حكاية علي نور الدين مع مريم الزنارية

حكاية علي نور الدين مع مريم الزنارية وفي الليلة الخامسة عشرة بعد الثمانمائة قالت: ومما يحكى أيها الملك السعيد أنه كان في قديم الزمان وسالف العصر والأوان رجلٌ تاجرٌ بالديار المصرية يسمى تاج الدين وكان من أكابر التجار ومن الأمناء الأحرار إلا أنه كان مولعاً بالسفر إلى جميع الأقطار ويحب السير في البراري والقفار والسهول والأوعار وجزائر البحار في طلب الدرهم والدينار وكان له عبيد ومماليك وخدم وجوار وطالما ركب الأخطار وقاسى في السفر ما يشيب الأطفال الصغار وكان أكثر التجار في ذلك الزمان مالاً وأحسنهم مقالاً صاحب خيولٍ وبغالٍ وبخاتي وجمالٍ وغرائزٍ وأدغالٍ وبضائعٍ وأموالٍ وأقمشةٍ عديمة المثال من شدودٍ حمصيةٍ وثيابٍ بعلبكيةٍ ومقاطعٍ سندسيةٍ، وثيابٍ مرزيةٍ وتفاصيلٍ هنديةٍ وأزرارٍ بغداديةٍ وبرانسٍ مغربيةٍ ومماليكٍ تركيةٍ وخدمٍ حبشيةٍ وجوارٍ روميةٍ وغلمانٍ مصريةٍ وكانت غرائر أحماله من الحرير لأنه كان كثير الأموال بديع الجمال مائس الأعطاف شهي الانعطاف وكان لذلك التاجر ولدٌ ذكر يسمى على نور الدين كأنه البدر إذا بدر ليلة أربعة عشر بديع الحسن والجمال ظريف القد والاعتدال فجلس ذلك الصبي يوماً من الأيام في دكان والده على جري عادته للبيع والشراء والأخذ والعطاء وقد دارت حوله أولاده التجار فصار هو بينهم كأنه القمر بين النجوم بجبين أزهرٍ وخدٍ أحمرٍ وعذارٍ أخضرٍ وجسمٍ كالمرمر كما قال فيه الشاعر:

قلت قولاً باخـتـصـار

 

كل ما فـيك مـلـيح

ومليح قال صـفـنـي

 

أنت في الوصف فصيح

فعزمه أولاد التجار وقالوا له: يا سيدي نور الدين نشتهي في هذا اليوم أننا نتفرج نحن وإياك في البستان الفلاني فقال لهم: حتى أشاور والدي فإني لا أقدر أن أروح إلا بإجازته فبينما هم في الكلام وإذا بوالده تاج الدين قد أتى فنظر إليه وقال: يا أبي إن أولاد التجار قد عزموني لأجل أن أتفرج أنا وإياهم في البستان الفلاني فهل تأذن لي في ذلك؟ فقال له: نعم يا ولدي ثم أنه أعطاه شيئاً من المال وقال: توجه معهم فركب أولاد التجار حميراً وبغالاً وركب نور الدين بغلة وسار معهم إلى بستان فيه بجميع ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين وهو مشيد الأركان رفيع البنيان له بابٌ مقنطرٌ كأنه إيوان وبابٌ سماويٌ يشبه أبواب الجنان وبوابه اسمه رضوان وفوقه مائة مكعبٍ عنبٍ من سائر الألوان الأحمر كأنه مرجان والأسود كأنه أنوف السودان والأبيض كأنه بيض الحمام وفيه الخوخ والرمان والكمثري والبرقوق والتفاح كل هذه الأنواع مختلفة الألوان صنوان وغير صنوان.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة السادسة عشرة بعد الثمانمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن أولاد التجار لما دخلوا البستان رأوا فيه كل ما تشتهي الشفة واللسان ووجد العنب مختلف الألوان صنواناً وغير صنوان كما قال فيه الشاعر:

عنبٌ طعمه كطعم الشراب

 

حللك لونه كلون الغراب

بين أوراقه زها فـتـراه

 

كبنان النساء بين الخطاب

ثم انتهوا إلى عريشة البستان فرأوا رضوان بواب البستان جالساً في تلك العريشة كأنه رضوان خازن الجنان، ورأوا مكتوباً على باب العريشة هذان البيتان:

سقي الله بستاناً تدلـت قـطـوفـه

 

فمالت بها الأغصان من شدة الشرب

إذا رقصت أغصانه بـيد الـصـبـا

 

تنقطها الأنواء باللؤلـؤ الـرطـب

وفي ذلك البستان فواته ذات أفنانٍ وأطيارٍ من جميع الأصناف والألوان مثل فاخت وبلبل وكيروان وقماري وحمامٍ يغرد على الأغصان وأنهار بها الماء الجاري وقد راقت تلك المجاري بأزهارها وأثمار ذات لذات كما قال فيها الشاعر هذين البيتين:

سرت النسيم على الغصون فشابهت

 

حسناء تعثر في جميل ثـيابـهـا

وحكت جداولها السيوف إذا انتضت

 

أبدى الفوارس من غلاف قرابهـا

وفي ذلك البستان تفاح سكري ومسكي يدهش الناظر كما قال فيه الشاعر:

تفاحة قد جمعت لونين قـد حـكـيا

 

خدي حبيبٍ ومحبوبٍ قد اجتمـعـا

لاحا على الغصن كالضدين من عجبٍ

 

فذاك أسودٌ والثانـي بـه لـمـعـا

تعانقـا فـبـدا وش فـراعـهـمـا

 

فاحمر ذا خجلاً وأصفر ذا ولـعـا

وتوفي ذلك البستان مشمش لوزي وكافور وجيلاني وعنابي، كما قال فيه الشاعر:  

والمشمش اللوزي يحكي عاشقاً

 

جاء الحبيب له فيحـر لـبـه

وكفاه من صفة المتيم ما بـه

 

يصفر ظاهره ويكسر قلبـه

وفي ذلك البستان برقوق وقراصياً وعناب تشفي السقيم من الأوصاب والتين فوق أغصانه أحمرٌ وأخضرٌ يحير العقول والنواظر كما قال فيه الشاعر:

كأنما التين يبدو مـنـه أبـيضـه

 

مع أخضر بين أوراق من الشجر

أبناهن على أعلى القصور وقـد

 

جن الظلام بهم باتوا على حـذر

وفي ذلك البستان من الكمثري الطوري والحلبي والرومي ما هو مختلف الألوان صنوان وغير صنوان.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة السابعة عشرة بعد الثمانمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن أولاد التجار لما نزلوا البستان رأوه فيه من الفواكه ما ذكرناه ووجدوا فيه من الكمثري الطوري والحلبي والرومي ما هو مختلف الألوان صنوان وغير صنوان ما بين أصفر وأحمر يدهش الناظر كما قال فيه الشاعر:

يهنيك كمثري غدا لونهـا

 

لون محبٍ زائد الصفـرة

شبيهة بالبكر في خدرهـا

 

والوجه منها مسبل السترة

وفي ذلك البستان الخوخ السلطاني ما هو مختلف الألوان من أصفر وأحمر كما قال فيه الشاعر:

كأنما الخوخ لـدى روضةٍ

 

وقد كسى من حمرة العندم

بنادق من ذهبٍ أصـفـر

 

قد خضبت في وجهها بالدم

وفي ذلك البستان من الموز الأخضر ما هو شديد الحلاوة يشبه الجمار ولبه من داخل ثلاثة أثواب من صنعة الملك الوهاب كما قال فيه الشاعر:

ثلاثة أثوابٍ على جسـدٍ رطـبٍ

 

مخالفة الأشكال من صنعة الرب

يريه الردى في ليلـه ونـهـاره

 

وأن يكن المسجون فيها بلا ذنب

وفي ذلك البستان النارنج كأنه خولنجانٌ كما قال فيها الشاعر الولهان:

وحمراء ملء الكف تزهو بحسنها

 

فظاهرها نارٌ وباطنهـا ثـلـج

ومن عجبٍ ثلجٌ من النار لم يذب

 

ومن عجبٍ نارٌ وليس لها وهـج

وفي ذلك البستان الكباد متدلياً في أغصانه كنهود أبكارٍ تشبه الغزلان وهو على غاية المراد كما قال فيه الشاعر وأجاد:

وكبادةٌ بين الرياض نظرتـهـا

 

على غصنٍ رطبٍ كقامة أغيد

إذا ميلتها الريح مالت كأكـرةٍ

 

بدت ذهباً في صولجانٍ زبرجد

وفي ذلك البستان الليمون زكي الرائحة يشبه بيض الدجاج ولكن صفرته زينةً مجانيةً وريحةً يزهو لجانبه كما قال فيه بعض واصفيه:

أما ترى الليمون لما بـدى

 

يأخذ من أشراقه بالعـيان

كأنه بيض الدجـاج وقـد

 

لطخه الخمسة بالزعفران

وفي ذلك البستان من سائر الفواكه والرياحين الخضروات والمشمومات من الياسمين والفاغية والفلفل والسنبل العنبري والورد بسائر أنواعه ولسان الحمل والأس وكامل الرياحين من كل الأصناف. وذلك البستان من غير تشبيهٍ كأنه قطعةٌ من الجنان لرائيه، إذا دخله العليل خرج منه كالأسد الغضبان ولا يقدر على وصفه اللسان لما فيه من العجائب والغرائب التي لا توجد إلا في الجنان، كيف لا واسم بوابه رضوان ولكن بين المقامين شتان. فلما تفرج أولاد التجار في ذلك البستان قعدوا بعد التفرج والتنزه على ليوان من لواوينه وأجلسوا نور الدين في وسط الليوان.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الثامنة عشرة بعد الثمانمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن أولاد التجار لما جلسوا في الليوان أجلسوا نور الدين في وسطٍ على نطعٍ من الأديم المزركش متكئاً على مخدةٍ محشوةٍ بريش النعام وضهارتها مدورةٌ سنجابيةً، ثم ناوله مروحةً من ريش النعام مكتوباً عليها هذان البيتان:

ومروحةٍ معطرة النـسـيم

 

تذكر طيب أوقات النعـيم

وتهدي طيبها في كل وقـتٍ

 

إلى وجه الفتى الحر الكريم

ثم أن هؤلاء الشبان خلعوا ما كان عليهم من العمائم وقعدوا يتحدثون ويتنادمون ويتجاذبون أطراف الكلام بينهم وكل منهم يتأمل في نور الدين وينظر إلى حسن صورته، وبعد أن اطمأن بهم الجلوس ساعةً من الزمان أقبل عليهم عبد وعلى رأسه سفرة طعامٍ فيها أواني من الصيني والبلور لأن بعض أولاد التجار كان وصى أهل بيته قبل خروجه إلى البستان وكان في تلك السفر كثيرٌ ما درج وطار وسبح في البحار كالقطار والسماني وأفراخ الحمام وشياه الضأن والطف السمك فلما وضعت تلك السفرة بينهم تقدموا وأكلوا بحسب الكفاية ولما فرغوا من الأكل قاموا عن الطعام وغسلوا أيديهم بالماء الصافي والصابون الممسك وبعد ذلك نشفوا أيديهم بالمناديل المنسوجة بالحرير والقصب وقدموا لنور الدين منديلاً مطرزاً بالذهب الأحمر فمسح به يديه وجاءت القهوة كل منهم مطلوبه ثم جلسوا للحديث وإذا بخولي البستان قد جاء ومعه سفرة المدام فوضع بينهم صينيةً مزركشةً بالذهب الأحمر، وأنشد يقول هذين البيتين:

هتف الفجر بالسنى فاسق خمراً

 

عانساً تجعل الحليم سـفـيهـا

لست أدري من لطفها وصفاها

 

أبكأسٍ ترى أم الكأس فـيهـا

ثم أن خولي البستان ملأ وشرب ودار الدور إلى أن وصل إلى نور الدين ابن التاجر تاج الدين فملأ خولي البستان كأساً وناوله إياه فقال له نور الدين: أنت تعرف أن هذا شيءٌ لا أعرفه ولا شربته قط لأن فيه إثماً كبيراً وقد حرمه في كتابه الرب القدير فقال البستاني: يا سيدي نور الدين إن كنت ما تركت شربه إلا من أجل الإثم فإن الله سبحانه وتعالى كريمٌ حليمٌ غفورٌ رحيمٌ يغفر الذنب العظيم ورحمته وسعت كل شيءٍ ورحمة الله على بعض الشعراء حيث قال:

كن كيف شئت فإن الله ذو كرمٍ

 

وما عليك إذا أذنبت من بأس

إلا اثنتين فلا تقربهـمـا أبـداً

 

الشرك بالله والأضرار للناس

ثم قال واحدٌ من أولاد التجار: بحياتي عليك يا سيدي نور الدين أن تشرب هذا القدح وتقدم شابٌ آخر وحلف عليه بالطلاق وآخر وقف بين يديه على أقدامه فاستحى نور الدين وأخذ القدح من خولي البستان وشرب منه جرعةً ثم بصقها وقال: هذا مرٌ فقال خولي البستان: يا سيدي نور الدين لولا أنه مرٌ ما كانت فيه هذه المنافع ألم تعلم أن كل حلوٍ إذا أكل على سبيل التداوي يجده الآكل مراً وإن هذه الخمر منافعها كثيرةٌ فمن جملة منافعها أنها تهضم الطعام وتصرف الهم والغم وتزيل الأرياح وتروق الدم وتصفي اللون وتنعش البدن وتشجع الجبان وتقوي همة الرجل على الجماع ولو ذكرنا منافعها كلها لطال علينا شرح ذلك وقد قال بعض الشعراء:

شربنا وعفو الله من كل جانـبٍ

 

وداويت أسقامي بمرتشف الكأس

وما غرني فيها وأعرف إثمهـا

 

سوى قوله فيها منافع للـنـاس

ثم إن خلوي البستان نهض قائماً على أقدامه من وقته وساعته وفتح مخدعاً من مخادع ذلك الإيوان وأخرج منه قمع سكر مكرر وكسر منه قطعةً كبيرةً ووضعها لنور الدين في القدح وقال: يا سيدي إن كنت هبت شرب الخمر من مرارته فاشرب الآن فقد حلا.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة التاسعة عشرة بعد الثمانمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الخولي قال لنور الدين: إن كنت هبت شرب الخمر من مرارته فاشرب الآن فقد حلا فعند ذلك أخذ نور الدين القدح وشربه ثم ملأ الكأس واحدً من أولاد التجار قال: يا سيدي نور الدين أنا عبدك وكذا الآخر قال: خادمك وقام الآخر وقال: من أجل خاطري وقام الآخر وقال: بالله عليك يا سيدي نور الدين اجبر بخاطري ولم يزل العشرة أولاد التجار بنور الدين إلى أن أسقوه العشرة أقداحٍ كل واحدٍ قدحاً وكان نور الدين باطنه بكر عمره ما شرب خمراً قط إلا في تلك الساعة فدار الخمر في دماغه وقوي عليه السكر فوقف على حيله وقد ثقل لسانه واستعجم كلامه وقال: يا جماعة الله أنتم ملاح وكلامكم مليح ومكانكم مليح إلا أنه يحتاج إلى سماع طيبٍ فإن الشراب بلا سماعٍ عدمه أولى من وجودها كما قال فيه الشاعر هذين البيتين:

أدرها بالكبير والـصـغـير

 

وحدها من يد القمر المنـير

ولا تشرب بلا طربٍ فإنـي

 

رأيت الخيل تشرب بالصفير

فعند ذلك نهض الشاب صاحب البستان وركب بغلةً من بغال أولاد التجار وغاب ثم عاد ومعه صبيةً مصريةً كأنها ليةٌ طريةٌ أو فضةٌ نقيةٌ أو دينارٌ في صينيةٌ أو غزالٌ في بريةٍ بوجهٍ يخجل الشمس المضية وعيونٍ بابليةٍ وحواجبٍ كأنها قسى محنيةٍ وخدودٍ ورديةٍ وأسنانٍ لؤلؤيةٍ ومراشفٍ سكريةٍ وعيونٍ مرخيةٍ ونهودٍ عاجيةٍ وبطنٍ حماسيةٍ وأعكانٍ مطويةٍ وأردافٍ كأنهن مخداتٍ محشيةٍ وفخذين كالجداول الشامية وبينهما شيءٌ كأنه صرةٌ في بقجةٍ مطويةٍ كما قيل فيه هذه الأبيات:

ولو أنها للمشركين تـعـرضـت

 

رأوا وجهها من دون أصنامهم رباً

ولو أنها في الشرق لاحت لراهبٍ

 

لخلى سبيل الشرق وأتبع الغربـاً

ولو تفلت في البحر والبحر مالـحٌ

 

لأصبح ماء البحر من ريقها عذباً

وتلك الصبية كأنها البدر إذا بدر في ليلة أربعة عشر وعليها بدلةٌ زرقاءٌ بقناعٍ أخضرٍ فوق جبينٍ أزهرٍ تدهش العقول وتحير أرباب المعقول.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة العشرين بعد الثمانمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن خولي البستان جاءهم بالصبية التي ذكرنا أنها في غاية الحسن والجمال ورشاقة القد والاعتدال كأنها المرأة المراد بقول الشاعر:

أقبلت فـي غـلالةٍ زرقـاءٍ

 

لازوديةٍ كلون الـسـمـاء

فتحققت في الغلالة منـهـا

 

قمر الصيف في ليالي الشتاء

ثم إن الشاب خولي البستان قال لتلك الصبية: اعلمي يا سيدة الملاح وكل كوكبٍ لاح أننا ما قصدنا بحضورك في هذا المكان إلا أن تنادمي هذا الشاب المليح الشمائل سيدي نور الدين فإنه لم يأت محلنا في هذا اليوم فقالت له الصبية: ليتك كنت أخبرتني لأجل أن أجيء بالذي كان معي فقال لها: سيدتي أنا أروح وأجيء به إليك فقالت: أفعل ما بدا لك فقال لها: أعطيني أمارةً فأعطته منديلاً فعند ذلك خرج سريعاً وغاب ساعةً زمانيةً ثم عاد ومعه كيسٌ أخضرٌ من الحرير أطلسٌ بشكلين من الذهب فأخذته منه الصبية وحلته ونفضته فنزل منه اثنتان وثلاثون قطعةً خشبٍ ثم ركبت الخشب في بعضه على صورة ذكر في أنثى وأنثى في ذكر وكشفت عن معاصمها وأقامته فصار عوداً محكوكاً مجروداً صنعة الهنود ثم انحنت عليه تلك الصبية انحناء الوالدة على ولدها وزعزعته بأنامل يدها فعند ذلك أن العود ورن ولأماكنه القديمة حن وقد تذكر المياه التي قد سقته والأرض التي نبت منها وتربى فيها وتذكر النجارين الذين قطعوه والدهانين الذين دهنوه والتجار الذين جلبوه والمراكب التي حملته فصرخ وصاح عدد وناح وكأنها سألته عن ذلك كله فأجابها بلسان الحال منشداً هذه الأبيات:

لقد كنت عودا للـبـلابـل مـنـزلا

 

أميل بها وجداً وفرعـي أخـضـر

ينوحون من فوقي فعلمت نوحـهـم

 

ومن أجل ذاك النوح سرى مجهـر

رماني بلا ذنبٍ على الأرض قاطعي

 

وصيرني عوداً نحـيلاً كـمـا تـر

ولكن ضربي بالأنـامـل مـخـبـرٌ

 

بأني قتيلٌ فـي الأنـام مـصـبـر

فمن أجل هذا صـار كـل مـنـادمٍ

 

إذا ما رأى نوحي يهـيم ويسـكـر

وقد حنن المولى على قـلـوبـهـم

 

وقد صرت في أعلى الصدور أصدر

تعانق قدي كل من فاق حـسـنـهـا

 

وكل غزالٍ ناحل الطـرف أحـور

ثم سكتت الصبية ساعة وبعد ذلك أخذت ذلك العود في حجرها وانحنت عليه انحناء الوالدة على ولدها وضربت عليه طرقاً عديدةً.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الحادية والعشرين بعد الثمانمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الصبية ضربت على العود طرقاً عديدة ثم عادت إلى طريقتها الأولى وأنشدت هذه الأبيات:

لو أنهم جنحوا للصـب أوزارٍ

 

لحط عنه من الأشواق أوزار

وعندليبٍ على غصنٍ يشاطره

 

كأنه عاشقٌ شطت به الـدار

قم وانتبه فليالي الوصل مقمرةٌ

 

كأنها باجتماع الشمل أسحـار

واليوم في غفلةٍ عنا حواسدنـا

 

وقد دعتنا إلى اللذات أوتـار

أما ترى أربعاً للهو قد جمعت

 

آسٌ ووردٌ ومنثـورٌ وأنـوار

 واليوم قد جمعت للحظ أربعةٌ

 

صبٍ وخلٍ ومشروبٍ ودينار

فأظفر بحظك وفي الدنيا فلذتها

 

