حكاية حسن الصائغ البصري

حكاية حسن الصائغ البصري

ومما يحكى أيضاً أنه كان في قديم الزمان وسالف العصر والأوان رجل تاجر من التجار مقيم بأرض البصرة وكان ذلك التاجر له ولدان ذكران وكان عنده مال كثير فقدر الله السميع العليم أن التاجر توفي إلى رحمة الله تعالى وترك تلك الأموال فأخذ ولداه في تجهيزه ودفنه. وبعد ذلك اقتسما الأموال بينهما بالسوية وأخذ كل واحد منهما قسمة وفتحا لهما دكاكين أحدهما نحاس والثاني صائغ فبينما الصائغ جالس في دكانه يوماً من الأيام إذا برجل أعجمي ماشي في السوق بين الناس إلى أن مر على دكان الولد الصائغ فنظر إلى صنعته وتأملها بمعرفته فأعجبته وكان اسم الصائغ حسناً فهز الأعجمي رأسه وقال والله إنك صائغ مليح وصار ينظر إلى صناعته وهو ينظر إلى كتاب عتيق كان بيده والناس مشغولين بحسنه وجماله واعتداله، فلما كان وقت العصر خلت الدكاكين من الناس، فعند ذلك أقبل الرجل الأعجمي عليه وقال له يا ولدي أنت شاب مليح وأنا ما لي ولد وقد عرفت صنعة ما في الدنيا أحسن منها وقد سألني خلق كثير من الناس في شأن تعليمها فما رضيت أن أعلمها أحداً منهم، ولكن قد سمحت نفسي أعلمك إياها وأجعلك ولدي واجلع بينك وبين الفقر حجاباً وتستريح من هذه الصنعة والتعب في المطرقة والفحم والنار فقال له حسن يا سيدي ومتى تعلمني، فقال له في غد آتيك وأصنع لك من النحاس ذهباً خالصاً بحضرتك ففرح حسن وودع الأعجمي وسار إلى والدته فدخل وسلم عليها وأكل معها وهو مدهوش بلا وعي ولا عقل فقالت أمه ما بالك يا ولدي إحذر أن تسمع كلام الناس خصوصاً الأعاجم فلا تطاوعهم في شيء فإن هؤلاء غشاشون يعلمون صنعة الكيمياء وينصبون على الناس ويأخذون أموالهم ويأكلونها بالباطل. فقال لها يا أمي نحن ناس فقراء وما عندنا شيء يطمع فيه حتى ينصب علينا وقد جاءني رجل أعجمي لكنه شيخ صالح عليه أثر الصلاح وقد حننه الله علي فسكتت أمه على غيظ وصار ولدها مشغول القلب ولم يأخذه نوم في تلك الليلة من شدة فرحه بقول الأعجمي له فلما أصبح الصباح وأخذ المفاتيح وفتح الدكان، وإذا بالأعجمي أقبل عليه فقام وأراد حسن أن يقبل يديه فامتنع ولم يرض بذلك وقال يا حسن عمر البودقة وركب الكير، ففعل ما أمره به الأعجمي وأوقد الفحم فقال له الأعجمي يا ولدي هل عندك نحاس قال عندي طبق مكسور فأمره أن يتكيء عليه بالكاز ويقطعه قطعاً صغاراً ففعل كما قال له وقطعه قطعاً صغاراً ورماه في البودقة ونفخ عليه بالكير حتى صار ماء فمد الأعجمي يده إلى عمامته وأخرج منها ورقة ملفوفة وفتحها وذر منها شيئاً في البودقة مقدار نصف درهم وذلك الشيء يشبه الكحل الأصفر وأمر حسناً أن ينفخ عليه بالكير ففعل مثل ما أمره حتى صار سبيكة ذهب، فلما نظر حسن إلى ذلك اندهش وتحير عقله من الفرح الذي حصل له وأخذ السبيكة وقبلها وأخذ المبرد وحكها فرآها ذهباً خالصاً من عال العال فطار عقله واندهش من شدة الفرح، ثم انحنى على يد الأعجمي ليقبلها فقال له: خذ هذه السبيكة وانزل بها إلى السوق وبعها واقبض ثمنها سريعاً ولا تتكلم فنزل حسن وأعطى السبيكة إلى الدلال فأخذها منه وحكها فوجدها ذهباً خالصاً ففتحوا بابها بعشرة آلاف درهم وقد تزايد فيها التجار فباعها بخمسة عشر ألف درهم وقبض ثمنها ومضى إلى البيت وحكى لأمه جميع ما فعل وقال إني قد تعلمت هذه الصنعة، فضحكت عليه وقالت لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة السادسة والثلاثين بعد السبعمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن حسناً الصائغ لما حكى لأمه ما فعل الأعجمي وقال لها إني قد تعلمت هذه الصنعة قالت لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وسكتت على غيظ منها ثم إن حسناً أخذ من جهته هاوناً وذهب به إلى الأعجمي وهو قاعد في الدكان ووضعه بين يديه فقال له يا ولدي ما تريد أن تصنع بهذا الهون قال ندخله في النار ونفعله سبائك ذهب، فضحك الأعجمي وقال يا ولدي هل أنت مجنون حتى تنزل السوق بسبيكتين في يوم واحد ما تعلم أن الناس ينكرون علينا وتروح علينا، ولكن يا ولدي إذا علمتك هذه الصنعة لا تعملها في السنة إلا مرة واحدة فهي تكفيك من السنة إلى السنة قال صدقت يا سيدي ثم إنه قعد في الدكان وركب في البودقة ورمى الفحم على النار فقال له الأعجمي يا ولدي ماذا تريد قال علمني هذه الصنعة، فضحك الأعجمي وقال لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم أنت يا ابني قليل العقل ما تصلح لهذه الصنعة قط هل أحد في عمره يتعلم هذه الصنعة على قارعة الطريق أو في الأسواق فإن اشتغلنا بها في هذا المكان يقول الناس علينا إن هؤلاء يصنعون الكيمياء فتسمع بنا الحكام وتروح أرواحنا فإذا أردت يا ولدي أن تتعلم هذه فاذهب معي إلى بيتي، فقام حسن وأغلق الدكان وتوجه مع الأعجمي فبينما هو في الطريق غذ تذكر قول أمه وحسب في نفسه ألف حساب فوقف وأطرق برأسه إلى الأرض ساعة زمانية فالتفت الأعجمي فرآه واقفاً فضحك وقال هل أنت مجنون كيف أضمر لك في قلبي الخير وأنت تحسب أني أضرك وقال له الأعجمي إن كنت خائفاً من ذهابك معي إلى بيتي فأنا أروح معك إلى بيتك وأعلمك هناك فقال له حسن نعم فقال له امش قدامي فسار حسن قدامه وسار الأعجمي خلفه إلى أن وصل الأعجمي إلى منزله فدخل حسن إلى داره فوجد والدته فأعلمها بحضور الأعجمي معه وهو واقف على الباب ففرشت لهما البيت ورتبته.

فلما فرغت من أمرها راحت ثم إن حسناً أذن للأعجمي أن يدخل فدخل ثم إن حسناً أخذ في يده طبقاً وذهب به إلى السوق ليجيء فيه بشيء يأكله فخرج وجاء بأكل وأحضره بين يديه وقال له كل يا سيدي لأجل أن يصير بيننا خبز وملح والله تعالى ينتقم ممن يخون الخبز والملح. فقال له صدقت يا ولدي ثم تبسم وقال له يا ولدي من يعرف قدر الخبز والملح ثم تقدم الأعجمي وأكل مع حسن حتى اكتفيا، ثم قال له الأعجمي يا ولدي يا حسن هات لنا شيئاً من الحلوى فمضى حسن إلى السوق وأحضر عشر قباب الحلوى وفرح حسن بكلام الأعجمي، فلما قدم خيراً يا ولدي مثلك من يصاحبه الناس ويظهرونه على أسرارهم ويعلمونه ما ينفعه ثم قال الأعجمي يا حسن أحضر العدة، فلما سمع هذا الحديث إلا وخرج مثل المهر إذا انطلق من الربيع حتى أتى إلى الدكان وأخذ العدة ورجع ووضعها بين يديه فأخرج الأعجمي قرطاساً من الورق وقال يا حسن وحق الخبز والملح لولا أنت أعز من ولدي ما أطلعتك على هذه الصنعة وما بقي شيء من الإكسير إلا في هذا القرطاس، ولكن تأمل حين أركب العقاقير وأضعها قدامك واعلم يا ولدي يا حسن أنك تضع على كل عشرة أرطال نحاساً نصف درهم من هذا الذي في الورقة فتصير العشرة أرطال ذهباً خالصاً إبريزاً ثم قال يا ولدي يا حسن إن في هذه الورقة ثلاثة أوراق بالوزن المصري وبعد أن يفرغ ما في هذه الورقة اعمل لك غيره فأخذ حسن الورقة فرأى شيئاً أصفر أنعم من الأول فقال يا سيدي ما اسم هذا وأين يوجد وفي أي شيء يعمل فضحك الأعجمي من طمع حسن وقال له عن أي شيء تسأل وأنت ساكت، وأخرج طاسة من البيت واخرج طاسة من البيت اقطعها وألقاها في البودقة ورمى عليها قليل من الذي في الورقة فصارت سبيكة من الذهب الخالص.

