب أجنبي أعوذ بالله ولو قطعتني قطعاً ما أحضر قدامه فقال لها زوجها: لأي شيءٍ تستحين منه وهو نصراني ونحن يهود ونصير أصحاباً فقالت: أنا ما أشتهي أن أحضر قدام الرجل الأجنبي الذي ما نظرته عيني قط ولا أعرفه، فظن زوجها أنها صادقةٌ في قولها ولم يزل يعالجها حتى قامت وتلفلفت وأخذت الطعام وخرجت إلى مسرور ورحبت به فأطرق رأسه إلى الأرض كأنه مستحٍ، فنظر إلى إطراقه وقال: لا شك إن هذا زاهدٌ فأكلوا كفايتهم، ثم رفعوا الطعام وقدموا المدام فجلست زين المواصف قبال مسرور وصارت تنظره وينظرها إلى أن مضى النهار، فانصرف مسرور إلى منزله والتهبت في قلبه النار وأما زوج زين المواصف فإنه صار مفتكر في لطف صاحبه وفي حسنه.

فلما أقبل الليل قدمت إليه زوجته طعاماً ليتعشى كعادته، وكان عنده في الدار طيراً هزاراً إذا جلس يأكل يأتي ذلك الطير ويأكل معه ويرفرف على رأسه وكان ذلك يطير قد ألف مسروراً، فصار يرفرف عليه كلما جلس على الطعام فحين غاب مسرور وحضر صاحبه لم يعرفه ولم يقرب منه فصار مفتكراً في أمر ذلك الطير وفي بعده عنه وأما زين المواصف فإنها لم تنم بل صار قلبها مشغولاً بمسرور واستمر ذلك الأمر إلى ثاني ليلةٍ وثالث ليلةٍ ففهم اليهودي أمرها ونقد عليها وهي مشغولة البال فأنكر عليها، وفي رابع ليلةٍ انتبه من منامه نصف الليل فسمع زوجته تلهج في منامها بذكر مسرور وهي نائمةٌ في حضنه فأنكر ذلك عليها وكتم أمره، فلما أصبح الصباح ذهب إلى دكانه وجلس فيها فبينما هو جالسٌ وإذا بمسرور قد أقبل وسلم عليه فرد عليه السلام وقال: مرحباً يا أخي ثم قال: إني مشتاقٌ إليك وجلس يتحدث معه ساعةً زمانيةً.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الثامنة والتسعين بعد السبعمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن مسرور جلس مع اليهودي ساعةً ثم قال له اليهودي: قم يا أخي إلى منزلي حتى نعقد المؤاخاة فقال مسرور: حباً وكرامة، فلما وصل إلى المنزل تقدم اليهودي وأخبر زوجته بقدوم مسرور وأنه يريد أن يتجر هو وإياه ويؤاخيه وقال لها: هيئي لنا مجلساً حسناً ولا بد أنك تحضرين معنا وتنظرين المؤاخاة فقالت له: بالله عليك لا تحضرني قدام هذا الرجل الغريب فما لي غرض أحضر قدامه فسكت عنها وأمر الجواري أن يقدمن الطعام والشراب، ثم إنه استدعى بالطير الهزار فنزل في حجر مسرور ولم يعرف صاحبه.

فعند ذلك قال له: يا سيدي ما اسمك؟ قال: مسرور والحال أن زوجته طول الليل تلهج في منامها بهذا الاسم ثم رفع رأسه فنظرها وهي تشير إليه وتغمزه بحاجبها فعرف أن الليلة قد تمت إليه فقال: يا سيدي أمهلني حتى أجيء بأولاد عمي يحضروه المؤاخاة فقال له مسرور: أفعل ما بدا لك فقام زوج زين المواصف وخرج من المجلس.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة التاسعة والتسعين بعد السبعمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن زوج زين المواصف قال لمسرور: أمهلني حتى أجيء بأولاد عمي ليحضروا وأعقد المؤاخاة بيني وبينك ثم مشى وجاء من وراء المجلس ووقف وكان هناك طاقةٌ تشرف عليهما فجاء إليها وصار ينظرهما منها وهما لايذكرانه وإذا بزين المواصف قالت لجاريتها هبوب: أين راح سيدك؟ قالت: خارج الدار فقالت لها: أغلقي الباب ومكنيه بالحديد ولا تفتحي له حتى يدق الباب بعد أن تخبريني، قالت الجارية: وهو كذلك، كل ذلك وزجها يعاين حالهم ثم أن زين المواصف أخذت الكأس وطيبته بماء الورد وسحيق المسك وجاءت إلى مسرور فقام لها وتلقاه وقال لها: والله أن ريقك أحلى من الشراب وصارت تسقيه ويسقيها وبعد ذلك رشته بماء الورد من فوقه إلى قدمه حتى فاحت رائحته في المجلس، كل ذلك وزوجها ينظر إليهما ويتعجب من شدة الحب الذي بينهما، وقد امتلأ قلبه غيظاً مما قد رآه ولحقه الغضب وغار غيرةً عظيمةً فأتى إلى الباب فوجده مغلقاً فطرقه طرقاً قوياً من شدة غيظه، فقالت الجارية: يا سيدتي قد جاء سيدي فقالت: افتحي له الباب فلا رده الله بسلامةٍ فمضت هبوب إلى الباب وفتحته فقال لها: مالك تغلقين الباب؟ قالت: هكذا في غيابك لم يزل مغلقاً ولا يفتح ليلاً ولانهاراً فقال: أحسنت فإنه يعجبني ذلك ثم دخل على مسرور وهو يضحك ولكنه كتم أمره وقال له: يا مسرور دعنا من المؤاخاة في هذا اليوم فقال سمعاً وطاعةً أفعل ما تريد فعند ذلك مضى مسرور إلى منزله، وصار زوج زين المواصف مفتكراً في أمره لا يدري ما يصنع وصار خاطره في غاية التكدير فقال في نفسه حتى الهزار أنكرني والجواري أغلقت الأبواب في وجهي وولين إلى غيري، ثم أنه صار من شدة قهره يردد إنشاد هذه الأبيات:

لقد عاش مسرور زماناً منعـمـاً
بلـذة أيامٍ وعـيشٍ تـصـرمـا

تعاندنـي الأيام فـيمـن أحـبـه
وقلبي بنيران يزيد تـضـرمـا

صفا لك دهرٌ بالمليحة قد مضـى
ولا زلت في ذاك الجمال مهيما

لقد عاينت عيني حسن جمالـهـا
فأصبح قلبي في هواها متـيمـا

لقد طالما أرشفتني مع الـرضـا
بعذبٍ ثناياها رحيقاً على ظـمـا

فما لك يا طير الهزار تركتـنـي
وصرت لغيري في الغرام مسلما

وقد أبصرت عيني أموراً عجـيبةً
تنبه أجفانـي إذا كـن نـومـا

رأيت حبيبي قد أضاع مـودتـي
وطير هزاري لم يكن لي محوما

وحق إله العـالـمـين الـذي إذا
أراد قضاءً في الخليفة أبـرمـا

لأفعل ما يستوجب الظالـم الـذي
بجهل دنا من وصلها وتقـدمـا

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الثمانمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن مسرور لما أنشد الأبيات المذكورة وسمعت زين المواصف شعره ارتعدت فرائصها واصفر لونها وقالت لجاريتها: هل سمعت هذا الشعر؟ فقالت الجارية: ما سمعته في عمري صحيحٌ صار يبيع في كل ما تملكه يده وقال في نفسه: إن لم أغربها عن أوطانها لم يرجعا عما هما فيه أبداً، فلما باع جميع أملاكه كتب كتاباً مزوراً ثم قرأه عليها وادعى أن هذا الكتاب جاء من عند أولاد عمه، يتضمن طلب زيارته لهم هو وزوجته فقالت: وكم نقيم عندهم؟ قال: اثني عشر يوماً فأجابته إلى ذلك وقالت له: هل آخذ معي بعض الجواري؟ قال: خذي منهن هبوب وسكوب ودعي هنا خطوب، ثم هيأ لهن هودجاً مليحاً، وعزم على الرحيل بهن فأرسلت زين المواصف إلى مسرور أن فات الميعاد الذي بيننا، ولم نأت فأعلم أنه قد عمل علينا حيلةً ودبر لنا مكيدةً وأبعدنا عن بعضنا فلا تنس العهود والمواثيق التي بيننا فإني أخاف من حيله ومكره ثم إن زوجها جهز حاله للسفر وأما زين المواصف فإنها صارت تبكي وتنتحب ولا يقر لها قرار في ليل ولا نهار، فلما رأى زوجها ذلك لم ينكر عليها.

فلما رأت زين المواصف أن زوجها لا بد له من السفر لمت قماشها ومتاعها وأودعت جميع ذلك عند أختها وأخبرتها بما جرى لها وودعتها وخرجت من عندها وهي تبكي ثم رجعت إلى بيتها فرأت زوجها قد أحضر الجمال وصار يضع عليها الأحمال وهيأ لزين المواصف أحسن الجمال فلما رأت زين المواصف أنه لا بد من فراقها لمسرور، تحيرت فاتفق أن زوجها خرج لبعض أشغاله فخرجت إلى الباب الأول وكتبت عليه هذه الأبيات.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الواحدة بعد الثمانمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن زين المواصف لما رأت زوجها أحضر لها الجمال وعلمت بالسفر تحيرت فاتفق أن زوجها خرج لبعض أشغاله فخرجت إلى الباب الأول وكتبت هذه الأبيات:

ألا يا حمام الدار بـلـغ سـلامـنـا
من الصب للمحبوب عند فراقـنـا

وبـلـغـه أنـي لا أزال حــزينةً
وندماً على ما كان من طيب وقتنـا

كما أن حـبـي لا يزال مـتـيمـاً
حزيناً على ما قد مضى من سرورنا

قضينا زماناً بالمـسـرة والـهـنـا
وفزنا بوصل ليلـنـا ونـهـارنـا

فلم نستفق إلا والصـبـح صـائحـاً
علينا غراب البين ينعي فـراقـنـا

رحلنا وخلينـا الـديار بـلا قـعـاً
فيا ليتنا لم نخل تلك المـسـاكـنـا

أتت الباب الثاني وكتبت عليه هذه الأبيات:

أيا واصلاً للبـاب بـالـلـه انـظـرا
جمال نصيبي في الدياجي وأخـبـرا

بأني أبكـي أن تـذكـرت وصـلـه
ولا ينفعه الدمع الـذي بـالـبـكـا

جرى فإن لم تجد صبراً على ما أصابنا
فضع فوق رأسك من ترابٍ وغبـرا

وسافر إلى شرق البلاد وغـربـهـا
وعش صابراً فاللـه لـلأمـر قـدرا

ثم أتت إلى الباب الثالث وبكت بكاءً شديداً وكتبت عليه هذه الأبيات:

رويدك يا مسـرور أن زرت دارهـا
فمر على الأبواب واقرأ سطورهـا

ولا تنس عهد الود أن كنت صـادقـاً
فكم طعمت حلو الليالـي ومـرهـا

فبالله يا مسرور لا تنـس قـربـهـا
فقد تركت فيك الهنـا وسـرورهـا

إلا فابك أيام الـوصـال وطـيبـهـا
وأنت متى ما جئت أرخت ستورهـا

فسافر قصيبات الـبـلاد لأجـلـنـا
وخض بحارها واستقص عنا برورها

لقد ذهبت عنا لـيالـي وصـالـنـا
وفرط ظلام الهجر أطفـأ نـورهـا

رعي الله أياماً مضت مـا أسـرهـا
بروضٍ الأماني إذا قطفنا زهورهـا

فهلا استمرت مثل ما كنت أرتـجـي
أبى اللـه إلا وردهـا وصـدروهـا

فهل ترجع الأيام تجمع شـمـلـنـا
وأوفى إذا وافت لربـي نـذورهـا

وكن عالماً أن الأمور بـكـف مـن
يخط على لوح الجبين سطـورهـا

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الثانية بعد الثمانمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن زين المواصف لما كتبت على الباب الثالث الأبيات المذكورة حضرت بين يدي زوجها فحملها على الهودج الذي صنعه لها فلما صارت على ظهر البعير أنشدت هذه الأبيات:

عليك سلام الله يا مـنـزلاً خـلا
وقد طالما زدنا هناك تـجـمـلا

فليت زماني في ذراك تصرمـت
لباليه حتى في الصبـابة أقـتـلا

جزعت على بعدي وشوقي لموطنٍ
شغفت به ولم أدر ما قد تحصـلا

فيا ليت شعري هل أرى فيه عودةً
تروق كما راقت لنـا فـيه أولا

فقال لها زوجها: يا زين المواصف لا تحزني على فراق منزلك فإنك ستعودين إليه عما قريب وصار يطيب خاطرها ويلاطفها ثم ساروا حتى خرجوا إلى ظاهر البلد واستقبلوا الطريق وعلمت بأن الفراق قد تحقق فعظم ذلك عليها كل هذا ومسرور قاعد في منزله متفكرٌ في أمره وأمر محبوبته فأحس قلبه بالفراق فنهض قائماً على قدميه من وقته وساعته وسار حتى جاء إلى منزلها فرأى الباب مقفولاً ورأى الأبيات التي كتبتها زين المواصف، فقرأ ما على الباب الأول فلما قرأه وقع على الأرض مغشياً عليه ثم أفاق من غشيته وفتح الباب الأول ودخل إلى الباب الثاني فرأى ما كتبته وكذلك الباب الثالث فلما قرأ على جميع هذه الكتابة زاد به الغرام والشوق والهيام، فخرج في أثرها يسرع في خطاه حتى لحق بالركب فرآها في آخرها وزوجها في أوله لأجل حوائجه فلما رآها تعلق بالهودج باكياً حزيناً من ألم الفراق وأنشد هذه الأبيات:

ليت شعري بأي ذنب رمينـا
بسهامٍ الصدود طول السنينـا

يا منى القلب جئت للدار يوماً
عندما زدت في هواك شجونا

فرأيت الديار قفـراً بـبـاب
فشكوت النوى وزدت أنينـا

وسألت الجدار عن كل قصدي
أين راحوا وصار قلبي رهينا

قال ساروا عن المنازل حتـى
صيروا الوجد في الفؤاد كمينا

كتبت لي على الجدار سطوراً
فعل أهل الوفى من العالمينا

فلما سمعت زين المواصف هذا الشعر، علمت أنه مسرور.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الثالثة بعد الثمانمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن زين المواصف لما سمعت منه هذا الشعر علمت أنه مسرور فبكت هي وجواريها ثم قالت له: يا مسرور سألتك بالله أن ترجع عنا لئلا يراك ويراني، فلما سمع مسرور ذلك غشي عليه فلما أفاق ودعا بعضهما وأنشد هذه الأبيات:

نادى الرحيل سحيراً في الدجى الهادى
قبل الصباح وهبت نسمة الـبـادي

شدوا المطايا وجدوا في ترحـلـهـم
وأسرع الركب لما زمزم الـحـادي

وعطروا أرضهم في كـل نـاحـيةٍ
وعجلوا سيرهم فـي ذلـك الـوادي

تملكوا مهجتي عشقاً وقـد رحـلـوا
وغادروني على آثـارهـم غـادي

يا جيرة مقصدي أن لا أفـارقـهـم
حتى بللت الثرى من دمعي الغـادي

يا ويح قلبي بعد البعد ما صـنـعـت
يد الفراق على رغمي بـأكـبـادي

وما زال مسرور ملازماً للركب وهو يبكي وينتحب وهي تستعطفه في أن يرجع قبل الصباح خشيةً من الإفتضاح فتقدم إلى الهودج وودعها ثاني مرة وغشي عليه ساعةً زمانيةً فلما أفاق وجدهم سائرين فعند ذلك رجع مسرور إلى دار زين المواصف وهو في غاية الإشتياق فرآها خالية من الأضاب موحشةً من الأحباب فبكى حتى بل الثياب وغشي عليه وكادت أن تخرج روحه من جسده وقد غشي عليه ساعةً من الزمان، فلما أفاق قام وتوجه إلى منزله وصار متحيراً من أجل ذلك باكي العين، ولم يزل على هذا الحال مدة عشرة أيامٍ، هذا ما كان من أمر مسرور.

وأما ما كان من أمر زين المواصف فإنها عرفت أن الحيلة قد تمت عليها فأن زوجها مازال سائراً بها مدة عشرة أيامٍ ثم أنزلها في بعض المدن فكتبت زين المواصف كتاباً لمسرور وناولته لجاريتها هبوب، وقالت لها: أرسلي هذا الكتاب إلى مسرور ليعرف كيف تمت الحيلة علينا وكيف غدر بنا اليهودي فأخذت الجارية منها الكتاب وأرسلته إلى مسرور فلما وصل إليه عظم عليه هذا الخطاب فبكى حتى بل التراب وكتب كتاباً وأرسله إلى زين المواصف وختمه بهذين البيتين:

كيف الطريق إلى أبواب سلوان
وكيف يسلوا الذي في حر نيران

ما كان أطيب أوقاتاً لهم سلفـت
فليت منها لدينا بعـض أحـيان

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الرابعة بعد الثمانمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن مسرور كتب الكتاب وأرسله إلى زين المواصف فلما وصل إليها أخذته وقرأته وأعطته لجاريتها هبوب وقالت لها: اكتمي خبره فعلم زوجها أنهما يتراسلان فأخذ زين المواصف وجواريها وسافر بهن مسافة عشرين يوماً. ثم نزل بهن في بعض المدن هذا ما كان من أمر زين المواصف.

وأما ما كان من أمر مسرور فإنه صار لا يهنأ له نوم ولا يقر له قرار ولم يكن له اصطبار ولم يزل كذلك إذ هجعت عيناه في بعض الليالي فرأى في منامه أن زين المواصف قد جاءت إليه في الروضة وصارت تعانقه فانتبه من نومه فلم يرها فطار عقله وذهل لبه وهملت عيناه بالدموع وقد أصبح قلبه في غاية الولوع فأنشد هذه الأبيات:

سلامٌ على من زار في النوم طيفها
فهيج أشـواقـي وزاد هـيامـي

وقد قمت من ذاك المنام مولـعـاً
برؤية طيف زارني بمـنـامـي

فهل تصدق الأحلام فيمن أحـبـه
وتشفي غليلي في الهوى وسقامي

فطوراً تعاطيني وطوراً تهملنـي
وطوراً تواسيني بطيب كـلامـي

ولما انقضى في المنام عتـابـنـاً
وصارت عيوني بالدموع دوامـي

رضبت رضاباً من لماها كـأنـه
رحيقٌ أرى رياه مسـك خـتـام

عجبت لما قد كان في النوم بيننـا
وقد نلت منها منيتـي ومـرادي

وقد قمت من ذاك المنام ولم أجـد
من الطيف إلا لوعتي وغرامـي

فأصبحت كالمجنون حين رأيتـهـا
وأمسيت سكرانـاً بـغـير مـدام

فبكى مسرور بكاءً شديداً لما سمع هذا الكلام وفهم الشعر والنظام وكانت أختها تعرف ما هما عليه من العشق والغرام والوجد والهيام فقالت له: بالله عليك يا مسرور كف عن هذا المنزل لئلا يشعر أحد فيظن أنك تأتي من أجلي لأنك رحلت أختي وتريد أن ترحلني أنا الأخرى وأنت تعرف لولا أنت ما خلت الدار من سكانها فتسل عنها واتركها فقد مضى ما مضى.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الخامسة بعد الثمانمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن أخت زين المواصف قالت لها: قلت سأمضي فلما سمع مسرور ذلك من أختها بكى بكاءً شديداً وقال لها: يا نسيم لو قدرت أن أطير شوقاً إليها فكيف أتسلى عنها؟ فقالت: ما لك حيلةً إلا الصبر فقال لها: سألتك بالله أن تكتبي لها كل ما عندك وتردي لنا جواباً ليطيب خاطري وتنطفئ النار التي في ضمائري فقالت حباً وكرامةً ثم أعطني دواةً وقرطاساً وصار مسرور يصف لها شدة شوقه وما يكابده من ألم الفراق ويقول: إن هذا الشوق عن لسان الهائم الحزين المفارق المسكين الذي لا يقر له قرار في ليل ولا في نهار بل يبكي بدموعٍ غزار قد قرحت الدموع أجفانه، وأضرمت في كبده أحزانه وطال تأسفه وكثر تلهفه مثل طير نقد ألفه وعجل تلفه فيا أسفي من مفارقتك ويا لهفي على معاشرتك لقد ضر جسمي النحول ودمعي صار في خمول وضاقت علي الجبال والسهول فأمسيت من فرط وجدي أقول:

وجدي على تلك المنازل باقي
زادت إلى سكانها أشـواقـي

وبعثت نحوكم حديث صبابتـي
وبكأس حبكم سقاني الساقـي

وعلى رحيلكم وبعـد دياركـم
جرت الجفون بدمعة المهراق

يا حادي الأظعان عرج بالحمى
فالقلب منـي زائد الإحـراق

واقرأ سلامي للحبيب وقل لـه
ما أن له غير اللمى من راقي

أودى الزمان به فشتت شملـه
ورمى حشاشته بسهم فـراق

بلغ لهم وجدي وشدة لوعتـي
من بعد فرقتهم وما أنا لاقـي

قسماً بحبكـم يمـينـاً أنـنـي
أوفي لكم بالعهد والمـيثـاق

ما ملت قطٌ ولا سلوت هواكم
كيف السلو لعاشق مشـتـاق

فغلبكم مني السـلام تـحـية
ممزوجةً بالمسك في الأوراق

فتعجبت أختها نسيم من فصاحة لسانه وحسن معانيه ورقة أشعاره فرقت له وختمت الكتاب بالمسك الأذفر وبخرته بالند والعنبر وأوصلته إلى بعض التجار وقالت له: لا تسلم هذا إلا لأختي أو جاريتها هبوب فقال حباً وكرامة فلما وصل الكتاب إلى زين المواصف عرفت أنه من إملاء مسرور وعرفت نفسه فيه بلطف معانيه فقبلته ووضعته على عينيها وأجرت الدموع من جفنيها ولم تزل تبكي حتى غشي عليها فلما أفاقت دعت بدواةٍ وقرطاسٍ وكتبت له الجواب ووصفت شوقها وغرامها ووجدها وما هي فيه من الحنين إلى الأحباب وشكت حالها إليه وما نالها من الوجد عليه.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة السادسة بعد الثمانمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن زين المواصف لما كتبت جواب الكتاب لمسرور وقالت له: إن هذا كتاب إلى سيدي ومالك رقي ومولاي وصاحب سري ونجواني أما بعد فقد أقلقني السهر وزاد بي الفكر وما لي على بعدك مصطبر يا من حسنه يفوق الشمس والقمر فالشوق أقلقني والوجد أهلكني وكيف لا أكون كذلك وأنا مع الهالكين فيا بهجة الدنيا وزينة الأحياء هل لمن انقطعت أنفاسه أن يطيب كأسه لا هو مع الأحياء ولا مع الأموات، ثم أنشدت هذه الأبيات:

كتابك يا مسرور قد هيج البـلـوى
فو الله مالي عنك صبر ولا سلوى

ولما قرأت الخط حنت جوارحـي
ومن ماء دمعي دائماً لم أزل أروى

ولو كنت طيراً طرت في جنح ليلةٍ
فلم أدر طعم المن بعدك والسلـوى

حرامٌ علي العيش من بعد بعـدكـم
فإني على حر التفـرق لا أقـوى

ثم قربت الكتاب بسحيق المسك والعنبر وختمته وأرسلته مع بعض التجار وقالت له: لا تسلمه إلا لأختي نسيم فلما وصل إلى أختها نسيم أوصلته إلى مسرور فقبله ووضعه على يمينه وبكى حتى غشي عليه.

هذا ما كان من أمرهما، وأما ما كان من أمر زوج زين المواصف فإنه لما علم بالمراسلات بينهما صار يرحل بها وبجاريتها من محل إلى محل فقالت له زين المواصف: سبحان الله إلى أين تسير بنا وتبعدنا عن الأوطان؟ قال: إلى أن أقطع بكم سنة حتى لا يصل إليكن مراسلات من مسرور انظري كيف أخذتن جميع مالي وأعطيته لمسرور فكل شيء ضاع إلى أخذه منكن وانظري هل يتمكن مسرور ويقدر على خلاصكن من يدي ثم أنه مضى إلى الحداد وصنع لهن ثلاثة قيود من الحديد وأتى بها إليهن ونزع ما كان عليهن من الثياب الحرير وألبسهن ثياباً من الشعر وصار يبخرهن بالكبريت ثم جاء إليهن بالحداد وقال له: ضع هذه القيود في أرجل أولئك الجواري فأول ما قدم زين المواصف فلما رآها الحداد غاب عن صوابه وعض على أنامله وطار عقله من رأسه وزاد غرامه وقال لليهودي: ما ذنب أولئك الجواري؟ فقال: إنهن جواري وسرقن مالي وهربن مني فقال له الحداد: خيب الله ظنك والله لو كانت هذه الجارية عند قاضي القضاة وأذنبت كل يوم ألف ذنبٍ لا يؤاخذها وأيضاً لا يظهر عليها علامة السرقة ولا يقدر على وضع الحديد في رجليها ثم سأله أن لا يقيدها وصار يستشفع عنده في عدم تقييدها فلما نظرت الحداد وهو يستشفع لها عنده قالت لليهودي: سألتك بالله إلا تخرجني قدام هذا الرجل الغريب.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة السابعة بعد الثمانمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن زين المواصف قالت لليهودي سألتك بالله ألا تخرجني قدام هذا الرجل الغريب فقال لها: وكيف خرجت قدام مسرور؟ فلم ترد جواباً ثم قبل شفاعة الحداد ووضع في رجليها قيداً صغيراً وقيد الجواري بالقيود الثقيلة وكان لزين المواصف جسمٌ ناعمٌ لا يتحمل الخشونة فلم تزل لابسةً ثياب الشعر هي وجواريها ليلاً ونهاراً إلى أن انتحلت أجسامهن وتغير ألوانهن وأما الحداد فإنه وقع في قلبه لزين المواصف عشقٌ عظيمٌ فسار إلى منزله وهو بأشد الحسرات وجعل ينشد هذه الأبيات:

شلت يمينك يا قين بـمـا وثـقـت
تلك القيود على الأقدام والعصـب

قيدت أقـدام مـولاةٍ مـنـعــمةٍ
أنيسةٍ خلقت من أعجب العـجـب

لو كنت تنصف ما كانت خلاخلهـا
من الحديد وقد كانت من الذهـب

ولو رأى حسنها قاضي القضاة رثى
لها وأجلسها تياً أعلـى الـرتـب

وكان قاضي القضاة ماراً على دار الحداد وهو يترنم بإنشاد هذه الأبيات فأرسل إليه فلما حضر قال: يا حداد من هذه التي تلهج بذكرها وقلبك مشغول بحبها؟ فنهض الحداد قائماً على قدميه بين يدي القاضي وقبل يده وقال: أدام الله أيام مولانا القاضي وفسح في عمره. إنها جارية صفتها كذا وكذا وصار يصف له الجارية وما هي فيه من الحسن والجمال والقد والاعتدال والظرف والكمال وأنها بوجهٍ جميلٍ وخصرٍ نحيلٍ وردفٍ ثقيلٍ ثم أخبره بما هي فيه من الذل والحبس والقيود وقلة الزاد فقال القاضي: يا حداد دلها علينا وأوصلها إلينا حتى نأخذ لها حقها لأن هذه الجارية صارت معلقةً برقبتك وأن كنت لا تدلها علينا فإن الله يجازيك يوم القيامة فقال الحداد: سمعاً وطاعةً ثم توجه من وقته وساعته إلى ديار زين المواصف فوجد الباب مغلوقاً وسمع كلاماً رخيماً من كبدٍ حزينٍ لأن زين المواصف كانت في ذلك الوقت تنشد هذه الأبيات:

قد كنت في وطني والشمل مجتمعٌ
والحب يملأ لي بالصفو أقـداحـا

دارت علينا بما تهواه مـن طـربٍ
فليس تشكو أمسـاه وأصـبـاحـا

لقد قضينا زماناً كان ينـعـشـنـا
كأساً وعوداً وقانونـاً وأفـراحـا

ففرق الدهر والتصريف ألفـتـنـا
والحب ولى ووقت الصفو قد راحا

قلبت عنا غراب البين مـنـزجـرٍ
وليت فجر وصالي في الهوى لاحا

فلما سمع الحداد هذا الشعر والنظام بكى بدمعٍ كدمع الغمام ثم طرق الباب عليهن فقلن: من بالباب؟ فقال لهن: أنا الحداد ثم أخبرهن بما قاله القاضي وأنه يريد حضورهن لديه وإقامة الدعوى بين يديه حتى يخلص لهن حقهن.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الثامنة بعد الثمانمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الحداد لما أخبر زين المواصف كلام القاضي وأنه يريد حضورهن لديه وإقامة الدعوى بين يديه ويقتص لهن من غريمهن حتى يخلص لهن حقهن قالت للحداد: كيف نروح إليه والباب مغلوقٌ علينا والقيود في أرجلنا والمفاتيح مع اليهودي؟ قال لهن الحداد: أنا أعمل للأقفال مفاتيح وأفتح بها الباب والقيود قالت: فمن يعرفنا بيت القاضي؟ فقال الحداد: أنا أصفه لكن فقالت زين المواصف: وكيف نمضي عند القاضي ونحن لابساتٍ ثياب الشعر المبخرة بالكبريت؟ فقال الحداد: إن القاضي لا يعيبكن وأنتن في هذه الحالة ثم نهض الحداد من وقته وساعته وصنع مفاتيح أقفالٍ ثم فتح الباب وفتح القيود وحلها من أرجلهن وأخرجهن ودلهن على بيت القاضي. ثم أن جاريتها هبوب نزعت ما كان على سيدتها من الثياب الشعر وذهبت بها إلى الحمام وغسلتها وألبستها ثياب الحرير فرجع لونها إليها ومن تمام السعادة أن زوجها كان في وليمةٍ عند بعض التجار فتزينت زين المواصف بأحسن زينةٍ ومضت إلى بيت القاضي فلما نظر لها القاضي وقف قائماً على قدميه فسلمت عليه بعذوبة كلامٍ وحلاوة ألفاظٍ ورشقته في ضمن ذلك بسهام الإلحاظ وقالت له: أدام الله مولانا القاضي ثم أخبرته بأمر الحداد وما فعل معها من فعل الأجواد وبما صنع بها زوجها من العذاب الذي يدهش الألباب وأخبرته أنه قد زاد بهن الهلاك ولم يجدن لهن من فكاك، فقال القاضي: يا جارية ما اسمك؟ قالت: اسمي زين المواصف وجاريتي هذه اسمها هبوب فقال لها القاضي: إن اسمك وافق مسماه وطابق لفظه معناه. فتبسمت ولفت وجهها فقال لها القاضي: زين المواصف ألك بعل أم لا؟ قالت: ما لي بعل قال: وما دينك؟ قالت: ديني الإسلام وملة خير الأنام فقال لها: أقسمي بالشريعة ذات الآيات والعبر أنك على ملة خير البشر، فأقسمت له وتشهدت فقال لها القاضي: كيف انقضى شبابك مع هذا اليهودي؟ فقالت له: أعلم أيها القاضي أدام الله أيامك بالتراضي وبلغك آمالك وختم بالصالحات أعمالك أن أبي خلف لي بعد وفاته خمسة عشر ألف دينارٍ وجعلها بين يدي هذا اليهودي يتجر فيها والكسب بيننا وبينه ورأس المال ثابتٌ بالبينة الشريعة فعندما مات أبي طمع اليهودي في وطلبني من أمي ليتزوج بي فقالت له أمي: كيف أخرجها من دينها وجعلها يهودية فو الله لأعرفن الدولة بك فخاف ذلك اليهودي من كلامها وأخذ المال وقرب إلى مدينة عدن وعند ما سمعنا به أنه في مدينة عدن جئنا في طلبه فلما اجتمعنا عليه في تلك المدينة ذكر لنا أنه يتاجر في البضائع ويشتري بضاعةً بعد بضاعةٍ فصدقناه ولم يزل يخادعنا حتى حبسنا وقيدنا وعذبنا أشد العذاب ونحن غرباء وما لنا معين إلا الله تعالى ومولانا القاضي، فلما سمع القاضي هذه الحكاية قال لجاريتها هبوب: هل هذه سيدتك وأنتن غرباء وليس لها بعل؟ قالت نعم قال: زوجني به وأنا يلزمني العتق والصيام والحج والصدقة إن لم أخلص لكن حقكن من هذا الكلب بعد أن أجازيه بما فعل فقالت هبوب: لك السمع والطاعة فقال القاضي: روحي طيبي قلبك وقلب سيدتك وفي غد إن شاء الله تعالى أرسل إلى هذا الكافر وأخلص لكن حقكن منه وتنظرين العجب في عذابه فدعت الجارية وانصرفت من عنده وخلته في كربٍ وهيامٍ وشوقٍ وغرامٍ، وبعد أن انصرفت من عنده هي وسيدتها سألتا عن دار القاضي الثاني فدلوهما عليه فلما حضرتا لديه أعلمتاه بذلك وكذلك الثالث والرابع حتى رفعت أمرها إلى القضاة الأربعة وكل واحد يسألها أن تتزوج به فتقول له: نعم ولم يعرف بعضهم خبر بعضٍ فصار كل واحدٍ يطمع فيها ولم يعلم اليهودي بشيءٍ من ذلك لأنه كان في دار الوليمة، فلما أصبح الصباح نهضت جاريتها وأفرغت عليها حلةً من أفخر الملابس ودخلت بها على القضاة الأربعة في مجلس الحكم، فلما رأت القضاة حاضرين أسفرت عن وجهها ورفعت قناعها وسلمت عليهم فردوا عليها السلام وعرفها كل واحد منهم وكان بعضهم يكتب فوقع القلم من يده وبعضهم كان يتحدث فتلجلج لسانه وبعضهم كان يحسب فغلط في حسابه فعند ذلك قالوا لها: يا ظريفة الخصال وبديعة الجمال لا يكن قلبك إلا طيباً فلا بد من أن نخلص لك حقك ونبلغك مرادك فدعت له ثم ودعتهم وانصرفت.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة التاسعة بعد الثمانمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن القضاة قالوا لزين المواصف: يا ظريفة الخصال وبديعة الجمال لا يكن قلبك إلا طيباً بقضاء غرضك وبلوغ مرادك، فدع لهم ثم ودعتهم وانصرفت، هذا كله واليهودي مقيمٌ عند أصحابه في الوليمة وليس له علمٌ بذلك، وصارت زين المواصف تدعو ولاة الأحكام وأرباب الأقلام لينصروها على هذا الكافر الموئاب ويخلصوها من أليم العذاب. ثم أنها كتبت كتاباً يتضمن جميع ما عمله معها اليهودي من الأول إلى الأخر وسطرت فيه الأشعار ثم طوت الكتاب وناولته لجاريتها هبوب وقالت لها: احفظي هذا الكتاب في جيبك حتى نرسله إلى مسرور، فبينما هي كذلك وإذا باليهودي قد دخل عليهما فرآهما فرحانتين فقال: ما لي أراكما فرحانتين هل أتاكما كتاب من عند صديقكما مسرور؟ فقالت له زين المواصف: نحن ما لنا عليك إلا سبحانه وتعالى فإنه هو الذي يخلصنا من جورك وإن لم تردنا إلى بلادنا وأوطاننا فنحن في غد نترافع وإياك إلى حاكم هذه المدينة وقاضيها، فقال اليهودي: ومن خلص القيود من أرجلكما ولكن لا بد أن أضع كل واحدةٍ منكن قيداً قدر عشرة أرطالٍ وأطوف بكن حول المدينة، فقالت له هبوب، جميع ما نويته لنا تقع فيه أن شاء الله كما أبعدتنا عن أوطاننا، وفي غد نقف وإياك قدام حاكم المدينة، واستمروا على ذلك حتى الصباح.