تغني وتبقى رواياتٍ وأخبـار

فلما سمع نور الدين من الصبية هذه الأبيات نظر إليها بعين المحبة حتى كاد لا يملك نفسه من شدة الميل إليها وهي الأخرى كذلك لأنها نظرت إلى الجماعة الحاضرين من أولاد التجار كلهم وإلى نور الدين، فرأته بينهم كالقمر بين النجوم لأنه كان رخيم اللفظ ذا دلالٍ كامل القدر والاعتدال والبهاء والجمال ألطف وأرق النسيم كما قيل فيه هذه الأبيات:

قسماً بوجنتـيه وبـاسـم ثـغـره

 

وباسهم قد راشها مـن سـحـره

وبلين معطفه ونبـل لـحـاظـه

 

وبياض غرته وأسـود شـعـره

وبحاجبٍ حجب الكرى عن ناظري

 

وسطا على بنـهـيه وبـأمـره

وعقاربٍ قد أرسلت من صدغـه

 

وسعت لقتل العاشقين بهـجـره

وبـورد خـديه آس عـــذاره

 

وعقيق مبسمه ولؤلـؤ ثـغـره

وبغصن قامته الذي هو مثـمـرٌ

 

رمانه يزهو جـنـاه بـصـدره

وبردفه المرتج في حـركـاتـه

 

وسكونه وبدقةٍ فـي خـصـره

وحرير ملـبـسـه وخـفة ذاتـه

 

وبما حواه أمن الجمال بـأسـره

إن الشـذا قـد مـن أنـفـاسـه

 

والريح تروي طيبها عن نشـره

وكذلك الشمس المـنـيرة دونـه

 

وكذا الهلال قلامةً من ظـفـره

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الثانية والعشرين بعد الثمانمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن نور الدين لما سمع كلام تلك الصبية وشعرها أعجبه نظامها وكان قد مال من السكر فجعل يمدحها ويقول:

عوادةٌ مالت لنا

 

في نشوة المنتبذ

قالت لنا أوتارها

 

أنطقنا الله الذي

فلما تكلم نور الدين بهذا الكلام وأنشد هذا الشعر والنظام نظرت له تلك الصبية بعين المحبة وزادت فيه عشقاً وغراماً وقد صاحت متعجبةً من حسنه وجماله ورشاقة قده واعتداله فلم تتمالك نفسها بل احتضنت العود ثانياً وأنشدت هذه الأبيات:

يعاتبني على نظـري إلـيه

 

ويهجرني وروحي في يديه

ويبعدني ويعلم ما بقلـبـي

 

كأن الله قد أوحـى إلـيه

كتبت مثاله في وسط كفـي

 

وقلت لناظري عول علـيه

فلا عيني ترى منـه بـديلاً

 

ولا قلبي يصيرنـي لـديه

فيا قلبي نزعتك من فؤادي

 

فقلبي لـم يمـل إلا إلـيه

فلما أنشدت الصبية تلك الأبيات تعجب نور الدين من حسن شعرها وبلاغة كلامها وعذوبة لفظها وفصاحة لسانها فطار عقله من شدة الغرام والوجد والهيام ولم يقدر أن يصبر عنها ساعةً من الزمان بل مال إليها وضمها إلى صدره فانطبقت الأخرى عليه وصارت بكليتها لديه وقبلته بين عينيه وقبل هو فاهها بعد ضم القوام ولعب معها في التقبيل كزق الحمام فالتفتت له وفعلت معه مثل ما فعل معها، فهام الحاضرون وقاموا على أقدامهم فاستحى نور الدين ورفع يده عنها ثم أنها أخذت عودها وضربت عليه طرائق عديدةً ثم عادت إلى الطريقة الأولى وأنشدت هذه الأبيات:

قمرٌ يسل من الجفون إذا انثـنـى

 

غضباً ويهزأ بالغـزال إذا رنـا

ملك محاسنه الـبـديعة جـنـده

 

ولدى الطعان قوامه يحكي القنـا

لو أن رقة خصره في قـلـبـه

 

ما جار قطٌ على المحب ولا جنى

يا قلبه القاسـي ورقة خـصـره

 

هلا نقلت إلى هنا مـن هـنـا

يا عاذلي في حبه كـن عـاذري

 

فلك البقاء بحسنه ولي الـفـنـا

فلما سمع نور الدين حسن كلامها وبديع نظامها مال إليها من الطرب ولم يملك عقله من التعجب ثم أنشد هذه الأبيات:

لقد خلتها شمس الضحى فتخيلت

 

ولكن لهيب الحر منها بمهجتـي

وماذا عليها لو أشارت فسلمـت

 

علينا بأطراف البنـان وأومـت

رأى وجهها اللاحي فقال وتاه في

 

محاسنها اللاتي عن الحسن جلت

أهذي التي همت شوقاً بحبـهـا

 

فإنك معذورٌ فقلت هي الـتـي

 رمتني بسهم اللحظ عمداً وما رثت

 

لحالي وذلي وانكساري وغربتي

فأصبحت مسلوب الفؤاد متـيمـاً

 

أنوح وأبكي طول يومي وليلتـي

فلما فرغ نور الدين من شعره، تعجبت الصبية من فصاحته ولطافته وأخذت عودها وضربت عليه بأحسن حركاتها وأعادت جميع النغمات، ثم أنشدت هذه الأبيات:

وحياة وجهك يا حـياة الأنـفـس

 

لا حلت عنـك يئسـت أم لا أيأس

فلئن جفوت فإن طيفـك واصـلٌ

 

أو غبت عن عيني فذكرك مؤنسي

يا موحشاً طرفي وتعلـم أنـنـي

 

أبداً بغير هواك لـم أسـتـأنـس

خداك من وردٍ وريقـك قـهـوةٌ

 

هلا سمحت بها بهذا المجـلـس

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الثالثة والعشرين بعد الثمانمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الصبية بعدما فرغت من شعرها طرب نور الدين من إنشاد تلك الصبية غاية الطرب وتعجب منها غاية العجب، ثم أجابها عن شعرها بهذه الأبيات:

ما أسفرت عن محيا الشمس في الغسق

 

إلا تحجب بـدر الـتـم فـي الأفـق

ولا بدت لعيون الصـبـح طـرتـهـا

 

إلا وعوذت ذاك الفرق بـالـفـلـق

خذ عن مجاري دموعها في تسلسلهـا

 

وأرو حديث الهوى من أقرب الطرق

ورب راميةٍ بالنـبـل قـلـت لـهـا

 

مهلاً بنبلك أن القـلـب فـي فـرق

إن كان دمعي لبحر النيل نـسـبـتـه

 

فإن ودك منسـوبٌ إلـى الـمـلـق

قالت فهات جمع المال قـلـت خـذي

 

قالت ونومك أيضاً قلت من حـدقـي

فلما سمعت الصبية كلام نور الدين وحسن فصاحته طار قلبها واندهش لبها وقد احتمى على مجامع قلبها فضمته إلى صدرها وصارت تقبله تقبيلاً كزق الحمام وكذلك الآخر قابلها بتقبيلٍ متلاحقٍ ولكن الفضل للسابق وبعد أن فرغت من التقبيل أخذت العود وأنشدت هذه الأبيات:

ويلاه ويلي من ملامة عـاذلـي

 

أشكوه أم أشكو إليه تملمـلـي

يا هاجري ما كنت أحسب أننـي

 

ألقى الإهانة في هواك وأنت لي

عنفت أرباب الصبابة بالـجـوى

 

وأبحث فيك لعاذليك تـذلـلـي

بالأمس كنت ألوم أرباب الهـوى

 

واليوم أعذر كل صب مبتـلـي

وإن اعترتني من فراقـك شـدةً

 

أصبحت أدعو الله باسمك يا علي

فلما فرغت تلك الصبية من شعرها أيضاً أنشدت هذين البيتين:

قد قالت العشاق إن لم يسقنـا

 

من ريقه ورحيق فيه السلسل

ندعو إله العالمين يجـيبـنـا

 

ويقول فيه الكل منايا علـي

فلما سمع نور الدين من تلك الصبية هذا الكلام والشعر والنظام تعجب من فصاحة لسانها وشكرها على ظرافة افتتانها فلما سمعت تلك الصبية ثناء نور الدين عليها قامت من وقتها وساعتها على قدميها وخلعت جميع ما كان عليها من ثيابٍ ومصاغٍ وتجردت من ذلك كله ثم جلست على ركبتيها وقبلته بين عينيه وعلى شامتي خديه ووهبت له جميع ذلك.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الرابعة والعشرين بعد الثمانمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الصبية وهبت كل ما كان عليها لنور الدين وقالت له: أعلم يا حبيب قلبي أن الهدية على مقدار مهديها، فقبل ذلك منها نور الدين ثم رده عليها وقبلها في فمها وخديها وعينيها، فلما انقضى ذلك ولم يدم إلا الحي القيوم رازق الطاووس والبوم قام نور الدين من ذلك المجلس ووقف على قدميه فقالت له الصبية: إلى أين يا سيدي؟ فقال: إلى بيت والدي، فحلف عليه أولاد التجار أن ينام عندهم فأبى وركب بغلته ولم يزل سائرا حتى وصل إلى منزل والده، فقامت له أمه وقالت له: يا ولدي ما سبب غيابك إلى هذا الوقت والله إنك قد شوشت علي وعلى والدك لغيابك عنا وقد اشتغل خاطرنا عليك، ثم إن أمه تقدمت إليه لتقبله في فمه فشمت منه رائحة الخمر فقالت: يا ولدي كيف بعد الصلاة والعبادة صرت تشرب الخمر وتعصي من له الخلق والأمر فبينما هما في الكلام وإذا بوالده قد أقبل، ثم إن نور الدين ارتمى في الفراش ونام فقال أبوه: ما لنور الدين هكذا؟ قالت أمه: كان رأسه أوجعه من هواء البستان، فعند ذلك تقدم والده ليسأله عن وجعه ويسلم عليه فشم منه رائحة الخمر، وكان ذلك التاجر المسمى تاج الدين لا يحب من يشرب الخمر فقال له: ويلك يا ولدي هل بلغ بك السفه إلى هذا الحد حتى تشرب الخمر؟ فلما سمع نور الدين كلام والده رفع يده في سكره ولطمه بها فجاءت اللطمة بالأمر المقدر على عين والده اليمنى فسالت على خديها فوقع على الأرض مغشياً عليه واستمر في غشيته ساعةً فرشوا عليه ماء الورد، فلما أفاق من غشيته أراد أن يضربه فحلف بالطلاق من أمه أنه إذا أصبح الصباح لا بد من قطع يده اليمنى.

فلما سمعت أمه كلام والده ضاق صدرها وخافت على ولدها، ولم تزل تداري والده وتأخذ بخاطره إلى أن غلب عليه النوم، فصبرت إلى أن طلع القمر وأتت إلى ولدها وقد زال عنه السكر فقالت له: يا نور الدين ما هذا الفعل القبيح الذي فعلته مع والدك؟ فقال: وما الذي فعلته مع والدي؟ فقالت: إنك لطمته بيدك على عينه اليمنى فسالت على خده وقد حلف بالطلاق أنه إذا أصبح الصباح لا بد أن يقطع يدك اليمنى، فندم نور الدين على ما وقع منه حيث لا ينفعه الندم.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الخامسة والعشرين بعد الثمانمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن نور الدين لما ندم على ما وقع منه قالت له أمه: يا ولدي إن هذا الندم لا ينفعك وإنما ينبغي لك أن تقوم في هذا الوقت وتهرب وتطلب النجاة لنفسك وتختفي عند خروجك حتى تصل إلى أحد أصحابك وانتظر ما يفعل الله فإنه يغير حالاً بعد حال.

ثم إن أمه فتحت صندوق المال وأخرجت منه كيساً فيه مائة دينارٍ وقالت له: يا ولدي خذ هذه الدنانير واستعن بها على مصالح حالك فإذا فرغت منك يا ولدي فأرسل أعلمني حتى أرسل إليك غيرها، وإذا راسلتني فأرسل إلي أخبارك سراً لعل الله يقدر لك فرجاً وتعود إلى منزلك، ثم أنها ودعته وبكت بكاءً شديداً ما عليه مزيد، فعند ذلك تناول نور الدين كيس الدنانير من أمه وأراد أن يذهب فرأى كيساً كبيراً قد نسيته أمه بجنب الصندوق فيه ألف دينارٍ فأخذه نور الدين ثم ربط الاثنين في وسطه ومشى من الزقاق وتوجه إلى جهة بولاق قبل الفجر.
فلما أصبح الصباح وقامت الخلائق توحد الملك الفتاح وذهب كل واحدٍ منهم إلى مقصده ليحصل ما قسم الله له كان نور الدين وصل إلى بولاق فصار يتمشى على ساحل البحر فرأى مركباً سقالته ممدودةٌ والناس تطلع فيه وتنزل منه ومراسيه أربعٌ مدقوقةٌ في البر ورأى البحرية واقفين فقال نور الدين لهم: إلى أين أنتم مسافرون؟ فقالوا: إلى مدينة الإسكندرية فقال لهم نور الدين: خذوني معكم فقالوا له: أهلاً وسهلاً ومرحباً بك يا شاب يا مليح. فعند ذلك نهض نور الدين من وقته وساعته ومضى إلى السوق واشترى ما يلزمه من زادٍ وفرشٍ وغطاءٍ ثم عاد إلى المركب وكان ذلك المركب قد تجهز للسفر، فلما نزل نور الدين في المركب لم يمكث إلا قليلاً حين سار من وقته وساعته، ولم يزل ذلك المركب سائراً حتى وصل إلى مدينة الرشيد فلما وصلوا إلى هناك رأى نور الدين مركباً صغيراً سائراً إلى الإسكندرية فنزل فيه وعدى الخليج، ولم يزل سائراً إلى أن وصل إلى قنطرة الجامي فطلع نور الدين من ذلك الزورق ودخل من باب السدرة وقد ستر الله عليه فلم ينظره أحدٌ من الواقفين في الباب، فمشى نور الدين حتى دخل مدينة الإسكندرية.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة السادسة والعشرين بعد الثمانمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد إن نور الدين لما دخل مدينة الإسكندرية رآها مدينةً حصينة الأسوار حسنة المتنزهات تلذ لسكانها وترغب في استيطانها وقد ولى عنها فصل الشتاء ببرودة وأقبل عليها فصل الربيع بورده وأزهرت أزهارها وأورقت أشجارها وأينعت أثمارها وتدفقت أنهارها وهي مدينةٌ مليحةٌ الهندسة والقياس وأهلها من خيار الناس إذا أغلقت أبوابها أمنت أصحابها وهي كما قيل فيها هذه الأبيات:

قد قلت يوماً لخلٍ

 

له مقالٌ فصـيح

إسكندرية صفهـا

 

فقال ثغرٌ ملـيح

وقلت فيها معاشٌ

 

قال أن هب ريحٌ

فمشى نور الدين في تلك المدينة ولم يزل ماشياً فيها إلى سوق النجارين ثم إلى سوق الصرافين ثم إلى سوق النقلية ثم إلى سوق الفكهانية ثم إلى سوق العطارين وهو يتعجب من تلك المدينة لأن وصفها قد شاكل اسمها.

فبينما هو يمشي في سوق العطارين إذا برجلٍ كبير السن نزل من دكانه وسلم عليه ثم تناول يده ومضى به إلى منزله فرأى نور الدين زقاقاً مليحاً مكنساً مرشوشاً قد هب عليه النسيم وظللته أوراق الشجر، وفي ذلك الزقاق ثلاث دور وفي صدر ذلك الزقاق داراً أساسها راسخٌ في الماء وجدرانها شاهقةٌ إلى عنان السماء وقد كنسوا الساحة التي قدامها ورشوها ويشم روائح الأزهار قاصدوها يقابلها النسيم كأنه من جنات النعيم، فأول ذلك الزقاق مكنوسٌ مرشوشٌ وآخره بالرخام مفروشٌ.

فدخل الشيخ ونور الدين إلى تلك الدار وقدم له شيئاً من المأكول فأكلا معا، فلما فرغا من الأكل معاً قال له الشيخ: متى كان القدوم من مدينة مصر إلى هذه المدينة؟ فقال له: يا والدي في هذه الليلة، قال له: ما اسمك؟ قال له: علي نور الدين، فقال له الشيخ: يا نور الدين يلزمني الطلاق ثلاثاً أنك ما دمت مقيماً في هذه المدينة لا تفارقني وأنا أخلي لك موضعاً تسكن فيها، فقال له نور الدين: يا سيدي الشيخ زدني بك معرفةً فقال لها: يا ولدي أعلم أني دخلت مصر في بعض السنين بتجارةٍ فبعتها فيها واشتريت متجراً آخر فاحتجت إلى ألف دينارٍ فوزنها عني والدك تاج الدين من غير معرفةٍ له بي ولم يكتب علي بها منشوراً وصبر علي بها إلى أن رجعت إلى هذه المدينة وأرسلتها إليه مع بعض غلماني ومعها هديةً وقد رأيتك وأنت صغير وإن شاء الله تعالى أجازيك ببعض ما فعل والدك معي.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة السابعة والعشرين بعد الثمانمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الشيخ قال لنور الدين: إن شاء الله أجازيك ببعض ما فعل والدك معي، فلما سمع نور الدين هذا الكلام أظهر الفرح والإبتسام وتناول الكيس الذي فيه ألف دينار وأعطاه لذلك الشيخ وقال له: خذ هذا وديعةً عندك حتى اشتري به شيئاً من البضائع لأتجر فيه. ثم إن نور الدين أقام في مدينة الإسكندرية مدة أيامٍ وهو يتنزه كل يوم في شارعٍ من شوارعها ويأكل ويشرب ويلتذ ويطرب إلى أن فرغت المائة دينار التي كانت معه برسم النفقة فأتى إلى الشيخ العطار ليأخذ شيئاً منه من الألف دينار وينفقه فلم يجده في الدكان فجلس في دكانه ينتظره إلى أن يعود وصار ينظر على التجار ويتأمل ذات اليمين وذات الشمال، فبينما هو كذلك إذا بأعجمي قد أقبل على السوق وهو راكبٌ على بغلةٍ وخلفه جاريةٌ كأنها فضةٌ نقيةٌ وبلطيةٌ في فسقيةٍ أو غزالةٍ في بريةٍ بوجهٍ يخجل الشمس المضيئة وعيونٍ بابليةٍ ونهودٍ عاجيةٍ وأسنانٍ لؤلؤيةٍ وبطنٍ حماصيةٍ وأعطافٍ مطويةٍ وسيقانٍ كأطراف ليةٍ كاملة الحسن والجمال ورشيقة القد الاعتدال كما قال فيها بعض وأصفيها:

كأنها مثل ما تهواه قـد خـلـقـت

 

في رونق الحسن لا طولٌ ولا قصر

الورد من خدها يحمر من خـجـلٍ

 

والغصن من قدها يزهو به الثمـر

البدر طلعتها والمسك نكـهـتـهـا

 

والغصن من قامتها ما مثلها بشـر

كأنها أفرغت مـن مـاء لـؤلـؤةٍ

 

في كل جارحةٍ من حسنها قـمـر

ثم إن الأعجمي نزل عن بغلته وأنزل الصبية وصاح على الدلال فحضر بين يديه فقال له: خذ هذه الجارية وناد عليها في السوق فأخذها الدلال ونزل بها إلى وسط السوق وغاب ساعةً ثم عاد ومعه كرسي من الأبنوس مزركشٌ بالعاج الأبيض فوضعه الدلال على الأرض وأجلس عليه تلك الصبية ثم كشف القناع عن وجهها فبان من تحته وجه كأنه ترسي ديلمي أو كوكب دري وهي كأنها البدر في ليلة أربعة عشر بغاية الجمال الباهر كما قال فيها الشاعر:

قد عارض البدر جهلاً حسن صورتها

 

فراح منكسفاً وانشق بالـغـضـب

وسرحة البان أن قيست بقامـتـهـا

 

تبت يداً من غدت حمالة الحـطـب

وما أحسن قول الشاعر:

قل للمليحة في الخمار المذهب

 

ماذا فعلت بعابدٍ مـتـرهـب

نور الخمار ونور وجهك تحته

 

هزما بضوئها جيوش الغيهب

وإذا أتى طرفي ليسرق نظرةً

 