فلما رأى حسن ذلك فرح فرحاً شديداً وصار متحيراً في عقله مشغولاً بتلك السبيكة فأخرج صرة من رأسه بسرعة وقطعها ووضعها في قطعة من الحلوى وقال له يا حسن أنت بقيت ولدي وصرت عندي أعز من روحي ومالي وعندي بنت أزوجك بها فقال حسن أنا غلامك ومهما فعلته معي كان عند الله تعالى فقا الأعجمي يا ولدي طول بالك وصبر نفسك يحصل لك الخير ثم ناوله القطعة الحلوى فأخذها وقبل يده ووضعها في فمه وهو لا يعلم ما قدر له في الغيب ثم بلع قطعة الحلوى فسبقت رأسه ورجليه وغاب عن الدنيا فلما رآه الأعجمي وقد حل به البلاء فرح فرحاً شديداً وقام على أقدام وقال وقعت يا علق يا كلب العرب لي أعوام كثيرة أفتش عليك حتى حصلتك يا حسن.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة السابعة والثلاثين بعد السبعمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن حسناً الصائغ لما أكل قطعة الحلوى التي أعطاها له الأعجمي ووقع منها على الأرض مغشياً عليه، فرح الأعجمي وقال له لي أعوام كثيرة وأنا أفتش عليك حتى حصلتك، ثم إن الأعجمي شد وسطه وكتف حسناً وربط رجليه على يديه، وأخذ صندوقاً وأخرج منه الحوائج التي كانت فيه ووضع حسناً فيه وقفله عليه وفرغ صندوقاً آخر وحط فيه جميع المال الذي عند حسن والسبائك الذهب التي عملها أولاً وثانياً وقفله ثم خرج يجري إلى السوق وأحضر حمالاً حمل الصندوق، وتقدم إلى المركب الراسي وكان ذلك المركب مهيأ للأعجمي وريسه منتظر، فلما نظره بحريته أتوا إليه وحملوا الصندوقين ووضعوهما في المركب وصرخ الأعجمي على الريس وعلى جميع البحرية وقال لهم قوموا قد انقضت الحاجة وبلغنا المراد، فصرخ الريس على البحرية قال لهم: أقلعوا المراسي وحلوا القلوع، وصار المركب بريح طيبة هذا ما كان من أمر الأعجمي.

وأما ما كان من أمر أم حسن فإنها انتظرته إلى العشاء، فلم تسمع له صوتاً ولا خبراً فجاءت إلى البيت فرأته مفتوحاً ولم تر فيه أحداً، ولم تجد الصناديق ولا المال، فعرفت أن ولدها قد فقد ونفذ فيه القضاء فلطمت على وجهها وشقت أثوابها وصاحت وولولت وصارت تقول واولداه واثمرة فؤاداه.

ثم إنها صارت تبكي وتنوح إلى الصباح فدخل عليها الجيران وسألوها عن ولدها فأخبرتهم بما جرى له مع العجمي واعتقدت أنها لن تجده بعد ذلك.

ثم قالت نعم يا ولدي إن الدار قفرة والمزار بعيد ثم إن الجيران ودعوها بعد أن دعوا لها بالصبر وجمع الشمل قريباً، ولم تزل أم حسن تبكي أثناء الليل وأطراف النهار، وبنت في وسط البيت قبراً وكتبت عليه اسم حسن وتاريخ فقده وكانت لا تفارق ذلك القبر ولم يزل ذلك دأبها من حين فارقها ولدها، هذا ما كان من أمرها. وأما ما كان من أمر ولدها حسن مع الأعجمي، فإن الأعجمي كان مجوسياً وكان يبغض المسلمين كثيراً وكلما قدر على أحد من المسلمين يهلكه وهو خبيث لئيم كيماوي كما قال فيه الشاعر:

هو الكلب وابن الكلب والكلب جده

 

ولا خير في كلب تناسل من كلب

وكان اسم ذلك الملعون بهرام المجوسي، وكان له في كل سنة واحد من المسلمين يأخذه ويذبحه على مطلب، فلما تمت حيلته على حسن الصائغ وسار به من أول النهار إلى الليل رسى المركب على بر إلى الصباح، فلما طلعت الشمس وسار المركب أمر الأعجمي عبيده وغلمانه أن يحضروا له الصندوق الذي فيه حسن فأحضروه له ففتحه وأخرجه منه ونشقه بالخل ونفخ في أنفه ذرراً فعطس وتقايا بالبنج وفتح عينيه ونظر يميناً وشمالاً، فوجد نفسه في وسط البحر والمركب سائراً والأعجمي قاعداً عنده، فعلم أنها حيلة عملت عليه قد عملها الملعون المجوسي وأنه وقع في الأمر الذي كانت فيه أمه تحذره فقال كلمة لا يخجل قائلها وهي: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم إنا لله وإنا إليه راجعون اللهم الطف بي في قضائك وصبرني على بلائك يا رب العالمين، ثم التفت إلى الأعجمي وكلمه بكلام رقيق وقال له يا والدي ما هذه الفعال وأين الخبز والملح واليمين التي حلفتها لي فنظر إليه وقال له يا كلب هل مثلي يعرف خبزاً وملحاً وأنا قد قتلت ألف صبي إلا صبيا وأنت تمام الألف، وصاح عليه فسكت وعلم أن سهم القضاء نفذ فيه.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الثامنة والثلاثين بعد السبعمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن حسناً لما رأى نفسه وقع مع الأعجمي الملعون كلمه بكلام رقيق فلم يفده بل صاح عليه فسكت وعلم أن سهم القضاء نفذ فيه فعند ذلك أمر الملعون بحل أكتافه، ثم سقوه قليلاً من الماء والمجوسي يضحك ويقول وحق النار والنور والظل والحرور، وما كنت أظن أنك تقع في شبكتي، ولكن النار قوتني عليك وأعانتني على قبضك حتى أقضي حاجتي وأرجع وأجعلك قرباناً لها حتى ترضى عني فقال حسن قد خنت الخبز والملح فرفع المجوسي يده وضربه ضربة فوقع وعض الأرض بأسنانه، وغشي عليه وجرت دموعه على خده ثم أمر المجوسي أن يوقدوا له ناراً، فقال له حسن ما تصنع بها فقال له هذه النار صاحبة النور والشرور وهي التي أعبدها فإن كنت تعبدها مثلي فأنا أعطيك نصف مالي وأزوجك بنتي، فصاح حسن عليه وقال يا ويلك إنما أنت مجوسي كافر تعبد النار دون الملك الجبار خالق الليل والنهار وما هذه إلا وصية في الأديان.

فعند ذلك غضب المجوسي وقال: أما توافقني يا كلب العرب وتدخل في ديني فلم يوافقه حسن على ذلك، فقام المجوسي الملعون وسجد للنار وأمر غلمانه أن يرموا حسناً على وجهه فرموه، وصار المجوسي يضربه بسوط مضفور من جلد حتى شرح جوانبه وهو يستغيث فلا يغاث ويستجير فلا يجيره أحد فرفع طرفه إلى الملك القهار وتوسل إليه بالنبي المختار وقد قل منه الاصطبار وجرت دموعه على خديه كالأمطار. ثم إن المجوسي أمر العبيد أن يقعدوا وأمر أن يأتوا إليه بشيء من المأكول والمشروب فأحضروه فلم يرض أن يأكل ولا يشرب وصار المجوسي يعذبه ليلاً ونهاراً مسافة الطريق وهو صابر يتضرع إلى الله عز وجل، وقد قسى قلب المجوسي عليه، ولم يزالوا سائرين في البحر مدة ثلاثة أشهر، وحسن معهم في العذاب فلما كملت الثلاثة أشهر أرسل الله تعالى على المركب ريحاً فاسود البحر وهاج بالمركب من كثرة الريح فقال الريس والبحرية هذا والله كله ذنب هذا الصبي الذي له ثلاثة أشهر في العقوبة مع هذا المجوسي وهذا ما يحل من الله تعالى ثم إنهم قاوموا المجوسي وقتلوا غلمانه وكل من كان معه فلما رآهم المجوسي قتلوا الغلمان أيقن بالهلاك، وخاف على نفسه وحل من أكتافه وقلعه ما كان عليه من الثياب الرثة وألبسه غيرها وصالحه، ووعده أن يعلمه الصنعة ويرده إلى بلده وقال يا ولدي لا تؤاخذني بما فعلت، فقال له حسن كيف بقيت أركن إليك فقال له يا ولدي لولا الذنب ما كانت المغفرة وأنا ما فعلت معك هذه الأفعال إلا لأجل أن أنظر صبرك وأنت تعلم أن الأمر كله بيد الله ففرحت البحرية والريس بخلاصه، فدعا لهم حسن وحمد الله تعالى وشكره فسكتت الرياح وانكشفت الظلمة وطاب اليح والسفر، ثم إن حسناً قال للمجوسي يا أعجمي إلى أين تتوجه قال يا ولدي أتوجه إلى جبل السحاب الذي فيه الإكسير الذي نعمله كيمياء، وحلف المجوسي بالنار والنور أنه ما بقي لحسن عنده ما يخيفه فطاب قلب حسن وفرح بكلام المجوسي، وصار يأكل معه ويشرب وينام ويلبسه من ملبوسه، ولم يزالوا مسافرين مدة ثلاثة أشهر أخرى.

