حكاية خالد بن عبد الله القسري مع الشاب السارق

حكاية خالد بن عبد الله القسري مع الشاب السارق

و مما يحكى أن خالد بن عبد الله القسري كان أمير البصرة فجاء إليه جماعة متعلقون بشاب ذي جمال باهر وأدب ظاهر وعقل وافر وهو حسن الصورة طيب الرائحة وعليه سكينة ووقار فقدموه إلى خالد فسألهم عن قصته فقالوا: هذا لص أصبناه البارحة في منزلنا فنظر إليه خالد فأعجبه حسن هيئته ونظافته فقال: حلوا عنه ثم دنا منه وسأله عن قصته فقال: القوم صادقون فيما قالوه والأمر على ما ذكروا فقال له خالد: ما حملك على ذلك وأنت في هيئة جميلة وصورة حسنة؟ قال: حملني على ذلك الطمع في الدنيا وقضاء الله سبحانه وتعالى. فقال له خالد: ثكلتك أمك، أما كان لك في جمال وجهك وكمال عقلك، وحسن أدبك زاجر يزجرك عن السرقة؟ قال: دع عنك هذا أيها الأمير وامض إلى ما أمر الله تعالى به فذلك ما كسبت يداي وما الله بظلام العبيد فسكت خالد ساعة يفكر في أمر الفتى. ثم أدناه منه وقال له: إن اعترافك على رؤوس الأشهاد قد رابني وانا ما اظنك سارقاً ولعل لك قصة غير السرقة فأخبرني بها؟ قال: أيها الأمير لا يقطع نفسك شيء سوى ما اعترفت به عندك وليس لي قصة أشرحها إلا أني دخلت دار هؤلاء فسرقت ما أمكنني فأدركوني وأخذوه مني وحملوني إليك فأمر خالد بحبسه وأمر مناد ينادي بالبصرة: إلى من أحب أن ينظر إلى عقوبة اللص وقطع يده فليحضر من الغداة إلى المحل الفلاني فلما استقر الفتى في الحبس ووضعوا في رجليه الحديد تنفس الصعداء، وأفاض العبرات وأنشد هذه الأبيات: 

                              هددني خالد بقـطـع يدي          إذا لم أبح عنده بقصتهـا

                              فقلت هيهات أن أبوح بما         تضمن القلب من محبتها

                              قطع يدي الذي اعترفت به       أهون للقلب من فضيحتها

فسمع ذلك الموكلون به فأتوا خالداً وأخبروه بما حصل منه فلما جن الليل أمر بإحضاره عنده فلما حضر لمنطقته رآه عاقلاً أديباً فطناً لبيباً فأمر بطعام فأكل وتحدث معه ساعة كاملة ثم قال له خالد: قد علمت أن لك قصة غير السرقة فإذا كان الصباح وحضر الناس وحضر القاضي وسألك عن السرقة فأنكرها واذكر ما يدرأ عنك حد القطع فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ادرؤوا الحدود بالشبهات ثم أمر به إلى السجن.
وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الثامنة والثلاثين بعد الثلاثمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن خالداً بعد أن تحدث مع الشاب أمر به إلى السجن فمكث فيه ليلته فلما أصبح الصباح حضر الناس يقطعون يد الشاب ولم يبق أحد في البصرة من رجل وامرأة إلا وقد حضر ليرى عقوبة ذلك الفتى، وركب خالد ومعه وجوه اهل البصرة وغيرهم ثم استدعى بالقضاة وأمر بإحضار الفتى فأقبل يحجل في قيوده، ولم يره أحد من الناس إلا وبكى عليه. وارتفعت أصوات النساء بالنحيب فأمر القاضي بتسكيت النساء، ثم قال له: إن هؤلاء القوم يزعمون أنك دخلت دارهم وسرقت مالهم فلعلك سرقت دون النصائب؟ قال: بل سرقت نصاباً كاملاً، قال: لعلك شريك القوم في شيء منه؟ قال: بل هو جميعه لهم ولا حق لي فيه، فغضب خالد وقام إليه بنفسه وضربه على وجهه بالسوط وقال متمثلاً بهذا البيت:  

                          يريد المرء أن يعطى مناه             ويأبى اللـه إلا مـا يريد

ثم دعا باجزار ليقطع يده وأخرج السكين ومد يده ووضع عليها السكين فبادرت جارية من وسط النساء عليها أطوار وسخة فصرخت ورمت نفسها عليه ثم أسفرت عن وجه كأنه القمر وارتفع في الناس ضجة عظيمة وكاد أن يقع بسبب ذلك فتنة طائرة الشر، ثم نادت تلك الجارية بأعلى صوتها: ناشدتك الله أيها الأمير لا تعجل بالقطع حتى تقرأ هذه الرقعة، ثم دفعت إليه رقعة ففتحها خالد وقرأها فإذا مكتوب فيها هذه الأبيات:  

