حكاية عبد الله بن فاضل عامل البصرة مع أخويه

حكاية عبد الله بن فاضل عامل البصرة مع أخويه

ومما يحكى أيضاً أيها الملك السعيد أن الخليفة هارون الرشيد تفقد خراج البلاد يوماً من الأيام فرأى خراج جميع الأقطار والبلاد جاء إلى بيت المال إلا خراج البصرة فأنه لم يأت في ذلك العام فنصب ديواناً لهذا السبب وقال علي بالوزير فحضر بين يديه فقال له أن خراج جميع الأقطار جاء إلى بيت المال إلا خراج البصرة فأنه لم يأت منه شيءٌ فقال يا أمير المؤمنين لعل نائب البصرة حصل له أمر ألهاه عن إرسال الخراج فقال له أن مدة حضور الخراج عشرون يوماً فما عذره في هذه المدة حتى لم يرسل الخراج أو يرسل بإقامة العذر فقال له يا أمير المؤمنين أن شئت أرسلنا إليه رسولاً فقال أرسل له أبا اسحق الموصلي النديم فقال: سمعاً وطاعةً لله ولك يا أمير المؤمنين.

ثم أن الوزير جعفر نزل إلى داره وأحضر أبا اسحق الموصلي النديم وكتب له خطاً شريعاً، وقال له امض إلى عبد الله بن فاضل نائب مدينة البصرة وانظر ما الذي ألهاه عن إرسال الخراج ثم تسلم منه خراج البصرة بالتمام والكمال وائتني به سريعاً فأن الخليفة تفقد خراج الأقطار فوجده قد وصل إلا خراج البصرة وأن رأيت الخراج غير حاضرٍ واعتذر إليك بعذرٍ فهاته معك ليخبر الخليفة بالعذر من لسانه فأجاب بالسمع والطاعة وأخذ خمسة آلاف فارسٍ من عسكر الخليفة وسافر حتى وصل إلى مدينة البصرة فعلم بقدومه عبد الله بن فاضل فخرج بعسكره إليه ولاقاه ودخل به البصرة وطلع به قصره وبقية العسكر نزلوا في الخيام خارج البصرة وقد عين لهم ابن الفاضل جميع ما يحتاجون إليه ولما دخل أبو اسحق الديوان وجلس على الكرسي أجلس عبد الله بن فاضل بجانبه وجلس الأكابر حوله على قدر مراتبهم. ثم بعد السلام قال له ابن فاضل يا سيدي هل لقدومك علينا من سببٍ قال نعم إنما جئت لطلب الخراج فأن الخليفة سأل عنه ومدة وروده قد مضت فقال يا سيدي يا ليتك ما تعبت ولا تحملت مشقة السفر فأن الخراج حاضرٌ بالتمام والكمال وقد كنت عازماً أن أرسله في غدٍ ولكن حيث أتيت فأنا أسلمه إليك بعد ضيافتك ثلاثة أيام، وفي اليوم الرابع أحضر الخراج بين يديك ولكن وجب علينا الآن أننا نقدم إليك هديةً من بعض خيرك وخير أمير المؤمنين فقال لا بأس بذلك، ثم أنه فض الديوان ودخل به قصراً في داره ليس له نظيرٌ ثم قدم له ولأصحابه سفرة الطعام فأكلوا وشربوا وتلذذوا وطربوا ثم رفعت المائدة وغسلت الأيادي وجاءت القهوة والشربات وقعدوا في المنادمة إلى ثلث الليل، ثم فرشوا له سريراً من العاج مرصعاً بالذهب الوهاج فنام عليه ونام نائب البصرة على سريرٍ آخر بجانبه فغلب السهر على ابن اسحق رسول أمير المؤمنين وصار يفكر في بحور الشعر والنظام لأنه من خواص ندماء الخليفة وكان له باعٌ عظيمٌ في الأشعار ولطائف الأخبار ولم يزل سهراناً في إنشاد الشعر إلى نصف الليل فبينما هو كذلك وإذا بعبد الله بن فاضل قام وشد حزامه وفتح دولاباً وأخذ منه سوطاً وأخذ شمعةً مضيئةً وخرج من باب القصر وهو يظن أن أبا اسحق نائم.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الثالثة والسبعين بعد التسعمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن عبد الله بن فاضل لما خرج من باب القصر وهو يظن أن أبا اسحق النديم نائماً فلما خرج تعجب أبو اسحق وقال في نفسه إلى أين يذهب عبد الله ابن فاضل بهذا السوط فلعل مراده أن يعذب أحداً ولكن لا بد لي من أن أتبعه وانظر ما يصنع في هذه الليلة ثم أن أبا اسحق قام وخرج وراءه قليلاً قليلاً بحيث أنه لم يره فرأى عبد الله فتح خزانةً وأخرج منها مائدةً فيها أربعة أصحن من الطعام وخبزاً وقلةً فيها ماءٍ ثم أنه حمل المائدة والقلة ومشى فتبعه أبو اسحق مستخفياً إلى أن دخل قاعة فوقف أبو اسحق خلف باب القاعة من داخل وصار ينظر من خلال ذلك الباب فرأى هذه القاعة واسعةً ومفروشةً فرشاً فاخراً وفي وسط القاعة سريرٌ من العاج مصفحٌ بالذهب الوهاج وذلك السرير مربوطٌ فيه كلبان في سلسلتين من الذهب ثم أنه رأى عبد الله حط المائدة على جانبٍ في مكانٍ وشمر عن أياديه وفك الكلب الأول فصار يتلوى في يده ويضع وجهه في الأرض كأنه يقبل بين يديه ويعوي عواءً خفيفاً بصوتٍ ضعيفٍ ثم أنه كتفه ورماه في الأرض وسحب السوط ونزل به عليه وضربه ضرباً وجيعاً من غير شفقةٍ وهو يتلوى بين يديه ولا يجد له خلاصاً ولم يزل يضربه بذلك السوط حتى قطع الأنين وغاب عن الوجود ثم أنه أخذه وربطه في مكانه وبعد ذلك أخذ الكلب الثاني وفعل به كما فعل بالأول ثم أنه أخرج محرمةً وصار يمسح لهما دموعهما ويأخذ بخاطرهما ويقول لا تؤاخذني والله ما هذا بخاطري ولا يسهل علي ولعل الله يجعل لكما من هذا الضيق فرجاً ومخرجاً ويدعوا لهما وحصل كل هذا وأبو اسحق النديم واقفٌ يسمع بأذنه ويرى بعينه وقد تعجب من هذه الحالة ثم أنه قدم لهما سفرة الطعام وصار يلقمهما بيده حتى شبعا ومسح لهما أفواههما وحمل القلة وسقاهما وبعد ذلك حمل المائدة والقلة والشمعة وأراد أن يخرج فسبقه أبو اسحق وجاء إلى سريره ونام ولم يعرف أنه تبعه وأطلع عليه ثم أن عبد الله وضع السفرة والقلة في الخزانة ودخل القاعة وفتح الدولاب ووضع السوط في محله وقلع حوائجه ونام هذا ما كان من أمره.

وأما ما كان من أمر أبي اسحق فأنه بات بقية تلك الليلة يفكر في شأن هذا الأمر ولم يأته نومٌ من كثرة العجب وصار يقول في نفسه يا ترى ما سبب هذه القضية ولم يزل يتعجب إلى الصباح ثم قاموا وصلوا الصبح ووضع لهم الفطور فأكلوا وشربوا القهوة وطلعوا إلى الديوان واشتغل أبو اسحق بهذه النكتة طول النهار ولكنه كتمها ولم يسأل عبد الله عنها وثاني ليلة فعل بالكلبتين كذلك فضربهما ثم صالحهما وأطعمهما وسقاهما وتبعه أبو اسحق فرآه فعل بهما كأول ليلةٍ وكذلك ثالث ليلةٍ. ثم أنه أحضر الخراج إلى أبي اسحق النديم في رابع يومٍ فأخذه وسافر، ولم يزل مسافراً حتى وصل إلى مدينة بغداد وسلم الخراج إلى الخليفة ثم أن الخليفة سأله عن سبب تأخير الخراج فقال له يا أمير المؤمنين رأيت عامل البصرة قد جهز الخراج وأراد إرساله ولو تأخرت يوماً لقابلني في الطريق ولكن رأيت من عبد الله بن فاضل عجباً عمري ما رأيت مثله يا أمير المؤمنين فقال الخليفة وما هو يا أبا اسحق قال رأيت ما هو كذا وكذا وأخبره بما فعله مع الكلبين وقال رأيته ثلاث ليالٍ متوالياتٍ وهو يعمل هذا العمل فيضرب الكلبين وبعد ذلك يصالحهما ويأخذ بخاطرهما ويعطعمهما ويسقيهما وأنا أتفرج عليه بحيث لا يراني فقال له الخليفة فهل سألته عن السبب فقال له وحياة رأسك يا أمير المؤمنين فقال الخليفة يا أبا اسحق أمرتك أن ترجع إلى البصرة وتأتيني بعبد الله بن فاضل وبالكلبين.

فقال يا أمير المؤمنين دعني من هذا فأن عبد الله بن فاضل أكرمني إكراماً زائداً وقد أطلعت على هذه الحالة اتفاقاً من غير قصد فأخبرتك بها فكيف أرجع إليه وأجيء به فأن رجعت إليه لا ألقى لي وجه حياءٍ منه فاللائق إرسال غيري إليه بخط يدك فيأتيك به وبالكلبين فقال له أن أرسلت له غيرك ربما ينكر هذا الأمر ويقول ما عندي كلابٌ وأما إذا أرسلتك أنت وقلت له أني رأيتك بعيني فأنه لا يقدر على إنكار ذلك، فلا بد من ذهابك إليه وأتيانك به وبالكلبين وإلا فلا بد من قتلك.

فقال له أبو اسحق سمعاً وطاعةً يا أمير المؤمنين وحسبنا الله ونعم الوكيل وصدق من قال آفة الإنسان من اللسان فأنا الجاني على نفسي حيث أخبرتك ولكن اكتب خطاً شريفاً وأنا ذاهب إليه وآتيك به فكتب له خطاً شريفاً وتوجه به إلى البصرة فلما دخل على عامل البصرة قال له كفانا الله سبب رجوعك يا أبا اسحق فما لي أراك رجعت سريعاً لعل الخراج ناقصٌ فلم يقبله الخليفة فقال يا أمير عبد الله ليس رجوعي من أجل نقص الخراج فأنه كاملٌ وقبله الخليفة ولكن أرجو منك عدم المؤاخذة فأني أخطأت في حقك وهذا الذي وقع مني مقدرٌ من الله تعالى، فقال له وما وقع منك يا أبا اسحق أخبرني فأنك حبيبي وأنا لا أؤاخذك فقال له اعلم أني لما كنت عندك أتبعتك ثلاث ليالٍ متوالياتٍ وأنت تقوم كل ليلةٍ في منتصف الليل وتعذب الكلاب وترجع فتعجبت من ذلك واستحيت أن أسألك عنه.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الرابعة والسبعين بعد التسعمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن أبو اسحق قال لعبد الله لما رأيت عذابك للكلبين استحيت أن أسألك عنه وقد أخبرت الخليفة خبرك اتفاقاً من غير قصدٍ فألزمني بالرجوع إليك وهذا خط يده ولو كنت أعلم أن الأمر يحوج إلى ذلك ما كنت أخبرته ولكن جرى القدر بذلك وصار يعتذر إليه فقال له حيث أخبرته فأنا أصدق خبرك عنده لئلا يظن بك الكذب فأنك حبيبي ولو أخبره غيرك كنت أنكرت ذلك وكذبته فها أنا أروح معك، وآخذ الكلبين معي ولو كان في ذلك تلف نفسي وانقضاء أجلي فقال له الله يسترك كما سترت وجهي عند الخليفة، ثم أنه أخذ هديةً تليق بالخليفة وأخذ الكلبين في جنازير من الذهب وحمل كل كلبٍ على جملٍ وسافروا إلى أن وصلوا إلى بغداد ودخلوا على الخليفة فقبل الأرض بين يديه فأذن له بالجلوس وأحضر الكلبين بين يديه فقال الخليفة ما هذان الكلبان يا أمير عبد الله فصار الكلبان يقبلان الأرض بين يديه ويحركان أذنابهما ويبكيان كأنهما يشكوان له.