وبعد ذلك رسى المركب على بر طويل كله حصى أبيض وأصفر وأزرق وأسود وغير ذلك من جميع الألوان، فلما رسى نهض الأعجمي قائماً وقال يا حسن قوم اطلع فإننا قد وصلنا إلى مطلوبنا ومرادنا فقام حسن وطلع مع الأعجمي وأوصى المجوسي الريس على مصالحه ثم مشى حسن مع المجوسي إلى أن بعدا عن المركب وغابا عن الأعين ثم قعد المجوسي وأخرج من جيبه طبلاً نحاسياً وزخمة من حرير منقوشة بالذهب وعليها طلاسم وضرب الطبل، فلما فرغ ظهرت غبرة من ظهر البرية، فتعجب حسن من فعله وخاف منه وندم على طلوعه معه وتغير لونه فنظر إليه المجوسي وقال له ما لك يا ولدي وحق النار والنور، ما بقي عليك خوف مني ولولا أن حاجتي ما تقضى إلا على اسمك ما كنت أطلعك من المركب فأبشر كل خير، وهذه الغبرة غبرة شيء نركبه فيعيننا على قطع هذه البرية ويسهل علينا مشقتها فما كان إلا قليل حتى انكشفت الغبرة عن ثلاث نجائب، فركب الأعجمي واحدة وركب حسن واحدة وحملا زادهما على الثالثة وسارا سبعة أيام، ثم انتهيا إلى أرض واسعة فلما نزلا في تلك الأرض نظرا إلى قبة معقودة على أربعة أعمدة من الذهب الأحمر، فنزلا من فوق النجائب ودخلا تحت القبة وأكلا وشربا واستراحا فلاحت التفاتة من حسن فرأى شيئاً عالياً فقال له حسن ما هذا يا عم فقال له المجوسي هذا قصر، فقال له حسن أما نقوم ندخل لنستريح فيه وتنفرج عليه فذهب المجوسي وقال له لا تذكر لي هذا القصر فإن فيه عدوي ووقعت لي معه حكاية ليس هذا وقت إخبارك بها، ثم دق الطبل فأقبلت النجائب فركبا وسارا سبعة أيام فلما كان اليوم الثامن قال المجوسي يا حسن ما الذي تنظره فقال حسن أنظر سحاباً وغماماً بين المشرق والمغرب.

فقال له المجوسي ما هذا سحاب ولا غمام وإنما هو جبل شاهق ينقسم عليه السحاب وليس هناك سحاب يكون فوقه من فرط علوه وعظم ارتفاعه وهذا الجبل هو المقصود لي وفوقه حاجتنا ولأجل هذا جئت بك معي وحاجتي تقضى على يديك، فعند ذلك يئس حسن من الحياة ثم قال المجوسي بحق معبودك وبحق ما تعتقده من دينك أي شيء الحاجة التي جئت بي من أجلها فقال له إن صنعة الكيمياء لا تصلح إلا بحشيش ينبت في المحل الذي يمر به السحاب وينقطع عليه وهو هذا الجبل والحشيش فوقه، فإذا حصلنا الحشيش أريك أي شيء هذه الصنعة فقال له حسن من خوفه نعم يا سيدي وقد يئس من الحياة وبكى لفراق أمه وأهله ووطنه وندم على مخالفته أمه، ولم يزالا سائرين إلى أن وصلا إلى ذلك الجبل ووقفا تحته فنظر حسن فوق ذلك الجبل قصراً.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة التاسعة والثلاثين بعد السبعمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن المجوسي وحسن لما وصلا إلى الجبل وقفا تحته فنظر حسن فوق الجبل قصراً فقال للمجوسي ما هذا القصر فقال المجوسي هذا مسكن الجان والغيلان والشياطين ثم إن المجوسي نزل من فوق نجيبه وأمره بالنزول وقام إليه وقبل رأسه وقال لا تؤاخذني بما فعلته معك فأنا أحفظك عند طلوعك القصر وينبغي أنك لا تخونني في شيء من الذي تحضره منه وأكون أنا وأنت فيه سواء، فقال السمع الطاعة ثم إن الأعجمي فتح جراباً وأخرج منه طاحوناً وأخرج منه أيضاً مقداراً من القمح وطحنه على ذلك الطاحون وعجن منه ثلاثة أقراص، وأوقد النار وخبز الأقراص ثم أخرج منه أيضاً الطبل النحاس والزخمة المنقوشة ودق الطبل فحضرت النجائب فاختار منها نجيباً وذبحه وسلخ جلده ثم التفت إلى حسن وقال له اسمع يا ولدي يا حسن ما أوصيك به قال له نعم قال ادخل في هذا وأخيط عليك وأطرحك على الأرض فتأتي طيور الرخ فتحملك وتطير بك إلى أعلى الجبل وخذ هذه السكين معك فإذا فرغت من طيرانها وعرفت أنها حطتك فوق الجبل فشق بها الجلد واخرج فإن الطير يخاف منك ويطير عنك وطل لي من فوق الجبل وكلمني حتى أخبرك بالذي تعمله، ثم هيأ له الثلاثة أقراص وركوة فيها ماء وحطها معه في الجلد بعد ذلك خيطه عليه ثم بعد عنه فجاء طير الرخ وحمله وطار به إلى أعلى الجبل ووضعه هناك، فلما عرف حسن أن الرخ وضعه على الجبل شق الجلد وخرج منه وكلم المجوسي.

فلما سمع المجوسي كلامه فرح ورقص من شدة الفرح وقال له امض إلى ورائك ومهما رأيته فأعلمني به فمضى حسن فرأى رمماً كثيرة وعندهم حطب كثير فأخبره بجميع ما رآه، فقال له هذا هو المقصود والمطلوب فخذ من الحطب ست حزم وارمها إلي فإنها هي التي نعملها كيمياء، فرمى له الست حزم، فلما رأى المجوسي تلك الحزم قد وصلت عنده قال لحسن يا علق قد انقضت الحاجة التي أردتها منك وإن شئت قدم على هذا الجبل أو ألق نفسك على الأرض حتى تهلك ثم مضى المجوسي.