ثم نهض اليهودي وأتى إلى الحداد ليصنع قيوداً لهن فعند ذلك قامت زين المواصف هي وجواريها وأتت إلى دار الحكم ودخلتها فرأت القضاة فسلمت عليهم فرد عليها كل القضاة السلام، ثم قال قاضي القضاة لمن حوله: إن الجارية زهراوية وكل من رآها أحبها وخضع لحسنها وجمالها، ثم أن القاضي أرسل معها من الرسل أربعةً وكانوا أشرفاً وقال: لهم أحضروا غريمها في أسوأ حال. هذا ما كان من أمرها.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة العاشرة بعد الثمانمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن القاضي أرسل مع زين المواصف أربعةً وقال لهم أحضروا غريمها في أسوأ حال. هذا ما كان من أمرها. وأما ما كان من أمر اليهودي فأنهن لما صنع لهن القيود عاد إلى المنزل فلم يجدهن فيه فاحتار في أمره، فبينما هو كذلك وإذا بالرسل قد تعلقوا به وضربوه ضرباً شديداً وجروه سحباً على وجهه حتى أتوا به إلى القاضي فلما رآه القاضي صرخ في وجه وقال: يا عدو الله هل وصل أمرك من أنك فعلت ما فعلت وأبعدت هؤلاء عن أوطانهن وسرقت ما لهن وتريد أن تجعلهن يهوداً فكيف تريد تكفير المسلمين؟ فقال اليهودي: يا مولاي إن هذه زوجتي، فلما سمع القضاة منه هذا الكلام صاحوا كلهم وقالوا: ارموا هذا الكلب على الأرض وأنزلوا على وجهه بنعالكم واضربوه ضرباً وجيعاً فإن ذنبه لا يغتفر، فنزعوا عنه ثيابه الحريرية وألبسوه ثياباً من الشعر وألقوه على الأرض ونتفوا لحيته وضربوه ضرباً وجيعاً على وجهه بالنعال ثم أركبوه على حماره وجعلوا وجهه على كفله وأمسكوه ذيل الحمار في يده وطافوا به حول البلد حتى جرسوه في سائر البلد، ثم عادوا به إلى القاضي وهو في ذلٍ عظيمٍ فحكم عليه القضاة الأربعة بأن تقطع يداه ورجلاه وبعد ذلك يصلب.

فاندهش المعلون من هذا القول وغاب عقله وقال: يا سادتي القضاة ما تريدون مني؟ فقالوا له: قل أن هذه الجارية ما هي زوجتي وأن المال مالها وأنا تعديت عليها وشتتها عن أوطانها، فأقر بذلك وكتبوا بإقراره حجةً وأخذوا منه المال ودفعوه إلى زين المواصف وأعطوها الحجة وخرجت فصار كل من رأى حسنها وجمالها متحيراً في عقله وظن كل واحد من القضاة أنه يؤول أمرها إليه.