في الخد حراسٌ رمته بكوكب

فعند ذلك قال الدلال للتجار: دفعتم في درة الغواص وفتنة القناص فقال له تاجر من التجار: علي بمائة دينار وقال آخر: بمائتين وقال آخر: بثلثمائة ولم يزل التجار يتزايدون في تلك الجارية إلى أن وصلوا ثمنها إلى تسعمائة وخمسين ديناراً وتوقف البيع على الإيجاب والقبول.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الثامنة والعشرين بعد الثمانمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد إن التجار يتزايدون في الجارية إلى أن بلغ ثمنها تسعمائة وخمسين ديناراً فعند ذلك أقبل الدلال على الأعجمي سيدها وقال له: إن جاريتك بلغ ثمنها تسعمائة وخمسين ديناراً فهل نبيع ونقبض لك الثمن؟ فقال الأعجمي: هل هي راضيةٌ بذلك فإني أحب مراعاة خاطرها لأني ضعفت في هذه السفرة وخدمتني هذه الجارية غاية الخدمة فحلفت أني لا أبيعها إلا لمن تشتهي وتريد وجعلت بيعها بيدها فأشاورها فإن قالت رضيت فبعها لمن أرادته وأن قالت لا فلا تبيعها فعند ذلك تقدم الدلال إليها وقال لها: يا سيدة الملاح أعلمي أن سيدك قد جعل بيعك بيدك وقد بلغ ثمنك تسعمائة وخمسين ديناراً فتأذنين أن أبيعك؟ فقالت الجارية للدلال: أرني الذي يريد أن يشتريني قبل انعقاد البيع فعند ذلك جاء الدلال بها إلى رجلٍ من التجار وهو شيخٌ كبيرٌ هرمٌ فنظرت إليه الجارية ساعةً زمانيةً وبعد ذلك التفتت إلى الدلال وقالت له: يا دلال هل أنت مجنون أو مصاب في عقلك؟ فقال لها الدلال: لأي شيءٍ يا سيدة الملاح تقولين لي هذا الكلام؟ فقالت له الجارية: أيحق لك من الله أن تبيع مثلي لهذا الشيخ الهرم الذي قال في شأن زوجته هذه الأبيات:

تقول لي وهي غضبى من تدللها

 

وقد دعتني إلى شيءٍ فما كانـا

إن لم تنكني نيك المرء زوجتـه

 

فلا تلمني إذا أصبحت قـرنـا

كأن أيرك شمعٌ من رخـاوتـه

 

فكلما عركته راحـتـي لأنـا

فلما سمع شيخ التجار من تلك الصبية هذا الهجو القبيح اغتاظ غيظاً شديداً ما عليه من مزيد وقال للدلال: يا أنحس الدلالين ما جئت لنا في السوق إلا بجاريةٍ مشؤومةٍ تتحارى علي وتهجوني بين التجار فعند ذلك أخذها الدلال وانصرف عنه وقال لها: يا سيدتي لا تكوني قليلة الأدب أن هذا الشيخ الذي هجوته هو شيخ السوق ومحتسبه وصاحب مشورة التجار فضحكت وأنشدت هذين البيتين:

يصلح للحكام في عصرنـا

 

وذاك للحكام ممـا يجـب

السنق للوالي على بـابـه

 

والضرب بالذرة للمحتسب

ثم إن الجارية قالت للدلال: والله يا سيدي أنا لا أباع لهذا الشيخ فبعني إلى غيره لأنه ربما خجل مني فيبيعني إلى آخر فاصبر ممتهنة ولا ينبغي لي أن أدنس نفسي بالإمتهان وقد علمت إن أمر بيعي مفوض إلي.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة التاسعة والعشرين بعد الثمانمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد إن الجارية قالت للدلال: لا ينبغي أن أدنس نفسي بالإمتهان وقد علمت أن أمر بيعي مفوض إلي فقال لها الدلال: سمعاً وطاعةً ثم توجه بها إلى رجلٍ من التجار الكبار فلما وصل بها إلى ذلك الرجل قال لها: يا سيدتي هل أبيعك إلى سيدي شريف الدين هذا بتسعمائة وخمسين ديناراً؟ فنظرت إليه الجارية فرأته شيخاً ولكن لحيته مصبوغةً فقالت للدلال: هل أنت مجنون أو مصاب بعقلك حتى تبيعني إلى هذا الشيخ الفاني فهل أنا من كتكت المشاق أو من مهلهل الأخلاق حتى تطوف بي على شيخٍ بعد شيخٍ وكلاهما كجدارٍ آيلٍ إلى السقوط أو عفريتٍ محقة النجم بالهبوط أما الأول فإنه ناطقٌ فيه لسان الحال يقول بقول من قال:

طلبت قبلتها فـي الـثـغـر قـائلةً

 

لا والذي أوجد الأشـياء مـن عـدم

ما كان لي في بياض الشيب من أربٍ

 

أفي الحياة يكون القطن حشو فمـي

وأما الآخر فإنه ذو عيبٍ وريبٍ ومسود وجه الشيب قد أتى في خضاب شيبه بأقبح عينٍ وأنشد لسان حاله هذين البيتين:

قالت أراك خضبت الشيب قلت لها

 

كتمت عنك يا سمعي ويا بصري

فقهقهت ثم قالت إني ذا عـجـب

 

تكاثر الغش حتى صار في الشعر

فلما سمع الشيخ الذي صبغ لحيته من تلك الجارية هذا الكلام اغتاظ غيظاً شديداً ما عليه من مزيدٍ وقال للدلال: يا أنحس الدلالين ما جئت في هذا اليوم إلى سوقنا إلا بجاريةٍ سفيهةٍ تسفه على كل من في السوق واحداً بعد واحدٍ وتهجوهم بالأشعار والكلام الفشار ثم إن ذلك التاجر نزل من دكانه وضرب الدلال على وجهه فأخذها الدلال ورجع بها وهو غضبان وقال: والله إني ما رأيت عمري جارية أقل حياء منك وقد قطعت رزقي ورزقك في هذا النهار وقد أبغضني من أجلك جميع التجار فرآها في الطريق رجلٌ من التجار فزاد في ثمنها عشرة دنانيرٍ وكان اسم ذلك التاجر شهاب الدين فاستأذن الدلال الجارية في البيع فقالت: أرني إياه حتى أنظر إليه واسأله عن حاجةٍ فإن كانت تلك الحاجة في بيته فأنا أباع له وإلا فلا، فخلاها الدلال واقفةً ثم تقدم إليه وقال له: يا سيدي شهاب الدين أعلم إن هذه الجارية قالت لي أنها تسألك عن حاجةٍ فإن كانت عندك فإنها تباع لك وها أنت وقد سمعت ما قالته لأصحابك من التجار.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الثلاثين بعد الثمانمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الدلال قال للتاجر: إنك سمعت ما قالته هذه الجارية لأنك أنصح التجار والله خائفٌ أن أجيء بها إليك فتعمل معك مثل ما عملت مع جيرانك وأبقى أنا معك مفضوحاً فأي ذنبٍ لي في المجيء بها؟ فقال: ائتني بها فقال الدلال: سمعاً وطاعةً ثم ذهب الدلال وأتى بالجارية إليه فنظرته الجارية وقالت له: يا سيدي شهاب الدين هل في بيتك مدوراتٍ محشوةٍ بقطاعة فرو السنجاب؟ فقال لها: نعم يا سيدة الملاح عندي في البيت عشرة مدوراتٍ محشوةٍ بقطاعة فرو السنجاب فبالله عليك ماذا تصنعين بهذه المدورات؟ فقالت: اصبر عليك حتى ترقد وأجعلها على فمك وأنفك حتى تموت ثم أنها التفتت إلى الدلال وقالت له: يا أنحس الدلالين كأنك مجنون حتى تعرضني منذ ساعةٍ على اثنين من الشيوخ في كل واحد منهما عيبان وبعد ذلك تعرضني على سيدي شهاب الدين وفيه ثلاثة عيوب الأول أنه قصير، والثاني أنه كبير والثالث أن لحيته طويلةٌ وقد قال فيه بعض الشعراء:

ما رأينا ولا سمعنا بشخـصٍ

 

مثل هذا بين الخلائق أجمـع

فله لحيةٌ طول ذراعٍ وأنـفـه

 

طول شبر وقامةٌ طول إصبع

فلما سمع التاجر شهاب الدين من الجارية ذلك الكلام نزل من الدكان وأخذ بطرق الدلال وقال له: يا أنحس الدلالين كيف تأتي إلينا بجاريةٍ توبخنا وتهجونا واحداً بعد واحدٍ بالأشعار والكلام الفشار فعند ذلك أخذها الدلال وذهب من بين يديه وقال لها: والله طول عمري وأنا في هذه المهنة ما رأيت جاريةً أقل أدباً منك ولا أنحس علي من نجمك لأنك قطعت رزقي في هذا اليوم ولا ربحت منك إلا الصفح على القفا والأخذ بالطوق ثم أن الدلال وقف بتلك الجارية ليصاعد على تاجرٍ صاحب عبيدٍ وغلمانٍ وقال لها: أتباعين لهذا التاجر سيدي علاء الدين؟ وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الواحدة والثلاثين بعد الثمانمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الدلال قال للجارية: أتباعين لسيدي علاء الدين فنظرته فوجدته أحدب فقالت: أن هذا أحدب، وقد قال فيه الشاعر:

قصرت مناكبه وطال قفـاه

 

فحكاه شيطانٌ يصادف كوكباً

وكـان قـد ذاق أول مـرةٍ

 

وأحس ثانية فصار محدبـاً

فعند ذلك أسرع الدلال إليها وأخذها وأتى بها إلى تاجر آخر وقال لها: أتباعين لهذا؟ فنظرت إليه فوجدته أعمش فقالت: أن هذا أعمش كيف تبيعني له وقد قال فيه بعض الشعراء:

رمـدٌ أمـراضــه

 

هدت قواه لحـينـه

يا قوم قوموا فانظروا

 

هذا القذى في عينه

فعند ذلك أخذها الدلال وأتى بها إلى تاجر آخر وقال لها أتباعين لهذا؟ فنظرت إليه فرأت لحيته كبيرة فقالت للدلال: ويلك هذا الرجل كبشٌ ولكن طلع ذيله في حلقه كيف تبعني له يا أنحس الدلالين أما سمعت إن كل طويل الذقن قليل العقل وعلى قدر طول اللحية يكون نقصانٌ في العقل وهذا الأمر مشهورٌ بين العقلاء كما قال فيه بعض الشعراء:

ما رجلٌ طالت له لحـيةٌ

 

فزادت اللحية في هيبتـه

إلا وما ينقص من عقلـه

 

يكون طولاً زاد في لحيته

فعند ذلك أخذها الدلال ورجع بها فقالت له: أين تتوجه؟ فقال لها: إلى سيدك الأعجمي وكفانا ما جرى لنا بسببك في هذا النهار، وقد تسببت في منع رزقي ورزقه بقلة أدبك ثم أن الجارية نظرت في السوق والتفتت يميناً وشمالاً وخلفاً وأما ما فوقع نظرها بالأمر المقدر على نور الدين علي المصري فرأته شاباً مليحاً نقي الخدر رشيق القد وهو ابن أربع عشرة سنةً بديع الحسن والجمال والدلال كأنه البدر، إذا بدر في ليلة أربعة عشرٍ بجبين أزهرٍ وخدٍ أحمرٍ وعنقٍ كالمرمر وأسنانٍ كالجوهر وريقٍ أحلى من السكر، كما قال فيه بعض واصفيه:

بدت لتحاكي حسنه وجمالـه

 

بدورٌ وغزلانٌ فقلت لها قفي

رويدك يا غزلان لا تتشيهـي

 

بهذا ويا أقمار لا تتكلـفـي

وما أحسن قول بعض الشعراء:

ومهفهفٌ من شعره وجبينـه

 

تغدو الورى ظلمةٌ وضـياء

لا تنكروا الخال الذي في خده

 

كما الشقيق بنقطةٍ سـوداء

فلما نظرت تلك الجارية إلى نور الدين حال بينها وبين عقلها ووقع في خاطرها موقعاً عظيماً وتعلق قلبها بمحبته.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

 وفي الليلة الثانية والثلاثين بعد الثمانمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الجارية لما رأت علياً نور الدين تعلق قلبها بمحبته فالتفتت إلى الدلال وقالت له: هل هذا الشاب التاجر الذي هو جالس بين التجار وعليه الفرجية الجوخ العود ما راد في تمني شيئاً؟ فقال لها الدلال: يا سيدة الملاح إن هذا شابٌ غريبٌ مصريٌ والده من أكابر التجار بمصر وله الفضل على جميع تجارها وأكابرها وله مدةٌ يسيرةٌ في هذه المدينة وهو مقيمٌ عند رجلٍ من أصحاب أبيه ولم يتكلم فيك بزيادة لا نقصان.

فلما سمعت الجارية كلام الدلال نزعت من إصبعها خاتم ياقوتٌ وقالت: أوصلني عند هذا الشاب المليح فإن اشتراني كان هذا الخاتم لك في نظير تعبك في هذا اليوم معنا ففرح الدلال وتوجه إلى نور الدين فلما صارت عنده تأملته فرأته كأنه بدر التمام لأنه ظريف الجمال رشيق القد والإعتدال فقالت له: يا سيدي بالله عليك ما أنا مليحةٌ؟ فقال لها: يا سيدة الملاح، وهل في الدنيا أحسن منك؟ فقالت له الجارية: ولأي شيءٍ رأيت التجار كلهم زادوا في ثمني، وأنت ساكتٌ ما تكلمت بشيء ولازدت في ثمني ديناراً واحداً كأنني ما عجبتك يا سيدي، فقال لها: يا سيدتي لو كنت في بلدي كنت اشتريتك بجميع ما تملكه يدي من المال فقالت له يا سيدي أنا ما قلت لك اشترني على غير مرادك ولكن لو زدت في ثمني بشيءٍ لجبرت خاطري ولو كنت لا تشتريني لأجل أن تقول التجار: لولا أن هذه الجارية مليحةً ما زاد فيها هذا التاجر المصري لأن أهل مصر لهم خبرةٌ بالجواري فعند ذلك استحى نور الدين من كلام الجارية الذي ذكرته وأحمر وجهه وقال للدلال: كم بلغ ثمن هذه الجارية؟ قال: بلغ ثمنها تسعمائةٍ وخمسين ديناراً غير الدلالة وأما قانون السلطان فإنه على البائع فقال نور الدين للدلال: خلها علي بالألف دينارٍ دلالةً وثمناً فبادرت الجارية وتركت الدلال وقالت بعت نفسي لهذا الشاب المليح بألف دينار فسكت نور الدين، فقال واحدٌ: بعناه وقال آخر يستاهل وقال آخر: ملعون ابن ملعون من يزود ولا يشتري وقال آخر: والله أنهما يصلحان لبعضهما فلم يشعر نور الدين إلا والدلال أحضر القضاة والشهود وكتبوا عقد البيع والشراء في ورقةٍ وناولها لنور الدين.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الثالثة والثلاثين بعد الثمانمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الدلال ناول ورقة الشراء لنور الدين وقال له: تسلم جاريتك الله يجعلها مباركةٌ عليك فهي ما تصلح إلا لك ولا تصلح أنت إلا لها وأنشد الدلال هذين البيتين:

أتته السعادة منقـادةٌ

 

إليه تجرجر أذيالهـا

فلم تك تصلح إلا لـه

 

ولم يك يصلح إلا لها

فعند ذلك استحى نور الدين من التجار وقام من وقته وساعته ووزن الألف دينار التي كان وضعها وديعةً عند العطار صاحب أبيه وأخذ الجارية وأتى بها إلى البيت الذي أسكنه فيه العطار فلما دخلت الجارية البيت رأت فيه بساط خلق ونطعاً عتيقاً فقالت له: يا سيدي هل أنا ما لي منزلةٌ عندك ولا استحق أن توصلني إلى بيتك الأصلي على الذي فيه مصالحك ولأي شيء ما دخلت بي عند أبيك؟ فقال لها نور الدين: والله يا سيدة الملاح ما هذا بيتي الذي أنا فيه ولكنه ملك الشيخ عطار من أهل هذه المدينة وقد أخلاه لي وأسكنني فيه وقد قلت لك أنني غريبٌ وأنني في أولاد مدينة مصر فقالت له الجارية: يا سيدي أقل البيوت يكفي إلى بلدك ولكن يا سيدي بالله عليك أن تقوم وتأتي لنا بشيءٍ من اللحم المشوي والمدام والنقل والفاكهة فقال لها نور الدين: والله يا سيدة الملاح ما كان عندي من المال غير الألف دينار الذي وزنته في ثمنك ولا أملك غير تلك الدنانير شيئاً من المال وكان معي بعض دراهم صرفتها بالأمس. فقالت له: أما لك في هذه المدينة صديق تقترض منه خمسين درهماً وتأتيني بها، حتى أقول لك أي شيء تفعل بها، فقال لها: ما لي صديق سوى العطار، ثم ذهب من وقته وتوجه إلى العطار وقال له: السلام عليك يا عم، فرد عليه السلام وقال: يا ولدي أي شيء اشتريت بالألف دينار في هذا اليوم؟ فقال له: اشتريت بها جاريةً. فقال له: يا ولدي هل أنت مجنون حتى تشتري جاريةً واحدةً بألف دينارٍ؟ ما جنس هذه الجارية؟ فقال نور الدين: يا عم أنها جارية من أولاد الفرنج.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الرابعة والثلاثين بعد الثمانمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد إن نور الدين قال للشيخ العطار إنها جاريةٌ من أولاد الإفرنج. فقال له الشيخ: أعلم يا ولدي أن خيار أولاد الإفرنج عندنا في هذه المدينة ثمنه مائتي دينارٍ ولكن والله يا ولدي قد عملت عليك حيلةً في هذه الجارية فإن كنت أحبتها فبت عندها في هذه الليلة واقض غرضك منها وأصبح أنزل بها السوق وبعها ولو كنت تخسر فيها مائتي دينار وقدر أنها غرفت في البحر أو طلع عليك اللصوص في الطريق.

فقال نور الدين: كلامك صحيحٌ ولكن يا عم أنت تعرف أنه ما كان معي غير الألف دينارٍ التي اشتريت بها الجارية ولم يبق معي شيءٌ أنفقه ولا درهمٌ واحدٌ، وإني أريد من فضلك أن تقرضني خمسين درهماً أنفقها إلى غدٍ فأبيع الجارية وأردها لك من ثمنها. فقال الشيخ: أعطيك يا ولدي على الرأس والعين ثم وزن له خمسين درهماً وقال له: يا ولدي أنت شابٌ صغيرٌ السن وهذه الجارية مليحةٌ وربما تعلق بها قلبك فما يهون عليك أن تبيعها وأنت ما تملك شيئاً تنفقه فتفرغ منك هذه الخمسين درهماً فتأتيني فأقرضك أول مرةٍ وثاني مرةٍ وثالث مرةٍ إلى عشر مراتٍ فإذا أتيتني بعد ذلك فلا أرد عليك السلام الشرعي وتضييع محبتنا مع والدك.

ثم ناوله الشيخ خمسين درهماً فأخذها نور الدين وأتى بها إلى الجارية، فقالت له: يا سيدي رح السوق في هذه الساعة وهات لنا بعشرين درهماً حريراً ملوناً خمسة ألوانٍ وهات لنا بالثلاثين الأخرى لحماً وخبزاً وفاكهةً وشراباً ومشموماً.

فعند ذلك ذهب نور الدين إلى السوق واشترى منه كل ما طلبته تلك الجارية فقامت من وقتها وساعتها وشمرت عن يديها وطبخت طعاماً وأتقنته غاية الإتقان، ثم قدمت له الطعام فأكل وأكلت معه حتى اكتفيا، ثم قدمت المدام وشربت هي وإياه ولم تزل تسقيه وتؤانسه إلى أن سكر ونام، فقامت الجارية من وقتها وساعتها وأخرجت من بقجتها جراباً من أديم طائفي وأخرجت منه مسمارين وقعدت وعملت شغلها إلى أن فرغ فصار زناراً مليحاً فلفته في خرقةٍ بعد صقله وتنظيفه ووضعته تحت المخدة.

ثم قامت وتعرت ونامت بجانب نور الدين وكبسته فانتبه من نومه فوجد بجانبه صبيةً كأنها فضةٌ نقيةٌ أنعم من الحرير وأطرى من الليلة وهي أشهر من علمٍ وأحسن من حمر النعم، خماسية القد قاعدة النهد بحواجب كأنها أقسى من السهام وعيونٍ كأنها عيون غزلان وخدودٍ كأنها شقائق النعمان وبطنٍ خمصية الأعكان وسرةٍ تسع أوقية من دهن البان وفخذان كأنهما مخدتان محشوتان من ريش النعام وبينهما شيءٌ يكل عن وصفه اللسان وتنسكب عند ذكره العبرات.