فتعجب الخليفة من ذلك وقال له أخبرني بخبر هذين الكلبين وما سبب ضربك لهما وإكرامهما بعد الضرب. فقال له: يا خليفة ما هذان كلبان وإنما هما رجلان شابان ذو حسنٍ وجمالٍ وقدٍ واعتدالٍ وهما أخواي وولدا أمي وأبي فقال الخليفة وكيف كانا آدميين وصارا كلبين، قال أن أذنت لي يا أمير المؤمنين أخبرك بحقيقة الخبر، فقال أخبرني وإياك الكذب فأنه صفة أهل النفاق وعليك بالصدق فأنه سفينة النجاة وشيعة الصالحين فقال له أعلم يا خليفة الله أني إذا أخبرتك بخبرهما يكونان هما الشاهدان علي فأن كذبت يكذباني وأن صدقت يصدقاني. فقال له هذان من الكلاب لا يقدران على نطقٍ ولا جوابٍ فيكف يشهدان لك أو عليك، فقال لهما يا أخواي إذا أنا تكلمت كلاماً كذباً فارفعا رؤوسكما وحملقا أعينكما وإذا تكلمت صدقاً فنكسا رؤوسكما وغمضا أعينكما، ثم أنه قال أعلم يا خليفة الله أنا نحن ثلاثة أخوة أمنا واحدةٌ وأبونا واحد وكان اسم أبينا فاضل وما سمي بهذا الاسم إلا لكون أمه وضعت ولدين توأمين في بطنٍ واحدٍ فمات أحدهما لوقته وساعته وفضل الثاني فسماه أبوه فاضلا ثم رباه وأحسن تربيته إلى أن كبر فزوجه أمنا ومات فوضعت أخي هذا أولاً فسماه منصوراً وحملت ثاني مرةٍ ووضعت أخي هذا فسماه ناصراً وحملت ثالث مرةٍ ووضعتني فسماني عبد الله وربانا حتى كبرنا وبلغنا مبلغ الرجال فمات وخلف لنا بيتاً ودكاناً ملآنهً قماشاً ملوناً من سائر أنواع القماش الهندي والرومي والخراساني وغير ذلك وخلف لنا ستين ألف دينارٍ.

فلما مات أبونا غسلناه وعملنا له مشهداً عظيماً ودفناه وذهب لرحمة مولاه وعملنا له عتاقةً وعتمات وتصدقنا عليه إلى تمام الأربعين يوماً، ثم أني بعد ذلك جمعت التجار وأشراف الناس وعملت لهم يوماً عظيماً، وبعد أن أكلوا قلت لهم: يا تجار أن الدنيا فانيةٌ والآخرة باقيةٌ وسبحان الدائم بعد فناء خلقه، هل تعلمون لأي شيءٍ جمعتكم في هذا اليوم المبارك عندي؟ قالوا سبحان علام الغيوب، فقلت لهم أن أبي مات عن جملةٍ من المال وأنا خائفٌ أن يكون عليه تبعةٌ لأحد من دينٍ أو رهنٍ أو غير ذلك ومرادي تخليص ذمة أبي من حقوق الناس فمن كان له عليه شيءٌ فليقل أن لي عليه كذا وكذا وأنا أورده لأجل براءة ذمة أبي.

فقال لي التجار: يا عبد الله أن الدنيا لا تغني عن الآخرة ولسنا أصحاب باطل وكل منا يعرف الحلال والحرام ونخاف من الله تعالى ونتجنب أكل مال اليتيم ونعلم أن أباك رحمة الله عليه كان دائماً يبقى ماله عند الناس ولا يخلي في ذمته شيئاً إلى أحد ونحن كنا دائماً نسمعه وهو يقول أنا أخاف من متاع الناس ودائماً كان يقول في دعائه: ألهي أنت ثقتي ورجائي فلا تمتني وأنا مديونٌ، وكان من جملة طباعه أنه إذا كان لأحدٍ عليه شيءٌ فأنه يدفعه إليه من غير مطاليةٍ وإذا كان له على أحد شيء فأنه لا يطالبه ويقول له على مهلك، وأن كان فقيراً يسامحه ويبري ذمته وأن لم يكن فقيراً ومات يقول سامحه الله مما لي عنده، ونحن كلنا نشهد أنه ليس لأحدٍ عنده شيءٌ، فقلت: بارك الله فيكم.

ثم أني التفت إلى أخوتي وقلت لهما: يا أخوتي أن أبانا ليس عليه لأحدٍ شيءٍ وقد أبقى لنا هذا المال والقماش والبيت والدكان ونحن ثلاثة أشقاءٍ كل واحد منا يستحق ثلث هذا الشيء فهل نتفق على عدم القسمة ويستمر مالنا مشتركا بيننا ونأكل ونشرب سواءً أو نقتسم القماش والأموال ويأخذ كل واحد منا حصته فأبيا إلا القسمة، ثم التفت إلى الكلبين وقال لهما: هل جرى ذلك يا أخوتي؟ فنكسا رؤوسهما وغمضا عيونهما كأنهما قالا نعم، ثم أنه قال: فأحضرت قساماً من طرف القاضي يا أمير المؤمنين فقسم بيننا المال والقماش وجميع ما تركه لنا أبونا وجعلوا البيت والدكان من قسمي في نظير بعض ما استحقه من الأموال ورضينا بذلك وصار البيت والدكان في قسمي وهما نالا قسمهما مالاً وقماشاً، ثم أني فتحت دكاناً ووضعت فيه القماش واشتريت بجانب من المال الذي نلته زيادةً على البيت والدكان قماشاً حتى ملأت الدكان وقعدت أبيع واشتري.

وأما شقيقي فأنهما اشتريا قماشاً واكتريا مركباً وسافرا في البحر إلى بلاد الناس فقلت الله يساعدهم وأنا رزقي يأتيني وليس للراحة قيمةٌ ودمت على ذلك مدة سنةٍ كاملةٍ ففتح الله علي وصرت اكسب مكاسب كثيرةً حتى صار عندي مثل الذي تركه لنا أبونا.

فاتفق لي يوماً من الأيام أنني كنت جالساً في الدكان وعلي فروتان أحدهما سمورأت والثانية سنجاب لأن ذلك الوقت كان في فصل الشتاء في أوان اشتداد البرد، فبينما أنا كذلك وإذا بشقيقي قد أقبلا وعلى بدن كل منهما قميص من غير زيادة وشفاههما ينتفضان من البرد، فلما رأيتهما عسر علي ذلك وحزنت عليهما.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الخامسة والسبعين بعد التسعمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن عبد الله بن فاضل لما قال للخليفة فلما رأيتهما ينتفضان عسر علي ذلك وطار عقلي من رأسي فقمت إليهما واعتنقتهما وبكيت على حالهما وألقيت على واحد منهما الفروة والسمور وعلى الثاني الفروة والسنجاب وجئت بهما إلى الحمام وأرسلت إلى كل واحد منهما في الحمام بدلة تاجر ألفي وبعد ما اغتسلا لبس كل واحد بدلته ثم أخذتهما إلى البيت فرأيتهما في غاية الجوع فوضعت لهما سفرة الأطعمة فأكلا وأكلت معهما ولاطفتهما وطيبت بخاطرهما.

ثم التفت إلى الكلبين وقال لهما: هل جرى ذلك يا أخوتي، فنكسا رأسيهما وعضا عيونهما ثم أنه قال يا خليفة الله، ثم أني سألتهما وقلت لهما ما الذي جرى لكما فقال: سافرنا في البحر ووصلنا مدينةً تسمى الكوفة وصرنا نبيع قطعة القماش التي ثمنها علينا نصف دينارٍ بعشرة دنانيرٍ والتي بدينارٍ بعشرين ديناراً واكتسبنا مكاسب عظيمةً واشترينا من قماش العجم شقة الحرير بعشرة دنانيرٍ وهي تساوي في البصرة أربعين ديناراً، وذهبنا لمدينة تسمى الكرخ فبعنا واشترينا وكسبنا مكاسب كثيرة وصار عندنا أموالاً كثيرةً، وجعلا يذكران لي أحوال البلاد والمكاسب، فقلت لهما حيث رأيتهما هذا الفرج والخير فمالي أراكما رجعتما عريانين، فتنهدا وقالا: ما حل بنا إلا عينٌ صائبةٌ والسفر ما له أمان، فلما جمعنا تلك الأموال والخيرات وسقنا متاعنا في مركب وسافرنا في البحر بقصد التوجه إلى مدينة البصرة وقد سافرنا ثلاثة أيامٍ، وفي اليوم الرابع رأينا البحر قام وقعد وأرغى وأزيد وتحرك وهاج وتلاطم بالأمواج وصار الموج يقدح الشرر كلهيب النار وهاجت علينا الأرياح والتطم بنا المركب في سن جبل فانكسر وغرقنا وراح جميع ما كان معنا في البحر وصرنا نخبط على وجه الماء يوماً وليلةٍ فأرسل الله لنا مركباً آخر فأنقذ الركاب وأنقذنا وسافرنا من بلاد إلى بلاد ونحن نسأل ونتقوت مما نحصله بالسؤال وقاسينا الكرب العظيم وصرنا نبيع من حوائجنا ونتقوت لغاية قربنا من البصرة حتى شربنا ألف حسرةٍ ولو كنا سلمنا بما كان معنا كنا أتينا بأموالٍ تضاهي أموال الملك ولكن هذا مقدرٌ من الله علينا.

فقلت لهما: يا أخوتي لا تحزنا فأن المال فداء الأبدان والسلامة غنيمةٌ وحيث كتبكم الله من السالمين فهذه غاية المنى وما الفقر والغنى إلا كطيف خيالٍ.

ثم قلت: يا أخوتي نحن نقدر أن أبانا قد مات في هذا اليوم وأورثنا هذا المال الذي عندي وقد طابت نفسي على أن نقسمه بيننا بالسوية، ثم أحضرت قساماً من طرف القاضي وأحضرت له جميع مالي فقسمه بيننا وأخذ كلٌ منا ثلث المال، فقلت لهما يا أخوتي بارك الله للإنسان في رزقه إذا كان في بلده فكل واحد منكما يفتح له دكاناً ويقعد فيه لتعاطي الأسباب والذي له شيءٌ في الغيب لا بد أن يحصله.