فقال حسن لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم قد مكر بي هذا الكلب الملعون ثم إنه وقف على قدميه والتفت يميناً وشمالاً، ثم مضى فوق الجبل وأيقن في نفسه بالموت وصار يتمشى حتى وصل إلى الطرف الآخر من الجبل فرأى بجنب الجبل بحراً أزرقاً متلاطم قد أزبد وكل موجة منه كالجبل العظيم فقعد وقرأ ما تيسر من القرآن وسأل الله تعالى أن يهون عليه إما الموت وإما الخلاص من هذه الشدائد، ثم صلى على نفسه صلاة الجنازة ورمى نفسه في البحر، فحملته الأمواج على سلامة الله تعالى إلى أن طلع من البحر سالماً بقدرة الله تعالى ففرح وحمد الله تعالى وشكره ثم قام يمشي ويفتش على شيء يأكله، فبينما هو كذلك وإذا هو بالمكان الذي كان فيه هو وبهرام المجوسي، ثم مشى ساعة فإذا هو بقصر عظيم شاهق في الهواء فدخله فإذا هو القصر الذي كان سأل عنه المجوسي وقال له إن هذا القصر فيه عدوي فقال حسن والله لابد من دخولي هذا القصر لعل الفرج يحصل لي، فلما رأى بابه مفتوحاً دخل من الباب، فرأى مصطبة من الدهليز وعلى المصطبة بنتان كالقمران بين أيديهما رقعة شطرنج وهما يلعبان فرفعت واحدة منهما رأسها إليه وصاحت من فرحتها وقالت والله إن هذا آدمي وأظنه الذي جاء به بهرام المجوسي في هذه السنة، فلما سمع حسن كلامهما رمى نفسه بين أيديهما وبكى بكاء شديداً وقال يا سيدتي هو أنا ذلك المسكين. فقالت البنت الصغرى لأختها الكبرى اشهدي علي يا أختي أن هذا أخي في عهد الله وميثاقه، وإني أموت لموته وأحيا لحياته وأفرح لفرحه وأحزن لحزنه ثم قامت له وعانقته وقبلته وأخذذته من يده ودخلت به القصر وأختها معها وقلعته ما كان عليه من الثياب الرثة وأتت له ببدلة من ملابس الملوك وألبسته إياها وهيأت له الطعام من سائر الألوان وقدمته له، وقعدت هي وأختها وأكلتا معه وقالتا له حدثنا بحديثك مع الكلب الفاجر الساحر من حين وقعت في يده إلى حين خلصت منه ونحن نحدثك بما جرى لنا معه من أول الأمر إلى آخره حتى تصير على حذر إذا رأيته فلما سمع حسن منهما هذا الكلام ورأى الإقبال منهما عليه اطمأنت نفسه ورجع له عقله وصار يحدثهما بما جرى له معه من الأول إلى الآخر فقالتا له: هل سألته عن هذا القصر قال نعم سألته فقال لي لا أحب سيرته فإن هذا القصر للشياطين والأبالسة فغضبت البنتان غضباً شديداً وقالتا هل جعلنا هذا الكافر شياطين وأبالسة.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الأربعين بعد السبعمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن البنتان قالتا جعلنا المجوسي شياطين وأبالسة، فقال لهما حسن نعم فقالت الصغيرة أخت حسن والله لأقتلنه أقبح قتلة ولأعدمنه نسيم الدنيا فقال حسن وكيف تصلين إليه وتقتليه قالت هو في بستان يسمى المشيد ولابد من قتله قريباً، فقالت لها أختها صدق حسن وكل ما قاله عن هذا الكلب صحيح ولكن حدثيه بحديثه كلنا حتى يبقى في ذهنه فقالت البنت الصغيرة اعلم يا أخي أننا من بنات ملك من ملوك الجان العظام الشأن وله جنود وأعوان وخدم من المردة ورزقه الله تعالى بسبع بنات من امرأة واحدة ولحقه من الحماقة والغيرة وعزة النفس ما لا يزيد عليه حتى إنه لم يزوجنا لأحد من الرجال، ثم إنه أحضر وزرائه وأصحابه وقال لهم هل أنتم تعرفون لي مكاناً لا يطرقه طارق لا من الإنس ولا من الجن ويكون كثير الأشجار والأثمار والأنهار فقالوا له ما الذي تصنع به يا ملك الزمان فقال أريد أن أجعل فيه بناتي السبعة. فقالوا له يصلح لهن قصر جبل السحاب الذي كان أنشأه عفريت من الجن المردة الذين تمردوا على عهد سلميان عليه السلام، فلما هلك لم يسكنه أحد بعده لا من الجن ولا من الإنس لأنه منقطع لا يصل إليه أحد وحوله الأشجار والأثمار والأنهار وحوله ماء أحلى من الشهد وأبرد من الثلاج ما شرب منه أحد به برص أو جذام أو غيرهما إلا عوفي من وقته وساعته، فلما سمع والدنا بذلك أرسلنا إلى هذا القصر وأرسل معنا العساكر والجنود وجمع لنا ما نحتاج إليه وكان إذا أراد الركوب يضرب الطبل فيحضر له جميع الجنود فيختار ما يركبه منهم وينصرف الباقون، فإذا أراد والدنا نحضر عنده أمر أتباعه من السحرة بإحضارنا فيأتوننا ويأخذوننا بين يديه حتى يأتنس بنا ونقضي أغراضنا منه، ثم يرجعوننا إلى مكاننا ونحن لنا خمس أخوات ذهبن يتصيدن في هذه الفلاة فإن فيها من الوحوش ما لا يعد ولا يحصى وكل اثنين منا عليهما نوبة في القعود لتسوية الطعام فجاءت النوبة علينا أنا وأختي هذه، فقعدن لنسوي لهن الطعام وكنا نسأل الله سبحانه وتعالى أن يرزقنا شخصاً آدمياً يؤانسنا فالحمد لله الذي أوصلك إلينا، فطب نفساً وقر عيناً ما عليك بأس، ففرح حسن وقال الحمد لله الذي هدانا إلى طريق الخلاص وحنن علينا القلوب، ثم قامت وأخذته من يده وأدخلته مقصورة وأخرجت منها من القماش والفرش ما لا يقدر عليه أحد من المخلوقات، ثم بعد ساعة حضر أخواتهما من الصيد والقنص، فأخبرتاهن بحديث حسن ففرحن به ودخلن عليه في المقصورة وسلمن عليه وهنينه بالسلامة ثم أقام عندهن في أطيب عيش وسرور وصار يخرج معهن إلى الصيد والقنص ويذبح الصيد واستأنس حسن بهن ولم يزل معهن على هذه الحالة حتى صح جسده وبرأ من الذي كان به وقوي جسمه وغلظ وسمن بسبب ما هو فيه من الكرامة وقعوده عندهن في ذلك الموضع وهو يتفرج ويتفسح معهن في القصر المزخرف في البساتين والأزهار وهن يأخذن بخاطره ويؤانسنه بالكلام، وقد زالت عنه الوحشة وزادت البنات به فرحاً وسروراً وكذلك هو فرح بهن أكثر مما فرحن به، ثم أخته الصغيرة حدثت أختها بحديث بهرام المجوسي، وأنه جعلهن شياطين وأبالسة وغيلان فحلفن لها أنه لابد من قتله فلما كان العام الثاني حضر الملعون ومعه شاب مليح مسلم كأنه القمر وهو مقيد بقيد ومعذب غاية العذاب فنزل به تحت القصر الذي دخل فيه حسن على البنات وكان حسن جالساً على النهر تحت الأشجار فلما رآه حسن خفق قلبه وتغير لونه وضرب بكفيه.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الواحدة والأربعين بعد السبعمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن حسناً الصائغ لما رأى المجوسي خفق قلبه وتغير لونه وضرب بكفيه، وقال بالله يا أخواتي أعينوني على قتل هذا الملعون فها هو حضر وصار في قبضتكن ومعه شاب مسلم أسير من أولاد الناس الأكابر وهو يعذبه بأنواع العذاب الأليم، وقصدي أن أقتله وأشفي فؤادي منه وأريح هذا الشاب من عذابه وأكسب الثواب ويرجع الشاب المسلم إلى وطنه فيجتمع شمله مع إخوانه وأهله وأحبابه ويكون ذلك صدقة عنكن وتفزن بالأجر من الله تعالى، فقالت له البنات السمع والطاعة لله ولك يا حسن ثم إنهن ضربنا لهن لثامات ولبسن أدوات آلات الحرب، وتقلدن بالسيوف وأحضرن لحسن جواداً من أحسن الخيل وهيأنه بعدة كاملة، وسلحنه سلاحاً مليحاً، ثم ساروا جميعاً فوجدوا المجوسي قد ذبح جملاً وسلخه وهو يعاقب الشاب ويقول له ادخل هذا الجلد، فجاء حسن من خلفه والمجوسي ما عنده علم به وصاح عليه فأذهله وخبله، ثم تقدم إليه وقال له أمسك يدك يا ملعون يا عدو الله وعدو المسلمين، يا كلب يا غدار يا عابد النار يا سالك طريق الفجار أتعبد النار والنور وتقسم بالظل والحر، فالتفت المجوسي فرأى حسناً فقال له يا ولدي كيف تخلصت ومن أنزلك إلى الأرض فقال له حسن خلصني الله الذي جعل قبض روحك على يد أعدائك كما عذبتني طول الطريق يا كافر يا زنديق قد وقعت في الضيق وزغت عن الطرق فلا أم تنفعك ولا أخ ولا صديق ولا عهد وثيق أنك قلت من يخون العيش والملح ينتقم الله منه وأنت خنت الخبز والملح فأوقعك الله في قبضتي وصار خلاصك مني بعيداً، فقال له المجوسي والله يا ولدي أنت أعز من روحي ومن نور عيني فتقدم إليه حسن وعجل عليه بضربة على عاتقه فخرج السيف يلمع من علائقه وعجل الله بروحه إلى النار وبئس القرار ثم إن حسناً أخذ الجراب الذي كان معه وفتحه وأخرج الطبل منه والزخمة وضرب بها على الطبل فجاءت النجائب مثل البرق إلى حسن فحل الشاب من وثاقه وأركبه نجيباً وحمل له الباقي زاداً وماء وقال له توجه إلى مقصدك فتوجه بعد أن خلصه الله من الضيق على يد حسن.