فلما وصلت إلى منزلها جهزت أمرها من جميع ما تحتاج إليه وصبرت إلى أن دخل الليل فأخذت ما خف حمله وغلا ثمنه وسارت هي وجواريها في ظلام الليل ولم تزل سائرة مسافة ثلاثة أيامٍ بلياليها. هذا ما كان من أمر زين المواصف، وأما ما كان من أمر القضاة فأنهم بعد ذهابها أمروا بحبس اليهودي زوجها.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الحادية عشرة بعد الثمانمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن القضاة أمروا بحبس اليهودي زوج زين المواصف، فلما أصبح الصباح صار القضاة والشهود ينتظرون أن تحضر عندهم زين المواصف فلم تحضر عند أحد منهم، ثم أن القاضي الذي ذهبت إليه أولا قال: أنا أريد اليوم أن أتفرج على خارج المدينة لأني لي حاجة هناك ثم ركب بغلته وأخذ غلمانه وصار يطوف أزقة المدينة طولاً وعرضاً ويفتش على زين المواصف فلم يقع لها على خبر، فبينما هو كذلك إذ وجد باقي القضاة دائرين وكل واحدٍ منهم يظن أنه ليس بينها وبين غيره معياد فسألهم ما سبب ركوبهم ودورانهم في أزقة المدينة فأخبروه بشأنهم فرأى حالهم كحاله وسؤالهم كسؤاله فصار الجميع يفتشون عليها فلم يقعوا لها على خبر فانصرف كل واحدٍ منهم إلى منزله مريضاً ورقدوا على فراش الضنى ثم أن قاضي القضاة تذكر الحداد فأرسل إليه فلما حضر بين يديه قال له: يا حداد هل تعرف شيئاً من خبر التي دللتها علينا فو الله إن لم تطلعني عليها ضربتك بالسياط، فلما سمع الحداد كلام القاضي أنشد هذه الأبيات:

أن التي ملكتني في الهوى ملكـت
مجامع الحسن حتى لم تدع حسنـاً

رنت غزالاً وفاحت عنبراً وبـدت
شمساً وماجت غديراً وأنثنت غصناً

ثم أن الحداد قال: والله يا مولاي من حين انصرفت من الحضرة الشريفة ما نظرتها عيني أبداً وقد ملكت لبي وعقلي وصار فيها حديثي وشغلي وقد مضيت إلى منزلها فلم أجدها ولم أر أحداً يخبرني عن شأنها فكأنها غطست في قرار الماء أو عرج بها إلى السماء. فلما سمع القاضي كلامه شهق شهقةً كادت روحه أن تخرج منه ثم قال: والله ما كان لنا حاجة برؤيتها فانصرف الحداد ووقع القاضي على فراشه وصار من أجلها في ضنى وكذا الشهود وباقي القضاة الأربعة وصارت الحكماء تتردد عليهم وما بهم من مرض يحتاج إلى طبيب ثم أن وجهاء الناس دخلوا على القاضي الأول فسلموا عليه واستخبروه عن حاله فتنهد وباح بما في ضميره وبكى بكاءً شديداً ثم أنه شهق شهقةً ففارقت روحه جسده فلما رأوا ذلك غسلوه وكفنوه وصلوا عليه ودفنوه وكتبوا على قبره هذه الأبيات:

كملت صفات العاشقين لمن غدا
في القبر مقتول الحبيب وصده

قد كان هذا للبـرية قـاضـياً
ويراعه سجن الحسام بغمـده

فقضى عليه الحب لم نر قبلـه
مولى تذلل في الأنام لعـبـده

ثم أنهم ترحموا عليه وانصرفوا إلى القاضي الثاني ومعهم الطبيب فلم يجدوا به ضرراً ولا ما يحتاج إلى طبيب فسألوه عن حاله وشغل باله فعرفهم بقضيته فلاموه وعنفوه على تلك الحالة ثم أنه شهق شهقةً فارقت روحه جسده فجهزوه ودفنوه وترحموا عليه ثم توجهوا إلى القاضي الثالث فوجدوا الجميع مرضى بحبها ووجدوا الشهود أيضاً مرضى بحبها فإن كل من رآها مات بحبها وأن لم يمت يكابد لوعة الغرام.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الثانية عشرة بعد الثمانمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن أهل المدينة وجدوا جميع القضاة والشهود مرضى بحبها فإن كل من رآها مات بعشقها وأن لم يعش يكابد لوعة الغرام من شدة حبها رحمهم الله أجمعين. هذا ما كان من أمرهم.

وأما ما كان من أمر زين المواصف فإنها وجدت في السير مدة أيامٍ حتى قطعت مسافةً بعيدةٍ فاتفق أنها خرجت هي وجواريها فمرت على ديرٍ في الطريق وفيه راهب كبير اسمه دانس وكان عنده أربعون بطريقاً فلما رأى جمال زين المواصف نزل إليها وعزم عليها وقال لها استريحوا عندنا عشرة أيامٍ ثم سافروا فنزلت عنده هي وجواريها في ذلك الدير فلما نزلت ورأى حسنها وجمالها أفسدت عقيدته وأفتتن بها وصار يرسل إليها مع البطارقة واحد بعد واحد لأجل أن يؤلفها فصار كل من أرسله إليها يقع في حبها ويراودها عن نفسها له وهي تعتذر وتمتنع ولم يزل دانس يرسل إليها الأربعين بطريقا وكل واحدٍ حين يراها يتعلق بعشقها ويكثر من ملاطفتها ويراودها عن نفسها ولا يذكر لها اسم دانس فتمتنع من ذلك وتجاوبهم بأغلظ جواب فلما فرغ صبر دانس وأشتد غرامه، قال في نفسه: إن صاحب المثل يقول: ما حك جسمي غير ظفري ولا سعى في مرامي مثل أقدامي.

ثم نهض قائماً على قدميه وصنع طعاماً مفتخراً وحمله ووضعه بين يديها وكان ذلك اليوم التاسع من العشرة أيام التي أتفق معها على إقامتها عنده لأجل الاستراحة فلما وضعه بين يديها قال: تفضلي باسم الله خير الزاد ما حصل فمدت يديها وقالت: بسم الله الرحمن الرحيم وأكلت هي وجوارها فلما فرغت من الأكل قال لها: يا سيدتي أريد أن أنشدك أبياتاً من الشعر، فقالت له: قل، فأنشد هذه الأبيات:

ملكت قلبي بالـحـاظ ووجـنـات
وفي هواك غد نثـري وأبـياتـي

أتتركني محباً مـغـرمـاً دنـفـاً
أعالج العشق حتى في المنامـات

لا تتركيني صريعاً ولهـاً فـلـقـد
تركت أشغال ديري بعد لـذاتـي

يا غادة جوزت في الحب سفك دمي
رفقاً بحالي وعطفاً في شكاياتـي

فلما سمع زين المواصف شعره أجابته عن شعره بهذين البيتين:

يا طالب الوصل لا يغررك بي أمل
أكفف سؤالك عني أيها الـرجـل

لا تطمع النفس فيما لست تملكـه
أن المطامع مقرون بهـا الأجـل

فلما سمع شعرها رجع إلى صومعته وهو مفتكر في نفسه ولم يدر كيف يصنع في أمرها ثم بات تلك الليلة في أسوأ حال فلما جن الليل قامت زين المواصف وقالت لجواريها: قوموا بنا فأننا لا نقدر على أربعين رجلاً رهباناً وكل واحدٍ يراودني عن نفسي فقال لها الجواري: حباً وكرامة ثم أنهن ركبن دوابهن وخرجن من باب الدير ليلاً.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الثالثة عشرة بعد الثمانمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن زين المواصف لما خرجت هي وجواريها من الدير ليلاً لم يزلن سائرات وإذا هن بقافلةٍ فاختلطن بها وإذا بالقافلة من مدينة عدن التي كانت فيها زين المواصف فسمعت أهل القافلة يتحدثون بخبر زين المواصف ويذكرون القضاة والشهود ماتوا في حبها وولى أهل المدينة قضاةً وشهوداً غيرهم وأطلقوا زوج زين المواصف من الحبس.