ثم سعيت لكل واحدٍ منهما في فتح دكانٍ وملأته له بالبضائع وقلت لهما بيعا واشتريا واحفظا أموالكما ولا تصرفا منها شيئاً وجميع ما يلزم لكما من أكلٍ وشربٍ وغيرهما يكون من عندي، ثم قمت بإكرامهما وصارا يبيعان ويشتريان في النهار وعند المساء يبيتان في بيتي ولم أدعهما يصرفان شيئاً من أموالهما، وكلما جلست معهما للحديث يمدحان الغربة ويذكران محاسنها ويصفان ما حصل لهما فيها من المكاسب ويغرياني على أن أوافقهما على التغريب في بلاد الناس، ثم قال للكلبين هل جرى ذلك يا أخوتي فنكسا رؤوسهما وأغمضا أعينهما تصديقاً له. ثم قال: يا خليفة الله فما زالا يرغباني ويذكران لي كثرة الربح والمكاسب في الغربة ويأمراني بالسفر معهما حتى قلت لهما لا بد أن أسافر معكما من أجل خاطركما، ثم أني عقدت الشراكة بيني وبينهما وحملنا قماشاً من سائر الأصناف النفيسة واكترينا مركباً وشحناه بالبضائع من أنواع المتاجر وأنزلنا في ذلك المركب جميع ما نحتاج إليه ثم سافرنا من مدينة البصرة في البحر العجاج المتلاطم بالأمواج الذي الداخل فيه مفقودٌ والخارج منه مولودٌ، وما زلنا مسافرين حتى طلعنا إلى مدينةٍ من المدائن فبعنا واشترينا وظهر لنا كثرة المكسب، ثم رحنا منها إلى غيرها، ولم نزل نرحل من بلدٍ إلى بلدٍ ومن مدينةٍ إلى مدينةٍ ونحن نبيع ونشتري ونربح حتى صار عندنا مالٌ جسيمٌ وربحٌ عظيمٌ. ثم أننا وصلنا إلى جبل فألقى الريس المرساة وقال لنا: يا ركاب اطلعوا إلى البر تنجوا من هذا اليوم وفتشوا فيه لعلكم تجدون ماءً، فخرج كل من في المراكب وذهبت، أنا بجملتهم وصرنا نفتش على الماء وتوجه كلٌ منا في جهةٍ وصعدت أنا إلى أعلى الجبل، فبينما أنا سائرٌ إذا رأيت حيةً بيضاء تسعى هاربةً ووراءها ثعبانٌ أسود يسعى وراءها وهو مشوه الخلقة هائل المنظر، ثم أن الثعبان لحقها وضايقها ومسكها من رأسها ولف ذيله على ذيلها فصاحت فعرفت أنه مفترٍ عليها فأخذتني الشفقة عليها وتناولت حجراً من الصوان قدر خمسة أرطالٍ وضربت به الثعبان فجاء على رأسه فدقه، فلم أشعر إلا والحية انقلبت وصارت بنتاً شابةً ذات حسنٍ وجمالٍ وكمالٍ وقدٍ واعتدالٍ كأنها البدر المنير.

فأقبلت علي وقبلت يدي ثم قالت لي استرني الله يسترك ستراً من العار في الدنيا وسترٌ من النار في الآخرة يوم الموقف العظيم يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلبٍ سليمٍ، ثم قالت: يا إنسي أنت سترت عرضي وصار لك الجميل ووجب الجزاء لك.

ثم أشارت بيدها إلى الأرض فانشقت ونزلت فيها ثم انطبقت عليها الأرض فعرفت أنها من الجن. وأما الثعبان فأن النار أتت عليه وأحرقته وصار رماداً فتعجبت من ذلك، ثم أني رجعت إلى أخواتي وأخبرتهم بما رأيت وبتنا تلك الليلة، وعند الصباح قلع الريس الخطاف ونشر القلوع وطوى الأطراف ثم سافر حتى غاب البر عنا.

ولم نزل مسافرين مدة عشرين يوماً ولم نر براً ولا طيراً وفرغ ماؤنا فقال الريس: يا ناس أن الماء الحلوة قد فرغت منا فقلنا نطلع البر لعلنا نجد ماء، فقال: أني تهت عن الطريق ولا أعرف طريقاً يؤدينا إلى جهة البر، فحصل لنا غمٌ شديدٌ وبكينا ودعونا الله تعالى أن يهدينا إلى الطريق، ثم بتنا تلك الليلة في أسوا حال.

فلما أصبح الصباح وأشرق بنوره ولاح رأينا جبلاً عالياً، فلما رأينا ذلك الجبل فرحنا واستبشرنا به، ثم أننا وصلنا إلى ذلك الجبل فقال الريس: يا ناس أطلعوا البر حتى نفتش على ماءٍ فطلعنا كلنا نفتش على ماءٍ فلم نر فيه ماءً فحصل لنا مشقةٌ بسبب قلة وجود الماء، ثم أني صعدت إلى أعلى الجبل فرأيت وراءه دائرةً واسعةً مسافة سير ساعةٍ وأكثر فناديت أصحابي فأقبلوا علي فلما أتوا قلت لهم: انظروا إلى هذه الدائرة التي وراء هذا الجبل فأني أرى فيها مدينةً عالية البنيان مشيدة الأركان ذات أسوارٍ وبروجٍ وروابي ومروجٍ وهي من غير شكٍ لا تخلو من الماء والخيرات فسيروا بنا نمضي إلى هذه المدينة ونجيء منها بالماء والخيرات، ونشتري ما يلزم من الزاد واللحم والفاكهة ونرجع.

فقالوا: نخاف أن يكون أهل المدينة كفارٌ مشركين أعداء الدين فيقبضوا علينا ونكون أسرى بين أيديهم أو يقتلونا ونكون قد تسببنا في قتل أنفسنا في التهلكة والمغرور غير مشكورٍ لأنه على خطرٍ من الأهواء، فنحن لا نضحي بأنفسنا.

فقلت لهم: يا ناس لا حكم لي عليكم ولكن آخذ أخوي وأتوجه إلى هذه المدينة، فقالا لي أخواي: نحن نخاف من هذا الأمر ولا نروح معك فقلت: أما أنا فقد عزمت على الذهاب إلى هذه المدينة وتوكلت على الله ورضيت بما قدره الله، فانتظراني حتى أذهب إليها وأرجع إليكما.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة السادسة والسبعين بعد التسعمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن عبد الله قال فانتظراني حتى اذهب إليها وأرجع إليكما، ثم تركتهما ومشيت حتى وصلت إلى باب المدينة فرأيتها مدينةً عجيبة البناء غريبة الهندسة أسوارها عاليةٌ وأبراجها محصنةٌ وقصورها شاهقةٌ وأبوابها من الحديد الصيني وهي مزخرفةٌ منقوشةٌ تدهش العقول، فلما دخلت الباب رأيت دكةً من الحجر ورأيت رجلاً قاعداً بها وفي ذراعه سلسلةٌ من النحاس الأصفر وفي تلك السلسلة أربعة عشر مفتاحا، فعرفت أن ذلك الرجل هو بواب المدينة والمدينة لها أربعة عشر باباً. ثم أني دنوت منه وقلت له: السلام عليكم، فلم يرد علي السلام، فسلمت عليه ثانياً وثالثاً فلم يرد علي الجواب فوضعت يدي على كتفه وقلت له: يا هذا لأي شيء لا ترد علي السلام؟ هل أنت نائمٌ أو أصمٌ أو غير مسلمٍ حتى تمنع رد السلام؟ فلم يجبني ولم يتحرك، فتأملت فيه فرأيته حجراً. فقلت أن هذا شيء عجيب، هذا الحجر مصور بصورة ابن آدم ولم ينقص عنه غير النطق. ثم تركته ودخلت المدينة فرأيت رجلاً واقفاً في الطريق فدنوت منه وتأملته فرأيته حجرٌ، قابلت امرأةً عجوزاً على رأسها عقدة ثياب مهيأة للغسيل فدنوت منها وتأملتها فرأيتها من الحجر والعقدة الثياب التي على رأسها من الحجر: ثم أني دخلت السوق فرأيت زياتاً ميزانه منصوبٌ وقدامه أصناف البضائع من الجبن وغيره كل ذلك من الحجر، ثم أني رأيت سائر المتسببين جالسين في الدكاكين وبعض الناس واقفٌ وبعضهم جالسٌ، ورأيت نساءً وصبياناً وكل ذلك من الحجر.

ثم وصلت سوق التجار فرأيت كل تاجر جالساً في دكانه والدكان مملوءةً بأنواع البضائع وكل ذلك من الحجر ولكن الأقمشة كنسيج العنكبوت، فصرت أتفرج عليها وصرت كلما مسكت ثوباً من القماش يصير بين يدي هباءً منثوراً، ورأيت صناديق ففتحت واحدٌ منهم فوجدت فيه ذهباً في أكياس، فأمسكت الأكياس فذابت في يدي والذهب لا يزال على حاله فحملت منه ما لا أطيقه وصرت أقول في نفسي: لو حضر أخواي معي لأخذا من الذهب كفايتهما وتمتعا بهذه الجواهر التي لا أصحاب لها. وبعد ذلك أتيت دكاناً ثانياً فرأيت فيه أكثر من ذلك ولكن ما بقيت أقدر أن أحمل أكثر مما حملت.

ثم أني ذهبت إلى سوقٍ ثالث ثم منه إلى سوقٍ رابعٍ وهكذا ولا زلت أشاهد مخلوقاتٍ مختلفةٍ وكلها من الحجارة حتى أن الكلاب والقطط كانت من الحجارة، ثم وصلت إلى سوق الصاغة فرأيت فيه رجالاً جالسين في الدكاكين والبضائع عندهم بعضها في أيديهم وبعضها في أقفاص، فلما رأيت ذلك يا أمير المؤمنين رميت ما كان معي من الذهب وحملت من المصاغ ما أطيق حمله، وانتقلت من سوق الصاغة إلى سوق الجواهر فرأيت الجوهرية جالسين في دكاكينهم وقدام كل واحد منهم قفصٌ ملآنٌ بأنواع المعادن كالياقوت والألماس والبلخش وغير ذلك من سائر الأصناف وأصحاب الدكاكين أحجارٌ فرميت ما كان معي من المصاغ وحملت من الجواهر ما لا أطيق حمله وبقيت أتندم حيث لم يكن أخواي معي حتى يحملا من تلك الجواهر ما أرادا. ثم أني خرجت من سوق الجواهر فمررت على بابٍ كبيرٍ مزخرف مزين بأحسن زينة ومن داخل الباب دكك وجالس على تلك الدكك خدمٌ وجندٌ وأعوانٌ وعساكرٌ وحكامٌ وهم لابسون أفخر الملابس وكلهم أحجار فلمست واحد منهم فتناثرت ملابسه على بدنه مثل نسيج العنكبوت، ثم أني مشيت في ذلك الباب فرأيت سراية ليس لها نظير في بنائها وأحكام صنعتها ورأيت في تلك السراية ديواناً مشحوناً من الذهب وبالأكابر والوزراء والأعيان والأمراء وهم جالسون على كراسي وكلهم أحجار، ثم أني رأيت كرسياً حمراء مرصعةً بالدر والجواهر وقد جلس فوقها آدمي عليه أفخر الملابس وعلى رأسه تاج كسروي مكلل بنفس الجواهر التي لها شعاعٌ مثل شعاع النهار، فلما وصلت إليه رأيته من الحجر. ثم أني توجهت من ذلك الديوان إلى باب الحريم ودخلت فيه فرأيت فيه ديواناً من النساء ورأيت في ذلك الديوان كرسياً من الذهب الأحمر مرصعة بالدر والجواهر وقد جلست فوقها امرأةٌ وعلى رأسها تاجٌ مكللٌ بنفيس الجواهر وحولها نساء مثل الأقمار جالساتٍ على كراسي ولابسات أفخر الملابس الملونة بسائر الألوان وواقف هناك طواشيةٌ أيديهم على صدورهم كأنهم واقفون من أجل الخدمة وذلك الديوان يدهش عقول الناظرين مما فيه من الزخرفة وغريب النقش وعظيم الفرش ومعلقٌ فيه أبهج التعاليق من البلور الصافي، وفي كل قدرة من البلور جوهرة يتيمة لا يفي بثمنها مال، فرميت ما معي يا أمير المؤمنين وصرت آخذ من هذه الجواهر وحملت منها على قدر ما أطيق وبقيت متحيراً فيما أحمله وفيما أتركه لأني رأيت ذلك المكان كأنه كنز من كنوز المدن، ثم أني رأيت باباً صغيراً مفتوحاً وفي داخله سلالم فدخلت حتى وصلت إلى باب القصر فرأيت ستارة من الحرير مصفحة بشرائط من الذهب ومصفوف فيها اللؤلؤ والمرجان والياقوت وقطع الزمرد والجواهر فيه تضيء كضوء النجوم والصوت خارج من تلك الستارة فدنوت من الستارة ورفعتها فظهر لي باب قصرٍ مزخرفٍ يحير الأفكار فدخلت من ذلك الباب فرأيت قصراً كأنه كنزٌ على وجه الدنيا ومن داخله بنتٌ كأنها الشمس الضاحية في وسط السماء الصافية وهي لابسة أفخر الملابس ومتحلية بأنفس ما يكون من الجواهر من أنها بديعة الحسن والجمال بقدٍ واعتدالٍ وكمالٍ وخصرٍ نحيلٍ وردفٍ ثقيلٍ وريقٍ يشفي العليل وأجفان ذات اعتدال كأنها المرادة.