فعند ذلك التفت نور الدين من وقته وساعته إلى تلك الجارية وضمها إلى صدره ومص شفتها الفوقانية بعد أن مص التحتانية ثم لزق اللسان بين الشفتين وقام إليها مصوباً مدفعه فوجدها درةً ما ثقبت ومطيةً لغيره ما ركبت فأزال عنها بكارتها ونال منها الوصال وانعقدت بينهما المحبة بلا انفكاكٍ ولا انفصال، وتابع في خدها تقبيلاً كوقع الحصى في الماء ورهزاً كعن الرماح في مغارة الشعواء وضم الخصور وعض الخدود وركوب النهود مع حركاتٍ مصريةٍ، وغنجٍ يمانيةٍ وشهيقٍ حبشيةٍ وفتورٍ هنديةٍ وغلمةٍ نوبيةٍ وتضجر ريفيةٍ وأنين دمياطيةٍ وحرارة صعيديةٍ وفترة اسكندرانيةٍ وكانت هذه الجارية جامعةٌ لهذه الخصال مع فرط الجمال والدلال ثم نام نور الدين هو وتلك الجارية إلى الصباح في لذةٍ وانشراح.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الخامسة والثلاثين بعد الثمانمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن نور الدين نام هو وتلك الجارية إلى الصباح في لذةٍ وانشراح لابسين حلل العنلق محكمة الأزرار آمنين طوارق الليل والنهار في الوصال كثرة القيل والقال وقد باتا على أحسن حال، ولم يخشيا أحد. فلما أصبح الصباح وأضاء بنوره ولاح انتبه نور الدين من نومه فرآها أحضرت الماء فاغتسل هو وإياها وأدى ما عليه من الصلاة لربه ثم أتته بما تيسر من المأكول والمشروب فأكل وشرب ثم أدخلت الجارية يدها تحت المخدة وأخرجت الزنار الذي صنعته بالليل وناولته إياه وقالت: يا سيدي خذ هذا الزنار، فقال لها من أين هذا الزنار فقالت له: يا سيدي هو الحرير الذي اشتريته البارحة بالعشرين درهماً فقم واذهب به إلى سوق العجم وأعطه للدلال لينادي عليه ولا تبعه إلا بعشرين ديناراً سالمةً.

فقال لها نور الدين: يا سيدة الملاح هل شيءٌ بعشرين درهما يباع بعشرين ديناراً يعمل في ليلةً واحدةٌ؟ قالت له الجارية: يا سيدي أنت ما تعرف قيمة هذا، ولكن اذهب به السوق وأعطه للدلال فإذا نادى عليه الدلال ظهرت لك قيمته. فعند ذلك أخذ نور الدين الزنار من الجارية وأتى به إلى السوق الأعاجم وأعطى الزنار للدلال وأمره أن ينادي عليه، وقعد نور الدين على مصطبة دكان فغاب الدلال عنه ساعةً ثم أتى إليه وقال له: يا سيدي قم اقبض ثمن زنارك فقد بلغ عشرين ديناراً سالمة ليدك.

فلما سمع نور الدين كلام الدلال تعجب غاية العجب واهتز من الطرب وقام ليقبض العشرين ديناراً وهو ما بين مصدقٍ ومكذبٍ، فلما قبضها ذهب من ساعته واشترى بها كلها حريراً من سائر الألوان لتعمله الجارية كله زنانير ثم رجع إلى البيت وأعطاها الحرير.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة السادسة والثلاثين بعد الثمانمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن نور الدين لما اشترى بالعشرين دينار حريراً أعطاه للجارية وقال لها اعمليه كله زنانير وعلميني أيضاً حتى أعمل معك فأني طول عمري ما رأيت صنعةً أحسن من هذه الصنعة، ولا أكثر مكسباً منها قط وأنها والله أحسن من التجارة بألف مرةٍ فضحكت الجارية من كلامه وقالت له: يا سيدي نور الدين امض إلى صاحبك العطار واقترض منه ثلاثين درهماً وفي غد أدفعها له ثمن الزنار هي والخمسين درهماً التي اقترضتها منه قبلها.

فقام نور الدين وأتى إلى صاحبه العطار وقال له يا عم اقرضني ثلاثين درهماً جملة وفي غد أن شاء الله تعالى أجيء لك بالثمانين درهماً جملةً واحدةً، فعند ذلك وزن له الشيخ العطار ثلاثين درهماً فأخذها نور الدين وأتى بها إلى السوق واشترى بها لحماً وخبزاً ونقلاً وفاكهةً ومشموماً كما فعل بالأمس وأتى بها إلى الجارية وكان اسم تلك الجارية مريم الزنارية فلما أخذت اللحم قامت من وقتها وساعتها وهيأت طعاماً فاخراً ووضعته قدام سيدها نور الدين ثم بعد ذلك هيأت سفرت المدام وتقدمت تشرب هي وإياه وصارت تملأ وتسقيه ويملأ ويسقيها فلما لعب المدام بعقلهما أعجبها حسن لطافته ورقة معانيه فأنشدت هذين البيتين:

أقول لاهـيف حـياً بـكـأس

 

لها من مسك نكهتـه خـتـام

أمن خديك تعصر قـال كـلا

 

متى عصرت من الورد المدام

ولم تزل تلك الجارية تنادم نور الدين وينادمها وتعطيه الكأس والطاس وتطلب أن يملأ لها ويسقها ما تطيب به الأنفاس وإذا وضع يده عليها تتمنع منه دلالاً وقد زادها السكر حسناً وجمالاً فأنشد هذين البيتين:

وهيفاء تهوى الراح قالت لصبها

 

بمجلس أنسٍ وهو يخشى ملالها

إذا لم تدر كأس المدام وتسقنـي

 

أبيتك مهجور فخاف ملالـهـا

ولم ير إلا كذلك إلى أن غلب عليه السكر ونام فقامت هي من وقتها وساعتها وعملت شغلها في الزنار على جري عادتها ولما فرغت أصلحته ولفته في ورقة ثم نزعت ثيابها ونامت بجانبه إلى الصباح.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة السابعة والثلاثين بعد الثمانمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن مريم الزنارية لما فرغت من شغل الزنار أصلحته ولفته في ورقة ونزعت ثيابها ونامت بجانبه إلى الصباح وكان بينهما ما كان من الوصل ثم قام نور الدين وقضى شغله وناولته الزنار وقالت له امض إلى السوق وبعه بعشرين ديناراً كما بعت نظيره بالأمس، فعند ذلك أخذه ومضى به إلى السوق وباعه بعشرين ديناراً وأتى إلى العطار ودفع له الثمانين درهماً وشكر فضله ودعا له فقال يا ولدي هل أنت بعت الجارية فقال نور الدين كيف أبيع روحي من جسدي ثم أنه حكى له الحكاية من المبتدأ إلى المنتهى وأخبره بجميع ما جرى له.

ففرح الشيخ العطار بذلك فرحاً شديداً ما عليه من مزيد وقال له والله يا ولدي أنك قد أفرحتني وأن شاء الله أنت بخير دائماً فأني أود لك الخير لمحبتي لوالدك وبقاء صحبتي معه ثم أن نور الدين فارق الشيخ العطار وراح من وقته وساعته إلى السوق واشترى اللحم والفاكهة والشراب وجميع ما يحتاج إليه على جري العادة وأتى به إلى تلك الجارية ولم يزل نور الدين هو والجارية في أكلٍ وشربٍ ولعبٍ وانشراحٍ وودٍ ومنادمةٍ مدة سنةٍ كاملةٍ وهي تعمل في كل ليلةٍ زناراً ويصبح يبيعه بعشرين ديناراً ينفق منها ما يحتاج إليه والباقي يعطيه لها تحفظه عندها إلى وقت الحاجة إليه.

وبعد السنة قالت له الجارية يا سيدي نور الدين إذا بعت الزنار في غد فخذ لي من حقه حريراً ملوناً ستة ألوانٍ فإنه قد خطر ببالي أن أصنع لك منديلاً تجعله على كتفك ما فرحت بمثله أولاد التجار ولا أولاد الملوك فعند ذلك خرج نور الدين إلى السوق وباع الزنار واشترى الحرير الملون كما ذكرت له الجارية وجاء به إليها فقعدت مريم الزنارية تصنع في المنديل جمعةٍ كاملةٍ لأنها كانت كلما فرغت من زنار في ليلةٍ تعمل في المنديل شيئاً إلى أن خلصته وناولته لنور الدين فجعله على كتفه وصار يمشي به في السوق فصار التجار والناس وأكابر البلد يقفون عنده صفوفاً ليتفرجوا على حسنه، وعلى ذلك المنديل وحسن صنعته فاتفق أن نور الدين كان نائماً ذات ليلة من الليالي، فانتبه من منامه فوجد جاريته تبكي بكاءً شديداً.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الثامنة والثلاثين بعد الثمانمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن نور الدين لما انتبه من منامه وجد جاريته تبكي بكاءً شديداً وتنشد هذه الأبيات:

دنا فراق الحبيب واقتربـا

 

وأحربا للفراق وأحربـا

تفتت مهجتي فوا أسفـي

 

على ليالٍ مضت لنا طربا

لا بد أن ينظر الحسود لنا

 

بعين سوءٍ ويبلغ الأربـا

فما علينا أضر من حسـدٍ

 

ومن عيون الوشاة والرقبا

فقال لها نور الدين يا سيدتي مريم مالك تبكي فقالت له أبكي من ألم الفراق فقد أحس قلبي به فقال لها يا سيدة الملاح ومن الذي يفرق بيننا وأنا الآن أحب الخلق إليك وأعشقهم لك فقالت له إن عندي أضعاف ما عندك ولكن حسن الظن بالليالي يوقع الناس في الأسف فإذا كنت تحرص على عدم الفراق فخذ حذرك من رجل إفرنجي أعور العين اليمنى وأعرج الرجل الشمال وهو شيخ أغبر الوجه مكلثم اللحية لأنه هو الذي يكون سبباً لفراقنا وقد رأيته أتى في تلك المدينة وأظن أنه ما جاء إلا في طلبي فقال لها نور الدين يا سيدة الملاح أن وقع بصري عليه قتلته ومثلت به فقالت له مريم يا سيدي لا تقتله ولا تكلمه ولا تبايعه ولا تشاوره ولا تعامله ولا تجالسه ولا تماشه ولا تتحدث معه بكلامٍ قط وادع الله أن يكفينا شره ومكره. فلما أصبح الصباح أخذ نور الدين الزنار وذهب به إلى السوق وجلس على مصطبة دكان يتحدث هو وأولاد التجار فأخذته سنة من النوم فنام على مصطبة الدكان، فبينما هو نائم وإذا بذلك الإفرنجي مر على ذلك السوق في تلك الساعة ومعه سبعةٌ من الإفرنج فرأى نور الدين نائماً على مصطبة الدكان ووجهه ملفوفٌ بذلك المنديل وطرفه في يده فقعد الإفرنجي عنده وأخذ طرف المنديل وقلبه في يده واستمر يقلب فيه ساعةً فأحس به نور الدين فأفاق من النوم فرأى الإفرنجي الذي وصفته الجارية بعينه جالساً عند رأسه فصرخ عليه نور الدين صرخةً عظيمةً أرعبته فقال له الإفرنجي لأي شيء تصرخ علينا هل نحن أخذنا منك شيئاً فقال له نور الدين والله يا ملعون لو كنت أخذت شيئاً لكنت ذهبت بك إلى الوالي فقال له الإفرنجي يا مسلم بحق دينك وما تعتقده أن تخبرني من أين هذا المنديل فقال له نور الدين هو شغل والدتي.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة التاسعة والثلاثين بعد الثمانمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الإفرنجي لما سأل نور الدين عن الذي عمل المنديل، قال له إن هذا المنديل شغل والدتي عملته لي بيدها فقال له الإفرنجي أتبيعه لي وتأخذ ثمنه مني فقال له نور الدين والله يا ملعون لا أبيعه لك ولا لغيرك فإنها ما عملته إلا على اسمي ولم تعمل غيره فقال له بعه لي وأنا أعطيك ثمنه في هذه الساعة خمسمائة دينارٍ ودع الذي عملته تعمل لك غيره أحسن منه فقال له نور الدين: أنا ما أبيعه أبداً لأنه لا نظير له في هذه المدنية فقال له الإفرنجي يا سيدي وهل تبيعه بستمائة دينار من الذهب الخالص ولم يزل يزيده مائةً بعد مائةٍ إلى أن أوصله إلى تسعمائة دينار.

فقال له نور الدين يفتح الله علي بغير بيعةٍ أنا ما أبيعه ولا بألفي دينارٍ ولا بأكثر أبداً ولم يزل ذلك الإفرنجي يرغب نور الدين بالمال في ذلك المنديل إلى أن أوصله إلى ألف دينارٍ فقال له جماعةٌ من التجار الحاضرين نحن بعناك هذا المنديل فادفع ثمنه فقال له نور الدين أنا ما أبيعه والله فقال له تاجر من التجار أعلم يا ولدي أن هذا المنديل قيمته مائة دينارٍ أن كثرت وأن وجد له راغب وأن هذا الإفرنجي دفع فيه ألف دينار جملة فربحه تسعمائة دينارٍ فأي ربح تريد أكثر من هذا الربح فالرأي عندي أنك تبيع هذا المنديل وتأخذ الألف دينار وتقول للذي عملته لك تعمل لك غيره أو أحسن منه واربح أنت الألف دينارٍ من هذا الإفرنجي المنديل بألف دينارٍ ودفع له الثمن في الحضرة وأراد نور الدين أن ينصرف ويمضي إلى جاريته مريم ليبشرها بما كان من أمر الإفرنجي.

فقال الإفرنجي يا جماعة التجار احجزوا نور الدين فإنكم وإياه ضيوفي في هذه الليلة فإن عندي خابية خمر رومي من معتق الخمر وخروفاً سميناً وفاكهةً ونقلاً ومشموماً فأنتم تؤانسوننا في هذه الليلة ولا يتأخر أحدٌ منكم فقال التاجر يا سيدي نور الدين نشتهي أن تكون معنا في مثل هذه الليلة لنتحدث وإياك فمن فضلك وإحسانك أن تكون معنا فنحن وإياك ضيوفٌ عند هذا الإفرنجي لأنه رجلٌ كريمٌ ثم أنهم حلفوا عليه بالطلاق ومنعوه بالإكراه عن الرواح إلى بيته ثم قاموا من وقتهم وساعتهم وقفلوا الدكاكين وأخذوا نور الدين معهم وراحوا مع الإفرنجي إلى قاعةٍ مطيبةٍ رحيبةٍ بلوانين فأجلسهم فيها ووضع بين أيديهم سفرة غريبة الصنع بديعة العمل فيها صورة كاسرٌ ومكسور وعاشقٌ ومعشوق وسائلٌ ومسؤول ثم وضع الإفرنجي على تلك السفرة الأواني النفيسة من الصيني والبلور وكلها مملوءة بنفائس النقل والفاكهة والمشموم.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الأربعين بعد الثمانمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الإفرنجي لما وضع السفرة وعليها أواني صيني وبلور مملوءة بنفائس النقل والفاكهة والمشموم ثم قدم لهم الإفرنجي خابية ملآنة بالخمر الرومي المعتق وأمر بذبح خروف سمين ثم أن الإفرنجي أوقد النار وصار يشوي من ذلك اللحم ويطعم التجار ويسقيهم من ذلك الخمر ويغمزهم على نور الدين أن ينزلوا عليه بالشراب فلم يزالوا يسقونه حتى سكر وغاب عن وجوده فلما رآه الإفرنجي مستغرقاً في السكر قال آنست يا سيدي نور الدين في هذه الليلة فمرحبا بك وصار الإفرنجي يؤانسه بالسلام ثم تقرب منه وجلس بجانبه وسارقه في الحديث ساعةً زمانيةً.

ثم قال له يا سيدي نور الدين هل تبيعني جاريتك التي اشتريتها بحضرة هؤلاء التجار بألف دينارٍ من مدة سنةٍ وأنا أعطيك في ثمنها الآن خمسة آلاف دينارٍ فأبى نور الدين ولم يزل ذلك الإفرنجي يطعمه ويسقيه ويرغبه في المال حتى أوصل الجارية إلى عشرة آلاف دينارٍ فقال نور الدين وهو في سكره قدام التجار بيعتك إياها هات عشرة آلاف دينار ففرح الإفرنجي بذلك القول فرحاً شديداً وأشهد عليه التجار وباتوا في أكلٍ وشربٍ وانشراحٍ إلى الصباح ثم صاح الإفرنجي على غلمانه وقال لهم ائتوني بالمال فأحضروا له المال فعد نور الدين العشرة آلاف دينار نقداً وقال له يا سيدي نور الدين تسلم هذا المال ثمن جاريتك التي بعتها في الليلة الماضية بحضرة هؤلاء التجار المسلمين.

فقال نور الدين يا ملعون أنا ما بعتك شيئاً وأنت تكذب علي وليس عندي جوار فقال له الإفرنجي لقد بعتني جاريتك وهؤلاء التجار يشهدون عليك بالبيع فقال التجار كلهم نعم يا نور الدين أنت بعته جاريتك قدامنا ونحن نشهد عليك أنك بعته إياها بعشرة آلاف دينار ثم قم اقبض الثمن وسلم إليه الجارية والله يعوضك خيراً منها أتكره يا نور الدين أنك اشتريت جارية بألف دينار ولك سنة ونصف تتمتع بحسنها وجمالها وتتلذذ في كل ليلةٍ بمنادمتها ووصالها وبعد ذلك ربحت من هذه الجارية تسعة آلاف دينار فوق ثمنها الأصلي وفي كل يوم تعمل لك زناراً تبيعه بعشرين ديناراً.

وبعد ذلك كله تنكر البيع وتستقل الربح أي ربح أكثر من هذا الربح وأي مكسبٍ أكثر من هذا المكسب فإن كنت تحبها فها أنت قد شبعت منها في هذه المدة فاقبض الثمن واشتري غيرها أحسن منها أو نزوجك بنتاً من بناتنا بمهر أقل من نصف هذا الثمن وتكون البنت أجمل منها ويصير معك باقي المال رأس مال في يدك ولم يزل التجار يتكلمون مع نور الدين بالملاطفة والمخادعة إلى أن قبض العشرة آلاف دينار ثمن الجارية وأحضر الإفرنجي من وقته وساعته القضاة والشهود فكتبوا له حجة باشتراء الجارية التي اسمها مريم الزنارية من نور الدين، هذا ما كان من أمر نور الدين.

وأما ما كان من أمر مريم الزنارية فإنها قعدت تنتظر سيدها جميع ذلك اليوم إلى المغرب ومن المغرب إلى نصف الليل فلم يعد إليها سيدها فحزنت وصارت تبكي بكاءً شديداً فسمعها الشيخ العطار وهي تبكي فأرسل إليها زوجته فدخلت عليها فرأتها تبكي فقالت لها: يا سيدتي ما لك تبكين؟ فقالت لها: يا أمي إني قعدت انتظر مجيء سيدي نور الدين فما جاء إلى هذا الوقت وأنا خائفةٌ أن يكون أحدٌ عمل عليه حيلةً من أجلي لأجل أن يبيعني فدخلت عليه بالحيلة وباعني.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الواحدة والأربعين بعد الثمانمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن مريم الزنارية قالت لزوجة العطار: أنا خائفةٌ أن يكون أحدٌ عمل على سيدي حيلة من شأني لأجل أن يبيعني فدخلت عليه الحيلة وباعني فقالت لها زوجة العطار: يا سيدتي مريم لو أعطوا سيدك فيك ملء هذه القاعة ذهباً لم يبعك لما أعرفه من محبته لك ولكن يا سيدتي مريم ربما يكون جماعةً أتوا من مدينة مصر من عند والديه فعمل لهم عزومه في المحل الذي هم نازلون فيه واستحى أن يأتي بهم إلى هذا المحل لأنه لا يسعهم ولأن مرتبتهم أقل من أن يجيء بهم إلى البيت أو أحب أن يخفي أمرك عنهم فبات عندهم إلى الصباح ويأتي إن شاء الله تعالى إليك في الغد بخير فلا تحمل نفسك هماً ولا غماً يا سيدتي فهذا سبب غيابه عنك في هذه الليلة وها أنا أبيت عندك في هذه الليلة وأسليك إلى أن يأتي إليك سيدك ثم أن زوجه العطار صارت تلهي مريم وتسليها بالكلام إلى أن ذهب الليل كله. فلما أصبح الصباح نظرت مريم سيدها نور الدين وهو داخل من الزقاق وذلك الإفرنجي وراءه وجماعة التجار حواليه فلما رأتهم مريم ارتعدت فرائصها واصفر لونها وصارت ترتعد كأنها سفينةٌ في وسط بحرٍ مع شدة الريح فلما رأتها امرأة العطار قالت لها: يا سيدتي مريم ما لي أراك قد تغير حالك واصفر لونك وازداد بك الذهول؟ فقالت لها الجارية: يا سيدتي والله أن قلبي قد أحس بالفراق وبعد التلاق ثم إن مريم الزنارية بكت بكاءً شديداً ما عليه من مزيد وتيقنت الفراق وقالت لزوجة العطار: يا سيدتي أما قلت لك أن سيدي نور الدين قد عملت عليه حيلةٌ من أجل بيعي فما أشك أنه باعني في هذه الليلة لهذا الإفرنجي وقد كنت حذرته منه ولكن لا ينفع حذر من قدر فقد بان لك صدق قولي فبينما هي وزوجة العطار في الكلام وإذا بسيدها نور الدين دخل عليها في تلك الساعة فنظرت إليه الجارية فرأته قد تغير لونه وارتعدت فرائصه ويلوح على وجهه أثر الحزن والندامة فقالت له: يا سيدي نور الدين كأنك بعتني، فبكى بكاءً شديداً وتاه وتنفس الصعداء، وأنشد هذه الأبيات:

هي المقادير فما يغني الـحـذر

 

إن كنت أخطأت فما أخطأ القدر

إذا أراد اللـه أمـراً بـأمـرئ

 

وكان ذا عقلٍ وسمعٍ وبـصـر

أصم أذنـيه وأعـمـى عـينـه

 

وسل منه عقله سل الـشـعـر

حتى إذا أنفـذ فـيه حـكـمـه

 

رد إليه عقـلـه لـيعـتـبـر

فلا تقل فيما جرى كيف جـرى

 

فكل شيءٍ بـقـضـاء وقـدر

ثم أن نور الدين اعتذر إلى الجارية وقال لها: والله يا سيدتي مريم أنه قد جرى القلم بما حكم الله، والناس قد عملوا علي حيلةً من أجل بيعك فدخلت علي الحيلة فبعتك وقد فرطت فيك أعظم تفريطٍ ولكن عسى من حكم بالفراق أن يمن بالتلاق، فقالت له: قد حذرتك من هذا وكان في وهمي، ثم ضمته إلى صدرها وقبلته ما بين عينيه.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الثانية والأربعين بعد الثمانمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الجارية لما ضمت نور الدين وقبلته ما بين عينيه أنشدت هذه الأبيات:

وحق سواكم ما سلوت ودادكـم

 

ولو تلفت روحي هوىً وتشوقا

أنوح وأبكـي كـل يومٍ ولـيلةٍ

 

كما ناح قمري على شجر النقا

تنغص عيشي بعدكم يا أحبتـي

 

متى غبتم عني فما لي ملتقـى

فبينما هي على هذه الحالة وإذا بالإفرنجي قد طلع عليهما وتقدم ليقبل أيادي السيدة مريم فلطمته بكفها على خده وقالت له: ابعد يا ملعون فما زلت ورائي حتى خدعت سيدي ولكن يا ملعون إن شاء الله تعالى لا يكون الأخير، فضحك الإفرنجي من قولها وتعجب من فعلها واعتذر إليها وقال لها: يا سيدتي مريم أي شيءٍ ذنبي أنا وإنما سيدك نور الدين هذا هو الذي باعك برضا نفسه وطيب خاطره وأنه وحق المسيح لو كان يحبك ما فرط فيك ولولا أنه فرغ غرضه منك ما باعك.