ثم إن البنات لما رأين حسناً ضرب رقبة المجوسي فرحن فرحاً شديداً ودرن حوله وتعجبن من شجاعته ومن شدة بأسه وشكرنه على ما فعل، وهنأنه بالسلامة وقلن له يا حسن لقد فعلت فعلاً شفيت به الغليل وأرضيت به الجليل وسار هو والبنات إلى القصر، وأقام معهن وهو في أكل وشرب ولعب وضحك وطابت له الإقامة عندهن ونسي أمه.

فبينما هو معهن في ألذ عيش إذ طلعت عليهم غبرة عظيمة من صدر البرية أظلم لها الجو، فقالت له البنات قم يا حسن وادخل مقصورتك واختف وإن شئت فادخل البستان وتوارى بين الشجر والكروم فما عليك بأس، ثم إنه قام ودخل واختفى في مقصورته وأغلقها عليه من داخل القصر، وبعد ساعة انكشف الغبار وبان من تحته عسكر جرار مثل البحر العجاج مقبلاً من عند الملك أبي البنات فلما وصل العسكر أنزلتهم أحسن منزل وضيفتهم ثلاثة أيام وبعد ذلك سألهم البنات عن حالهم وعن خبرهم، فقالوا إننا جئنا من عند الملك في طلبكن فقلن لهم وما يريد الملك منا، قالوا إن بعض الملوك يعمل فرحاً ويردي أن تحضرن ذلك الفرح ليتفرجن فقالت لهم البنات: وكم نغيب عن موضعنا فقالوا مدة الرواح والمجيء وإقامة شهرين، فقامت البنات ودخلن القصر على حسن وأعلمنه بالحال، وقلن له إن هذا الموضع موضعك وبيتك وبيتنا بيتك فطب نفساً وقر عيناً ولا تخف ولا تحزن، فإنه لا أحد يقدر أن يجيء إلينا في هذا المكان فكن مطمئن القلب منشرح الخاطر حتى نحضر إليك وهذه مفاتيح مقاصيرنا معك، ولكن يا أخانا نسأل لك بحق الأخوة أنك لا تفتح هذا الباب فإنه ليس لك بفتحه حاجة ثم إنهن ودعنه وانصرفن في صحبة العساكر وقعد حسن في القصر وحده وفرغ صبره وزاد كربه واستوحش وحزن لفراقهن حزناً عظيماً وضاق عليه القصر مع اتساعه فلما رأى نفسه وحيداً منفرداً تذكرهن.

 وقالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن حسناً بعد ذهاب البنات من عنده قعد في القصر وحده فضاق صدره من فراقهن ثم إنه صار يذهب وحده إلى الصيد في البراري فيأتي به ويذبحه ويأكل وحده فزادت به الوحشة والقلق من انفراده فقام ودار في القصر وفتش جميع جهاته، وفتح مقاصير البنات فرأى فيها من الأموال ما يذهب عقول الناظرين وهو لا يلتذ بشيء من ذلك بسبب غيبتهن والتهبت في قلبه النار من الباب الذي أوصته أخته بعدم فتحه وأمرته أنه لا يقربه ولا يفتحه أبداً، فقال في نفسه ما أوصتني أختي بعدم فتح هذا الباب إلا لكونه فيه شيء تريد أن لا يطلع عليه أحد، والله إني لا أقوم وأفتحه وأنظر ما فيه ولو كان فيه المنية فأخذ المفتاح وفتحه فمل ير فيه شيئاً من المال، ولكنه رأى سلماً في صدر المكان معقود بحجر من جذع يماني فرقي على ذلك السلم وصعد إلى أن وصل إلى سطح القصر، فقال في نفسه هذا الذي منعتني أختي عنه ودار فوقه فاشرف على مكان تحت القصر مملوء بالمزارع والبساتين والأشجار والأزهار والوحوش والطيور، وهي تغرد وتسبح الله الواحد القهار وصار يتأمل في تلك المتنزهات فرأى بحراً عجاجاً متلاطماً بالأمواج، ولم يزل دائراً حول ذلك القصر يميناً وشمالاً حتى انتهى إلى القصر على أربعة أعمدة فرأى فيه مقعداً منقوشاً بسائر الأحجار كالياقوت والزمرد والبخلش وأصناف الجواهر وهو مبني طوبة من فضة وطوبة من ذهب وطوبة من ياقوت وطوبة من زمرد أخضر وفي تلك القصر بحيرة ملآنة بالماء وعليها مكعب من الصندل وعواميد، وهو مشبك بقضبان الذهب الأحمر والزمرد الأخضر مزركش بأنواع الجواهر واللؤلؤ الذي كل حبة منه قدر بيضة الحمامة وعلى جانب البحيرة تخت من العود الند مرصع بالدر والجوهر مشبك بالذهب الأحمر وفيه من سائر الفصوص الملونة والمعادن النفيسة، وهي في الترصيع يقبل بعضها بعضاً وحوله الأطيار تغرد بلغات مختلفة، وتسبح الله تعالى بحسن أصواتها واختلاف لغاتها وهذا القصر لم يملك مثله كسرى ولا قيصر، فاندهش حسن لما رأى ذلك وجلس فيه ينظر ما حوله.

فبينما هو جالس فيه وهو متعجب من حسن صنعته ومن بهجة ما حواه من الدر والياقوت وما فيه من سائر الصناعات، ومتعجب من تلك المزارع والأطيار التي تسبح الله الواحد القهار ويتأمل في آثار من قدرة الله تعالى على عمارة هذا القصر العظيم فإنه عظيم الشأن وإذا هو بعشر طيور قد أقبلوا من جهة البر وهم يقصدون ذلك القصر وتلك البحيرة فعرف حسن أنهم يقصدون تلك البحيرة ليشربوا من مائها فاستتر منهم خوفاً أن ينظروه فيفروا منه ثم إنهم نزلوا على شجرة عظيمة مليحة وأداروا حولها، فنظر منهم طيراً عظيماً مليحاً وهو أحسن ما فيهم والبقية محتاطون به وهم في خدمته فتعجب حسن من ذلك وصار ذلك الطير ينقر التسعة بمنقاره ويتعاظم عليهم، وهم يهربون منه وحسن واقف عليهم من بعيد ثم إنهم جلسوا على السرير وشق كل طير منهم جلده بمخالبه وخرج منه فغدا هو ثوب من ريش وقد خرج من الثياب عشر بنات أبكار يفضحن بحسنهن بهجة الأقمار فلما تعرين من ثيابهن نزلن كلهن في البحيرة واغتسلن.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الثانية والأربعين بعد السبعمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن البنات لما نزلن كلهن في البحيرة واغتسلن وصرن يلعبن ويتمازحن، وصارت الطيرة الفائقة عليهن ترميهن وتغطسهن فيهربن منها ولا يقدرن أن يمددنا أيديهن إليها، فلما نظرها حسن غاب عن صوابه وانسلب عقله وعرف أن البنات ما نهينه عن فتح هذا الباب، إلا لهذا السبب فشغف حسن بها حباً لما رأى حسنها وجمالها وقدها واعتدالها وهي في لعب ومزاج ومراشة بالماء، وحسن واقف ينظر إليهن ويتحسر حيث لم يكن معهن وقد حار عقله من حسن الجارية الكبيرة، وتعلق قلبه بمحبتها ووقع في شرك هواها والعين ناظرة وفي القلب نار محرقة والنفس أمارة بالسوء فبكى حسن شوقاً لحسنها وجمالها وانطلقت في قلبه النيران من أجلها، وزاد به لهيب لا يطفأ شرره وغرام لا يخفى أثره. ثم بعد ذلك طلعت البنات من تلك البحيرة، وحسن واقف ينظر إليهن وهن لا ينظرنه وهو يتعجب من حسنهن وجمالهن، ولطف معانيهن وظرف شمائلهن فحانت منه التفاتة، فنظر حسن إلى الجارية الكبيرة وهي عريانة فبان له ما بين فخذيها وهو قبة عظيمة مدورة بأربعة اركان كأنه طاسة من فضة أو بلور.