ثم أنه قال يا أمير المؤمنين لما رأيت تلك البنت شغفت بها حباً وتقدمت إليها فرأيتها جالسةً على مرتبةٍ عاليةٍ وهي تتلو كتاب الله عز وجل حفظاً عن ظهر قلبٍ وصوتها كأنه صرير أبواب الجنان إذا فتحها رضوان والكلام خارجٌ من بين شفتيها يتناثر كالجواهر ووجهها ببديع المحاسن زاه وزاهر.

فلما سمعت نغماتها في تلاوة القرآن العظيم وقد قرأ قلبي من فاتك لحاظها سلام قولا من رب رحيم، تلجلجت في الكلام ولم أحسن السلام واندهش مني العقل والنظر.

ثم تجلدت على هول الغرام وقلت لها: السلام عليك أيتها السيدة المصونة والجوهرة المكنونة آدام الله قوائم سعدك ورفع دعائم مجدك، فقالت وعليك السلام والتحية والإكرام يا عبد الله يا ابن فاضل أهلاً وسهلاً ومرحباً بك يا حبيبي وقرة عيني. فقلت لها: يا سيدتي من أين علمت اسمي ومن تكوني أنت وما شأن أهل هذه المدينة حتى صاروا أحجار فمرادي أن تخبريني بحقيقة الأمر فأني تعجبت من هذه المدينة ومن أهلها ومن كونها لم يوجد فيها أحد إلا أنت فبالله عليك أن تخبريني بحقيقة ذلك على وجه الصدق فقالت لي: اجلس يا عبد الله وأنا أن شاء الله تعالى أحدثك وأخبرك بحقيقة أمري وبحقيقة أمر هذه المدينة وأهلها على التفصيل ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

فجلست إلى جانبها فقالت لي: أعلم يا عبد الله يرحمك الله أنني بنت ملك هذه المدينة ووالدي هو الذي رأيته جالساً في الديوان على الكرسي العالي والذي حوله أكابر دولته وأعيان مملكته. وكان أبي ذا بطش شديد ويحكم على ألف ألف ومائة ألف وعشرين ألف جندي وعدة أمراء دولته أربعة وعشرون ألفا كلهم حكام وأصحاب مناصب وتحت طاعته من المدن ألف مدينةٍ غير المدن والضياع والحصون والقلاع والقرى وامراء العربان الذين تحت يده ألف أمير، كل أمير يحكم على عشرين ألف فارسٍ وعنده من الأموال والذخائر والمعادن والجواهر لا عين رأت ولا أذن سمعت.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة السابعة السبعين بعد التسعمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن بنت ملك مدينة الأحجار قالت: يا عبد الله أن أبي كان عنده من الأموال والذخائر ما لا عينٌ رأت ولا أذنٌ سمعت، وكان يقهر الملوك ويبيده الأبطال والشجعان في الحرب وحومة الميدان وتخشاه الجبابرة وتخضع له الأكاسرة ومع ذلك كان كافراً مشركاً بالله يعبد الصنم دون مولاه وجميع عساكره كفارٌ يعبدون الأصنام دون الملك العلام. فاتفق أنه كان يوماً من الأيام جالساً على كرسي مملكته وحوله أكابر دولته فلم يشعر إلا وقد دخل عليه شخص فأضاء الديوان من نور وجهه فنظر إليه أبي فرآه لابساً حلة خضراء وهو طويل القامة وأياديه نازلةٌ إلى تحت ركبتيه وعليه هيبةٌ ووقارٌ والنور يلوح من وجهه فقال لأبي يا باغي يا مفتري إلى متى وأنت مغرور بعبادة الأصنام وتترك عبادة الملك العلام، قل أشهد أن لا إله إلا الله أن محمداً عبده ورسوله وأسلم أنت وقوعك ودع عنك عبادة الأصنام فأنها لا تنفع ولا تشفع ولا يعبد بحق إلا الله رافع السموات بغير عماد وباسط الأرضين رحمة للعباد فقال من أنت أيها الرجل الجاحد لعبادة الأصنام حتى تتكلم بهذا الكلام؟ أما تخشى أن تغضب عليك الأصنام؟ فقال له أن الأصنام حجار لا يضرني غضبها ولا ينفعني رضاها فأحضر لي صنمك الذي أنت تعبده وأمر كل واحدٍ من قومك يحضر صنمه فإذا حضر جميع أصنامكم فادعوهم ليغضبوا علي وأنا أدعوا ربي أن يغضب عليكم وتنظرون غضب الخالق من غضب المخلوق فأن أصنامكم قد صنعتموها أنتم وتلبست بها الشياطين وهم الذين يكلمونكم من داخل بطون الأصنام فأصنامكم مصنوعةٌ وإلهي صانع ولا يعجزه شيءٌ فأن ظهر لكم الحق فأتبعوه وأن ظهر لكم الباطل فاتركوه فقالوا له ائتنا ببرهان ربك حتى نراه، فقال ائتوني ببراهين أربابكم فأمر الملك كل من كان يعبد ربا من الأصنام أن يأتي به فأحضر جميع العساكر أصنامهم في الديوان هذا ما كان من أمرهم.

وأما ما كان من أمري فأني كنت جالسةً في داخل ستارةٍ تشرف على ديوان أبي وكان أألي صنمٌ من زمردة خضراء جسمه قدر جسم ابن آدم فطلبه أبي فأرسلته إليه في الديوان فوضعوه في جانب صنم أبي وكان صنم أبي من الياقوت وصنم الوزير من جوهر الألماس.

وأما أكابر العساكر والرعية فبعض أصنامهم من البلخش وبعضها من العنبر وبعضها من المرجان وبعضها من العود القماري وبعضها من الآبنوس وبعضها من الفضة وبعضها من الذهب وكل واحدٍ منهم له صنمٌ على قدر ما تسمح به نفسه وأما رعاع العساكر والرعية فبضع أصنامهم من الصوان وبعضها من الخشب وبعضها من الفخار وبعضها من الطين وكل الأصنام مختلفة الألوان ما بين أصفر وأحمر وأخضر وأسود وأبيض. ثم قال ذلك الشخص لأبي ادع صنمك وهؤلاء الأصنام تغضب علي، فصفوا تلك الأصنام ديواناً وجعلوا صنم أبي على كرسي من الذهب وصنمي إلى جانبه في الصدر ثم رتبوا الأصنام كل منها في مرتبة صاحبه الذي يعبده وقام أبي وسجد لصنمه وقال له: يا إلهي أنت الرب الكريم وليس في الأصنام أكبر منك وأنت تعلم أن هذا الشخص أتاني طاعناً في ربوبتك مستهزئاً بك ويزعم أن له إلها أقوى منك ويأمرني بترك عبادتك ونعبد ألهه فاغضب عليه يا إلهي. وصار يطلب من الصنم والصنم لا يرد عليه جواباً ولا يخاطبه بخطاب. فقال يا إلهي ما هذه عادتك لأنك كنت تكلمني إذا كلمتك فما لي أراك ساكتاً لا تتكلم هل أنت غافلٌ أو نائمٌ فانتبه وانصرني وكلمني.

ثم هزه فلم يتكلم ولم يتحرك من مكانه فقال ذلك الشخص لأبي ما لي أرى صنمك لا يتكلم؟ قال له: أظن أنه غافلٌ أو نائمٌ، فقال له عدو يا الله كيف تعبد إلهاً لا ينطق وليس له قدرةٌ على شيءٍ ولا تعبد إلهي الذي هو قريبٌ مجيبٌ وحاضرٌ لا يغيب ولا يغفل ولا ينام ولا تدركه الأوهام يرى ولا يرى وهو على كل شيءٍ قديرٍ وإلهك عاجزٌ لا يقدر على دفع الضرر عن نفسه وقد كان ملتبساً به شيطان رجيمٌ يضلك ويغويك وقد ذهب الآن شيطانه فأعبد الله وأشهد أنه لا أله إلا هو ولا معبود سواه وأنه لا يستحق العبادة غيره ولا خير إلا خيره وأما إلهك هذا فأنه لا يقدر على دفع الشر عن نفسه فكيف يقدر على دفعه عنك فانظر بعينك عجزه. ثم تقدم وصار يصكه على رقبته حتى وقع على الأرض فغضب الملك وقال للحاضرين أن هذا الجاحد قد صك إلهي فاقتلوه فأرادوا القيام ليضربوه فلم يقدر واحد منهم أن يقوم من مكانه فعرض عليهم الإسلام فلم يسلموا فقال أريكم غضب ربي فقالوا أرنا فبسط يديه وقال إلهي وسيدي أنت ثقتي ورجائي فاستجب دعائي على هؤلاء القوم الفجار الذين يأكلون خيرك ويعبدون غيرك يا حق يا جبار يا خالق الليل والنهار أسألك أن تقلب هؤلاء القوم أحجاراً فأنك قادرٌ ولا يعجزك شيءٌ وأنت أعلى كل شيءٍ قديرٍ فمسخ الله أهل هذه المدينة أحجاراً وأما أنا فأني حين رأيت برهانه أسلمت وجهي لله فسلمت مما أصابهم ثم أن ذلك الشخص دنا مني وقال لي سبقت لك من الله السعادة ولله في ذلك إرادةٌ وصار يعلمني وأخذت عليه العهد والميثاق وكان عمري سبع سنين في ذلك الوقت وفي هذا الوقت صار عمري ثلاثين عاماً ثم أني قلت له يا سيدي جميع ما في هذه المدينة وجميع أهلها صاروا أحجاراً بدعوتك الصالحة وقد نجوت أنا حين أسلمت على يديك فأنت شيخي فأخبرني باسمك ومدني بمددك وتصرف لي في شيء أقتات منه فقال لي اسمي أبو العباس الخضر ثم غرس لي شجرةً من الرمان بيده فكبرت وأورقت وأزهرت وأثمرت مائة واحدة في الحال فقال كلي مما رزقك الله تعالى وأعبديه حق عبادته.