وكانت هذه الجارية بنت ملك إفرنجة وهي مدينةٌ واسعة الجهات كثيرة الصنائع والغرائب والبنات تشبه مدينة القسطنطينية وقد كان لنزوح تلك الجارية من عند أبيها وأمها سبباً عجيبا وأمراً غريباً وذلك أنها تربت عند أبيها وأمها في العز والدلال وتعلمت الفصاحة والكتابة والفروسية والشجاعة وتعلمت جميع الصنائع مثل الزركشة والخياطة والحياكة وصنعة الزنار والعقادة ورمي الذهب على الفضة والفضة على الذهب وتعلمت جميع صنائع الرجال والنساء حتى صارت فريدة زمانها ووحيدة عصرها وأوانها، وقد أعطاها الله من الحسن والجمال والظرف والكمال ما فاقت به على جميع أهل عصرها فخطبها ملوك الجزائر من أبيها وكان كل من خطبها منه يأبى أن يزوجها له لأنه كان يحبها حباً عظيماً ولا يقدر على فراقها ساعةً واحدةً ولم يكن عنده بنتٌ غيرها وكان له من الأولاد الذكور كثير ولكنه كان مشغوفاً بحبها أكثر منهم، فاتفق أنها مرضت بعض السنين مرضاً شديداً حتى أشرفت على الهلاك.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الثالثة والأربعين بعد الثمانمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن مريم مرضت مرضاً شديداً حتى أشرفت على الهلاك فنذرت على نفسها أنها إذا عوفيت من هذا المرض تزور الدير الفلاني في الجزيرة الفلانية وكان ذلك الدير معظماً عندهم وينذرون له النذور ويتبركون به، فلما عوفيت مريم من مرضها أرادت أن توفي نذرها الذي نذرته على نفسها لذلك الدير فأرسلها والدها ملك الإفرنجة إلى تلك الدير في مركبٍ صغيرٍ وأرسل معها بعضٌ من بنات أكابر المدينة ومن البطارقة لأجل خدمتها.

فلما قربت من الدير استقلت مركباً من مراكب المسلمين والمجاهدين في سبيل الله فأخذوا جميع ما في المركب من البطارقة والبنات والأموال والتحف فباعوا ما أخذوه في مدينة القيروان فوقعت مريم في يد رجلٍ أعجمي تاجرٍ من التجار وقد كان ذلك الأعجمي عنيناً لا يأتي النساء ولم تنكشف له عورةٌ على امرأة فجعلها للخدمة.

ثم أن ذلك الأعجمي مرض مرضاً شديداً حتى أشرف على الهلاك وطال عليه المرض مدة شهورٍ فخدمته مريم وبالغت في خدمته إلى أن عافاه الله من مرضه فتذكر ذلك الأعجمي منها الشفقة والحنية عليه والقيام بخدمته فأراد أن يكافئها على ما فعلته معه من الجميل فقال لها: تمني يا مريم فقالت: يا سيدي تمنيت عليك أن لا تبيعني إلا لمن أريده وأحبه، فقال لها: نعم لك على ذلك يا مريم ما أبيعك إلا لمن تريدينه وقد جعلت بيعك بيدك ففرحت فرحاً شديداً، وكان الأعجمي قد عرض عليها الإسلام فأسلمت وعلمها العبادات فتعلمت من ذلك الأعجمي في تلك المدة أمر دينها وما وجب عليها وحفظها القرآن وما تيسر من العلوم الفقهية والأحاديث النبوية، فلما دخل بها مدينة إسكندرية باعها لمن أرادته وجعل بيعها بيدها كما ذكرنا فأخذها علي نور الدين كما أخبرنا، هذا سبب خروجها من بلادها.

وأما ما كان من أمر أبيها ملك إفرنجة فإنه لما بلغه أمر ابنته ومن معها قامت عليه القيامة وأرسل خلفها المراكب وصحبتهم البطارقة والفرسان والرجال الأبطال فلم يقعوا لها على خبر بعد التفتيش في جزائر المسلمين ورجعوا إلى أبيها بالويل والثبور وعظائم الأمور.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الرابعة والأربعين بعد الثمانمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن مريم لما فقدت أرسل أبيها خلفها الرجال والأبطال فلم يقعوا لها على خبر بعد التفتيش عليها فحزن أبوها حزناً شديداً فأرسل وراءها ذلك الأعور اليمين والأعرج الشمال لأنه كان أعظم وزرائه وكان جباراً عنيداً ذو حيلٍ وخداعٍ وأمره أن يفتش عليها في جميع بلاد المسلمين ويشتريها ولو بملء مركبٍ ذهباً، ففتش عليها ذلك الملعون في جزائر البحار وسائر المدن فلم يقع لها على خبر إلى أن وصل إلى مدينة إسكندرية وسأل عنها فوقع على خبرها عند نور الدين المصري فجرى له ما جرى وعمل عليه حيلةً حتى اشتراها منه كما ذكرنا بعد الاستدلال عليها بالمنديل الذي لا يحسن صنعته غيرها.

وكان قد وصى التجار واتفق على خلاصها بالحيلة، فلما صارت عنده مكثت في بكاءٍ وعويلٍ فقال لها: يا سيدتي مريم خلي عنك هذا الحزن والبكاء وقومي معي إلى مدينة أبيك ومحل مملكتك ومنزل عزك ووطنك لتكوني بين خدمك وغلمانك واتركي هذا الذل وهذه الغربة ويكفي ما حصل لي من التعب والسفر من أجلك وصرف أموالٍ، فإن لي في التعب والسفر نحو سنة ونصف وقد أمرني والدك أن أشتريك ولو بملء مركب ذهباً ثم إن وزير ملك إفرنجة صار يقبل قدميها ويتخضع لها ولم يزل يكرر تقبيل يديها وقدميها ويزداد غضبها عليه كلما فعل ذلك أدباً معها وقالت له: يا ملعون إن شاء الله تعالى لا يبلغك ما في مرادك.

ثم قدم إليها الغلمان في تلك الساعة بغلةً بسرجٍ مزركشٍ وأركبوها عليه ورفعوا فوق رأسها سحابة من حريرٍ بعواميدٍ من ذهب وفضة وصار الإفرنج يمشون حولها حتى طلعوا بها من باب البحر وأنزلوها فيها فعند ذلك نهض الوزير الأعور وقال لبحرية المركب: ارفعوا الصاري فرفعوه من وقتهم وساعتهم ونشروا القلوع والأعلام ونشروا القطن والكتان وعملوا المقاذيف وسافرت بهم تلك المركب هذا كله ومريم تنظر إلى ناحية إسكندرية حتى غابت عن عينها فصارت تبكي في سرها بكاءً شديداً.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الخامسة والأربعين بعد الثمانمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن مريم الزنارية صارت تنظر إلى ناحية إسكندرية حتى غابت عن عينيها فبكت وانتحبت وسكبت العبرات وأنشدت هذه الأبيات:

أيا منزل الأحباب هل لك عـودةٌ

 

إلينا وما حلمي بما الله صـانـع

فسارت بنا سفن الفراق وأسرعت

 

وطرف قريح قد محته المدامـع

لفرقة خلٍ كان غاية مقـصـدي

 

به يشتفي سقمي وتمحى المواجع

إلا يا إلهي كن عليه خلـيفـتـي

 

فعنـد يومٍ لا تـضـيع الـودائع

ولم تزل كلما تذكرته تبكي وتنوح فأقبل عليها البطارقة يلاطفونها فلم تقبل منهم كلاماً بل شغلها داعي الوجد والغرام، ثم أنها بكت وأنّت واشتكت وأنشدت هذه الأبيات:

لسان الهوى في مهجتي لك ناطقٌ

 

يخبر عني أنني لـك عـاشـقٌ

ولي كبد جمر الهوى قد أذابـهـا

 

وقلبي جريحٌ من فراقك خافـق

وكم أكتم الحب الذي قد أذابـنـي

 

فجفني قريح والدموع سـوابـق

ولم تزل مريم على هذه الحالة لا يقر لها قرار ولا يطاوعها اصطبار مدة سفرها، هذا ما كان من أمرها هي والوزير الأعور.

وأما ما كان من أمر نور الدين علي المصري ابن تاج الدين فإنه بعد نزول مريم المركب وسفرها ضاقت عليه الدنيا وصار لا يقر له قراراً ولا يطاوعه اصطبار فتوجه إلى القاعة التي كان مقيماً بها هو ومريم، فرآه في وجهه سوداء مظلمة ورأى العدة التي كانت تشتغل عليها الزنانير وثيابها التي كانت على جسدها فضمها إلى صدره وبكى وفاضت من جفنه العبرات، وأنشد هذه الأبيات

ترى هل يعود الشمل بعد تشتتـي

 

وبعد توالي حسرتي وتلـفـتـي

فهيهات ما قد كان ليس بـراجـعٍ

 

فيا هل ترى أحظى بوصل حبيبتي

ويا هل ترى قد يجمع الله شملنـا

 

وتذكر أحبابي وعهود مـودتـي

ويحفظ ودي من بجهلي أضعـتـه

 

ويرعى عهودي ثم سالف صحبتي

فما أنا إلا ميت بعـد بـعـدهـم

 

وهل ترتضي الأحباب يوماً منيتي

فيا أسفي إن كان يجد تـأسـفـي

 

لقد ذبت وجداً من تزايد حسراتي

وضاع زمانٌ كان فيه تواصـلـي

 

فيا هل ترى دهري يجود بمنيتـي

فيا قلب زد وجداً ويا عين اهملـي

 

دموعاً ولا تبقى الدموع بمقلتـي

ويا بعد أحبابي وفقد تـصـبـري

 

وقد قل أنصاري وزادت بلـيتـي

سألت الله رب العالمين يجود لـي

 

بعود حبيبي والوصال كعـادتـي

ثم أن نور الدين بكى بكاءً شديداً ما عليه من مزيد، ونظر إلى زوايا القاعة وأنشد هذين البيتين:

أرى آثارهم فأذوب شـوقـاً

 

وأجري في مواطنهم دموعي

وأسأل من قضى بالبعد عنهم

 

يمن علي يوماً بالـرجـوع

ثم أن نور الدين نهض من وقته وساعته وقفل باب الدار وخرج يجري إلى البحر وصار يتأمل في موضع المركب التي سافرت بمريم.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة السادسة والأربعين بعد الثمانمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن نور الدين لما خرج يجري إلى البحر صار يتأمل في موضع المركب التي سافرت بمريم ثم بكى وصعد الزفرات وأنشد هذه الأبيات:

سلامٌ عليك ليس لي عنكـم غـنـى

 

وإني على الحالين في القرب والبعد

أحن إلـيكـم كـل وقـتٍ وسـاعةٍ

 

واشتاقكم شوق العطاش إلى الورد

وعندكم سمعي ولبـي ونـاظـري

 

وتذكاركم عندي ألذ من الـشـهـد

فيا أسفي لما استقلـت ركـابـكـم

 

وحادت بكم تلك السفينة عن قصـد

ثم أن نور الدين ناح وبكى وأن واشتكى ونادى: يا مريم، يا مريم هل كانت رؤيتي لك في المنام أم أضغاث أحلام فبينما نور الدين على هذه الحالة يبكي ويقول: يا مريم، يا مريم وإذا بشيخٍ قد طلع من مركبٍ وأقبل عليه فرآه يبكي وينشد هذين البيتين:

يا مريم الحسن عودي أن لي مقلا

 

سحائب المزن تجري من سواكبها

واستخبري عذلي دون الآنام تـري

 

أجفان عيني غرقى في كواكبهـا

 فقال الشيخ: يا ولدي كأنك تبكي على الجارية التي سافرت البارحة مع الإفرنجي فلما سمع نور الدين كلام الشيخ خر مغشياً عليه ساعةً زمانيةً، ثم أفاق وبكى بكاءً شديداً ما عليه من مزيد وأنشد هذه الأبيات:

فهل بعد هذا البعد يرجى وصالـهـا

 

ولذة أنسي قد يعـود كـمـالـهـا

فإن في قلـبـي لـوعةً وصـبـابةً

 

ويزعجني قبل الوشاة وقـال لـهـا

أقيم نهـاري بـاهـتـاً مـتـحـيراً

 

وفي الليل أرجو أن يزور خيالـهـا

فو الله لا أسلو عن العشـق سـاعةً

 

وكيف ونفسي في الوشاة ملالـهـا

منعمة الأطراف مهضومة الحـشـا

 

لها مقلةٌ في القلب مني نبـالـهـا

يحاكي قضيب البان في الروض قدها

 

ويخجل ضوء الشمس حسناً جمالهـا

ولولا أخاف الـلـه جـل جـلالـه

 

لقلت لذات الحسن جل جـلالـهـا

فلما نظر ذلك الشيخ إلى نور الدين ورأى جماله وقده واعتداله وفصاحة لسانه ولطف اقتنائه حزن قلبه عليه ورق لحاله وكان ذلك الشيخ رئيس مركب مسافرة إلى مدينة تلك الجارية وفيها مائة تاجرٍ من تجار المسلمين المؤمنين فقال له: اصبر ولا يكون إلا خيراً فإن شاء الله سبحانه وتعالى أوصلك إليها.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة السابعة والأربعين بعد الثمانمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الشيخ الريس لما قال لنور الدين: أنا أوصلك إليها إن شاء الله تعالى قال له نور الدين: متى السفر؟ قال الريس: بعد ثلاثة أيامٍ تسافر في خير وسلامةٍ فلما سمع نور الدين كلام الريس فرح فرحاً شديداً وشكر فضله وإحسانه ثم إن نور الدين طلع من وقته وساعته وتوجه إلى السوق وأخذ منه جميع ما يحتاج إليه من الزاد وأدوات السفر وأقبل على ذلك الريس.

فلما رآه قال: يا ولدي ما هذا الذي معك؟ قال: زوادتي وما أحتاج إليه في السفر فضحك الريس من كلامه وقال له: يا ولدي هل أنت رائحٌ تتفرج على عمود السوارتي إن بينك وبين مقصدك مسيرة شهرين إذا طاب الريح وصفت الأوقات ثم أن ذلك الشيخ أخذ من نور الدين شيئاً من الدراهم وطلع إلى السوق واشترى له جميع ما يحتاج إليه في السفر على قدر كفايته وملأ له خابية ماء حلوٍ ثم أقام نور الدين في المركب ثلاثة أيام إلى أن تجهز التجار وقضوا مصالحهم ونزلوا في المركب ثم حل الريس قلوعها وساروا مدة إحدى وخمسين يوماً.

وبعد ذلك خرج عليهم القرصان قطاع الطريق فنهبوا المركب وأسروا جميع من فيها وأتوا بهم إلى مدينة إفرنجة وعرضوهم على الملك وكان نور الدين من جملتهم فأمر الملك بحبسهم، وفي وقت نزولهم من عند الملك إلى الحبس وصل الغراب الذي فيه الملكة مريم الزنارية مع الوزير الأعور فلما وصل الغراب إلى المدينة طلع الوزير إلى الملك وبشره بوصول ابنته مريم الزنارية سالمةً فدقوا البشائر وزينوا المدينة بأحسن زينةٍ وركب الملك في جميع عسكره وأرباب دولته وتوجهوا إلى البحر ليقابلوها فلما وصلت المركب طلعت ابنته مريم فعانقها وسلم عليها وسلمت عليه وقدم لها جواداً فركبته فلما وصلت إلى القصر قابلتها أمها وعانقتها وسلمت عليها وسلمت عليها وسألتها عن حالها وهل هي بكر مثل ما كانت عندهم سابقاً أم صارت امرأةً ثيباً.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الثامنة والأربعين بعد الثمانمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن أم مريم لما سألتها عن حالها وهل هي ثيباً أم بكر فقالت لها مريم: يا أمي بعد أن يباع الإنسان في بلاد المسلمين من تاجرٍ إلى تاجرٍ يصير محكوماً عليه كيف يبقى بنتاً بكراً؟ إن التاجر الذي اشتراني هددني بالضرب واكرهني وأزال بكارتي وباعني لآخر وآخر باعني لآخر. فلما سمعت أمها منها ذلك الكلام صار الضياء في وجهها ظلاماً ثم أعادت على أبيها هذا الكلام فصعب ذلك عليه وعظم أمر حاله به وعرض حالها على أرباب دولته وبطارقته فقالوا له: أيها الملك إنها تنجست من المسلمين وما يطهرها إلا ضرب مائة رقبةٍ من المسلمين.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة التاسعة والأربعين بعد الثمانمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الرهبان قالوا: ما يطهرها إلا ضرب مائة رقبةٍ من المسلمين فعند ذلك أمر بإحضار الأسارى الذين في الحبس فأحضروهم جميعاً بين يديه ومن جملتهم نور الدين فأمر الملك بضرب رقابهم فأول من ضربوا رقبته ريس المركب ثم ضربوا رقاب التجار واحداً بعد واحدٍ حتى لم يبق إلا نور الدين فشرطوا ذيله وعصبوا عينيه وقدموه إلى نطع الدم وأرادوا أن يضربوا رقبته وإذا بامرأةٍ عجوزٍ أقبلت على الملك في تلك الساعة وقالت له: يا مولاي أنت كنت نذرت لكل كنيسةٍ خمسة أسارى من المسلمين إن رد الله بنتك مريم لأجل أن تساعدوا في خدمتها والآن قد وصلت إليك ابنتك السيدة مريم فأوف بنذرك الذي نذرته، فقال لها الملك: يا أمي وحق المسيح والدين الصحيح لم يبق عندي من الأسارى غير هذا الأسير الذي يريدون قتله فخذيه معك يساعدك في خدمة الكنيسة إلى أن يأتي إلينا أسارى من المسلمين فأرسل إليك أربعةً أخر ولو كنت سبقت قبل أن يضربوا رقاب هؤلاء الأسارى لأعطيناك كل ما تريدينه فشكرت العجوز صنيع الملك ودعت له بدوام العز والبقاء والنعم ثم تقدمت العجوز من وقتها وساعتها إلى نور الدين وأخرجته من نطع الدم ونظرت إليه فرأته شاباً لطيفاً ظريفاً رقيق البشرة ووجهه كأنه البدر إذا بدر في ليلة أربعة عشر فأخذته ومضت به إلى الكنيسة وقالت له: يا ولدي أقلع ثيابك التي عليك فأنها لا تصلح إلا لخدمة السلطان.