فلما سمعت زين المواصف هذا الكلام التفتت إلى جواريها وقالت لجاريتها هبوب: ألا تسمعين هذا الكلام؟ فقالت لها جاريتها: إذا كان الرهبان الذين عقيدتهم أن الترهب عن النساء عبادة قد افتتنوا في هواك فكيف حال القضاة الذين عقيدتهم أنه لا رهبانية في الإسلام ولكن أمض بنا إلى أوطاننا ما دام أمرنا مكتوماً ثم أنهن سرن وبالغن في السير وهن قاصدات مدينة عدن إلى أن وصلت زين المواصف إلى منزلها وفتحت الأبواب ودخلت الدار ثم أرسلت إلى أختها نسيم فلما سمعت أختها بذلك فرحت فرحاً شديداً وأحضرت لها الفراش ونفيس القماش ثم أنها فرشت لها وألبستها وأرخت الستور على الأبواب وأطلقت العود والبد والعنبر والمسك الأذفر حتى عبق المكان من تلك الرائحة وصار أعظم ما يكون ثم أن زين المواصف لبست أفخر قماشها وتزينت أحسن زينة كل ذلك جرى ومسرور لم يعلم بقدومها بل كان في همٍ شديد وحزنٍ ما عليه مزيد.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الرابعة عشرة بعد الثمانمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن زين المواصف لما دخلت دارها أتت لها أختها بالفراش وفرشت لها وألبستها أفخر الثياب كل ذلك جرى ومسرور لم يعلم بقدومها بل كل في همٍ شديد وحزن ما عليه مزيد، ثم جلست زين المواصف تتحدث مع جواريها الذين تخلفن عن السفر معها وذكرت لهن جميع ما وقع لها من الأول إلى الأخر، ثم أنها التفتت إلى هبوب وأعطتها دراهم وأمرتها أن تذهب وتأتي لها بشيء تأكله هي وجواريها فذهبت وأتت بالذي طلبته من الأكل والشرب فلما انتهى أكلهن وشربهن أمرت هبوب أن تمضي إلى مسرور وتنظر أين هو وتشاهد ما هو فيه من الأحوال وكان مسرور لا يقر له قرار ولا يمكنه اصطبار فلما زاد عليه الوجد والغرام قام ومشى إلى زقاق زين المواصف فشم منه الروائح الزكية فهاج لبه وفاق صدره وقلبه وتضرر غرامه وزاد هيامه وإذا بهبوب متوجهةٌ إلى قضاء حاجة فرآها وهي مقبلة من صدر الزقاق، فلما رآها فرح فرحاً شديداً فلما رأته هبوب أتت إليه وسملت عليه وبشرته بقدوم سيدتها زين المواصف وقالت لها: أنها أرسلتني في طلبك إليها ففرح فرحاً شديداً ما عليه من مزيد ثم أخذته ورجعت به إليها فلما رأته زين المواصف نزلت له من فوق سريرها وقبلته وعانقته وعانقها ولم يزل يقبلان بعضهما ويتعانقان حتى غشي عليهما زمناً طويلاً من شدة المحبة والفراق.

فلما أفاقا من غشيتهما أمرت جاريتها هبوب بإحضار قلة مملوءة من شراب السكر وقلة مملوءة من شراب الليمون فأحضرت لها الجارية جميع ما طلبته، ثم أكلوا وشربوا وما زالوا كذلك إلى أن أقبل الليل فصاروا يذكرون الذي جرى لهم من أوله إلى أخره ثم أنها أخبرته بإسلامها ففرح وأسلم هو أيضاً وكذلك جواريها وتابوا إلى الله تعالى فلما أصبح الصباح أمرت بإحضار القاضي والشهود وأخبرتهم أنها عازبة وقد وفت العدة ومرادها الزواج بمسرور فكتبوا كتابها وصاروا في ألذ عيش، هذا ما كان من أمر زين المواصف.

وأما ما كان من أمر زوجها اليهودي، فإنه حين أطلقه أهل المدينة من السجن سافر منها متوجهاً إلى بلاده، ولم يزل مسافراً حتى صار بينه وبين المدينة التي فيها زين المواصف ثلاثة أيامٍ فأخبرت بذلك زين المواصف فدعت بجارتيها هبوب وقالت لها: امض إلى مقبرة اليهودي واحفري قبراً وضعي عليه الرياحين ورشي عليه الماء وأن جاء اليهودي وسألك عني فقولي له أن سيدتي ماتت من قهرها عليك ومضى لموتها مدة عشرين يوما فأن قال أريني قبرها فخذيه إلى القبر وتحيلي دفنه فيه بالحياة، فقالت سمعاً وطاعةً ثم أنهم رفعوا الفراش وأدخلوه في مخدع ومضت إلى بيت مسرور فقعدوا في أكل وشرب ولم يزالا كذلك حتى مضت الثلاثة أيامٍ، هذا ما كان من أمرهم.

وأما ما كان من أمر زوجها فإنه لما أقبل من السفر دق الباب فقالت هبوب: من بالباب؟ فقال: سيدك ففتحت له الباب فرأى دموعها تجري على خديها فقال لها: ما يبكيك؟ وأين سيدتك؟ فقالت له: إن سيدتي ماتت بسبب قهرها عليك، فلما سمع منها ذلك الكلام تحير في أمره وبكى بكاءً شديداً حتى خر مغشياً عليه فلما غشي عليه أسرعت هبوب بجره ووضعته في القبر وهو بالحياة ولكنه مدهوش ثم سدت عليه ورجعت إلى سيدتها وأعلمتها بهذا الخبر ففرحت بذلك فرحاً شديداً وأنشدت هذين البيتين:

الدهر أقسـم لا يزال مـكـدري
حنثت يمينك يا زمان فـكـفـر

مات العزول ومن هويت مواصلي
فانهض إلى داعي السرور وشمر

ثم أنها أقاموا مع بعضهم على الأكل والشرب واللهو واللعب إلى أن أتاهم هازم اللذات ومفرق الجماعات ومميت البنين والبنات.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.