                أخالد هـذا مـسـتـهـام مـتـيم            رمته لحاظي عن قسي الحمـالـق

                فأصماه سيف اللحظ مـنـي لأنـه       حليف جوري من دائه غير فـائق

                أقر بمـا لـم يقـتـرفـه كـأنـه            رأى ذلك خيراً من هتيكة عاشـق

                فمهلاً عن الصب الكـئيب فـإنـه        كريم السجايا في الورى غير سارق

فلما قرأ خالد هذه الأبيات تنحى وانفرد عن الناس وأحضر المرأة ثم سألها عن القصة فأخبرته بأن هذا الفتى عاشق لها وهي عاشقة له وإنما أراد زيارتها فتوجه إلى دار أهلها ورمى حجراً في الدار ليعلمها بمجيئه فسمع أبوها وأخوها صوت الحجر فصعدوا إليه فلما أحس بهم جمع قماش البيت كله وأراهم أنه سارق ستراً على معشوقته، فلما رأوه على هذه الحالة أخذوه وقالوا: هذا سارق وأتوا به إليك فاعترف بالسرقة وأصر على ذلك حتى لا يفضحني وقد ارتكب هذه الأمور واتهم نفسه بالسرقة لفرط مرؤته وكرم نفسه. فقال خالد: إنه لخليق أن يسعف بمراده، ثم استدعى الفتى إليه وقبله بين عينيه وامر بإحضار أبي الجارية وقال له: يا شيخ إنا كنا عزمنا على إنفاذ الحكم في هذا الفتى بالقطع ولكن الله عز وجل قد حفظه من ذلك، وقد أمرت له بعشرة آلاف درهم لبذله يده حفظاً لعرضك عرض ابنتك وصيانتكما من العار، وقد أمرت لابنتك بعشرة آلاف درهم حيث أخبرتني بحقيقة الأمر، وأنا أسألك أن تأذن لي في تزويجها منه، فقال الشيخ: أيها الأمير قد أذنت ك في ذلك، فحمد الله خالد وأثنى عليه وخطب خطبة حسنة. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة التاسعة والثلاثين بعد الثلاثمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن خالداً حمد الله وخطب خطبة حسنة وقال للفتى: قد زوجتك هذه الجارية فلانة الحاضرة بإذنها ورضاها وإذن أبيها على هذا المال وقدره عشرة آلاف درهم. فقال الفتى: قبلت منك هذا التزويج، ثم إن خالداً أمر بحمل المال إلى دار الفتى مزفوفاً في الصواني وانصرف الناس وهم مسرورون، فما رأيت يوماً أعجب من ذلك اليوم أوله بكاء وشرور وآخره فرح وسرور.

حكاية أبي محمد الكسلان مع الرشيد و مما يحكى أن هارون الرشيد كان جالساً ذات يوم في تخت الخلافة إذ دخل عليه غلام من الطواشية ومعه تاج من الذهب الأحمر مرصع بالدر والجواهر وفيه من سائر اليواقيت والجواهر ما لا يفي به مال، ثم إن الغلام قبل الأرض بين يدي الخليفة وقال له: يا أمير المؤمنين إن السيدة زبيدة.

فقالت لها أختها: ما أحسن حديثك وأطيبه وأحلاه واعذبه، فقالت: وأين هذا مما أحدثكم به الليلة القادمة إن عشت وأبقاني الملك، فقال الملك في نفسه: والله لا أقتلها حتى أسمع بقية حديثها. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الأربعين بعد الثلاثمائة قالت لها أختها: يا أختي أتمي لنا حديثك، قالت: حباً وكرامة إن أذن لي الملك فقال الملك: احكي يا شهرزاد، فقالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الغلام قال للخليفة إن السيدة زبيدة تقبل الأرض بين يديك وتقول لك: أنت تعرف أنها قد عملت هذا التاج وأنه محتاج إلى جوهرة كبيرة تكون في رأسه وفتشت ذخائرها فلم تجد فيها جوهرة كبيرة على غرضها فقال الخليفة للحجاب والنواب: فتشوا على جوهرة كبيرة على غرض زبيدة ففتشوا فلم يجدوا شيئاً يوافقها فاعلموا الخليفو بذلك فضاق صدره وقال: كيف أكون خليفة وملك ملوك الأرض وأعجزعن جوهرة؟ ويلكم اسألوا التجار فسألوا التجار فقالوا لهم: لا يجد مولانا الخليفة إلا عند رجل من البصرة يسمى أبا محمد الكسلان.