ثم علمني شروط الإسلام وشروط الصلاة وطريق العبادة وعلمني تلاوة القرآن وصار لي ثلاثة وعشرون عاماً وأنا أعبد الله في هذا المكان وفي كل يومٍ تطرح لي هذه الشجرة رمانةٌ فأكلها وأقتات بها من وقتٍ إلى وقتٍ والخضر عليه السلام يأتني كل جمعةٍ وهذا الذي عرفني باسمك وبشرني بأنك سوف تأتيني في هذا المكان وقد قال لي إذا أتاك فأكرميه وأطيعي أمره ولا تخالفيه وكوني له أهلاً ويكون لك بعلاً واذهبي معه حيث شاء فلما رأيتك عرفتك وهذا هو خبر هذه المدينة وأهلها والسلام ثم أنها أرتني شجرة الرمان وفيها رمانة أكلت نصفها فما رأيت أحلى ولا أذكى ولا أطعم من تلك الرمانة ثم قلت لها لعلك رضيت بما أمرك به شيخك الخضر عليه السلام أن تكوني لي أهلاً وأكون لك بعلاً وتذهبي معي إلى بلادي وأمكث بك في مدينة البصرة فقالت نعم أن شاء الله تعالى فأني سميعةٌ لقولك مطيعةٌ لأمرك من غير خلافٍ ثم أني أخذت عليها العهد الوثيق وأدخلتني إلى خزانة أبيها وأخذنا منها على قدر ما استطعنا جملةً وخرجنا من تلك المدينة ومشينا حتى وصلنا إلى أخواي فرأيتهما يفتشان علي فقالا لي أين كنت فأنك أبطأت علينا وقلبنا مشغولٌ عليك وأما رئيس المركب فأنه قال لي يا تاجر عبد الله أن الربح طاب لنا من مدةٍ وأنت عوقتنا عن السفر فقلت له لا ضرر في ذلك ولعل التأخير خيرٌ لأن غيابي لم يكن فيه غير الإصلاح، وقد حصل لي فيه بلوغ الآمال. ثم قلت لهم انظروا ما حصل لي في هذه الغيبة وفرجتهم على ما معي من الذخائر وأخبرتهم بما رأيت في مدينة الحجر وقلت لهم لو كنتم أطعتموني ورحتم معي كان تحصل لكم من هذا شيءٌ كثيرٌ فقالوا له والله لو رحنا ما كنا نسترجي أن ندخل على ملك المدينة فقلت لأخواي لا بأس عليكما فالذي معي يكفينا جميعاً وهذا نصيبنا، ثم أني قسمت ما معي أقساماً على قد الجميع وأعطيت لأخواي والريس فأخذت مثل واحدٍ منهم وأعطيت ما تيسر للخدامين والنوتيه ففرحوا ودعوا لي ورضوا بما أعطيته لهم إلا أخواي فأنها تغيرت أحوالهما ولاحت عيونهما فلحظت أن الطمع تمكن منهما فقلت لهما يا أخواي أظن أن الذي أعطيته لكما لم يقنعكما ولكن أنا أخوكما وأنتما أخواي ولا فرق بيني وبينكما ومالي ومالكما شيءٌ واحدٌ وإذا مت لا يرثني غيركما وصرت آخذ بخاطرهما ثم أنزلت البنت في الغليون وأدخلتها في الخزنة وأرسلت لها شيئاً تأكله وقعدت أتحدث أنا وأخواي فقالا لي يا أخانا ما مرادك أن تفعل بهذه البنت البديعة الجمال، فقلت لهما مرادي أن أكتب كتابي عليها إذا دخلت البصرة وأعمل فرحاً عظيماً وأدخل بها هناك فقال أحدهما يا أخي أعلم أن هذه الصبية بديعة الحسن والجمال وقد وقعت محبتها في قلبي فمرادي أن تعطيها لي فأتزوج بها أنا وقال الثاني وأنا الآخر كذلك فأعطها لي لأتزوج بها فقلت لهما يا أخواي أنها قد أخذت علي عهداً وميثاقاً أني أتزوج بها فإذا أعطيتها واحدٌ منكما أكون ناقضاً للعهد الذي بيني وبينها وربما يحصل لها كسر خاطرٍ لأنها ما أتت معي إلا على شرطٍ أني أتزوج بها فكيف أزوجها لغيري وأما من جهة أنكما تحبانها فأنا أحبها أكثر منكما، وأنا وجدتها وكوني أعطيها لواحدٍ منكما هذا شيءٌ لا يكون أبداً ولكن إذا دخلنا مدينة البصرة بالسلامة، انظر لكما بنتين من خيار بنات البصرة وأخطبهما لكما وأدفع المهر من مالي وأجعل الفرح واحداً وندخل نحن الثلاثة في ليلةٍ واحدةٍ وأعرضا عن هذه البنت فأنها من نصيبي فسكتا وقد ظننت أنهما رضيا بما قلت لهما.

ثم أننا سافرنا متوجهين إلى أرض البصرة وصرت أرسل إليها ما تأكل وما تشرب وهي لا تخرج من خزنة المركب وأنا أنام بين أخواي على ظهر الغليون ولم نزل مسافرين على هذه الحالة مدة أربعين يوماً حتى بانت لنا مدينة البصرة ففرحنا بإقبالنا عليها وأنا راكنٌ إلى أخواي ومطمئنٌ بهما ولا يعلم الغيب إلا الله تعالى فنمت تلك الليلة.

فبينما أنا مستغرقٌ في النوم لم أشعر إلا وأنا محمولٌ بين يدي أخواي هذين واحدٌ قابض على سيقاني والآخر من يدي لكونهما اتفقا على تغريقي في البحر من شأن تلك البنت فلما رأيت روحي محمولاً بين أيديهما قلت يا أخواي لأي شيء تفعلان معي هذه الفعال فقالا يا قليل الأدب كيف تبيع خاطرنا ببنت فنحن نرميك في البحر من أجل ذلك ثم رموني فيه ثم أنه التفت إلى الكلبين وقال أحقٌ ما قلته يا أخواي أم لا. فنكسا رؤوسهما وصارا يعويان كأنهما يصدقان قوله فتعجب الخليفة من ذلك ثم قال يا أمير المؤمنين فلما رموني في البحر وصلت إلى القرار ثم نفضني الماء على وجه البحر فما شعرت إلا وطائرٌ كبيرٌ قدر الآدمي نزل علي وخطفني وطار بي في الجو الأعلى ففتحت عيني فرأيت روحي في قصر مشيد الأركان عالي البنيان منقوش بالنقوشات الفاخرة وفيه تعاليق الجواهر من سائر الأشكال والألوان، وفيه جوارٍ واقفاتٍ واضعاتٍ الأيادي على الصدور وإذا بامرأةٍ جالسةٍ بينهن على كرسي من الذهب الأحمر مرصعٍ بالدر والجوهر وعليها ملابس لا يقدر الإنسان أن يفتح عينه فيها من شدة ضياء الجواهر، وعليها حزامٌ من الجواهر لا يفي بثمنه مال وعلى رأسها تاجٌ ثلاث دوراتٍ يحير العقول والأفكار ويخطف القلوب والأبصار ثم أن الطير الذي خطفني انتفض فصار صبيةً كأنها الشمس المضيئة فأمعنت النظر فيها فإذا هي التي كانت في الجبل بصفة حيةٍ وكان الثعبان يقاتلها ولف ذيله على ذيلها وأنا حين رأيت الثعبان قهرها وغلب عليها قتلته بالحجر. فقالت لها المرأة التي هي جالسةٌ على الكرسي لأي شيءٍ جئت هنا بهذا الإنسي فقالت لها يا أمي أن هذا هو الذي كان سبباً في ستر عرضي بين بنات الجان فقالت لي هل تعرف من أنا؟ قلت لا، قالت: أنا التي كنت في الجبل الفلاني وكان الثعبان الأسود يقاتلني ويريد هتك عرضي وأنت قتلته فقلت إنما رأيت مع الثعبان حيةً بيضاء، فقالت أنا التي كنت حية بيضاء ولكن أنا بنت الملك الأحمر ملك الجان واسمي سعيدة وهذه الجالسة هي أمي واسمها مباركة زوجة الملك الأحمر والثعبان الذي كان يقاتلني ويريد هتك عرضي هو وزير الملك الأسود واسمه درفيل وهو قبيح الخلقة واتفق أنه لما رآني عشقني ثم أنه خطبني من أبي فأرسل إليه أبي يقول له وما مقدارك يا قطاعة الوزراء حتى تتزوج بنات الملوك فاغتاظ من ذلك وحلف يميناً أنه لا بد أن يفضح عرضي كيداً في أبي وصار يقفوا أثري، ويتبعني أينما رحت ومراده أن يفضح عرضي وقد وقع بينه وبين أبي حروبٌ عظيمةٌ ومشقاتٍ جسيمةٍ ولم يقدر عليه أبي لكونه جباراً مكاراً، ثم أن أبي كلما ضايقه وأراد أن يظفر به يهرب منه وقد عجز أبي وصرت أنا في كل يومٍ انقلب أشكالاً وألواناً وكلما انقلبت في صفةٍ ينقلب هو في صفةٍ ضدها وكلما هربت إلى أرض يشم رائحتي يلحقني في تلك الأرض حتى قاسيت منه مشقةً عظيمةً، ثم انقلبت في صفة حية وذهبت إلى ذلك الجبل فانقلب هو في صفة ثعبان وتبعني فيه فرقعت في يده وعالجني وعالجته حتى اتبعني وركب علي وكان مراده يفعل بي ما مراده ويشتهيه فأتيت أنت وضربته بالحجر فقتلته وأنا انقلبت بنتاً وأريتك روحي وقلت لك علي جميلٌ لا يضيع إلا مع أولاد الزنا فلما رأيت أخويك فعلا بك هذه المكيدة، ورمياك في البحر بادرت إليك وخلصتك من الهلاك ووجب لك الإكرام من أمي وأبي ثم أنها قالت يا أمي أكرميه في نظير ما ستر عرضي.