فلما خرجن من الماء لبست كل واحدة ثيابها وحليها وأما الجارية الكبيرة فإنها لبست حلة خضراء ففاقت بجمالها ملاح الآفاق وزهت ببهجة وجهها على بدور الإشراق وفاقت على الغصون بحسن التثني وأذهلت العقول بوهم التمني.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الثالثة والأربعين بعد السبعمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن حسناً لما رأى البنات قد خرجن من البحيرة والكبيرة فيهن أخذت عقله بحسنها وجمالها، ثم إن البنات لما لبسن ثيابهن جلسن يتحدثن ويتضاحكن وحسن واقف ينظر إليهن. وهو غريق في بحر عشقه وتائه في وادي فكره، وهو يقول في نفسه والله ما أتعلق بإحداهن ثم إنه صار ينظر في محاسن هذه الجارية، وكانت أجمل ما خلق الله في وقتها وقد فاقت بحسنها جميع البشر لها فم كأنه خاتم سليمان وشعر أسود من الليل الصدود على الكئيب الولهان وغرة كهلال رمضان، وعيون تحاكي عيون الغزلان وأنف أقني كثير اللمعان وخدان كأنهما شقائق النعمان وشفتان كأنهما مرجان وأسنان كأنهما لؤلؤ منظوم في قلائد العقبان، وعنق كسبيكة فضة فوق قامة كغصن البان، وبطن طيات وأركان يبتهل فيها العاشق الولهان وسرة تسع أوقية مسك طيب الأردان، وأفخاذ غلاظ سمان كأنهما عواميد رخام، أو مخدتان محشوتان من ريش النعام وبينهما شيء كأنه أعظم العقبان وأرنب مقطوش الآذان وله سطوح وأركان هذه الصبية فاقت بحسنها وقدها على غصون البان وعلى قضيب الخيزران وهي كاملة.

ثم إن البنات لم يزلن في ضحك ولعب وهو واقف على قدميه ينظر إليهن ونسي الأكل والشرب إلى أن قرب العصر، فقالت الصبية لصواحبها يا بنات الملوك إن الوقت أمسى علينا وبلادنا بعيدة، ونحن قد سئمنا من المقام هنا فقمن لنروح محلنا فقامت كل واحدة منهن ولبست ثوبها الريش فلما اندرجن في ثيابهن صرن طيوراً كما كن أولاً وطرن كلهن سوية وتلك الصبية في وسطهن فيئس حن منهن وأراد أن يقوم وينزل فلم يقدر أن يقوم وصار دمعه يجري على خده، ثم إن حسن مشى قليلاً وهو لا يهتدي إلى الطريق حتى نزل إلى أسفل القصر ولم يزل يزحف إلى أن وصل إلى باب المخدع فدخل وأغلقه عليه واضطجع عليلاً لا يأكل ولا يشرب وهو غريق في بحر أفكاره فبكى وناح على نفسه إلى الصباح.

فلما طلعت الشمس فتح باب المخدع وطلع إلى المكان الذي كان فيه أولاً وجلس في مكان مقبال إلى أن أقبل الليل، فلم يحضر أحد من الطيور وهو جالس في انتظارهم فبكى بكاء شديداً حتى غشي عليه ووقع على الأرض مطروحاً فلما أفاق من غشيته زحف ونزل إلى أسفل القصر وقد أقبل الليل فضاقت عليه الدنيا باسرها وما زال يبكي وينوح على نفسه طول الليلة إلى أن أتى الصباح وطلعت الشمس على الروابي والبطاح، وهو لا يأكل ولا يشرب ولا ينام ولا يقر له قرار وفي نهاره حيران وفي ليله سهران مدهوش سكران من الفكر الذي هو فيه.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الرابعة والأربعين بعد السبعمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن حسناً الصائغ لما زاد عشقه وهو في القصر وحده ولم يجد من يؤانسه، فبينما هو في شدة ولهه وإذا بغبرة قد طلعت من البر فقام يجري إلى أسفل واختفى وعرف أن أصحاب القصر أتوا فلم يكن غير ساعة، إلا والعسكر قد نزلوا وداروا بالقصر ونزلت السبع بنات ودخلن القصر فنزعن سلاحهن وما كان عليهن من آلات الحرب وأم البنت الصغيرة أخته فإنها لم تنزع ما عليها من آلة الحرب، بل جاءت إلى مقصورة حسن فلم تراه ففتشت عليه فوجدته في مخدع من المخادع وهو ضعيف نحيل قد كل جسمه ورق عظمه واصفر لونه وغابت عيناه في وجهه من قلة الأكل والشرب ومن كثرة الدموع بسبب تعلقه بالصبية وعشقه لها، فلما رأته أخته الجنية على هذه الحالة اندهشت، وغاب عنها عقلها فسألته عن حاله وما هو فيه وأي شيء اصابه وقالت له أخبرني يا أخي حتى أتحيل لك في كشف ضرك وأكون فداءك فبكى بكاء شديداً وأنشد يقول:

محب إذا ما بان عنه حبيبه

 

فليس له إلا الكآبة والضر

فباطنه سقم وظاهره جوى

 

وأوله ذكر وآخره فكـر

فلما سمعت منه أخته ذلك، تعجبت من فصاحته ومن بلاغة قوله ومن حسن لفظه ومجاوبته لها بالشعر، فقالت له يا أخي متى وقعت في هذا الأمر الذي أنت فيه ومتى حصل لك فإني أراك تتكلم بالأشعار وترخي بالدموع الغزار فبالله عليك يا أخي وحرمة الحب الذي بيني وبينك أن تخبرني بحالك وتطلعني على سرك ولا تخف مني شيئاً مما جرى لك في غيابنا فإنه قد ضاق صدري وتكدر عيشي بسببك فتنهد وأرخى الدموع مثل المطر وقال أخاف يا أختي إذا أخبرتك لا تساعديني على مطلوبي، وتتركيني أموت كمداً بغصتي فقالت لا والله يا أخي ما أتخلى عنك ولو كانت روحي فحدثها بما جرى له وما عاينه حين فتح الباب، وأخبرها أن سبب الضرر والبلاء عشق الصبية التي رآها وإن له عشرة أيام ولم يستطعم بطعام ولا شراب، ثم إنه بكى بكاء شديداً.

فبكت أخته لبكائه ورقت لحاله ورحمت غربته ثم قالت له يا أخي طب نفساً وقر عيناً فأنا أخاطر بنفسي معك وابذل روحي في رضاك وأدبر لك حيلة ولو كان فيها ذهاب نفائسي ونفسي حتى أقضي غرضك إن شاء الله تعالى ولكن أوصيك يا أخي بكتمان السر عن أخواتي فلا تظهر حالك على واحدة منهن لئلا تروح روحك وإن سألتك عن فتح الباب فقل لهن ما فتحته أبداً ولكن أنا مشغول القلب من أجل غيابكن عني ووحشتي إليكن وقعودي في القصر وحدي فقال لها نعم هذا هو الصواب ثم إنه قبل رأسها وطاب خاطره وانشرح صدره، وكان خائفاً من أخته بسبب فتح الباب فردت إليه روحه بعد أن كان مشرفاً على الهلاك من شدة الخوف، ثم إنه طلب من أخته شيئاً يأكله فقامت وخرجت من عنده ثم دخلت على أخواتها وهي حزينة باكية عليه فسألنها عن حالها فأخبرتهن أن خاطرها مشغول على أخيها وأنه مريض وله عشرة أيام ما نزل في بطنه زاد أبداً، فسألنها عن سبب مرضه.

فقالت لهن سببه غيابنا لأننا أوحشناه فإن هذه الأيام التي غبنا عنه كانت عليه أطول من ألف عام، وهو معذور لأنه غريب ووحيد ونحن تركناه وحده وليس عنده من يؤانسه ولا من يطيب خاطره وهو شاب صغير على كل حال وربما تذكر أهله وأمه وهي امرأة كبيرة فظن أنها تبكي عليه أثناء الليل وأطراف النهار ولم تزل حزينة عليه وكنا نسليه بصحبتنا له.

فلما سمع أخواتها كلامها بكين من شدة التأسف عليه وقلنا لها والله إنه معذور، ثم خرجن إلى العسكر وصرفنهم ودخلن على حسن فسلمن عليه، ورأينه قد تغيرت محاسنه واصفر لونه وانتحل جسمه، فبكين شفقة عليه وقعدن عنده وآنسنه وطيبن قلبه بالحديث، وحكين له جميع ما رأين من العجائب والغرائب وما جرى للعريس مع العروسة ثم إن البنات أقمن عنده مدة شهر كامل وهن يؤانسنه ويلاطفنه وهو كل يوم يزداد مرضاً على مرضه، وكلما راينه على هذه الحالة يبكين عليه بكاء شديداً وأكثرهن بكاء البنت الصغيرة ثم بعد الشهر اشتاقت البنات إلى الركوب للصيد والقنص فعزمن على ذلك وسألن أختهن الصغيرة أن تركب معهن.

فقالت لهن والله يا أخواتي ما أقدر أن أخرج معكن وأخي على هذه الحالة حتى يتعافى ويزول عنه ما هو فيه من الضرر بل أجلس عنده لأعلله فلما سمعت كلامها شكرنها على مروءتها وقلن لها كل ما تفعلينه مع هذا الغريب تؤجرين عليه، ثم تركنها عنده في القصر وركبن وأخذن معهن زاد عشرين يوماً.