فأخبروا الخليفة بذلك فأمر وزيره جعفر أن يرسل بطاقة إلى الأمير محمد الزبيدي الميولي على البصرة أن يجهز أبا محمد الكسلان ويحضره بين يدي أمير المؤمنين فكتب الوزير بطاقة بمضمون ذلك وأرسلها مع مسرور، ثم توجه مسرور بالبطاقة إلى مدينة البصرة ودخل على المير محمد الزبيدي ففرح به وأكرمه غاية الإكرام ثم قرأ عليه بطاقة أمير المؤمنين هارون الرشيد فقال: سمعاً وطاعة، ثم أرسل مسرور مع جماعة من اتباعه إلى أبي محمد الكسلان فذهبوا إليه وطرقوا عليه الباب فخرج عليهم بعض الغلمان. فقال له مسرور: قل لسيدك أن أمير المؤمنين يطلبك فدخل الغلام وأخبره بذلك فخرج فوجد مسرور حاجب الخليفة ومعه أتباع الأمير محمد الزبيدي فقبل الأرض بين يديه وقال: سمعاً وطاعة لأمير المؤمنين ولكن ادخلوا عندنا فقالوا: ما نقدر على ذلك لأننا على عجل كما أمرنا أمير المؤمنين فإنه ينتظرنا قدومك، فقال: اصبروا علي يسيراً حتى أجهز أمري. ثم دخلوا معه إلى الدار بعد استعطاف زائد فرأوا في الدهليز ستاراً من الديباج الأزرق المطرز بالذهب الأحمر، ثم إن أبا محمد الكسلان أمر بعض غلمانه أن يدخلوا مع مسرور الحمام الذي في الدار ففعلوا فرأوا حيطانه ورخامه من الغرائب وهو مزركش بالذهب والفضة وماؤه ممزوج بماء الورد واحتفل الغلمان بمسرور ومن معه وخدموهم أتم الخدمة، ولما خرجوا من الحمام ألبسوهم خلعاً من الديباج منسوجة بالذهب. ثم دخل مسرور وأصحابه فنظروا أبا محمد الكسلان جالساً في قصره وقد علق على رأسه ستور من الديباج المنسوج بالذهب المرصع بالدر والجوهر والقصر مفروش بمساند مزركشة بالذهب الأحمر وهو جالس على مرتبة والمرتبة على سرير مرصع بالجواهر، فلما دخل عليه مسرور ورحب به تلقاه وأجلسه بجانبه ثم أمر بإحضار السماط، فلما رأى مسرور ذلك السماط قال: والله ما رأيت عند أمير المؤمنين مثل هذا السماط أبداً، وكان في ذلك السماط أنواع الأطعمة وكلها موضوعة في أطباق صينينة مذهبة. قال مسرور: فاكلنا وشربنا وفرحنا إلى آخر النهار ثم أعطى كل واحد منا خمسة آلاف دينار، ولما كان اليوم الثاني ألبسونا خلعاً خضراء مذهبة وأكرمونا غاية الإكرام.

ثم قال مسرور: لا يمكننا أن نقعد زيادة على تلك المدة خوفاً من الخليفة فقال له أبو محمد الكسلان: يا مولانا اصبر علينا إلى غد حتى نتجهز ونسير معكم فقعدوا ذلك اليوم وباتوا إلى الصباح، ثم إن الغلمان شدوا لأبي محمد الكسلان بغلة بسرج من الذهب مرصع بأنواع الدر والجوهر فقال مسرور في نفسه: يا ترى إذا حضر أبو محمد بين يدي الخليفة بتلك الصفة هل يسأله عن سبب تلك الأموال؟ ثم بعد ذلك ودعوا محمد الزبيدي وطلعوا من البصرة وساروا ولم يزالوا سائرين حتى وصلوا إلى مدينة بغداد فلما دخلوا على الخليفة ووقفوا بين يديه أمره بالجلوس فجلس، ثم تكلم بأدب وقال: يا أمير المؤمنين إني جئت معي بهدية على وجه الخدمة فهل أحضرها عن إذنك، قال الرشيد: لا بأس بذلك، فأمر بصندوق وفتحه وأخرج منه تفاحاً من جملتها أشجار من الذهب وأوراقها من الزمرد الأبيض وثمارها ياقوت أحمر وأصفر ولؤلؤ أبيض فتعجب الخليفة من ذلك، ثم أحضر صندوقاً ثانياً وأخرج منهخيمة من الديباج مكللة باللؤلؤ واليواقيت والزمرد والزبرجد وانواع الجوهر وقوائمها من عود هندي رطب وأذيال تلك الخيمة مرصعة بالزمرد الأخضر وفيها تصاوير كل الصور من سائر الحيوانات كالطيور والوحوش وتلك الصور مكللة بالجواهر واليواقيت والزمرد والزبرجد والبلخش وسائر المعادن. فلما رأى الرشيد ذلك فرح فرحاً شديداً ثم قال أبو محمد الكسلان: يا أمير المؤمنين لا تظن اني حملت لك هذا فزعاً من شيء ولا طمعاً في شيء وإنما رأيت نفسي رجلاً عامياً ورأيت هذا لا يصلح إلا لأمير المؤمنين وإن أذنت لي فرجتك على بعض ما أقدر عليه فقال الرشيد: افعل ما شئت حنى ننظر فقال سمعاً وطاعة ثم حرك شفتيه وأومأ إلى شراريف القصر فمالت إليه ثم أشار إليها فرجعت إلى موضعها ثم أشار بعينه فظهرت إليه مقفل الأبواب، ثم تكلم عليها وإذا بأصوات طيور تجاوبه فتعجب الرشيد من ذلك غاية العجب وقال له: من أين لك هذا كله وانت ما تعرف إلا بأبي محمد الكسلان وأخبروني أن أباك كان حلاقاً يخدم في حمام وما خلف لك شيئاً؟ فقال: يا أمير المؤمنين اسمع حديثي. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الحادية والربعين بعد الثلاثمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن أبا محمد الكسلان قال للخليفة: يا أمير المؤمنين اسمع حديثي فإنه عجيب وامره غريب لو كتب بالإبر على آماق البصر لكان عبرة لمن اعتبر، فقال الرشيد: حدث بما عندك وأخبرني به يا أبا محمد، فقال: يا أمير المؤمنين أدام الله لك العز والتمكين إن أخبار الناس بأني أعرف بالكسلان وأن أبي لم يخلف لي مالاً صدق لأن أبي لم يكن إلا كما ذكرت فإنه كان حلاقاً في حمام وكنت أنا في صغري أكسل من يوجد على وجه الأرض وقد بلغ من كسلي أني كنت نائماً في أيام الحر وطلعت علي الشمس أكسل عن أن أقوم وانتقل من الشمس إلى الظل. و أقمت على ذلك خمسة عشر عاماً، ثم إن أبي توفي إلى رحمة الله تعالى ولم يخلف لي شيئاً، وكانت أمي تخدم الناس وتطعمني وتسقيني وانا راقد على جنبي، فاتفق أن أمي دخلت علي في بعض الأيام ومعها خمسة دراهم من الفضة وقالت لي يا ولدي بلغني أن الشيخ أبا المظفر عزم على أن يسافر إلى الصين وكان ذلك الشيخ يحب الفقراء وهو من أهل الخير، فقالت أمي يا ولدي خذ هذه الخمسة دراهم وامض بنا إليه، واسأله أن يشتري لك بها شيئاً من بلاد الصين لعله يحصل لك فيه ربح من فضل الله تعالى فكسلت عن القيام معها فأقسمت بالله إن لم أقم معها لا تطعمني ولا تسقيني ولا تدخل علي بل تتركني اموت جوعاً وعطشاً، فلما سمعت كلامها يا أمير المؤمنين علمت انها تفعل ذلك لما تعلم من كسلي فقلت لها: اقعديني فأقعدتني وأنا باكي العين وقلت لها: ائتيني بمداسي فأتتني به فقلت ضعيه في رجلاي فوضعته فيهما. فقلت لها احمليني حتى ترفعيني من الرض ففعلت ذلك فقلت: اسنديني حتى أمشي فصارت تسندني وما زلت أمشي وأتعثر في أذيالي إلى أنوصلنا إلى ساحل البحر فسلمنا على الشيخ وقلت له يا عم أنت أبو المظفر؟ قال: لبيك قلت: خذ هذه الدراهم واشتر لي بها شيئاً من بلاد الصين عسى الله يربحني فيه فقال الشيخ أبو المظفر لأصحابه: أتعرفون هذا الشاب؟ قالوا: نعم، هذا يعرف بأبي محمد الكسلان ما رأيناه قط خرج من دار إلا في هذا الوقت.