فقالت مرحباً بك يا إنسي فأنك فعلت معنا جميلاً وتستحق عليه الإكرام وأمرت لي ببدلٍ كتوريةٍ تساوي جملةً من المال وأعطتني جملةً من الجواهر والمعادن، ثم أنها قالت خذوه وأدخلوه على الملك في الديوان فرأيته جالساً على كرسي وبين يديه المردة والأعوان فلما رأيته زاغ بصري مما رأيته عليه من الجواهر فلما رآني قام على الأقدام وقامت العساكر إجلالاً له ثم حياني ورحب بي وأكرمني غاية الإكرام وأعطاني مما عنده من الخيرات وبعد ذلك قال لبعض أتباعه خذوه إلى بنتي توصله إلى المكان الذي جاءت به منه فأخذوني وذهبوا بي إلى سعيدة ابنته فحملتني ثم طارت بي وبما معي من الخيرات هذا ما كان من أمري وأمر سعيدة وأما ما كان من أمر ريس الغليون فأنه أفاق على الخبطة حين رموني في البحر فقال ما الذي وقع في البحر فبكى أخواي وصار يخبطان على صدورهما ويقولان يا ضيعة أخينا فأنه أراد أن يزيل ضرورة في الغليون فوقع في البحر ثم أنهما وضعا أيديهما على مالي ووقع بينهما الإختلاف من جهة البنت وصار كل واحد منهما يقول ما يأخذها غيري واستمرا على الخصام مع بعضهما ولم يتذكروا أخاهما ولا غرقه وزال حزنهما عليه، فبينما هما في هذا الحالة وإذا بسعيدة نزلت في وسط الغليون.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الثامنة والسبعين بعد التسعمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن عبد الله بن فاضل قال فبينما هما في هذه الحالة وإذا بسعيدة نزلت بي في وسط الغليون فرآني أخواي فعانقاني وفرحا بي وصارا يقولان يا أخانا كيف حالك فيما جرى لك أن قلبنا مشغولٌ عليك فقالت سعيدة أن كان قلبكما عليه أو كنتما تحبانه ما كنتما رميتماه في البحر وهو نائمٌ ولم اختارا لكما موتةً تموتانها وقبضت عليهما وأرادت قتلهما فصاحا وقالا في عرضك يا أخانا فصرت أتداخل عليها وأقول لها أنا واقع في عرضك لا تقتلي أخواي وهي تقول لا بد من قتلهما لأنهما خائنان فما زلت ألاطفها حتى قالت من شأن خاطرك لا أقتلهما ولكن أسحرهما. ثم أخرجت طاسةً وحطت فيها ماءً من ماء البحر وتكلمت عليها بكلامٍ لا يفهم وقالت أخرجا من الصورة البشرية إلى الصورة الكلبية ثم رشتهما بالماء فانقلبا كلبين كما تراهما يا خليفة الله ثم التفت إليهما وقال أحقاً ما قلته يا أخواي فنكسا رؤوسهما كأنهما يقولان له صدقت ثم قال يا أمير المؤمنين وبعد أن سحرتهما كلبين قالت لمن كان من الغليون أعلموا أن عبد الله ابن فاضل هذا صار أخي وأنا أشق عليه كل يومٍ مرةٍ أو مرتين وكل من خالفه منكم أو خالف أمره وآذاه باليد أو باللسان فأني أفعل به ما فعلت بهذين الخائنين وأسحره كلباً حتى ينقضي عمره وهو في صورة الكلب ولا يجد له خلاصاً فقال لها الجميع يا سيدتي نحن كلنا عبيده وخدمه ولا نخالفه ثم أنها قالت لي إذا دخلت البصرة فتفقد جميع مالك فأن كان نقص منه شيءٍ فأعلمني وأنا أجيء لك به من أي شخصٍ كان ومن أي مكان كان ومن كان آخذه أسحره كلباً ثم بعد أن نخزن أموالك ضع في رقبة كل من هذين الخائنين غلا وأربطهما في ساق السرير وأجعلهما في سجنٍ وحدهما وكل ليلةٍ في نصف الليل أنزل إليهما وأضرب كل واحدٍ منهما علقة حتي يغيب عن الوجود وأن مضت ليلةٌ ولم تضربهما فأني أجيء لك وأضربك علقةً وبعد ذلك اضربهما فقلت لهما سمعاً وطاعةً ثم أنها قالت لي اربطهما في الحبال حتى تدخل البصرة فوضعت في رقبة كل واحدٍ منهما حبلاً، ثم ربطتهما في الصاري وتوجهت هي إلى حال سبيلها وفي ثاني يومٍ دخلت البصرة وطلع التجار لمقابلتي وسلموا علي ولم يسأل أحدٌ عن أخواي وإنما صاروا ينظرون إلى الكلاب ويقولون لي يا فلان ماذا تصنع بهذين الكلبين اللذين جئت بهما معك فأقول لهم أني ربيتهما في هذه السفرة وجئت بهما معي فيضحكون عليهما ولم يعرفوا أنهما أخواي.

ثم أني وضعتهما في خزانة والتهيت تلك الليلة في توزيع الأحمال التي فيها القماش والمعادن وكان عندي التجار لأجل السلام فأشتغلت ولم أضربهما ولم أربطهما بالسلاسل ولم أعمل معهما ضرراً.

ثم نمت فما أشعر إلا وسعيدة بنت الملك الأحمر قالت لي: أما قلت لك ضع في رقابهما السلاسل وأضرب كل واحدٍ منهما علقةً ثم أنها قبضت علي وأخرجت السوط وضربتني علقةً حتى غبت عن الوجود وبعد ذلك ذهبت إلى المكان الذي فيه أخواي وضربت كل واحدٍ منهما بالسوط حتى أشرفا على الموت وقالت كل ليلةٍ أضرب كل واحدٍ منهما علقةً مثل هذه العلقة وأن مضت ليلةٌ ولم تضربهما فأني أضربك فقلت يا سيدتي في غدٍ أحط السلاسل في رقابهما والليلة الآتية أضربهما ولا أرفع الضرب عنهما ليلةً واحدةً فأكدت علي في الوصية بضربهما فلما أصبح الصباح لم يهن علي أن أضع السلاسل في رقابهما فذهبت إلى صائغٍ وأمرته أن يعمل لهما غلين من الذهب فعملهما وجئت بهما ووضعتهما في رقابهما وربطهما كما أمرتني وفي ثاني ليلةٍ ضربتهما قهراً عني وكانت هذه الحركة في مدة خلافة المهدي الثالث من بني العباس، وقد اصطحبت معه بإرسال الهدايا فقلدني ولايةً وجعلني نائباً في البصرة ودمت على هذه الحالة مدةً من الزمان.

ثم أني قلت في نفسي لعل غيظها قد برد فرتكتهما ليلة من غير ضربٍ فأتتني وضربتني علقةً لم أنس حرارتها بقية عمري فمن ذلك الوقت لم أقطع عنهما الضرب مدة خلافة المهدي ولما توفي المهدي توليت أنت بعده وأرسلت إلي تقرير الاستمرار على مدينة البصرة وقد مضى لي اثنا عشر عاماً وأنا في كل ليلةٍ أضربهما قهراً عني وبعدما أضربهما آخذ بخاطرهما وأعتذر إليهما وأطعمهما وأسقيهما وهما محبوسان ولم يعلم بهما أحدٌ من خلق الله تعالى حتى أرسلت إليَّ أبا اسحق النديم من أجل الخراج فأطلع على سري ورجع إليك فأخبرك فأرسلته ثانياً تطلبني وطلبتهما فأجبت بالسمع والطاعة وأتيت بهما بين يديك ولما سألتنيأني عن حقيقة الأمر أخبرتك بالقصة وهذه حكايتي. فعند ذلك تعجب الخليفة هارون الرشيد من حال هذين الكلبين ثم قال وهل أنت على هذه الحالة سامحت أخويك مما صدر منهما في حقك وعفوت عنهما أم لا فقال يا سيدي سامحهما الله وأبرأ ذمتهما في الدنيا والآخرة وأنا محتاجٌ لكونهما يسامحاني لأنه مضى لي اثنا عشر عاماً وأنا أضربهما في كل ليلةٍ علقةً فقال الخليفة يا عبد الله أن شاء الله تعالى أنا أسعى في خلاصهما ورجوعهما آدميين كما كانا أولاً وأصلح بينكم وتعيشون بقية أعماركم أخوةً متحابين، وكما أنك سامحتهما يسامحانك فخذهما وأنزل إلى منزلك وفي هذه الليلة لا تضربهما وفي غدٍ ما يكون إلا الخير.

فقال له يا سيدي وحياة رأسك أن تركتهما ليلةً واحدة من غير ضرب تأتيني سعيدة وتضربني وأنا ما لي جسدٌ يتحمل ضرباً فقال لا تخف فأنا أعطيك خط يدي فإذا أتتك فأعطها الورقة فإذا قرأتها عفت عنك كان الفضل لها وأن لم تطع أمري كان أمرك إلى الله ودعها تضربك علقةً وقدر أنك نسيتهما من الضرب وضربتك بهذا السبب وإذا حصل ذلك وخالفتني فأن كنت أنا أمير المؤمنين فأني أعمل خلاصي معها، ثم أن الخليفة كتب لها ورقة مقدار إصبعين وبعدما كتبها ختمها وقال يا عبد الله إذا أتتك سعيدة فقل لها أن الخليفة ملك الأنس أمرني بعدم ضربهما وكتب لي هذه الورقة وهو يقرئك السلام وأعطها المرسوم ولا تخش بأساً.

ثم أخذ عليه العهد والميثاق أنه لا يضربهما فأخذهما وراح بهما إلى منزله وقال في نفسه يا ترى ما الذي يصنعه الخليفة في حق بنت سلطان الجن إذا كانت تخالفه وتضربني في هذه الليلة ولكن أنا صابرٌ على ضربي علقةً وأريح أخواي في هذه الليلة ولو كان يحصل لي من أجلهما العذاب، ثم أنه تفكر في نفسه وقال له عقله لولا أن الخليفة مستندٌ إلى سندٍ عظيم ما كان يمنعك عن ضربهما.

ثم أنه دخل منزله ونزع الأغلال من رقاب أخويه وقال توكلت على الله وصار يأخذ بخاطرهما ويقول لهما لا بأسٌ عليكما فأن الخليفة الخامس من بني العباس قد تكفل بخلاصكما وأنا قد عفوت عنكما وأن شاء الله تعالى يكون الأوان قد آن وتخلصان في هذه الليلة المباركة فأبشرا بالهناء والسرور، فلما سمعا هذا الكلام صار يعويان مثل عواء الكلاب.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة التاسعة والسبعين بعد التسعمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن عبد الله بن فاضل قال لأخويه أبشرا بالهناء والسرور فلما سمعا هذا الكلام صارا يعويان مثل عواء الكلاب ويمرغان خدودهما على أقدامه كأنهما يدعوان له ويتواضعان بين يديه فحزن عليها وصار يملس بيده على ظهورهما إلى أن جاء وقت العشاء فلما وضعوا السفرة قال لهما أجلسا فجلسا يأكلان معه على السفرة فصارت أعوانه باهتين يتعجبون من أكله مع الكلاب ويقولون هل هو مجنون أو مختل العقل كيف يأكل نائب مدينة البصرة مع الكلاب وهو أكبر من وزيرٍ أما يعلم أن الكلب نجسٌ وصاروا ينظرون إلى الكلبين وهما يأكلان معه أكل الحشمة ولا يعلمون أنهما أخواه وما وزالوا يتفرجون على عبد الله والكلبين حتى فرغوا من الأكل.

ثم أن عبد الله غسل يديه فمد الكلبان أيديهما وصارا يغسلان وكل من كان واقفاً صار يضحك عيهما ويتعجب ويقولون لبعضهم عمرنا ما رأينا الكلاب تأكل وتغسل أيديهما بعد أكل الطعام ثم أنهما جلسا على المراتب بجنب عبد الله بن فاضل ولم يقدر أحدٌ أن يسأله عن ذلك واستمر الأمر هكذا إلى نصف الليل ثم صرف الخدم وناموا ونام كل كلبٍ على سريرٍ وصار الخدام يقولون لبعضهم أنه نام ونام معه الكلبان وبعضهم يقول حيث أكل مع الكلاب على السفرة فلا بأس إذا ناما معه وما هذا إلا حال المجانين. ثم أنهم لم يأكلوا مما بقي في السفرة من الطعام شيئاً وقالوا كيف نأكل فضلة الكلاب ثم أخذوا السفرة بما فيها وروموها وقالوا أنها نجسةً هذا ما كان من أمرهم وأما ما كان من أمر عبد الله بن فاضل فأنه لم يشعر إلا والأرض قد انشقت وطلعت سعيدة وقالت يا عبد الله لأي شيءٍ مما ضربتهما في هذه الليلة ولأي شيءٍ نزلت الأغلال من أعناقهما هل فعلت ذلك عناداً لي أو استخفافاً بأمري ولكن أنا الآن أضربك وأسحرك كلباً مثلهما فقال لها يا سيدتي أقسمت عليك بالنقش الذي على خاتم سليمان بن داود عليهما السلام أن تحملي علي حتى أخبرك بالسبب ومهما أردتيه بي فأفعليه فقالت له أخبرني فقال لها أما سبب عدم ضربهما فأن ملك الأنس الخليفة أمير المؤمنين هارون الرشيد أمرني أن لا أضربهما في هذه الليلة وقد أخذ علي مواثيق وعهود على ذلك وهو يقرئك السلام وأعطاني مرسوماً بخط يده وأمرني أن أعطيك إياه فامتثلت مرةً وأطعته وطاعة أمير المؤمنين واجبة وها هو المرسوم فخذيه واقرئيه وبعد ذلك افعلي مرادك.