ثم أن العجوز جاءت لنور الدين بجبةٍ من صوفٍ أسودٍ ومئزرٍ من صوفٍ أسودٍ وسيرٍ عريضٍ فألبسته تلك الجبة وعممته بالمئزر وشدت وسطه بالسير وأمرته أن يخدم الكنيسة مدة سبعة أيامٍ فبينما هو كذلك وإذا بتلك العجوز قد أقبلت عليه وقالت له: يا معلم خذ ثيابك الحرير وألبسها وخذ هذه العشرة دراهم وأخرج في هذه الساعة تفرج في هذا اليوم ولا تقف هنا ساعةً واحدةً لئلا تروح روحك فقال لها نور الدين: يا أمي أي شيءٍ الخبر؟ فقالت له العجوز: اعلم يا ولدي إن بنت الملك السيدة مريم الزنارية تريد أن تدخل الكنيسة في هذا الوقت لأجل أن تزورها وتتبرك بها وتقرب لها قرباناً حلاوة السلامة بسبب خلاصها من المسلمين وتوفي لها النذور التي نذرتها أن نجاها المسيح ومعها أربعمائة بنت ما واحدة منهن إلا كاملة في الحسن والجمال ومن جملتهن بنت الوزير وبنات الأمراء وأرباب الدولة وفي هذه الساعة يحضرون وربما يقع نظرهن عليك في هذه الكنيسة فيقطعنك بالسيوف فعند ذلك أخذ نور الدين من العجوز العشرة دراهم بعد أن لبس ثيابه وخرج إلى السوق وصار يتفرج في شوارع المدينة حتى عرف جهاتها وأبوابها.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الخمسين بعد الثمانمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن نور الدين لما لبس ثيابه أخذ العشرة دراهم من العجوز ثم خرج إلى السوق وغاب ساعة حتى عرف جهات المدينة ثم رجع إلى الكنيسة فرأى مريم الزنارية بنت ملك إفرنجة قد أقبلت على الكنيسة ومعها أربعمائة بنتٍ نهداً أبكارٌ كأنهن الأقمار ومن جملتهن بنت الوزير الأعور وبنات الأمراء وأرباب الدولة وهي تمشي بينهن كأنها القمر بين النجوم، فلما وقع نظر نور الدين عليها لم يتمالك نفسه بل صرخ من صميم قلبه وقال: يا مريم، يا مريم.

فلما سمعن البنات صياح نور الدين وهو ينادي يا مريم هجمن عليه وجردن بيض الصفاح مثل الصواعق وأردن قتله في تلك الساعة فالتفتت إليه مريم وتأملته فعرفته غاية المعرفة فقالت للبنات: اتركن هذا الشاب فإنه مجنون بلا شك لأن علامة الجنون لائحةٌ على وجهه فلما سمع نور الدين من السيدة مريم هذا الكلام كشف رأسه وحملق عينيه وأشاح بيديه وعوج رجليه وأخرج الزبد من فيه وشدقيه فقالت لهن السيدة مريم: أما قلت لكّن إن هذا مجنون أحضرن به ابعدن عنه حتى أسمع ما يقول فإني أعرف كلام العرب وأنظر حاله وهل داء جنونه يقبل المداواة أم لا، فعند ذلك حملنه البنات وجئن به بين يديها ثم بعدن عنه فقالت له: هل جئت إلى هنا من أجلي وخاطرت بنفسك وعملت نفسك مجنوناً؟ فقال لها نور الدين يا سيدتي أما سمعت قول الشاعر:

قالوا جننت بمن تهوى فقلت لهم

 

ما لذة العيش إلا للمـجـانـين

هاتوا جنوني وهاتوا من جننت به

 

فإن وفي بجنوني لا تلومونـي

فقالت له مريم: والله يا نور الدين أنك الجاني على نفسك فإني حذرتك من هذا قبل وقوعه فلم تقبل قولي وتبعت هوى نفسك وأنا ما أخبرتك لا من باب الكشف ولا من باب الفراسة ولا من باب الرؤية في المنام وإنما هو من باب المشاهدة والعيان لأني رأيت الوزير الأعور فعرفت أنه ما دخل في هذه البلدة إلا في طلبي فقال لها نور الدين: يا سيدتي مريم نعوذ بالله من إزالة العقل ثم تزايد بنور الدين الحال فأنشد هذا القول:

هب لي بجناية من أزلت به القدم

 

قد يشمل العبد من ساداته كـرم

حسب المسيء بذنبٍ من جنايتـه

 

فرط الندامة إذ لا ينفع الـنـدم

فعلت ما يقتضي التأديب معترفاً

 

فأين ما يقتضيه العفو والكـرم

ولم يزل نور الدين هو والسيدة مريم الزنارية في عتابٍ يطول شرحه وكل منهما يحكي لصاحبه ما جرى له وينشدان الأشعار ودموعهما تجري على خدودهما شبه البحار ويشكوان لبعضهما شدة الهوى وأليم الوحدة والجوى ولم يبق لأحدهما قوةً على الكلام.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الواحدة والخمسين بعد الثمانمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن نور الدين والسيدة مريم شكا لبعضهما ما جرى لهما عند فراقهما وما هما عليه من شدة الهوى إلى أن لم يبق لأحدهما قوةٌ على الكلام وكان النهار قد ولى وأقبل الظلام وكان على السيدة مريم حلةً خضراء مزركشةٌ بالذهب الأحمر مرصعةٌ بالدر والجوهر فزاد حسنها وجمالها وظرف معانيها فعند ذلك أقبلت السيدة مريم على البنات وقالت لهن: هل أغلقتن الباب؟ فقلن لها: قد أغلقناه فعند ذلك أخذت السيدة مريم البنات وأتت بهن إلى مكان يقال له مكان السيدة مريم العذراء أم النور لأن النصارى يزعمون أن روحانيتها وسرها في ذلك المكان فصار البنات يتبركن به ويطفن في الكنيسة كلها.

ولما فرغن من زيارتها التفتت السيدة مريم إليهن وقالت لهن: إني أريد أن أدخل وحدي في هذه الكنيسة وأتبرك بها فإنه حصل لي اشتياقٌ إليها بسبب طول غيبتي في بلاد المسلمين وأما أنتن فحيث فرغتن من الزيارة فنمن حيث شئتن فقلن لها: حباً وكرامةً افعلي أنت ما تريدينه ثم أنهن تفرقن عنها في الكنيسة ونمن فعند ذلك استغفلتهن مريم وقامت تفتش على نور الدين فرأته في ناحيةٍ جالساً على مقالي الجمر وهو في انتظارها فلما أقبلت عليه قام لها على قدميه وقبل يديها فجلست وأجلسته في جانبها ثم نزعت ما كان عليها من الحلي والحلل ونفيس القماش وضمت نور الدين إلى صدرها وجعلته في حضنها ولم تزل هي وإياه في بوس وعناق ونغمات خاق باق وهما يقولان ما قصر ليل التلاقي وما أطول يوم الفراق، وينشدان قول الشاعر:

يا ليل الوصل وبكـر الـدهـر

 

لانت غرة اللـيالـي الـغـر

فجاءتني بالصبح وقت العصـر

 

هل كنت كحلاً في عيون الفجر

وقول آخر:

أو كنت نوماً في عيوني رمد

 

يا لليلة الهجر وما أطولهـا

آخرها مـواصـلٌ أولـهـا

 

كحلقةٍ مفرغةٍ ما أن لهـا

وقول آخر:

من طرف والحشر أيضاً قبلها

 

فالصب بعد البعث ميت الصد

فبينما هما في هذه اللذة العظيمة والفرحة العميمة وإذا بغلامٍ من الغلمان النفيسة يضرب فوق سطح الكنيسة، ليقيم من عاداتهم الشعائر، وهو كما قال الشاعر:

رأيته يضرب النـاقـوس قـلـت لـه

 

من علم الظبي ضرباً بـالـنـواقـيس

وقلت للنفس أي الضرب أحسـن هـل

 

ضرب النواقيس أم ضرب النوى قيسي

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الثانية والخمسين بعد الثمانمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن مريم الزنارية ما زالت هي ونور الدين في لذةٍ وطربٍ إلى أن طلع الغلام النواقيسي فوق سطح الكنيسة وضرب الناقوس فقامت من وقتها وساعتها ولبست ثيابها وحليها فشق ذلك على نور الدين وتكدر وقته فبكى وسكب العبرات وأنشد هذه الأبيات:

لا زلت ألثم ورد خـذ غـضٍ

 

وأعض ذاك مبالغاً في العض

 

حتى إذا طبنا ونام رقـيبـنـا

 

وعيونه مالت لنحو الغمـض

 

ضربت نواقيسٌ تنبه أهلـهـا

 

كمؤذن يدعو صلاة الفـرض

 

قامت على عجلٍ للبس ثيابهـا

 

من خوف نجمٍ رقيبنا المنقض

وتقول يا سؤلي ويا كل المنـى

 

جاء الصباح بوجهه المبـيض

أقسمت لو أعطـيت يوم ولايةٍ

 

وبقيت سلطاناً شديد القـبـض

لهدمت أركان الكنائس كلـهـا

 

وقتلت كل مقسسٍ في الأرض

           

ثم أن السيدة مريم ضمت نور الدين إلى صدرها وقبلت خده وقالت له: يا نور الدين كم يوماً لك في هذه المدينة؟ فقال: سبعة أيامٍ فقالت له: هل سرت في هذه المدينة وعرفت طرقها ومخارزها وأبوابها التي من ناحية البر والبحر؟ قال نعم، فقال: وهل تعرف طريق صندوق النذر الذي في الكنيسة؟ قال نعم، قالت له: حيث تعرف ذلك كله إذا كانت الليلة القابلة ومضى ثلث الليل الأول فاذهب في تلك الساعة إلى صندوق النذر وخذ منه ما تريد وتشتهي وافتح باب الكنيسة الذي فيه الخوخة التي توصل إلى البحر فإنك تجد سفينةً صغيرة فيها عشرة رجال بحرية فمتى رآك الريس يمد يديه إليك فناوله يدك فإنه يطلعك في السفينة فاقعد عنده حتى أجيء إليك، والحذر ثم الحذر من أن يلحقك النوم في تلك المدينة فتندم حيث لا ينفعك الندم.

ثم أن السيدة مريم ودعت نور الدين وخرجت من عنده في تلك الساعة ونبهت جواريها وسائر البنات من نومهن وأخذتهن وأتت إلى باب الكنيسة ودقته ففتحت العجوز الباب فلما أطلت منه رأت الخدام والبطارقة وقوفاً فقدموا لها بغلةً فركبتها وأرخوا عليها ناموسيةً من الحرير وأخذ البطارقة بزمام البغلة ووراءها البنات واحتاط بها الجاويشية وبأيديهم السيوف مسلولةً وساروا بها إلى أن وصلوا إلى قصر أبيها.

هذا ما كان من أمر مريم الزنارية. وأما ما كان من أمر نور الدين فإنه لم يزل مختفياً وراء الستارة التي كان مستترا خلفها هو ومريم إلى أن طلع النهار وانفتح باب الكنيسة وكثر الناس فيها فاختلط بالناس وجاء إلى تلك العجوز قيمة الكنيسة فقالت له: أين كنت راقداً في هذه الليلة؟ قال: في محل داخل المدينة كما أمرتيني، فقالت العجوز: إنك فعلت الصواب يا ولدي ولو كنت بت الليلة في الكنيسة كانت قتلتك أقبح قتلة.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الثالثة والخمسين بعد الثمانمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن العجوز قالت لنور الدين: لو كنت بت الليلة في الكنيسة كانت قتلتك أقبح قتله، فقال لها نور الدين: الحمد لله الذي نجاني شر من هذه الليلة، ولم يزل نور الدين يقضي شغلة في الكنيسة إلى أن مضى النهار وأقبل الليل بدياجي الإعتكار فقام نور الدين وفتح صندوق النذر فتناول منه ما خف حمله وغلا ثمنه من الجواهر، ثم صبر إلى أن مضى ثلث الليل الأول وقام ومشى إلى باب الخوخة التي توصل إلى البحر وهو يطلب الستر من الله.

ولم يزل يمشي إلى أن وصل إلى الباب وفتحه وخرج من تلك الخوخة إلى البحر فوجد السفينة رأسيةً على شاطئ البحر بجوار الباب ووجد الريس شيخاً كبيراً طريفاً لحيته طويلةٌ وهو واقفٌ في وسطها على رجليه والعشرة رجالٍ واقفون قدامه فناوله نور الدين يده كما أمرته مريم فأخذه من يده وجذبه فصار في وسطه السفينة. فعند ذلك صاح الشيخ الريس على البحرية وقال لهم: أقلعوا مرساة السفينة من البر وعوموا بنا قبل أن يطلع النهار فقال واحدٌ من العشرة البحرية: يا سيدي كيف نعوم والملك أخبرنا أنه في غد يركب السفينة في هذا البحر ليطلع على ما فيه لأنه خائفٌ على ابنته مريم من سراق المسلمين؟ فصاح عليهم الريس وقال لهم: ويلكم يا ملاعين هل بلغ من أمركم أنكم تخالفونني وتردون كلامي؟ ثم أن الريس سل سيفه من غمده وضرب به ذلك المتكلم على عنقه فخرج السيف يلمع من رقبته فقال واحدٌ: وأي شيءٍ عمل صاحبنا من الذنوب حتى تضرب رقبته؟ فمد يده إلى السيف وضرب به عنق هذا المتكلم، ولم يزل ذلك الريس يضرب أعناق البحرية واحداً بعد واحدٍ حتى قتل العشرة ورماهم على شاطئ البحر، ثم التفت إلى نور الدين وصاح عليه صيحةً عظيمةً أرعبته وقال له: انزل أقلع الوتد فخاف نور الدين من ضرب السيف ونهض قائماً ووثب إلى البر وقلع الوتد ثم طلع في السفينة أسرع من البرق الخاطف وصار الريس يقول: افعل كذا وكذا ودور كذا وكذا وانظر في النجوم ونور الدين يفعل جميع ما يأمره به الريس وقلبه خائفٌ مرعوبٌ، ثم رفع شراع المركب وسار به في البحر العجاج المتلاطم الأمواج.

وفي الليلة الرابعة والخمسين بعد الثمانمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الشيخ الريس لما رفع شراع المركب توجه بالمركب هو ونور الدين في البحر العجاج وقد طاب لهما الريح كل ذلك ونور الدين ماسكٌ بيده الراجع وهو غريقٌ في بحر الأفكار، ولم يزل مستغرقاً في الفكر ولم يعلم بما هو مخبوء له في الغيب وكلما نظر إلى الريس بل صار مشغولاً في فكرٍ ووسواسٍ إلى أن أضحى النهار.

فعند ذلك نظر نور الدين إلى الريس فرآه قد أخذ لحيته الطويلة بيده وجذبها فطلعت من موضعها في يده وتأملها نور الدين فوجدها لحيةً كانت ملصقةً زوراً، ثم تأمل نور الدين في ذات الريس ودقق في نظره فرآها السيدة مريم معشوقته ومحبوبة قلبه وكانت قد تحيلت بتلك الحيلة حتى قتلت الريس وسلخت وجهه بلحيته وأخذت جلده وركبته على وجهها.

فتعجب نور الدين من فعلها وشجاعتها ومن قوة قلبها وطار قلبه من الفرح واتسع صدره وانشرح وقال لها: مرحباً يا منيتي وسؤلي وغاية مطلبي، وكانت السيدة مريم قوية القلب تعرف بأحوال سير المراكب في البحر المالح وتعرف الأهواء واختلافها وتعرف جميع طرق البحر، فقال لها نور الدين: والله يا سيدتي لو أطلت علي هذا الأمر لمت من شدة الخوف والفزع وخصوصاً من نور الوجد والإشتياق وأليم عذاب الفراق، فضحكت من كلامه وقامت من وقتها وساعتها وأحضرت شيئاً من المأكول والمشروب فأكلوا وشربوا وتلذذوا وطربوا.
وبعد ذلك أحضرت من اليواقيت والجواهر وأصناف المعادن والذخائر الغالية وأنواع الذهب والفضة ما خف حمله وغلا ثمنه من الذي جاءت به وجلبته من قصر أبيها وخزائنه وعرضت ذلك على نور الدين ففرح به غاية الفرح، كل ذلك والريح معتدلٌ والمركب سائرٌ ولم يزالوا سائرين حتى أشرفوا على مدينة إسكندرية وشاهدوا أعلامها القديمة والجديدة وشاهدوا عمود السواري، فلما وصلوا إلى الميناء طلع نور الدين من وقته وساعته على تلك السفينة وربطها في حجر من أحجار القصارين وجلب معه شيئاً من الذخائر التي جاءت بها الجارية معها وقال للسيدة مريم: اقعدي يا سيدتي في السفينة حتى أطلع لك إلى إسكندرية مثل ما أحب وأشتهي فقالت له: ولكن ينبغي أن يكون ذلك بسرعةٍ لأن التراخي في الأمور يورث الندامة فقال لها: ما عندي تراخٍ، فقعدت مريم في السفينة وتوجه نور الدين إلى بيت العطار صاحب أبيه ليستعير لها من زوجته نقاباً وخبرة وخفاً وأزراراً كعادة نساء إسكندرية ولم يعلم بما لم يكن له في حسابٍ من تصرفات الدهر صاحب العجب العجاب. هذا ما كان من أمر نور الدين ومريم الزنارية. وأما من كان من أمر أبيها ملك إفرنجة فأنه لما أصبح الصباح تفقد ابنته مريم فلم يجدها فسأل عنها عند جواريها وخدمها فقالوا له: يا مولانا إنها رحلت بالليل وراحت إلى الكنيسة وبعد ذلك لم نعرف عنها شيئاً، فبينما الملك يتحدث مع الجواري والخدم في تلك الساعة وإذا بصرختين عظيمتين تحت القصر دوى لهما المكان، فقال الملك: ما الخبر؟ فقالوا له: أيها الملك أنه وجد عشرة رجالٍ مقتولين على ساحل البحر وسفينة الملك قد فقدت ورأينا باب الخوخة الذي في الكنيسة من جهة البحر مفتوحاً والأسير الذي كان في الكنيسة يخدمها قد فقد، فقال الملك: إن كانت سفينتي التي في البحر فقدت فبنتي مريم فيها بلا شكٍ ولا ريبٍ.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الخامسة والخمسين بعد الثمانمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن ملك الفرنجة لما فقدت ابنته مريم جاؤوا له بالخبر وقالوا له: أن سفينتك فقدت فقال: إن كانت سفينتي قد فقدت فابنتي فيها بلا شكٍ ولا ريبٍ، ثم أن الملك دعا من وقته وساعته بريس الميناء وقال له: وحق المسيح والدين الصحيح إن لم تلحق سفينتي في هذه الساعة بعسكرٍ وتأتيني بها وبمن فيها لأقتلنك أشنع قتلةٍ وأمثل بك أشنع مثلة، ثم صرخ عليه الملك فذهب من بين يديه وهو يرتعد وطلب العجوز من الكنيسة وقال لها: ما كنت تسمعين من الأسير الذي كان عندك في شأن بلاده ومن أي البلاد هو؟ فقالت له: كان يقول: أنا من مدينة الإسكندرية.

فلما سمع الريس كلام العجوز عاد من وقته وساعته إلى المينة وصاح على البحرية وقال لهم: تجهزوا وحلوا القلوع ففعلوا ما أمرهم به وسافروا ولم يزالوا مسافرين ليلاً ونهاراً حتى أشرفوا على مدينة الإسكندرية في الساعة التي طلع فيها نور الدين من السفينة وترك فيها السيدة مريم وكان من جملة الإفرنج الوزير الأعور الأعرج الذي كان اشتراها من نور الدين فرأوا السفينة مربوطة فعرفوها فربطوا مركبهم بعيداً عنها وأتوا إليها في مركبٍ صغيرٍ من مراكبهم يعوم على ذراعين من الماء وفي ذلك المركب مائة مقاتلٍ ومن جملتهم الوزير الأعور الأعرج لأنه كان جباراً عنيداً وشيطاناً مريداً ولصاً محتالاً لا يقدر أحد على احتياله يشبه أبا محمد البطال.

ولم يزالوا سائرين إلى أن وصلوا إلى فلك السفينة فهجموا عليها وحملوا حملةً واحدةً فلم يجدوا فيها أحداً إلا السيدة مريم فأخذوها هي والسفينة التي هي فيها بعد أن طلعوا على الشاطئ وأقاموا زمناً طويلاً ثم عادوا من وقتهم وساعتهم إلى مراكبهم وقد فازوا ببغيتهم من غير قتال ولا شهر سلاحٍ ورجعوا قاصدين بلاد الروم وسافروا وقد طاب لهم الريح، ولم يزالوا مسافرين على حمايةٍ إلى أن وصلوا إلى مدينة إفرنجة وطلعوا بالسيدة مريم إلى أبيها وهو في تخت مملكته.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة السادسة والخمسين بعد الثمانمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الإفرنج لما طلعوا بالسيدة مريم إلى أبيها وهو على تخت مملكته نظر إليها وقال لها: ويلك يا خائنة كيف تركت دين الأباء والأجداد وحصن المسيح الذي عليه الإعتماد وأتبعت دين الإسلام الذي قام بالسيف على رغم الصليب والأصنام فقالت له مريم: أنا ما لي ذنبٌ لأني خرجت في الليل إلى الكنيسة لأزور السيدة مريم العذراء وأتبرك فيها فبينما أنا في غفلةٍ وإذا بسراقي المسلمين قد هجموا علي وسدوا فمي وشدوا وثاقي ووضعوني في السفينة وسافروا بي إلى بلادهم فخادعتهم وتكلمت معهم في دينهم إلى أن فكوا وثاقي وما صدقت أن رجالك أدركوني وخلصوني وأنا وحق المسيح والدين الصحيح وحق الصليب ومن صلب عليه وقد فرحت بفكاكي من أيديهم غاية الفرح واتسع صدري وانشرح حيث خلصت من أسر المسلمين.