فقال الشيخ أبو المظفر: يا ولدي هات الدراهم على بركة الله، ثم أخذ مني الدراهم وقال باسم الله ثم رجعت مع أمي إلى البيت وتوجه الشيخ أبو المظفر إلى السفر ومعه جماعة من التجار ولم يزالوا مسافرين حتى وصلوا إلى بلاد الصين ثم إن الشيخ باع واشترى وبعد عزم على الرجوع هو ومن معه بعد قضاء أغراضهم وساروا في البحر ثلاثة أيام فقال الشيخ لأصحابه: قفوا بالمركب فقال التجار: ما حاجتك فقال: اعلموا أن الرسالة التي معي لأبي محمد الكسلان نسيتها فارجعوا بنا حتى نشتري له شيئاً حتى ينتفع به.

فقالوا له: سألناك بالله تعالى أن لا تردنا فإننا قطعنا مسافة طويلة زائدة وحصل لنا في ذلك أهوال عظيمة ومشقة زائدة فقال: لا بد لنا الرجوع فقالوا: خذ منا أضعاف ربح الخمسة دراهم ولا تردنا فسمع مهم وجمعوا له مالاً جزيلاً ثم ساروا حتى أشرفوا على جزيرة فيها خلق كثير فأرسوا عليها وطلع التجار يشترون منها متجراً من معادن وجواهر ولؤلؤ وغير ذلك. ثم رأى أبو المظفر رجلاً جالساً وبين يديه قرود كثيرة وبينهم قرد منتوف الشعر وكانت تلك القرود كلما غفل صاحبهم يمسكون ذلك القرد المنتوف ويضربونه ويرمونه على صاحبهم فيقوم ويضربهم ويقيدهم ويعذبهم على ذلك فتغتاظ القرود كلها من ذلك القرد ويضربونه.

ثم إن الشيخ أبا المظفر لم رأى ذلك القرد حزن عليه ورفق به فقال لصاحبه: أتبيعني هذا القرد قال اشتر قال: إن معي لصبي يتيم خمسة دراهم هل تبيعني إياه بها قال له بعتك بارك الله لك فيه، ثم تسلمه وأقبضه الدراهم وأخذ عبيد الشيخ القرد وربطوه في المركب.