فقالت هاته فناولتها المرسوم ففتحته وقرأته وقرأت مكتوباً بسم الله الرحمن الرحيم من ملك الأنس هارون الرشيد إلى بنت الملك الأحمر سعيدة أما بعد فأن هذا الرجل قد سامح أخويه وأسقط حقه عنهما وقد حكمت عليهما بالصلح وإذا وقع الصلح ارتفع العقاب فأن اعترضتمونا في أحكامنا اعترضناكم في أحكامكم وخرقنا قانونكم وأن امتثلتم أمرنا ونفذتم أحكامنا فأننا ننفذ أحكامكم وقد حكمت عليك بعدم التعرض لهما فأن كنت تؤمنين بالله ورسوله فعليك بطاعة ولي الأمر وأن عفوت عنهما فأنا أجازيك بما يقدرني عليه ربي وعلامة الطاعة ترفعي سحرك عن هذين الرجلين حتى يقبلاني علي خالصين وأن لم تخلصيهما فأنا أخلصهما قهراً عنك بعون الله تعالى.

فلما قرأت ذلك الكتاب قالت يا عبد الله لا أفعل شيئاً حتى أذهب إلى أبي وأعرض عليه مرسوم ملك الأنس وأرجع إليك بالجواب بسرعةٍ ثم أشارت بيدها إلى الأرض فانشقت ونزلت فيها فلما ذهبت صار قلب عبد الله فرحاً وقال أعز الله أمير المؤمنين ثم أن سعيدة دخلت على أبيها وأخبرته بالخبر وعرضت عليه مرسوم أمير المؤمنين فقبله ووضعه على رأسه ثم قرأه وفهم ما فيه وقال يا بنتي أن أمر ملك الأنس علينا ماضٍ وحكمه فينا نافذٌ ولا نقدر أن نخالفه فأمضي إلى الرجلين وخلصيهما في هذه الساعة وقولي لهما أنتما في شفاعة ملك الأنس فأنه أن غضب علينا أهلكنا عن آخرنا فلا تحملينا ما لا نطيق فقالت له يا أبت إذا غضب علينا ملك الأنس ماذا يصنع بنا فقال لها يا بنتي أنه يقدر علينا من وجوه الأول لله من البشر فهو مفضلٌ علينا والثاني أنه خليفة الله والثالث أنه مصرٌ على ركعتي الفجر فلو اجتمعت عليه طوائف الجن من السبع أرضين لا يقدرون أن يصنعوا به مكروهاً فأن غضب علينا يصلي ركعتي الفجر ويصيح علينا صيحةً واحدةً فنجتمع بين يديه طائعين ونصير كالغنم بين يدي الجزار أن شاء فأمرنا بالرحيل من أوطاننا إلى أرضٍ موحشةٍ لا نستطيع المكث فيها وأن شاء هلاكنا أمر بهلاك نفسنا فيهلك بعضنا بعضاً فنحن لا نقدر على مخالفة أمره فأن خالفنا أمره أحرقنا جميعاً وليس لنا مفرٌ من بين يديه وكذلك كل عبدٍ داوم على ركعتي الفجر فأن حكمه نافذٌ فينا فلا تتسببي في هلاكنا من أجل رجلين بل أمضي وخلصيهما قبل أن يحيق بنا غضب أمير المؤمنين فرجعت إلى عبد الله بن فاضل وأخبرته بما قال أبوها وقالت له قبل لنا أيادي أمير المؤمنين وأطلب لنا رضاه ثم أنها أخرجت الطاسة ووضعت فيها الماء وعزمت عليها وتكلمت بكلماتٍ لا تفهم ثم رشتهما بالماء وقالت أخرجا من الصورة الكلبية إلى الصورة البشرية فعادا بشرين كما كانا وأنفك عنهما السحر وقالا أشهد أن لا أله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله ثم وقعاً على يد أخيهما وعلى رجليه يقبلانهما ويطلبان منه السماح، فقال لهما سامحاني أنتما ثم أنهما تابا توبةً نصوحاً وقالا قد غرنا إبليس اللعين وأغوانا السمع وربنا جزانا بما نستحقه والعفو من شيم الكرام وصارا يستعطافان أخاهما ويبكيانا ويتندمان على ما وقع منهما ثم أنه قال لهما ما فعلتما بزوجتي التي جئت بها من مدينة الحجر فقالوا لما أغوانا الشيطان ورميناك في البحر وقع الخلاف بيننا وصار كل واحدٍ منا يقول أنا أتزوج بها. فلما سمعت كلامنا ورأت اختلافنا وعرفت أننا رميناك في البحر طلعت من الخزانة وقالت لا تختصما من أجلي فأني لست لواحد منكما أن زوجي راح البرح وأنا أتبعه ثم أنها رمت نفسها في البحر وماتت فقال أنها ماتت شهيدة فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ثم أنه بكى عليها بكاءً شديداً وقال لهما لا يصح منكما أن تفعلا معي هذه الفعال وتعدا ما بي لزوجتي فقالا أننا أخطانا وربنا جازانا على ما فعلنا وهذا شيء قدره الله علينا قبل أن يخلقنا فقبل عذرهما ثم أن سعيدة قالت أيفعلان معك هذه الفعال وأنت تعفو عنهما فقال يا أختي من قدر وعفا كان أجره على الله، فقالت خذ حذرك منهما فأنهم خائفين، ثم ودعته وانصرفت.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الثمانين بعد التسعمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن عبد الله لما حذرته سعيدة من أخويه ودعته وانصرفت إلى حال سبيلها فبات عبد الله بقية تلك الليلة هو وأخواه على أكلٍ وشربٍ وبسطٍ وانشرح صدرهما

فلما أصبح الصباح أدخلهما الحمام وعند خروجهما من الحمام ألبس كل واحدٍ منهما بدلةً تساوي جملةً من المال ثم أنه طلب سفرة طعام فقدموها بين يديه فأكل هو وأخواه، فلما نظرهما الخدام وعرفوا أنهما أخواه سلموا عليهما وقالوا للأمير عبد الله: يا مولانا هناك الله باجتماعك على أخويك العزيزين وأين كانا في هذه المدة؟ فقال لهم: هما اللذان رأيتوهما في صورة كلبين والحمد لله الذي خلصهما من السجن والعذاب الأليم ثم أنه أخذهما وتوجه إلى ديوان الخليفة هارون الرشيد ودخل بهما عليه وقبل الأرض بين يديه ودعا له بدوام العز والنعم وإزالة البؤس والنقم، فقال له: مرحباً بك يا أمير المؤمنين أعز الله قدرك أني لما أخذت أخواي وذهبت بهما إلى منزلي اطمأنيت عليهما بسببك حيث تكفلت بخلاصهما وقلت في نفسي أن الملوك لا يعجزون عن أمرٍ يجتهدون فيه أن العناية تساعدهم ثم نزعت الأغلال من رقابهما وتوكلت على الله وأكلت أنا وإياهما على السفرة، فلما رآني أتباعي آكل معهما وهما في صورة كلبين استخفوا عقلي وقالوا لبعضهم لعله مجنونٌ كيف يأكل نائب البصرة مع الكلاب وهو أكبر من الوزير ورموا بما فضل من السفرة وقالوا لا نأكل ما بقي من الكلاب وصاروا يسفهون رأيي وأنا أسمع كلامهم ولا أرد عليهم جواباً لعدم معرفتهم أنهما أخواي ثم عرفتهم.

وعندما جاء وقت النوم طلبت النوم فلم أشعر إلا والأرض قد انشقت وخرجت سعيدة بنت الملك الأحمر وهي غضبانةٌ علي وعيناها مثل النار، ثم أخبر الخليفة بجميع ما وقع منها ومن أبيها وكيف أخرجتهما من الصورة الكلبية إلى الصورة البشرية، ثم قال: وها هما بين يديك يا أمير المؤمنين، فالتفت الخليفة فرآهما شابين كالقمرين فقال الخليفة: جزاك الله عني خيراً يا عبد الله حيث أعلمتني بفائدةٍ ما كنت أعلمها أن شاء الله لا أترك صلاة هاتين الركعتين قبل طلوع الفجر ما دمت حيا.

ثم أنه عنف شقيقا عبد الله بن فاضل على ما سلف منهما في حقه فاعتذرا قدام الخليفة، فقال لهم: تصافحوا وسامحوا بعضكم، وعفا الله عما سلف ثم التفت إلى عبد الله وقال: يا عبد الله أجعل أخويك معينين لك وتوصل بهما وأوصاهما بطاعة أخيهما. ثم أنعم عليهم وأمرهم بالارتحال إلى مدينة البصرة بعد أن عطاهم أنعاما جزيلا فنزلوا من ديوان الخليفة مجبورين وفرح الخليفة بهذه الفائدة التي استفادها من هذه الحركة وهي المداومة على صلاة ركعتي الفجر، وقال: صدق من قال: مصائب قومٍ عند قومٍ فوائد. هذا ما كان من أمرهم مع الخليفة.
وأما ما كان من أمر عبد الله بن فاضل فأنه سافر من مدينة بغداد ومعه أخواه بالإعزاز والإكرام وعلو المقام إلى أن دخلوا مدينة البصرة فخرج الأكابر والأعيان لملاقاتهم وزينوا لهم المدينة وأدخلوهم بموكبٍ ليس له نظيرٌ وصار الناس يدعون له وهو ينثر الذهب والفضة وصار جميع الناس صائحين بالدعاء له ولم يلتفت أحدٌ إلى أخويه، فدخلت الغيرة والحسد في قلوبهما ومع ذلك كان عبد الله يداريهما مداراة العين الرمداء كلما داراهما لا يزدادان إلا بغضاً له وحسداً فيه. ثم أنه أعطى كل واحدٍ منهما سريةً ليس لها نظيرٌ وجعلهما بخدمٍ وحشمٍ وجواري وعبيدٍ سودٍ وبيضٍ من كل نوعٍ أربعين وأعطى كل واحدٍ منهما خمسين جواداً من الخيل الجياد وصار لهما جماعةٌ وأتباعٌ، ثم أنه عين لهما خراجٌ ورتب لهما رواتب وجعلهما معينين له وقال لهما: أنا وأنتما سواءٌ ولا فرق بيني وبينكما.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الواحدة والثمانين بعد التسعمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن عبد الله رتب لأخويه الرواتب وجعلهما معينين له وقال لهما أنا وأنتما سواءٌ ولا فرق بيني وبينكما فالحكم بعد الله والخليفة لي ولكما فاحكما في البصرة في غيابي وحضوري وحكمكما نافذ ولكن عليكما بتقوى الله في الأحكام وإياكما والظلم فأنه أن دام دمر وعليكما بالعدل فأنه أن دام عمر، ولا تظلما العباد فيدعو عليكما وخبركما يصل إلى الخليفة فتحصل فضيحةٌ في حقي وحقكما فلا تتعرضا لظلم أحدٍ والذي تطمعان فيه من أموال الناس خذاه من مالي زيادةً على ما تحتاجان إليه ولا يخفى عليكما ما ورد في الظلم في حكم الآيات.

ثم أنه صار يعظ أخويه ويأمرهما بالعدل وينهاهما عن الظلم حتى ظن أنهما أحباه بسبب بذل النصيحة لهما ثم أنه ركن إليهما وبالغ في إكرامهما ومع إكرامه لهما ما ازدادا إلا حسداً له وبغضاً فيه.

وأما أخويه ناصراً ومنصوراً فأنهما اجتمعا مع بعضهما فقال ناصرٌ لمنصورٍ: يا أخي إلى متى ونحن تحت طاعة أخينا عبد الله وهو في هذه السيادة والإمارة وبعدما كان تاجراً صار أميراً وبعدما كان صغيراً صار كبيراً ونحن لم نكبر ولم يبق لنا قدرٌ ولا قيمةٌ وها هو ضحك علينا وعملنا معينين له ما معنى ذلك؟ أليس أننا نخدمه ومن تحت طاعته وما دام طيباً لا ترتفع درجتنا ولا يبقى لنا شأنٌ فلا يتم غرضنا إلا إن قتلناه وأخذنا أمواله ولا يمكن أخذ هذه الأموال إلا بعد هلاكه فإذا قتلناه نسود ونأخذ جميع ما في خزائنه من الجواهر والمعادن والذخائر وبعد ذلك نقسمها فيما بيننا ثم نهيء هديةً للخليفة ونطلب منه منصب الكوفة وأنت تكون نائب البصرة وأنا أكون نائب الكوفة أو أنك تكون نائب الكوفة وأنا أكون نائب البصرة ويبقى لكل واحدٍ منا صولةٌ وشأنٌ ولكن لا يتم لنا ذلك إلا إذا أهلكناه.