فقال لها أبوها: كذبت يا فاجرة يا عاهرة، وحق ما في محكم الإنجيل من منزل التحريم والتحليل لا بد لي من أن أقتلك أقبح قتلة وأمثل بك أشنع مثلة، أما كفاك الذي فعلتيه في الأول ودخل علينا محالك حتى رجعت إلى بهتانك. ثم أن الملك أمر بقتلها وصلبها على باب القصر فدخل عليه الوزير الأعور في تلك الساعة وكان مغرماً بحبها قديماً وقال له: أيها الملك لا تقتلها وزوجني بها وأنا أحرص عليها غاية الحرص وما أدخل عليها حتى أبني لها قصراً من الحجر الجلمود وأعلي بنيانه حتى لا يستطيع أحدٌ من السارقين الصعود إلى سطحه وإذا فرغت من بنيانه ذبحت على بابه ثلاثين من المسلمين وأجعلهم قرباناً المسيح عني وعنها، فأنعم عليه الملك بزواجها وأذن للقسيسين والرهبان والبطارقة أن يزوجوها له فزوجوها للوزير الأعور وأذن أن يشرعوا لها في بنيان قصر عظيم يليق بها فشرع العمال في العمل. هذا ما كان من أمر الملكة مريم وأبيها والوزير الأعور.

وأما ما كان من أمر نور الدين والشيخ العطار فإن نور الدين لما توجه إلى العطار صاحب أبيه استعار من زوجته أزراراً وخفاً وثياباً كثياب نساء الإسكندرية ورجعه بها إلى البحر وقصد السفينة التي فيها السيدة مريم فوجد الجو قفراً والمزار بعيداً.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة السابعة والخمسين بعد الثمانمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن نور الدين لما رجع إلى البحر وجد الجو قفراً والمزار بعيد صار قلبه حزيناً، فبكى بدموعٍ متواترةٍ وأنشد قول الشاعر:

سرى طيف سعدي طارقاً فاستفزني

 

سحيراً وصحبي في الفلاة رقـود

فلما انتبهنا للخـيال الـذي سـرى

 

أرى الجو قفراً والمـزار بـعـيد

فمشى نور الدين على شاطئ البحر يتلفت يميناً وشمالاً فرأى ناساً مجتمعين على الشاطئ وهم يقولون: يا مسلمين ما بقي لمدينة الإسكندرية حرمةٌ حتى صار الإفرنج يدخلونها ويخطفون من فيها ويعودون إلى بلادهم على هينةٍ ولا يخرج وراءهم أحدٌ من المسلمين ولا من العساكر المغازين، فقال لهم نور الدين: ما الخبر؟ فقالوا له: يا ولدي أن مركباً من مراكب الإفرنج فيه عساكر هجموا في تلك الساعة على تلك المدينة وأخذوا سفينةً كانت راسيةً هنا بمن فيها وراحوا على حماية إلى بلادهم.

فلما سمع نور الدين كلامهم وقع مغشياً عليه، فلما أفاق سألوه عن قضيته فأخبرهم بخبره من الأول إلى الأخر، فلما فهموا خبره صار كل منهم يشتمه ويسبه ويقول له: لأي شيءٍ ما تخرجها إلا بأزرارٍ ونقاب وصار كل واحدٍ من الناس يقول له كلاماً مؤلماً ومنهم من يقول: خليه في حاله يكفيه ما جرى له، وصار كل واحدٍ يوجعه بالكلام ويرميه بسهام الملام حتى وقع مغشياً عليه.

فبينما الناس مع نور الدين على تلك الحالة وإذا بالشيخ العطار مقبلاً فرأى الناس مجتمعين فتوجه إليهم ليعرف الخبر فرأى نور الدين راقداً بينهم وهو مغشيٌ عليه فقعد عند رأسه ونبهه، فلما أفاق قال له: يا ولدي ما هذا الحال الذي أنت فيه؟ فقال له: يا عم إن الجارية التي كانت راحت مني قد جئت بها من مدينة أبيها في مركبٍ وقاسيت ما قاسيت في المجيء بها، فلما وصلت بها إلى هذه المدينة ربطت السفينة في البر وتركت الجارية فيها وذهبت إلى منزلك وأخذت من زوجتك مصالح للجارية لأطلعها بها إلى المدينة فجاء الإفرنج وأخذوا السفينة والجارية فيها وراحوا على حمايةٍ حتى وصلوا إلى مراكبهم، فلما سمع الشيخ العطار من نور الدين هذا الكلام صار الضياء في وجهه ظلام وتأسف على نور الدين تأسفاً عظيماً.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الثامنة والخمسين بعد الثمانمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن العطار لما تأسف على ما جرى لنور الدين قال له: يا ولدي لأي شيءٍ ما أخرجتها من السفينة إلى المدينة من غير أزرار ولكن في هذا الوقت لا ينفع الكلام، قم يا ولدي وأطلع معي إلى المدينة لعل الله يزرقك بجارية أحسن منها فتتسلى بها عنها، والحمد لله ما خسرت فيها شيئاً بل حصل لك الربح فيها، وأعلم يا ولدي أن الإتصال والإنفصال بيد الله المتعال، فقال له نور الدين: والله يا عم إني ما أقدر أن أسلوها أبداً ولا أترك طلبها ولو سقيت من أجلها كأس الردى، فقال له العطار: يا ولدي وأي شيء في ضميرك تريد أن تفعله؟ فقال له: نويت أن أرجع إلى بلاد الروم وأدخل إلى مدينة إفرنجة وأخاطر بنفسي فإما عليها وأما لها، فقال له: يا ولدي إن في الأمثال السائرة: ما كل مرة تسلم الجرة وإن كانوا ما فعلوا بك في المرة الأولى شيئاً ربما يقتلوك في هذه المرة لا سيما وقد عرفوك حق المعرفة.

فقال نور الدين: يا عم دعني أسافر وأقتل في هواها صريعاً ولا أموت بتركها صبراً وتحسيراً. وكان بمصادفة القدر مركباً راسياً في الميناء مجهزاً للسفر وركابه قد قضوا جميع أشغالهم وفي تلك الساعة قلعوا أوتاده وفنزل فيه نور الدين وسافر ذلك المركب مدة أيامٍ وطاب لركابه الوقت والريح.

فبينما هم سائرون وإذا بمركب من مراكب الإفرنج دائر في البحر العجاج لا يرون مركباً إلا ويأسرونه خوفاً على ابنة الملك من سراق المسلمين، وإذا أخذوا مركباً يوصلون جميع من فيه إلى ملك إفرنجة فيذبحهم ويوفي بهم نذره الذي كان قد نذره من أجل ابنته، فرأوا المركب الذي فيه نور الدين فأسروه وأخذوا كل من كان فيه وأتوا بهم إلى الملك أبي مريم، فلما أوقفوه بين يديه وجدهم مائة رجل من المسلمين فأمر بذبحهم في تلك الساعة ومن جملتهم نور الدين فذبحوهم كلهم ولم يبق منهم غير نور الدين وكان الجلاد قد عفا عنه شفقةً عليه لصغر سنه ورشاقة قده.

فلما رآه الملك عرفه حق المعرفة فقال: أما أنت نور الدين الذي كنت عندنا في المرة الأولى وقبل هذه المرة؟ فقال له: ما كنت وليس اسمي نور الدين وإنما اسمي إبراهيم، فقال له الملك: إنك تكذب بل أنت نور الدين الذي وهبتك العجوز القيمة على الكنيسة لتساعدها في خدمة الكنيسة، فقال نور الدين: يا مولاي أنا اسمي إبراهيم، فقال له الملك: إن العجوز قيمة الكنيسة إذا حضرت ونظرتك تعرف هل أنت نور الدين أو غيره.

فبينما هم في الكلام وإذا بالوزير الأعرج الأعور الذي تزوج ابنة الملك قد حضر في تلك الساعة وقبل الأرض بين يدي الملك وقال له: أعلم أن القصر قد فرغ بنيانه وأنت تعرف أني نذرت للمسيح إذا اكتمل بنيانه أن أذبح على بابه ثلاثين مسلماً وقد أتيتك لآخذ من عندك ثلاثين مسلماً فأذبحهم وأوفي بهم نذر المسيح ويكونوا في ذمتي على سبيل القرض ومتى جاءني أسارى أعطيك بدلهم.

فقال الملك: وحق المسيح والدين الصحيح ما بقي عندي غير هذا الأسير وأشار إلى نور الدين وقال له: خذه وأذبحه في هذه الساعة، حتى أرسل إليك البقية إذا جاءني أسارى من المسلمين فعند ذلك قام الوزير الأعور وأخذ نور الدين ومضى به إلى القصر ليذبحه على عتبة بابه فقال له الدهانون: يا مولانا ما بقي علينا من الدهان شغل يومين فاصبر علينا وأخر ذبح هذا الأسير حتى نفرغ من الدهان عسى أن يأتي إليك بقية الثلاثين فتذبح الجميع دفعة واحدة وتوفي بنذرك في يوم واحد، فعند ذلك أمر الوزير بحبس نور الدين.
وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة التاسعة والخمسين بعد الثمانمائة  قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الوزير لما أمر بحبس نور الدين أخذوه مقيداً جائعاً عطشاناً يتحسر على نفسه وقد نظر الموت بعينه، وكان بالأمر المقدر والقضاء المبرم للملك حصانين أخوان شقيقان أحدهما اسمه سابق والأخر لاحق وكانت بحسرة تحصيل واحد منهما لملك الأكاسرة وكان أحدهما أشهب نقياً والآخر أدهم كالليل الحالك وكان ملوك الجزائر جميعاً يقولون: كل من سرق لنا حصاناً من هذين الحصانين نعطيه جميع ما يطلبه من الذهب الأحمر والدر والجواهر فلم يقدر أحد على سرقة واحدٍ من هذين الحصانين فحصل لأحدهما مرض في عينه فأحضر الملك جميع البياطرة لدوائه فعجزوا عنه كلهم فدخل على الملك الوزير الأعور الذي تزوج ابنته فرآه مهموماً من قبل الحصان فأراد أن يزيل همه فقال: أيها الملك أعطني هذا الحصان وأنا أداويه فأعطاه له فنقله في الإصطبل الذي فيه نور الدين، فلما فارق الحصان أخاه صاح صيحةً عظيمةً وصهل حتى أزعج الناس من الصياح فعرف الوزير أنه ما حصل منه هذا الصياح إلا لفراقه من أخيه فراح وأعلم الملك فلما تحقق الملك من كلام الوزير قال: إذا كان ذلك حيواناً ولم يصبر على فراق أخيه فكيف بذوي العقول؟ ثم أمر الغلمان أن ينقلوا الحصان عند أخيه بدار الوزير زوج مريم وقال لهم: قولوا للوزير أن الملك يقول لك أن الحصانين أنعام منه عليك لأجل خاطر ابنته مريم.

فبينما نور الدين نائمٌ في الإصطبل وهو مقيد مكبل إذ نظر الحصانين فوجد على عيني أحدهما غشاوةٌ وكان عنده بعض معرفة بأحوال الخيل وممارسة دوائها فقال في نفسه: هذا والله وقت فرحة فأقوم وأكذب على الوزير وأقول له: أنا أداوي هذا الحصان وأعمل له شيءً يتلف عينيه فيقتلني واستريح من هذه الحياة الذميمة ثم أن نور الدين انتظر الوزير إلى أن دخل الإصطبل ينظر الحصانين فلما دخل قال له نور الدين: يا مولاي أي شيءٍ يكون لي عليك إذا أنا داويت لك هذا الحصان وأعمل لك شيئاً يطيب عينيه؟ فقال له الوزير: وحياة رأسي إن داويته أعتقك من الذبح وأخليك تتمنى علي.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الستين بعد الثمانمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الوزير قال لنور الدين: إن داويت الحصان أعتقك وأخليك تتمنى علي فقال: يا مولاي مر بفك قيدي فأمر الوزير بإطلاقه فنهض نور الدين وأخذ زجاجاً بكراً وسحقه وأخذا جيراً بلا طفء وخلطه بماء البصل ثم وضع الجميع في عيني الحصان وربطهما وقال في نفسه: الآن تغور عيناه فيقتلوني وأستريح من هذه العيشة الذميمة ثم أن نور الدين نام تلك الليلة بقلبٍ خالٍ من وسواس الهم وتضرع إلى الله تعالى وقال: يا رب في علمك ما يغني عن السؤال فلما أصبح الصباح وأشرقت الشمس على الروابي والبطاح جاء الوزير إلى الإصطبل وفك الرباط عن عين الحصان، ونظر إليهما فرآهما أحسن عيون ملاح بقدرة الملك الفتاح، فقال له الوزير: يا مسلم ما رأيت في الدنيا مثلك في حسن معرفتك، وحق المسيح والدين الصحيح أنك أعجبتني غاية الإعجاب فإنه عجز عن دواء هذا الحصار كل بيطار في بلادنا ثم تقدم إلى نور الدين وحل قيده بيده ثم ألبسه حلةً سنيةً وجعله ناظراً على خيله ورتب له مرتبات وجرايات وأسكنه في طبقة على الإصطبل وكان في القصر الجديد الذي بناه للسيدة مريم شباكً مطلٍ على بيت الوزير وعلى الطبقة التي فيه نور الدين.

فقعد نور الدين مدة أيام يأكل ويشرب ويتلذذ ويطرب ويأمر وينهي على خدمة الخيل وكل من غاب منهم ولم يعلق على الخيل المربوطة على الطوال التي فيها خدمته يرميه ويضربه شرباً شديدا ويضع في رجليه القيد الحديد وفرح الوزير بنور الدين غاية الفرح واتسع صدره وانشرح ولم يدر ما يؤول أمره إليه وكان نور الدين كل يومٍ ينزل إلى الحصانين ويمسحهما بيده لما يعلم من معزتهما عند الوزير ومحبته لهما وكان للوزير الأعور بنت بكر في غاية الجمال كأنها غزال شاردٌ أو غصنٌ مائدٌ فاتفق أنها كانت جالسة ذات يوم من الأيام في الشباك المطل على بيت الوزير وعلى المكان الذي فيه نور الدين إذ سمعت نور الدين يغني ويسلي نفسه على المشقات.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الحادية والستين بعد الثمانمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن بنت الوزير الأعور سمعت نور الدين يسلي نفسه على المشقات بإنشاد هذه الأبيات:

يا عـاذلاً أصـبـح فـي ذاتـه

 

منـعـمـاً يزهـو بـلـذاتـه

لو عضدك الـدهـر بـآفـاتـه

 

لقلـت مـن ذوق مـرارتـه

آهٍ من الـعـشـق وحـرارتـه

 

أحرق قلـبـي بـحـرارتـه

لكن سلمت الـيوم مـن غـدره

 

ومن تنـاهـيه ومـن جـوره

فلا تسلم من حـار فـي أمـره

 

وقال من فرط صـبـابـاتـه

آهٍ من الـعـشـق وحـرارتـه

 

أحرق قلـبـي بـحـرارتـه

كن عاذر العشاق في حالـهـم

 

وتكن عوباً علـى عـذلـهـم

إياك أن تشتد فـي حـبـلـهـم

 

مجرعاً من مـر لـوعـاتـه

آهٍ من الـعـشـق وحـرارتـه

 

أحرق قلـبـي بـحـرارتـه

قد كنت قبلـك بـين الـعـبـاد

 

كمثل من بات خلـي الـفـؤاد

لم أعرف العشق وطعم السهـاد

 

حتى دعانـي لـمـقـامـاتـه

آهٍ من الـعـشـق وحـرارتـه

 

أحرق قلـبـي بـحـرارتـه

لم يدر الـعـشـق ومـا ذلـه

 

إلا الذي أقـسـمـه طـولـه

رضاع منه في الهوى عقـلـه

 

وشربه من مـر جـرعـاتـه

آهٍ من الـعـشـق وحـرارتـه

 

أحرق قلـبـي بـحـرارتـه

كم عين صب في الدجى أسهرا

 

وأحرم الجفن لـذيذ الـكـرى

ركم أسـأل دمـعـه أنـهـراً

 

تجري على الخد بلـوعـاتـه

آهٍ من الـعـشـق وحـرارتـه

 

أحرق قلـبـي بـحـرارتـه

كم في الورى من مغرمٍ مستهامٍ

 

سهران من وجدٍ بعيد المـنـام

ألبسه ثوب الضنى والـسـقـام

 

من قد نفى عنه مـنـامـاتـه

آهٍ من الـعـشـق وحـرارتـه

 

أحرق قلـبـي بـحـرارتـه

كم قل صبري وبري عظـمـي

 

وسال دمعي منه كـالـعـنـدم

مهفهفٌ مر من مـطـعـمـي

 

ما كان حلواً فـي مـذاقـاتـه

آهٍ من الـعـشـق وحـرارتـه

 

أحرق قلـبـي بـحـرارتـه

مسكينٌ من في الناس مثلي عشق

 

وبات في جنح اللـيالـي أرق

أن عام في بحر التجافي غـرقٌ

 

يشكوا من العشق وزفـراتـه

آهٍ من الـعـشـق وحـرارتـه

 

أحرق قلـبـي بـحـرارتـه

من ذا الذي بالعشق لـم يبـتـل

 

ومن نجا من كـيده الأسـهـل

ومن به يعيش عيش الـخـلـى

 

وأين مـن فـاز بـراحـاتـه

آهٍ من الـعـشـق وحـرارتـه

 

أحرق قلـبـي بـحـرارتـه

يا رب دبر من بـه قـد بـلـى

 

وكفله نعم أنـت مـن كـافـل

ورزقه منك باللمات الـجـلـى

 

وألطف به في كـل أوقـاتـه

آهٍ من الـعـشـق وحـرارتـه

 

أحرق قلـبـي بـحـرارتـه

فلما استتم نور الدين أقصى كلامه وفرغ من شعره ونظامه قالت في نفسها بنت الوزير: وحق المسيح والدين الصحيح أن هذا المسلم شابٌ مليحٌ ولكنه لا شك عاشقٌ مفارقٌ فيا ترى معشوق هذا الشاب مليح مثله وهل عنده مثل ما عنده أم لا؟ فإن كان معشوقه مليح مثله يحق له إسالة العبرات وشكوى الصبابات وإن كان غير مليحٍ فقد ضيع عمره في الحسرات وحرم طعم اللذات.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الثانية والستين بعد الثمانمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن بنت الوزير قالت في نفسها: فإن كان معشوقه مليحاً يحق له إسالة العبرات وإن كان غير مليح فقد ضيع عمره في الحسرات وكانت مريم الزنارية زوجة الوزير قد نقلت إلى القصر مساء ذلك اليوم وعلمت منها بنت الوزير ضيق الصدر فعزمت أن تذهب إليها وتحدثها بخبر هذا الغلام وما سمعت منه من النظام فما استتمت الفكر في هذا الكلام حتى أرسلت خلفها السيدة مريم زوجة أبيها لأجل أن تؤانسها، بالحديث فذهبت إليها فرأت صدرها ضيقاً ودموعها جاريةٌ على خديها وهي تبكي بكاءً شديداً ما عليه من مزيد، فقالت لها بنت الوزير: أيتها الملكة لا تضيقي صدراً وقومي معي في هذه الساعة إلى شباك القصر فإن عندنا في الإصطبل شاباً مليحاً رشيق القوام حلو الكلام كأنه عاشقٌ مفارق، فقالت لها السيدة مريم: بأي علامةٍ عرفت أنه عاشقٌ مفارق؟ فقالت لها بنت الوزير: أيتها الملكة عرفت ذلك بإنشاد القصائد والأشعار أثناء الليل وأطراف النهر فقالت السيدة مريم في نفسها: إن كان قول بنت الوزير بيقين فهذه صفات الكئيب المسكين علي نور الدين فيا هل ترى هو ذلك الشاب الذي ذكرته بنت الوزير؟ ثم أن السيدة مريم زاد بها العشق والهيام والوجد والغرام فقامت من وقتها وساعتها ومشت مع بنت الوزير إلى الشباك ونظرت منه فرأته محبوبها وسيدها نور الدين ودققت النظر فيه فعرفته حق المعرفة ولكنه سقيمٌ من كثرة عشقه لها ومحبته إياها ومن نار الوجد وألم الفراق والوله والإشتياق قد زاد به النحول فصار ينشد ويقول:

القلب مملوك وعينـي جـاريةٍ

 

ليس لها سـحـابة مـجـاريه

بين بكائي وسهـادي والـجـوى

 

والنوح والحزن على أحبـابـه

وأحرقتي وأحسرتي وألوعـتـي

 

تكاملت أعـدادهـا ثـمـانـيه

وأتابعهـا سـتة فـي خـمـسةٍ

 

إلا قفوا واستمعـوا مـقـالـيه

ذكرٌ وفكـرٌ وزفـيرٌ وظـنـى

 

وفرط شوقٍ واشتغـال بـالـيه

في محـنةٍ وغـربةٍ وصـبـوةٍ

 

ولـهـفةٍ وفـرحةٍ تـوانــيه

قل اصطباري واحتمالي للجوى

 

لما نأى صبري دنا مـحـالـيه

قد زاد في قلبي تباريح الجـوى

 

يا سائلاً عن نار قلبي ما هـيه

ما بال دمعي موقداً في مهجتـي

 

فنار قلبي لا تـزال حـامـيه

أصبحت في طوفان دمعي غارقاً

 

ومن لظى هذا الهوى في هاويه

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الثالثة والستين بعد الثمانمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن نور الدين لما فرغ من شعره وتحققت منه السيدة مريم فرأته سيدها نور الدين وسمعت بليغ شعره وبديع نثره تحققت أنه هو ولكنها أخفت أمرها عن بنت الوزير وقالت لها: وحق المسيح والدين الصحيح ما كنت أحسب أن عندك خبراً بضيق صدري ثم نهضت من وقتها وساعتها وقامت من الشباك ورجعت إلى مكانها ومضت بنت الوزير إلى شغلها ثم صبرت السيدة مريم ساعةً زمانيةً ورجعت إلى الشباك وجلست فيه وصارت تنظر إلى سيدها نور الدين وتتأمل في لطفه ورقه معانيه فرأته كالبدر إذا بدر في ليلة أربعة عشر ولكنه دائم الحسرات جاري العبرات لأنه تذكر ما فات فأنشد هذه الأبيات:

أملت وصل أحبتي ما نـلـتـه

 

أبداً ومر العيش قد أوصلـتـه

 

دمعي تحاكي البحر في جريانـه

 

وإذا رأيت عواذلي كفكـفـتـه

 

آهٍ على داعٍ دعـا تـفـراقـنـا

 

لو نلت منه لسانه لقطـعـتـه

 

إلا عتب للأيامٍ في أفعـالـهـا

 

مزجت بصرف المر ما جرعته

 

فلمن أسير إلى سواكم قـاصـداً

 

والقلب في عرصاتكم خلفـتـه

 

من منصفي من ظالمٍ متحـكـمٍ

 

يزداد ظلماً كلما حـكـمـتـه

 

ملكته روحي ليحفظ مـلـكـه

 

فأضاعني وأضاع ما ملكـتـه

 

أنفقت عمري في هواه وليتنـي

 

أعطي وصولاً بالذي أنفقـتـه

 

يا أيها الرشا المسلم بمهجـتـي

 

يكفي من الهجران ما قد ذقتـه

 

أنت الذي جمع المحاسن وجهـه

 

لكن عليه تصبري فـرقـتـه

 

أحللته قلبي فحـل بـه الـبـلا

 

أني لراضٍ بالذي أحـلـلـتـه

 

وجرت دموعي مثل بحرٍ زاخرٍ

 

لو كنت أعرف مسلكي لسلكته

وخشيت خوفاً أن أموت بحسرةٍ

 

ويفوت مني كل ما أمـلـتـه

           

فلما سمعت مريم من نور الدين العاشق المفارق المسكين، إنشاد هذه الأشعار حصل عندها من كلامه استعبار فأفاضت دمع العين، وأنشدت هذين البيتين:

تمنيت من أهوى فما لـقـيتـه

 

ذهلت فلم أملك لساناً ولا طرفا

وكنت معدا للعـتـاب دفـاتـراً

 

فلما اجتمعنا ما وجدت ولا حرفا

فلما سمع نور الدين كلام السيدة مريم عرفها فبكى بكاءً شديداً وقال والله إن هذه نغمة السيدة مريم الزنارية بلا شكٍ ولا رجم غيبٍ.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الرابعة والستين بعد الثمانمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن نور الدين لما سمعها تنشد الأشعار قال في نفسه: إن هذه نغمة السيدة مريم بلا شكٍ ولا ريبٍ ولا رجم غيبٍ فيا ترى هل ظني صحيحٌ وأنها هي بعينها أو غيرها ثم أن نور الدين زادت به الحسرات وأنشد هذه الأبيات:

لما أرآني لائمي في الـهـوى

 

صادفت حبي في مكان رحيب

ولم أفه بالعتب عنـد الـلـقـا

 

ورب عتب فيه يراه الـكـئيب

فقال ما هذا السـكـوت الـذي

 

صدك عن رد الجواب المصيب

فقلت يا من قد غـدا جـاهـلاً

 

بحال أهل العشق كالمستـريب

علامة العاشق في عـشـقـه

 

سكوته عند لقـاء الـحـبـيب

فلما فرغ من شعره أحضرت السيدة مريم دواةٍ وقرطاساً وكتبت فيه البسملة الشريفة أما بعد، فسلامٌ الله عليك ورحمته وبركاته أخبرك أن الجارية مريم تسلم عليك وهي كثيرة الشوق إليك وهذه مراسلتها إليك فساعة وقوع هذه الورقة بين يديك انهض من وقتك وساعتك واهتم بما تريده منك غاية الاهتمام والحذر كل الحذر من المخالفة ومن أن تنام فإذا مضى ثلث الليل الأول فإن تلك الساعة من أسعد الأوقات فلا يكن لك فيها شغل إلا أن تشد الفرسين وتخرج بهما خارج المدينة وكل من قال لك: أين أنت رائحٌ؟ فقل له: أنا رائحٌ أسيرهما فإذا قلت ذلك لا يمنعك أحدٌ فإن أهل المدينة واثقون بقفل الأبواب.

ثم أن السيدة مريم لفت الورقة في منديل حريرٍ ورمتها إلى نور الدين من الشباك فأخذها وقرأها وفهم ما فيها وعرف أنها خط السيدة مريم فقبلها ووضعها بين عينيه، ثم أن نور الدين لما جن عليه الليل اشتغل بإصلاح الحصانين وصبر حتى مضى من الليل ثلثه الأول ثم قام من وقته وساعته إلى الحصانين ووضع عليهما سرجين من أحسن السروج وخرج بهما من باب الإصطبل وقفل الباب وسار بهما إلى باب المدينة وجلس ينتظر السيدة مريم.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الخامسة والستين بعد الثمانمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن نور الدين لما صار بالحصانين إلى باب المدينة جلس ينتظر السيدة مريم. هذا ما كان من أمر نور الدين.

وأما ما كان من أمر الملكة مريم فأنها ذهبت من وقتها ساعتها إلى المجلس الذي هو معد لها في ذلك القصر فوجدت الوزير الأعور جالساً في ذلك المجلس متكئاً على مخدةٍ محشوةٍ من ريش النعام وهو مستح أن يمد يده إليها أو يخاطبها فلما رأته ناجت ربها وقالت: اللهم لا تبلغه مني أربا ولا تحكم علي بالنجاسة بعد الطهارة ثم أقبلت عليه وأظهرت له المودة وجلست في جانبه ولاطفته وقالت له: يا سيدي ما هذا الأعراض عنا؟ هل هو منك تيهٌ ودلالٌ علينا ولكن صاحب المثل السائر يقول: إذا بار السلام سلمت العقود على القيام فإن كنت يا سيدي ما تجيء عندي وتخاطبني أجيء أنا وأخاطبك فقال الوزير: الفضل والجميل لك يا ملكة الأرض في الطول والعرض وهل أنا إلا من خدامك وأقل غلمانك وإنما أنا مستحٍ أن أتجهم على مكانتك الفخمة أيتها اليتيمة الدرة ووجهي منك في الأرض فقالت له: دعنا من هذا الكلام وأتنا بالمأكل والمشرب. فعند ذلك صاح الوزير على جواريه وخدمه وأمرهم بإحضار المأكل والمشرب فقدموا له سفرةً فيها ما درج وطار وسبح في البحار من قطا وسمان وأفراخ الحمام ورضيع الضأن وأوزٍ سمينٍ وفيها دجاجٍ محمرٍ وفيها من سائر الأشكال والألوان فمدت السيدة مريم يدها إلى السفرة وأكلت وصارت تلقم الوزير وتبوسه في فمه وما زالا يأكلان حتى اكتفيا من الأكل.

ثم غسلا أيديهما وبعد ذلك رفع الخدم سفرة الطعام وأحضروا سفرة المدام فصارت مريم تملأ وتشرب وتسقيه وقامت بخدمته حق القيام حتى كاد أن يطير قلبه من الفرح واتسع صدره وانشرح فلما غاب عقله عن الصواب وتمكن منه الشراب مدت يدها إلى جيبها وأخرجت منه قرصاً من البنج البكر المغربي الذي إذا شم منه الفيل أدنى رائحةٍ نام من العام إلى العام وكانت أعدته لهذه الساعة.

ثم غافلت الوزير وفركته في القدح وملأته وأعطته إياه فطار عقله من الفرح وما صدق أنها ناولته إياه فأخذ القدح وشربه فما استقر في جوفه حتى خر صريعاً على الأرض في الحال فقامت السيدة مريم على قدميها وعمدت إلى خرجين كبيرين وملأتهما مما خف حمله وغلا ثمنه من الجواهر واليواقيت وأصناف المعادن الثمينة.

ثم حملت معها شيئاً من المأكل والمشرب ولبست آلة الحرب والكفاح من العدة والسلاح وأخذت معها لنور الدين ما يسره من الملابس الملوكيه الفاخرة وأهبة السلاح الباهرة ثم أنها رفعت الخرجين على أكتافها وخرجت من القصر وكانت ذات قوة وشجاعة وتوجهت إلى نور الدين. هذا ما كان من أمر مريم، وأما ما كان من أمر نور الدين.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة السادسة والستين بعد الثمانمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن مريم لما خرجت من القصر توجهت إلى نور الدين وكانت ذات قوةٍ وشجاعةٍ هذا ما كان من أمر مريم.

وأما ما كان من أمر نور الدين العاشق المسكين فإنه قعد على باب المدينة ينتظرها ومقاود الحصانين في يده فأرسل الله عز وجل عليه النوم فنام وسبحان من لا ينام وكانت ملوك الجزائر في ذلك الزمان يبذلون المال رشوة على سرقة هذين الحصانين أو واحدٌ منهما.

وكان موجوداً في تلك الأيام عبدٌ أسود تربى في الجزائر يعرف بسرعة الخيل فصار ملوك الإفرنج يرشونه بمالٍ كثيرٍ لأجل أن يسرق أحد الحصانين ووعده أنه إذا سرق الحصانين يعطوه جزيرة كاملة ويخلعوا عليه خلعاً سنية وقد كان لذلك العبد زمانٌ طويلٌ يدور في مدينة إفرنجة وهو مختفٍ فلم يقدر على أخذ الحصانين وهما عند الملك فلما وهبهما للوزير الأعور ونقلهما إلى إصطلبه فرح فرحاً شديداً وطمع في أخذهما وقال: وحق المسيح والدين الصحيح لأسرقهما.

ثم أن العبد خرج في تلك الليلة قاصداً ذلك الإصطبل ليسرق الحصانين فبينما هو ماش في الطريق إذ لاحت منه التفاته فرأى نور الدين نائماً ومقاود الحصانين في يده فنزع المقاود من رؤوسها وأراد أن يركب واحداً ويسوق الآخر قدامه وإذا بالسيدة مريم قد أقبلت وهي حاملة الخرجين على كتفها فظنت أن العبد هو نور الدين فناولته أحد الخرجين فوضعه على الحصان، ثم ناولته الثاني فوضعه على الحصان الآخر وهو ساكت وهي تظن أنه نور الدين ثم أنها خرجت من باب المدينة والعبد ساكتٌ فقالت له: يا سيدي نور الدين ما لك ساكتاً؟ فالتفت العبد إليها وهو مغضب وقال لها: أي شيءٍ تقولين يا جارية؟ فسمعت بربرة العبد فعرفت أنها غير لغة نور الدين فرفعت رأسها إليه ونظرته فوجدت له مناخير كالإبريق فلما نظرته صار الضياء في وجهها ظلام فقالت له: من تكون يا شيخ بني حام؟ وما اسمك بين الآنام؟ فقال له: يا بنت اللئام أنا اسمي مسعود سراق الخيل والناس نيام فما ردت عليه بشيءٍ من الكلام بل جردت من وقتها الحسام وضربته على عاتقه فطلع يلمع من علائقه فوقع صريعاً على الأرض يتخبط بدمه وعجل الله بروحه إلى النار وبئس القرار.

فعند ذلك أخذت السيدة مريم الحصانين وركبت واحداً منهما وقبضت الآخر في يدها ورجعت على عقبها تفتش على نور الدين فلقيته راقدا في المكان الذي واعدته بالاجتماع فيه والمقاود في يده وهو نائمٌ يغط في نومه ولم يعرف يديه من رجليه فنزلت عن ظهر الحصان ولكزته بيدها فانتبه من نومه مرعوباً وقال لها: يا سيدتي الحمد لله على مجيئك سالمة فقالت له: قم اركب هذا الحصان وأنت ساكتٌ فقام وركب الحصان والسيدة مريم ركبت الحصان الثاني وخرجا من المدينة وسارا ساعةً زمانيةً وبعد ذلك التفتت مريم إلى نور الدين وقالت له: أما قلت لك لا تنم فإنه لا أفلح من ينام؟ فقال: يا سيدتي أنا ما نمت إلا من برد فؤادي بميعادك وأي شيءٍ جرى يا سيدتي؟ فأخبرته بحكاية العبد من المبتدأ إلى المنتهى.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة السابعة والستين بعد الثمانمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن السيدة مريم لما أخبرت نور الدين بحكاية العبد من المبتدأ إلى المنتهى فقال لها نور الدين: الحمد لله على السلامة ثم جدا في إسراع المسير وقد أسلما أمرهما إلى اللطيف الخبير وصارا يتحدثان حتى وصلا إلى العبد الذي قتلته السيدة مريم فرآه مرمياً في التراب كأنه عفريتٌ فقالت مريم لنور الدين: أنزل جرده من ثيابه وخذ سلاحه فقال لها: يا سيدتي والله أنا لا أقدر أن أنزل عن ظهر الحصان ولا أقف عنده ولا أقترب منه وتعجب نور الدين من خلقته وشكر السيدة مريم على فعلها وتعجب من شجاعتها وقوة قلبها.

ثم سارا ولم يزالا سائرين سيراً عنيفاً بقية الليل إلى أن أصبح الصباح وأضاء بنوره ولاح وانتشرت الشمس على الروابي والبطاح فوصلا إلى مرجٍ فسيحٍ فيه الغزلان تمرح وقد أخضرت منه الجوانب وتشكلت فيه الأثمار من كل جانب وأزهاره كبطون الحيات والطيور فيه عاكفات وجداوله تجري مختلفة الصفات فعند ذلك نزلت السيدة مريم هي ونور الدين ليستريحا في ذلك الوادي فأكلا من أثماره وشربا من أنهاره وأطلقا الحصانين يأكلان في المرعى فأكلا وشربا من ذلك الوادي وجلس نور الدين هو ومريم يتحدثان ويتذكران حكايتهما وما جرى لهما وكلٌ منهما يشكوا لصاحبه ما لاقاه من ألم الفراق وما قاسها من الإشتياق فبينما هما كذلك وإذا بغبار قد ثار حتى سد الأقطار وسمعا صهيل الخيل وقعقعة السلاح وكان السبب في ذلك أن الملك لما زوج ابنته للوزير ودخل عليها في تلك الليلة وأصبح الصباح أراد الملك أن يصبح عليها كما جرت به عادة الملوك في بناتهم فقام وأخذ معه أقمشة الحرير وتبر الذهب والفضة ليتخاطفها الخدمة والمواشط ولم يزل الملك يتمشى هو وبعض الغلمان إلى أن وصل إلى القصر الجديد فوجد الوزير مرمياً على الفراش لا يعرف رأسه من رجليه فالتفت الملك في القصر يميناً وشمالاً فلم ير ابنته فيه فتكدر حاله وانشغل باله وأمر بإحضار الماء الساخن والخل البكر والكندر فلما أحضر له ذلك خلطهم ببعضهم وسمط الوزير بهم ثم هزه فخرج البنج من جوفه كقطع الجبن ثم أن الملك سمط الوزير بذلك ثاني مرة فانتبه فسأله عن حاله وعن حال ابنته فقال له: أيها الملك الأعظم لا علم لي بها غير أنها أسقتني قدحاً من الخمر بيدها فمن ذلك الوقت ما عرفت روحي إلا في هذه الساعة ولا أعلم ما كان من أمرها.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الثامنة والستين بعد الثمانمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الوزير قال للملك: إن مريم من ساعة ما أعطتني قدح الخمر ما عرفت روحي إلا في هذا الوقت ولا أعلم ما كان من أمرها فلما سمع الملك كلام الوزير صار الضياء في وجهه ظلاماً وسحب السيف وضرب به الوزير على رأسه فخرج يلمع من أضراسه ثم أن الملك أرسل من وقته وساعته إلى الغلمان والسياس فلما حضروا طلب منهم الحصانين فقالوا له: أيها الملك إن الحصانين فقدا في هذه الليلة وكبيرنا فقد معهما أيضاً فإننا أصبحنا وجدنا الأبواب كلها مفتوحةً فقال الملك: وحق ديني وما يعتقده يقيني ما أخذ الحصانين إلا ابنتي هي والأسير الذي كان يخدم الكنيسة وكان قد أخذها في المرة الأولى وعرفته حق المعرفة ولم يخلصه من يدي إلا هذا الوزير الأعور وقد جوزي بفعله، ثم أن الملك دعا في الوقت بأولاده الثلاثة وكانوا أبطالاً وشجعاناً كل واحدٍ منهم يقوم بألف فارسٍ في حومة الميدان ومقام الضرب والطعان ثم صاح الملك عليهم وأمرهم بالركوب فركبوا وركب الملك بجملتهم مع خواص بطارقته وأرباب دولته وأكابرهم وصاروا يتبعون أثرهما فلحقوهما في ذلك الوادي فلما رأتهم مريم نهضت وركبت جوادها وتقلدت بسيفها وحملت آلة سلاحها وقالت لنور الدين: ما حالك وكيف قلبك في القتال والحرب والنزال؟ فقال لها: إن ثباتي في النزال مثل ثبات الوتد في النخال ثم أنشد وقال:

يا مريم أطرحي أليم عـتـابـي

 

لا تقصدي قتلي وطول عذابـي

من أين لي أني أكون محـاربـاً

 

إني لأفزع من نعـاق غـراب

وإذا نظرت الفأر أفـزع خـيفةً

 

وأبول من خوفي على أثوابـي

أنا لا أحب الطعـن إلا خـلـوةً

 

والكس يعرف سطوة الأزبـاب

هذا هو الرأي السديد ومـا يرى

 

من دون هذا الرأي غير صواب

فلما سمعت مريم من نور الدين هذا الكلام والشعر والنظام أظهرت له الضحك والإبتسام وقالت له: يا سيدي نور الدين استقم مكانك وأنا أكفيك شرهما ولو كانوا عدد الرمل، ثم أنها تهيأت من وقتها وساعتها وركبت ظهر جوادها وأطلقت من يدها طرف العنان وأدارت الرمح جهة السنان فخرج ذلك الحصان من تحتها كأنه الريح الهبوب، أو الماء إذا اندفق من ضيق الأنبوب وقد كانت مريم أشجع أهل زمانها وفريدة عصرها وأوانها لأن أباها علمها وهي صغيرة الركوب على ظهور الخيل والخوض بحومة الميدان في ظلام الليل وقالت لنور الدين: اركب جوادك وكن خلف ظهري وإذا انهزمنا فأحرص على نفسك من الوقوع فإن جوادك ما يلحقه لاحق.

فلما نظر الملك إلى ابنته مريم عرفها غاية المعرفة والتفتت إلى ولده الأكبر وقال له: يا برطوط يا ملقب برأس القلوط إن هذه أختك مريم لا شك فيها ولا ريب وقد حملت علينا وطلبت حربنا وقتالنا فأبرز أليها وأحمل عليها وحق المسيح والدين الصحيح أنك أن ظفرت بها لا تقتلها حتى تعرض عليها دين النصارى فإن رجعت إلى دينها القديم فأرجع بها أسيرةً وإن لم ترجع إليها فأقتلها أقبح قتلة ومثل بها أشنع مثلة وكذلك هذا الملعون الذي معها مثل به أقبح مثلة، فقال له برطوط: ال