ثم حلوا وسافروا إلى جزيرة أخرى فارسوا عليها فنزل الغطاسون الذين يغطسون على المعادن واللؤلؤ والجوهر وغير ذلك فأعطاهم التجار دراهم أجرة على الغطاس فغطسوا فرآهم القرد يفعلون ذلك فحل نفسه من رباطه ونط من المركب وغطس معهم، فقال أبو المظفر لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم قد عدم القرد منا ببخت هذا المسكين الذي أخذناه له ويأسوا على القرد، ثم طلع جماعة من الغطاسين وإذا بالقرد طالع معهم وفي يده نفائس الجواهر فرماها بين يدي أبي المظفر فتعجب من ذلك وقال: إن هذا القرد فيه سر عظيم، ثم حلوا وسافروا إلى أن وصلوا إلى جزيرة الزنوج وهم قوم من السودان يأكلون لحم بني آدم، فلما رأوهم السودان ركبوا عليهم في المراكب وكتفوهم واتوا بهم إلى الملك فأمر بذبح جماعة من التجار فذبحوهم وأكلوا لحومهم ثم عن بقية التجار باتوا محبوسين وهم في نكد عظيم فلما كان وقت الليل قام القرد إلى أبي المظفر وحل قيده، فلما رأى التجار أبا المظفر قد انحل قالوا عسى الله أن يكون خلاصنا على يديك يا أبا المظفر، فقال لهم اعلمو ا أنه ما خلصني بإرادة الله تعالى إلا هذا القرد. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الثانية والأربعين بعد الثلاثمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن أبا المظفر قال: ما خلصني بإرادة الله تعالى إلا هذا القرد، وقد خرجت لهعن ألف دينار، فقال التجار: ونحن كذلك كل واحد منا خرج له عن ألف دينار إن خلصنا فقام القرد إليهم وصار يحل واحد بعد واحد حتى حل الجميع من قيودهم وذهبوا إلى المركب وطلعوا فيها فوجدوها سالمة ولم ينقص منها شيء ثم حلوا وسافروا. فقال أبو المظفر يا تجار أوفوا بالذي قلتم عليه للقرد قالوا: سمعاً وطاعة ودفع كل واحد منهم ألف دينار وأخرج أبو المظفر من ماله ألف دينار فاجتمع للقرد من المال شيء عظيم، ثم سافروا حتى وصلوا إلى مدينة البصرة فتلقاهم أصحابهم حين طلعوا من المركب.

فقال أبو المظفر أين ابو محمد الكسلان فبلغ الخبر إلى أمي فبينما أنا نائم إذ أقبلت علي أمي وقالت: يا ولدي إن الشيخ أبا المظفر قد أتى ووصل إلى المدينة فقم وتوجه إليه وسلم عليه واسأله عن الذي جاء به فلعل الله تعالى يكون قد فتح عليه بشيء فقلت لها احمليني من الأرض واسنديني حتى أخرج وأمشي إلى ساحل البحر، ثم مشيت وأنا أتعثر في أذيالي حتى وصلت إلى الشيخ أبا المظفر.

فلما رآني قال لي: أهلاً بمن كانت دراهمه سبباً لخلاصي وخلاص هؤلاء التجار بإرادة الله تعالى ثم قال لي: خذ هذا القرد فإني اشتريته لك وامض به إلى بيتك حتى أجيء إليك، فأخذت القرد ين يدي وقلت في نفسي والله ما هذا إلا متجر عظيم، ثم دخلت وقلت لأمي كلما أنام تأمريني بالقيام لأتجر فانظري بعينك هذا المتجر. ثم جلست، فبينما أنا جالس وإذا بعبيد أبي المظفر قد أقبلوا علي وقالوا لي: هل أنت أبو محمد الكسلان؟ فقلت لهم: نعم. وإذا بأبي المظفر أقبل خلفهم فقمت إليه وقبلت يديه فقال لي: سر معي إلى داري فقلت: سمعاً وطاعة وسرت معه إلى أن دخلت، وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الثالثة والأربعين بعد الثلاثمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن أبا محمد الكسلان قال ثم سرت معه ودخلت الدار فأمر عبيده أن يحضروا به فقال: يا ولدي لقد فتح الله عليك بهذا المال من ربح الخمسة دراهم ثم حملوه في صناديقه على رؤوسهم وأعطاني مفاتيح تلك الصناديق وقال لي: امض قدام العبيد إلى دارك فإن هذا المال كله لك، فمضيت إلى أمي ففرحت بذلك وقالت يا ولدي لقد فتح الله عليك بهذا المال الكثير فدع عنك هذا الكسل وانزل إلى السوق وبع واشتر فتركت الكسل وفتحت دكاناً في السوق وصار القرد يجلس معي على مرتبتي فإذا أكلت يأكل معي وإذا شربت يشرب معي وصار كل يوم من بكرة النهار يغيب إلى وقت الظهر ثم يأتي ومعه كيس فيه ألف دينار فيضعه في جانبي ويجل ولم يزل على هذه الحالة مدو من الزمان، حتى اجتمع عندي مال كثير فاشتريت يا أمير المؤمنين الأملاك والربوع وغرست البساتين، واشتريت المماليك والعبيد والجوار فاتفق في بعض الأيام أنني كنت جالساً والقرد جالس معي على المرتبة وإذا به تلفت يميناً وشمالاً فقلت في نفسي: أي شيء خبر هذا فأنطق الله القرد بلسان فصيح وقال: يا أبا محمد، فلما سمعت كلامه فزعت فزعاً شديداً فقال لي: لا تفزع أنا أخبرك بحالي إني مارد من الجن ولكن جئت بسبب ضعف حالك، وانت اليوم لا تدري قدر مالك وقد وقعت لي عندك حاجة وهي خير لك فقلت: ما هي؟ قال: أريد أن أزوجك بصبية مثل البدر، فقلت له: وكيف ذلك؟ فقال لي: في غد ألبسك قماشك الفاخر وأركب بغلتك بالسرج المذهب وامض إلى سوق العلافين واسأل عن دكان الشريف واجلس عنده، وقل له إني جئتخاطباً راغباً في ابنتك فإن قال لك: أنت ليس لك مال ولا حسب ولا نسب فادفع له ألف دينار، فإن قال زدني فزده ورغبه فقال: سمعاً وطاعة في غد أفعل ذلك إن شاء الله تعالى.قال أبو محمد: فلما أصبحت لبست أفخر قماشي وركبت البغلة بالسرج المذهب ثم مضيت إلى سوق العلافين وسألت عن دكان الشريف فوجدته جالساً في دكانه، فنزلت وسلمت عليه وجلست عنده. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الرابعة والأربعين بعد الثلاثمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن أبا محمد الكسلان قال فنزلت وسلمت عليه وجلست عنده وكان معي عشرة من العبيد والمماليك فقال الشريف: لعل لك عندنا حاجة نفوز بقضائها، فقلت: نعم لي عندك حاجة قال: وما هي حاجتك فقلت: جئتك خاطباً راغباً في ابنتك فقال لكن أنت ليس لك مال ولا حسب ولا نسب، فأخرجت له كيساً فيه ألف دينار ذهباً أحمر وقلت له: هذا حسبي ونسبي وقد قال صلى الله عليه وسلم: نعم الحسب المال وما أحسن قول من قال:  