ثم قالت بلغني أيها الملك السعيد، أن البنات لما ركبن ورحن إلى الصيد والقنص تركن أختهن الصغيرة قاعدة عند حسن، فلما بعدن عن القصر وعرفت أختهن أنهن قطعن مسافة بعيدة أقبلت على أخيها وقالت له يا أخي قم ارني هذا الموضع الذي رأيت فيه البنات.

فقال باسم الله على الرأس وفرح بقولها وايقن ببلوغ مقصوده ثم إنه أراد أن يقوم معها ويريها المكان فلم يقدر على المشي فحملته في حضنها وجاءت إلى القصر فوقه أراها الموضع الذي رأى فيه البنات وأراها المقعد وبركة الماء. فقالت له أخته صف لي يا أخي حالهن كيف جئن فوصف لها ما رأى منهن وخصوصاً البنت التي تعلق بها فلما سمعت وصفها عرفتها فاصفر وجهها وتغير حالها فقال لها يا أختي قد اصفر وجهك وتغيرت حالتك، فقالت له يا أخي اعلم أن هذه الصبية بنت ملك من ملوك الجان العظام الشأن قد ملك أبوها انساً وجاناً وسحرة وكهاناً وأرهاطاً وأعواناً وأقاليماً وبلداناً كثيرة وأموالاً عظاماً، وأبونا نائب من جملة نوابه فلا يقدر عليه أحد من كثرة عساكره واتساع مملكته وكثرة ماله.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الخامسة والأربعين بعد السبعمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن أخته قالت له: وأبونا نائب من جملة نوابه فلا يقدر عليه من كثرة عساكره واتساع مملكته وكثرة ماله وقد جعل لأولاده البنات اللواتي رأيتهن مسيرة سنة كاملة طولاً وعرضاً وقد زاد على ذلك القطر نهر عظيم محيط به فلا يقدر أحد أن يصل إلى ذلك المكان لا من الانس ولا من الجان وله من البنات الضاربات بالسيوف الطاعنات بالرماح خمسة وعشرون ألفاً واحدة منهن إذا ركبت جوادها ولبست آلة حربها تقاوم ألف فارس من الشجعان وله سبع نبات فيهن من الشجاعة والفروسية ما في أخواتهن، وأزيد وقد ولى على هذا القطر الذي عرفتك به ابنته الكبرى وهي أكبر أخواتها وفيها من الشجاعة والفروسية والخداع والمكر والسحر ما تغلب به اهل مملكتها وأما البنات اللاتي معها فهن أربا دولتها وأعوانها وخواصها من ملكها وهذه الجلود الريش التي يطرن بها إنما هي صنعة سحرة الجان وإذا أردت أن تملك هذه الصبية وتتزوج بها فاقعد هنا وانتظرها لأنهن يحضرن على رأس كل شهر إلى هذا المكان فإذا رأيتهن قد حضرن فاختف وإياك أن تظهر فتروح أرواحنا جميعاً فاعرف الذي أقوله لك واحفظه في ذهنك واقعد في مكان يكون قريباً منهن بحيث إنك تراهن ولا يرونك فإذا قلعن ثيابهن فألق نظرك على الثوب الريش الذي هو للكبيرة التي في مرادك وخذه ولا تأخذ شيئاً غيره فإنه هو الذي يوصلها إلى بلادها فإنك إذا ملكته ملكتها وإياك أن تخدعك وتقول يا من سرق ثوبي رده علي وها أنا عندك وبين يديك وفي حوزتك فإنك إن أعطيتها إياه قتلتك وتخرب علينا القصور وتقتل إيانا فاعرف حالك كيف تكون فإذا رأى أخواتها أن ثوبها قد سرق طرن وتركنها قاعدة وحدها فادخل عليها وامسكها من شعرها واجذبها فإذا جذبتها إليك فقد ملكتا وصارت في حوزتك فاحتفظ بعد هذا على الثوب الريش فإنه ما دام عندك فهو قبضتك وأسرك لأنها لا تقدر أن تطير إلى بلادها إلا به فإذا أخذتها فاحملها وانزل بها إلى مقصورتك ولا تبين لها أنك أخذت الثوب.

فلما سمع حسن كلام أخته اطمأن قلبه وسكن روعه وزال ما به من الألم ثم انتصب قائماً على قدميه وقبل رأس أخته وبعد ذلك قاما ونزلا من فوق القصر هو وأخته وناما ليلتهما وهو يعالج نفسه إلى أن أصبح الصباح فلما طلعت الشمس قام وفتح الباب وطلع إلى فوق ولم يزل قاعداً إلى العشاء فطلعت له أخته بشيء من الأكل والشرب وغير ثيابه ونام ولم تزل معه على هذه الحالة في كل يوم إلى أن هل الشهر فلما رأى الهلال صار يرتقبهن فبينما هو كذلك وإذا بهن قد أقبلن عليه مثل البرق فلما رآهن اختفى في مكان بحيث يراهن ولا يرينه فنزلت الطيور وقعدت كل طيرة منهن في مكان وقلعن ثيابهن وكذلك البنت التي يحبها وكان ذلك في مكان قريب من حسن ثم نزلت البحيرة مع أخواتها.

فعند ذلك قام حسن ومشى قليلاً وهو مختف وستر الله عليه فأخذ الثوب ولم تنظره واحدة منهن بل كن يلعبن مع بعضهن فلما فرغن طلعن ولبسن كل واحدة منهن ثوبها الريش وجاءت محبوبته لتلبس ثوبها فلم تجده فصاحت ولطمت على وجهها وشقت ثيابها فأقبلت أخواتها وسالنها عن حالها فأخبرتهن أن ثوبها الريش قد فقد فبكين وصرخن ولطمن على وجوههن وحين أمسى عليهن الليل لم يقدرن أن يقعدن عندها فتركنها فوق القصر.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة السادسة والأربعين بعد السبعمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن حسناً لما أخذ ثوب البنت طلبته فلم تجده وطار أخواتها وتركنها وحدها فلما رآهن حسن طرن وغبن عنها أصغى إليها فسمعها تقول: يا من أخذ ثوبي وأعراني سألتك أن ترده علي وتستر عورتي فلا أذاقك الله حسرتي فلما سمع حسن هذا الكلام منها سلب عقله في عشقها وازدادت محبته لها ولم يطق أن يصبر عنها فقام من مكانه وصار يجري حتى هجم عليها وأمسكها ثم جذبها إليه ونزل بها إلى أسفل القصر وأدخلها مقصورته ورمى عليها عباءته وهي تبكي وتعض على يديها فأغلق عليها الباب وراح لأخته وأعلمها أنه حصلها وظفر بها ونزل بها إلى مقصورته وقال لها: إنها الآن قاعدة تبكي وتعض على يديها.

فلما سمعت أخته كلامه قامت وتوجهت إلى المقصورة ودخلت عليها فرأتها تبكي وهي حزينة فقبلت الأرض بين يديها ثم سلمت عليها فقالت لها الصبية: يا بنت الملك أهكذا تفعل الناس مثلكم هذه الفعال الرديئة مع بنات الملوك وأنت تعرفين أن أبي ملك عظيم وأن جميع ملوك الجان تفزع منه وتخاف من سطوته وعنده من السحرة والحكماء والكهان والشياطين والمردة ما لا طاقة لأحد عليه وتحت يده خلق لا يعلم عددهم إلا الله تعالى وكيف يصلح لكم يا بنات الملوك أن تأوين رجال الإنس عندكم وتطلعنهن على أحوالنا وأحوالكن وإلا فمن أين يصل هذا الرجل إلينا.

فقالت لها أخت حسن: يا بنت الملك إن هذا الإنسي كامل المروءة وليس قصده أمراً قبيحاً وربما هو يحبك وما خلقت النساء إلا للرجال ولولا أنه يحبك ما مرض لأجلك وكادت روحه أن تزهق في هواك وحكت لها جميع ما أخبرها به حسن من عشقه لها وكيف عملت البنات في طيرانهن واغتسالهن وأنه لم يعجبه من جميعهن غيرها لأنهن كلهن جوار لها وأنها كانت تغطسهن في البحيرة وليس واحدة منهن تقدر أن تمد يدها إليها.

فلما سمعت كلامها يئست من الخلاص فعند ذلك قامت أخت حسن وخرجت من عندها وأحضرت لها بدلة فاخرة فألبستها إياها وأحضرت لها شيئاً من الأكل والشرب فأكلت هي وإياها وطيبت قلبها وسكنت روعها ولم تزل تلاطفها بلين ورفق وتقول لها: ارحمي من نظرك فأصبح قتيلاً في هواك ولم تزل تلاطفها وترضيها وتحسن لها القول والعبارة وهي تبكي إلى أن طلع الفجر فطابت نفسها وأمسكت عن بكائها لما علمت أنها وقعت ولا يمكن خلاصها وقالت لأخت حسن: يا بنت الملك بهذا حكم الله على ناصيتي من غربتي وانقطاعي عن بلدي وأهلي وأخواتي فصبر جميل على ما قضاه ربي ثم أن أخت حسن أخلت لها مقصورة في القصر لم يكن هناك أحسن منها ولم تزل عندها تسليها وتطيب خاطرها حتى رضيت وانشرح صدرها وضحكت وزال ما عندها من الكدر وضيق الصدر من فراق الأهل والأوطان وفراق أخواتها وأبويها وملكها.