فقال منصور: أنك صادقٌ فيما قلت ولكن ماذا نصنع معه حتى نقتله؟ فقال: نعمل ضيافةً عند أحدنا ونعزمه إليها ونخدمه غاية الخدمة ثم نسأمره بالكلام ونحكي له حكاياتٍ ونكاتٍ ونوادرٍ إلى أن يذوب قلبه من السهر ثم نفرش له حتى يرقد فإذا رقد نبرك عليه وهو نائمٌ فنخنقه ونرميه في البحر ونصيح قائلين: أن أخته الجنية أتته وهو قاعدٌ يتحدث بيننا وقالت له: يا قطاعة الأنس ما مقدارك حتى تشكوني إلى أمير المؤمنين أتظن أننا نخاف منه فكما أنه ملكٌ نحن ملوكٌ وأن لم يلزم أدبه في حقنا قتلناه أقبح قتلةٍ، ولكن بقيت أنا أقتلك حتى ننظر ما يخرج من يد أمير المؤمنين.

ثم خطفته وشقت الأرض ونزلت به، فلما رأينا ذلك غشي علينا ثم استفقنا ولم ندر ما حصل له، وبعد ذلك نرسل إلى الخليفة ونعلمه فأنه يولينا مكانه وبعد مدةٍ نرسل إلى الخليفة هديةً سنيةً ونطلب منه حكم الكوفة وواحدٌ منا يقيم في البصرة والأخر يقيم في الكوفة وتطيب لنا البلاد ونقهر العباد ونبلغ المراد، فقال: نعم ما أشرت يا أخي.

فلما اتفقا على قتل أخيهما صنع ناصر ضيافةً وقال لأخيه عبد الله: يا أخي أعلم أني أخوك ومرادي أنك تجبر بخاطري أنت وأخي منصور وتأكلا ضيافتي في بيتي حتى أفتخر بك. ويقال: أن الأمير عبد الله أكل ضيافة أخيه ناصر لأجل أن يحصل له بذلك جبر خاطرٍ، فقال له عبد الله: لا بأس يا أخي ولا فرق بيني وبينك وبيتك بيتي ولكن حيث عزمتني فما يأبى الضيافة إلا اللئيم.

ثم التفت إلى أخيه منصور وقال له: أتذهب معي إلى بيت أخيك ناصرٌ وتأكل ضيافته وتجبر بخاطره؟ فقال له: يا أخي وحياة رأسك ما أروح معك حتى تحلف لي أنك بعدما تخرج من بيت أخي ناصر تدخل بيتي وتأكل ضيافتي فهل ناصرٌ أخوك وأنا لست أخاك فكما جبرت بخاطره تجبر بخاطري فقال: لا بأس بذلك حباً وكرامةً فمتى خرجت من دار أخيك ادخل دارك وكما هو أخي أنت أخي. ثم أن ناصراً قبل يده أخيه عبد الله ونزل من الديوان وعمل الضيافة وفي ثاني يومٍ ركب عبد الله وأخذ معه جملةً من العسكر وأخاه منصور وتوجه إلى دار أخيه ناصر وجلس هو وجماعته وأخوه قدم لهم السماط ورحب بهم، فأكلوا وشربوا وتلذذوا وطربوا وارتفعت السفرة وغسلت الأيادي وأقاموا ذلك اليوم على أكلٍ وشربٍ وبسطٍ ولعبٍ إلى الليل.

فلما تعشوا وصلوا المغرب والعشاء جلسوا على منادمة وصار منصورٌ يحكي حكايته وناصرٌ يحكي وعبد الله يسمع، أخوكانوا في قصرٍ وحدهم وبقية العسكر في مكانٍ آخر، ولم يزالوا في نكتٍ وحكاياتٍ ونوادرٍ وأخبارٍ حتى ذاب قلب أخيهم عبد الله من السهر وغلب عليه النوم.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الثانية والثمانين بعد التسعمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن عبد الله لما طال عليه السهر وأراد النوم فرشوا له الفراش ثم قلع ثيابه ونام وناما بجانبه على فرشٍ آخرٍ وصبرا عليه حتى استغرق في النوم، فلما عرفا أنه استغرق في النوم قاما وبركا عليه فأفاق فرآهما باركين على صدره فقال لهما: ما هذا يا أخواي؟ فقالا له: ما نحن أخواك ولا نعرفك يا قليل الأدب وقد صار موتك أحسن من حياتك، وحطا أيديهما في رقبته وخنقاه فغاب عن الدنيا ولم يبق فيه حركةً فظنا أنه مات وكان القصر على البحر فرموه في البحر.

فلما وقع في البخر سخر الله له درفيلاً كان معتاداً على مجيئه تحت ذلك القصر لأن المطبخ كان فيه طاقةً تشرف على البحر وكانوا كلما ذبحوا الذبائح يرمون تعاليقها في البحر من تلك الطاقة فيأتي ذلك الدرفيل ويلتقطها من على وجه الماء فأعتاد على ذلك المكان، وكانوا في ذلك اليوم قد رموا أسقاطاً كثيرةً بسبب الضيافة فأكل ذلك الدرفيل زيادةً عن كل يومٍ حصلت له فلما سمع الخبطة في البحر أتى مسرعاً فرآه ابن آدم فهداه الهادي وحمله على ظهره وشق به في وسط البحر ولم يزل سابحاً به حتى وصل إلى البر من الجهة الثانية وألقاه على البر وكان ذلك المكان الذي أطلعه فيه على قارعة الطريق فمرت به قافلةٌ فرأوه مرمياً على جانب البحر فقالوا: هنا غريقٌ ألقاه البحر على الشاطئ.

واجتمع عليه جماعةٌ من تلك القافلة يتفرجون عليه، وكان شيخ القافلة رجلاً من أهل الخير وعارفاً بجميع العلوم وخبيراً بعلم الطب وصاحب فرأسةٍ صادقةٍ فقال لهم: يا ناس ما الخبر؟ فقالوا: هذا غريقٌ ميتٌ، فأقبل عليه وتأمله وقال: يا ناس هذا الشاب فيه الروح وأنه من خيار أولاد الناس الأكابر وتربية العز والنعم وفيه الرجاء أن شاء الله تعالى.

ثم أنه أخذه وألبسه بدلةً وأدفأه وصار يعالجه ويلاطفه مدة ثلاث مراحل حتى أفاق ولكن حصلت له خضة فغلب عليه الضعف وصار شيخ القافلة يعالجه بأعشابٍ يعرفها، ولم يزالوا مسافرين مدة ثلاثين يوماً حتى بعدوا عن البصرة بهذه المسافة وهو يعالج فيه، ثم وصلوا مدينةً يقال لها مدينة عوج وهي في بلاد العجم فنزلوا في خانٍ وفرشوا له ورقد فبات تلك الليلة يئن وقد أفاق الناس من أنينه، فلما أصبح الصباح أتى بواب الخان إلى شيخ القافلة وقال له: ما شأن هذا الضعيف الذي عندك فأنه أقلقنا؟ فقال: هذا رأيته في الطريق على جانب البحر غريقاً فعالجته وعجزت ولم يشف، فقال له: أعرضه على الشيخة راجحة، فقال: ومن تكون الشيخة راجحة؟ فقال: عندنا بنتٌ بكرٌ شيخةٌ وهي عذراء جميلة اسمها الشيخة راجحة كل من به داءٌ يذهبون به إليها فيبيت عندها ليلةً واحدةً فيصبح معافى كأنه لم يكن فيه شيءٌ يضره. فقال له شيخ القافلة: دلني عليها، فقال له: أحمل مريضك، فحمله ومشى بواب الخان قدامه إلى أن وصل إلى زرايةٍ فرأى ناسٌ داخلين بالنذر وناس خارجين فرحانين فدخل بواب الخان حتى وصل إلى الستارة وقال: دستور يا شيخة راجحة خذي هذا المريض أدخليه من داخل هذه الستارة، فقالت له: ادخل فدخل ونظر إليها فرأى زوجته التي جاء بها من مدينة الحجر، فعرفها وعرفته وسلمت عليه فقال لها: من أتى بي إلى هذا المكان؟ فقالت له: لما رأيت أخويك رمياك في البحر وتخاصما علي رميت نفسي في البحر فتناولني شيخي الخضر أبو العباس وأتى بي إلى هذه الزاوية وأعطاني الأذن بشفاء المرضى ونادى في المدينة: كل من كان له داءٌ فعليه بالشيخة راجحة وقال لي: أقيمي في هذا المكان حتى يؤون الأوان ويأتي إليك زوجك، فصار كل مريض يأتي أكبسه فيصبح شافيا وشاع ذكري بين العالم وأقبل الناس علي بالنذور وعندي من الخير كثير وأنا في عزٍ وإكرامٍ وجميع أهل هذه البلاد يطلبون مني الدعاء.

ثم أنها كبست الرجل المريض فشفي بقدرة الله تعالى وكان الخضر عليه الصلاة والسلام يحضر عندها في كل ليلةِ جمعةِ وكانت تلك الليلة التي اجتمع فيها ليلة الجمعة، فلما جن الليل جلست هي وإياه بعدما تعشيا من أفخر المأكول ثم قعدا ينتظران حضور الخضر، فبينما هما جالسان وإذا به قد أقبل عليهما فحملهما من الزاوية ووضعهما في قصر عبد الله بن فاضل بالبصرة ثم تركهما وذهب.

فلما أصبح الصباح تأمل عبد الله في القصر فرآه قصره فعرفه وسمع الناس في ضجةٍ فنظر من الشباك فرأى شقيقيه مصلوبين كل واحدٍ منهما على خشبةٍ والسبب في ذلك أنهما لما رمياه في البحر ندما وأصبحا يبكيان ويقولان: أن أخانا خطفته الجنية، ثم هيئا هديا وأرسلاها إلى الخليفة وأعلماه بهذا الخبر وطلبا منه منصب البصرة فأرسل وأحضرهما عنده وسألهما فأعلماه كما ذكرنا فاشتد غضب الخليفة، فلما جن الليل صلى ركعتين قبل الفجر على عادته وصاح على طوائف الجن فحضروا بين يديه طائعين فسألهم عن عبد الله فحلفوا له أنه لم يتعرض له أحداً منهم وقالوا له: ما عندنا علمٌ به، فأتت سعيدة بنت الملك الأحمر وأعلمت الخليفة بقصته فصرفهم، وفي ثاني يوم رمى ناصراً ومنصوراً تحت الضرب فأقرا على بعضهما فغضب عليهما الخليفة وقال: خذوهما إلى البصرة واصلبوهما قدام قصر عبد الله، هذا ما كان من أمرهما.

وأما ما كان من أمر عبد الله فأنه أمر بدفن شقيقيه ثم ركب وتوجه إلى بغداد وأفاد الخليفة بحكايته وما فعل معه أخواه من الأول إلى النهاية فتعجب الخليفة من ذلك وأحضر الكاتب والشهود وكتب كتابه على البنت التي جاء بها من مدينة الحجر وأقام معها في البصرة إلى أن أتاهم هازم اللذات ومفرق الجماعات فسبحان الحي الذي لا يموت.