                   من كان يملك درهمين تعلمت          شفتاه أنواع الكـلام فـقـالا

                   وتقدم الأخوان فاستمعـوا لـه            ورأيته بين الورى مخـتـالا

                   لولا دراهمه التي يزهو بهـا            لوجدته في الناس أسوأ حـالا

                   إن الغني إذا تكلم بالـخـطـأ             قالوا صدقت وما نطقت محالا

                   أما الفقير إذا تكلـم صـادقـا             قالوا كذبت وأبطلوا ما قـالا

                   إن الدراهم في المواطن كلهـا           تكسوا الرجال مهابة وجمـالا

                   فهي اللسان لمن أراد فصاحة           وهي السلاح لمن أراد قتـالا

فلما سمع الشريف مني هذا الكلام وفهم الشعر والنظام أطرق برأسه إلى الأرض ساعة ثم رفع رأسه وقال لي: إن كان ولابد فإني أريد منك ثلاثة آلاف دينار أخرى، فقلت: سمعاً وطاعة، ثم أرسلت بعض المماليك إلى منزلي فجاءني بالمال الذي طلبه فلما رأى ذلك وصل إليه قام من الدكان وقال لغلمانه: أقفلوها.

ثم دعا أصحابه من السوق إلى داره وكتب كتابي على ابنته وقال لي: بعد عشرة أيام أدخلك عليها، ثم مضيت إلى منزلي وأنا فرحان فخلوت مع القرد وأخبرته بما جرى لي، فقال: نعم ما فعلت.

فلما قرب ميعاد الشريف قال القرد: إن لي عندك حاجة إن قضيتها لي فلك عند ما شئت، قلت: وما حاجتك؟ قال لي: إن في صدر القاعة التي تدخل فيها على بنت الشريف خزانة وعلى بابها حلقة من نحاس والمفاتيح تحت الحلقة فخذها وافتح الباب تجد صندوقاً من حديد على أركانه أربع رايات من الطلسم وفي وسط ذلك طشت ملآن من المال وفي جانبه إحدى عشر حية وفي وسط الطشت ديك أفرق أبيض مربوط هناك سكين بجنب الصندوق فخذ السكين واذبح بها الديك واقطع الرايات واقلب الصندوق وبعد ذلك أخرج للعروسة وأزل بكارتها فهذه حاجتي عندك.

فقلت: سمعاً وطاعة ثم مضيت إلى دار الشريف فدخلت القاعة ونظرت إلى الخزانة التي وصفها لي القرد فلما خلوت بالعروسة تعجبت من حسنها وجمالها وقدها واعتدالها لأنها لا تستطيع الألسن أن تصف حسنها وجمالها ففرحت بها فرحاً شديداً، فلما كان نصف الليل ونامت العروسة قمت وأخذت المفاتيح وفتحت الخزانة وأخذت السكين وذبحت الديك وقطعت الرايات. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الخامسة والأربعين بعد الثلاثمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أنه قال لما ذبحت الديك وقطعت الرايات وقلبت الصندوق فاستيقظت الصبية فرأت الخزانة قد فتحت والديك قد ذبح فقالت: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم قد أخذني المارد فما استتمت كلامها إلا وقد أحاط المارد بالدار وخطف العروسة فعند ذلك وقعت الضجة وإذا بالشريف قد أقبل وهو يلطم على وجهه وقال: يا أبا محمد ما هذا الفعل الذي فعلته معنا هل هذا جزاؤنا منك وأنا قد عملت هذا الطلسم في هذه الخزنة خوفاً على ابنتي من هذا الملعون فإنه كان يقصد أخذ الصبية منذ ست سنين ولا يقدر على ذلك ولكن ما بقي لك عندنا مقام فامض إلى حال سبيلك. فخرجت من دار الشريف وجئت إلى داري وفتشت على القرد فلم أجده ولم أر له أثراً، فعلمت أنه هو المارد الذي أخذ زوجتي وتحيل علي حتى فعلت ذلك بالطلسم والديك اللذين كانا يمنعانه من أخذها فندمت وقطعت أثوابي ولطمت على وجهي ولم تسعني الأرض فخرجت من ساعتي وقصدت البرية، ولم أزل سائراً إلى أن أمسى علي المساء ولم أعلم أين أروح فبينما أنا مشغول الفكر إذ أقبل علي حيتان واحدة سمراء والخرى بيضاء وهما يقتتلان فأخذت حجراً من الأرض وضربت به الحية السمراء فقتلتها فإنها كانت باغية على البيضاء فغابت ساعة وعادت ومعها عشر حيات بيض فجاؤوا إلى الحية التي ماتت وقطعوها قطعاً حتى لم يبق إلا رأسها، ثم مضوا إلى حال سبيلهم واضطجعت في مكاني من التعب. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة السادسة والأربعين بعد الثلاثمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن أبا محمد الكسلان قال: ثم اضطجعت من التعب، فبينما أنا مضطجع متفكر في أمري وإذا بهاتف أسمع صوته ولم أر شخصه وهو يقول هذين البيتين:  

                     دع المقادير تجري في أعنتها          ولا تبتن إلا خالي الـبـال

                     ما بين طرفة عين وانتباهتها           يغير الله من حال إلى حال

فلما سمعت ذلك لحقني يا أمير المؤمنين أمر شديد وفكر ما عليه من مزيد وإذا بصوت من خلفي أسمعه ينشد هذين البيتين:

                      يا مسلماً أمامه الـقـرآن           أبشر به قد جاءك الأمان

                     ولا تخف ما سول الشيطان         فنحن قوم ديننـا الإيمـان

فقلت له: بحق معبودك أن تعرفني من أنت فانقلب ذلك الهاتف في صورة إنسان وقال لي: لا تخف فإن جميلك قد وصل إلينا ونحن قوم من جن المؤمنين فإن كان لك حاجة أخبرنا بها حتى نفوز بقضائها فقلت له: إن لي حاجة عظيمة لأني أصبت بمصيبة جسيمة ومن الذي حصل له مثل مصيبتي فقال: لعلك أبو محمد الكسلان، فقلت: نعم.

فقال: يا أبا محمد أنا أخو الحية البيضاء التي قتلت أنت عدوها ونحن أربع أخوة من أم وأب وكلنا شاكرون لفضلك واعلم أن الذي كان على صورة القرد وفعل معك المكيدة مارد من مردة الجن ولولا أنه تحيل بهذه الحيلة ما كان يقدر على أخذها أبداً لأن له مدة طويلة وهو يريد أخذها فيمنعه من ذلك الطلسم ولو بقي ذلك الطلسم ما كان يمكنه الوصول إليها ولكن لا تجزع من هذا الأمر فنحن نوصلك إليها ونقتل المارد فإن جميلك لا يضيع عندنا، ثم إنه صاح صيحة عظيمة. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة السابعة والأربعين بعد الثلاثمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن العفريت قال: فإن جميلك لا يضيع عندنا، ثم إنه صاح صيحة عظيمة بصوت هائل وإذا بجماعة قد أقبلوا عليه فسألهم عن القرد فقال واحد منهم: أنا أعرف مستقره، قال: أين مستقره؟ قال: في مدينة النحاس التي لا تطلع عليها الشمس، فقال: يا أبا محمد خذ عبد من عبيدنا وهو يخملك على ظهره ويعلمك كيف تأخذ الصبية واعلم أن ذلك العبد مارد من المردة فإذا حملك لا تذكر اسم الله وهو حاملك فإنه يهرب منك فتقع وتهلك، فقلت: سمعاً وطاعة.

فأخذت عبداً من عبيدهم فانحنى وقال:: اركب فركبت ثم طار بي في الجو حتى غاب عن الدنيا ورأيت النجوم كالجبال الرواسي وسمعت تسبيح الملائكة في السماء، كل ذلك والمارد يحدثني ويفرجني وينهيني عن ذكر الله.

فبينما أنا كذلك وإذا بشخص عليه لباس أخضر وله ذوائب ووجهه منير وفي يده حربة يطير منه الشرر قد أقبل علي وقال لي: يا أبا محمد قل لا إله إلا الله محمد رسول الله وإلا ضربتك بهذه الحربة، وكانت مهجتي قد تقطعت من سكوتي عن ذكر الله، فقلت: لا إله إلا الله محمد رسول الله، ثم إن ذلك الشخص ضرب المارد بالحربة فذاب وصار رماداً فسقطت من فوق ظهره وصرت أهوي إلى الأرض حتى وقعت في بحر عجاج متلاطم بالأمواج وإذا بسفينة فيها خمسة أشخاً بحرية، فلما رأوني أتوا إلي وحملوني في السفينة وصاروا يكلموني بكلام لا أعرفه فأشرت لهم أني لا أعرف كلامكم، فساروا إلى آخر النهار ثم رموا شبكة واصطادوا حوتاً وشووه وأطعموني. ولم يزالوا سائرين حتى وصلوا بي إلى مدينتهم فدخلوا بي إلى ملكهم وأوقعوني بين يديه فقبلت الأرض فخلع علي خلعة، وكان ذلك الملك يعرف اللغة العربية فقال: قد جعلتك من أعواني فقلت: ما اسم هذه المدينة؟ قال: اسمها هناد وهي من بلاد الهند، ثم إن الملك سلمني إلى وزير المدينة وأمره أن يفرجني في المدينة وكان أهل تلك المدينة في الزمن الأول كفار فمسخهم الله تعالى حجارة، فتفرجت فيها فلم أر أكثر من أشجارها وأثمارها فأقمت فيها مدة شهر ثم أتيت إلى نهر وجلست على شاطئه.

فبينما أنا جالس وإذا بفارس قد أتى وقال: هل أنت أبو محمد الكسلان؟ فقلت له: نعم. قال: لا تخف فإن جميلك وصل إلينا، فقلت له: من أنت؟ قال: أنا أخو الحية وأنت قريب من مكان الصبية التي تريد الوصول إليها، ثم خلع أثوابه وألبسني إياها وقال لي: لا تخف فإن العبد الذي هلك من تحتك بعض عبيدنا نائم، ثم إن ذلك الفارس أردفني خلفه وسار بي إلى البرية وقال: انزل من خلفي وسر بين هذين الجبلين حتى ترى مدينة النحاس فقف بعيداً عنها ولا تدخلها حتى أعود إليك وأقول لك كيف تصنع، فقلت له: سمعاً وطاعة. ونزلت من خلفه ومشيت حتى وصلت إلى المدينة فرأيت سورها فأخذت أدور حولها وإذا بأخ الحية قد أقبل علي وأعطاني سيفاً مطلسماً حتى لا يراني أحد، ثم إنه مضى في حال سبيله فلم يغب عني. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الثامنة والأربعين بعد الثلاثمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن أبا محمد الكسلان قال: لم يغب عني إلا قليلاً فإذا بصياح قد علا ورأيت خلقاً كثيراً وأعينهم في صدورهم، فلما رأوني قالوا: من أنت وما الذي في هذا المكان فأخبرتهم بالواقعة فقالوا: الصبية التي ذكرتها مع المارد في هذه المدينة وما ندري ما فعل بها ونحن أخوة الحية ثم قالوا: امض إلى تلك العين من أين يدخل الماء وادخل معه فإنه يوصلك إلى المدينة ففعلت ذلك ودخلت مع الماء في سرداب تحت الأرض ثم طلعت معه فرأيت نفسي في وسط المدينة ووجدت الصبية جالسة على سرير من ذهب وعليها ستارة ديباج وحول الستارة بستان فيه أشجار من الذهب وأثمارها من نفيس الجواهر كالياقوت والزبرجد واللؤلؤ والمرجان.

فلما رأتني الصبية عرفتني وابتدأتني بالسلام وقالت لي: يا سيدي من أوصلك إلى هذا المكان؟ فأخبرتها بما جرى فقالت لي: اعلم أن هذا الملعون من كثرة محبته لي أعلمني بالذي يضره والذي ينفعه وأعلمني أن في هذه المدينة طلسمان إن شاء هلاك جميع من في المدينة أهلكهم به، ومهما أمر العفاريت فإنهم يمتثلون أمره وذلك الطلسم في عمود، فقلت لها: وأين العمود؟ فقالت: في المكان الفلاني. فقلت: وأي شيء يكون ذلك الطلسم قالت: هو صورة عقاب وعليه كتابة لا أعرفها فخذه بين يديك وخذ مجمرة نار وارمِ فيه شيئاً من المسك فيطلع دخان يجذب العفاريت فإذا فعلت ذلك فإنهم يحضرون بين يديك كلهم ولا يغيب منهم احد ويمتثلون أمرك ومهما أمرتهم فإنهم يفعلونه فقم وافعل ذلك على بركة الله تعالى.

فقلت لها: سمعاً وطاعة ثم قمت وذهبت إلى ذلك العمود وفعلت جميع ما أمرتني به فجاءت العفاريت وحضرت بين يدي وقالوا: لبيك يا سيدي فمهما أمرتنا به فعلناه فقلت لهم: قيدوا المارد الذي جاء بهذه الصبية من مكانها فقالوا: سمعاً وطاعة ثم ذهبوا إلى ذلك المارد وقيدوه وشدوا وثاقه ورجعوا إلي وقالوا قد فعلنا ما أمرتنا به فأمرتهم بالرجوع ثم رجعت إلى الصبية وأخبرتها بما حصل وقلت: يا زوجيت هل تروحين معي؟ فقالت: نعم ثم إني طلعت بها من السرداب حتى وصلنا إلى القوم الذي كانوا دلوني عليها. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الواحدة والخمسين بعد الثلاثمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أنه قال: وسرنا حتى وصلنا إلى القوم الذين كانوا دلوني عليها ثم قلت: دلوني على طريق توصلني إلى بلادي فدلوني ومشوا معي إلى ساحل البحر وأنزلوني في مركب وطاب لنا الريح فسارت بنا تلك المركب حتى وصلنا إلى مدينة البصرة فلما دخلت الصبية دار أبيها رأوها أهلها ففرحوا فرحاً شديداً ثم إني بخرت العقاب بالمسك وإذا بالعفاريت قد أقبلوا من كل مكان وقالوا: لبيك فما تريد أن تفعل فأمرتهم أن ينقلوا كل ما في مدينة النحاس من المال والمعادن والجواهر إلى داري في البصرة ففعلوا ذلك ثم أمرتهم أن يأتوا بالقرد فأتوا به ذليلاً حقيراً. فقلت له: يا ملعون لأي شيء غدرت بي ثم أمرتهم أن يدخلوه في قمقم نحاس فأدخلوه في قمقم ضيق من نحاس وسدوا عليه بالرصاً وأقمت أنا وزوجتي في هناء وسرور وعندي الآن يا أمير المؤمنين من نفائس الذخائر والجواهر وكثير الأموال ما لا يحيط به عد ولا يحصره حد وإذا طلبت شيئاً من المال وغيره أمرت الجن أن يأتوا لك به في الحال وكل ذلك هو من فضل الله تعالى، فتعجب أمير المؤمنين من ذلك غاية العجب ثم أعطاه مواهب الخلافة عوضاً عن هديته وأنعم عليه إنعاماً يليق به.