ثم أن أخت حسن خرجت إليه وقالت له: قم ادخل عليها في مقصورتها وقبل يديها ورجليها فدخل وفعل ذلك ثم قبلها بين عينيها وقال لها: يا سيدة الملاح وحياة الأرواح ونزهة الناظرين كوني مطمئنة القلب أنا ما أخذتك إلا لأجل أن أكون عبدك إلى يوم القيامة وأختي هذه جاريتك وأنا يا سيدتي ما قصدي إلا أن أتزوجك بسنة الله ورسوله وأسا فر إلى بلادي وأكون أنا وأنت في مدينة بغداد وأشتري لك الجواري والعبيد ولي والدة من خيار النساء تكون في خدمتك وليس هناك بلاد أحسن من بلادنا وكل ما فيها أحسن مما في غيره من سائر البلاد وأهلها وناسها ناس طيبون بوجوه صباح.

فبينما هو يخاطبها ويؤانسها وهي لا تخاطبه بحرف واحد وإذا بدق يدق باب القصر فخرج حسن ينظر من بالباب فإذا هن البنات قد حضرن من الصيد والقنص ففرح بهن وتلقاهن وحياهن فدعون له بالسلامة والعافية ودعا هو الآخر ثم نزلن عن خيولهن ودخلن القصر ودخلت كل واحدة منهن مقصورتها ونزعت ما كان عليها من الثياب الرثة ولبست قماشاً مليحاً وقد اصطدن شيئاً كثيراً من الغزلان وبقر الوحوش والأرانب والسباع والضباع وغير ذلك وقدمن منه شيئاً إلى الذبح وتركن الباقي عندهن في القصر وحسن واقف بينهن مشدود الوسط يذبح لهن وهن يلعبن وينشرحن وقد فرحن بذلك فرحاً شديداً. فلما فرغن من الذبح قعدن يعملن شيئاً ليتغدوا به فتقدم حسن إلى البنت الكبيرة وقبل رأسها وصار يقبل رأسهن واحدة بعد الأخرى فقلن له: لقد أكثرت التنزل إلينا يا أخانا وعجبنا من فرط توددك إلينا وأنت رجل آدمي ونحن من الجن فدمعت عيونه وبكى بكاءً شديداً فقلت: ما الخبر وما يبكيك قد كدرت عيشنا ببكائك في هذا اليوم كأنك اشتقت إلى والدتك والى بلادك فإن كان الأمر كذلك فنأخذك ونسافر بك إلى وطنك وأحبابك. فقال لهن: والله ما مرادي فراقكن فقلن له: وحينئذ من شوش عليك منا حتى تكدرت؟ فخجل أن يقول ما شوش علي إلا عشق الصبية خيفة أن ينكرن عليه فسكت ولم يعلمهن بشيء من حاله فقامت أخته وقالت لهن: اصطاد طيرة من الهواء ويريد منكن أن تعنه على تأهيلها فالتفتن إليه كلهن وقلن له: نحن كلنا بين يديك ومهما طلبته فعلناه لكن قص علينا خبرك ولا تكتم عنا شيئاً من حالك فقال لأخته: قص خبري عليهن فإني استحي منهن ولا أقدر أن أقابلهن بهذا الكلام. فقالت: بينما هو جالس يوماً من الأيام وإذا بعشر طيور إناث أقبلن عليه قاصدات القصر ولم يزلن سائرات حتى جلسن على البحيرة التي فوقها المنظرة فنظر إلى الطيرة التي هي أحسنهن وهي تنقرهن وما فيهن واحدة تقدر أن تمد يدها إليها، ثم جعلن لمخالبهن في أطواقهن فشققن الثياب الريش وخرجن منها وصارت كل واحدة منهن صبية مثل البدر ليلة تمامه، ثم خلعن ما عليهن وحسن واقف ينظر إليهن ونزلن الماء وصرن يلعبن والصبية الكبرى تغطسهن وليس منهن واحدة تقدر أن تمد يدها إليها وهي أحسنهن وجهاً وأعدلهن قداً وأنظفهن لباساً، ولم يزلن على هذه الحالة إلى أن قرب العصر ثم طلعن من البحيرة ولبسن ثيابهن ودخلن في القماش الريش والتففن فيه وطرن فاشتعل فؤاده واشتعل قلبه بالنار من أجل الطيرة الكبيرة وندم لكونه لم يسرق قماشها الريش فمرض وأقام فوق القصر ينظرها فامتنع من الأكل والشرب والنوم. ولم يزل كذلك حتى لاح الهلال فبينما هو قاعد وإذا بهن قد أقبلن على عادتهن فقلعن ثيابهن ونزلن البحيرة فسرق ثوب الكبيرة، فلما عرف أنها لا تقدر أن تطير إلا به أخذه وأخفاه خيفة أن يطلعن عليه فيقتلنه، ثم صبر حتى طرن فقام وقبض عليها ونزل بها من فوق القصر فقال لها أخواتها: وأين هي؟ قالت لهن: هي عنده في المخدع الفلاني فقلن: صفيها لنا يا أختي فقالت: هي أحسن من البدر ليلة تمامه ووجهها أضوأ من الشمس وريقها أحلى من الشراب وقدها أرشق من القضيب ذات طرف أحور ووجه أقمر وجبين أزهر وصدر كأنه جوهر ونهدين كأنهما رمانتان وخدين كأنهما تفاحتان، وبطن مطوي الأعكان وسرة كأنها حق عاج بالمسك ملآن وفخذين كأنهما من المرمر عامودان تأخذ القلوب بظرف كحيل ورقة خصر نحيل وردف ثقيل وكلام يشفي العليل، مليحة القوام حسنة الإبتسام كأنها بدر التمام.

فلما سمعت البنات هذه الأوصاف التفتن إلى حسن وقلن له: أرنا إياها فقام معهن وهو ولهان إلى أن أتى بهن إلى المخدع الذي فيه بنت الملك وفتحه ودخل وهن خلفه، فلما رأينها وعاين جمالها قبلن الأرض بين يديها وتعجبن من حسن صورتها وظرف معانيها وسلمن عليها وقلن لها: والله يا بنت الملك الأعظم إن هذا شيء عظيم ولو سمعت بوصف هذا الإنسي عند النساء لكنت تتعجبين منه طول دهرك وهو متعلق بك غاية التعلق إلا أنه يا بنت الملك لم يطلب فاحشة وما طلبك إلا في الحلال، ولو علمنا أن البنات تستغني عن الرجال لكنا منعناه عن مطلوبه مع أنه لم يرسل إليك رسولاً بل أتى إليك بنفسه وأخبرنا أنه أحرق الثوب الريش وإلا كنا أخذناه منه.

ثم أن واحدة من البنات اتفقت هي وإياها وتوكلت في العقد وعقدت عقدها على حسن وصافحها ووضع يده في يدها وزوجنها له بإذنها وعملن في فرحها ما يصلح لبنات الملوك وأدخلنه عليها فقام حسن وفتح الباب وكشف الحجاب وفض ختمها وتزايدت محبته فيها وتعاظم وجده شغفاً بها وحيث حصل مطلوبه هنأ نفسه وأنشد هذه الأبيات:

قوامك فتانٌ وطرفـك أحـورٌ

 

ووجهك من ماء الملاحة يقطر

تصورت في عيني أجل تصور

 

فنصفك ياقوت وثلثك جوهـر

وخمسك من مسك وسدسك عنبر

 

وأنت شبيه الدر بل أنت أزهر

وما ولدت حواء مثلـك واحـداً

 

ولا في جنان الخلد مثلك آخـر

 فإن شئت تعذيبي فمن سنن الـهـوى

 

وإن شئت أن تعفي فأنت مـخـير

فيا زينة الدنيا ويا غـاية الـمـنـى

 

فمن ذا الذي عن حسنٍ وجهك يصبر

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

 وفي الليلة السابعة والأربعين بعد السبعمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن حسناً لما دخل على بنت الملك وأزال بكارتها والتذ بها لذة عظيمة وزادت محبته لها ووجده بها فأنشد فيها الأبيات المذكورة وكانت البنات واقفات على الباب فلما سمعن الشعر قلن لها يا بنت الملك اسمعي قول هذا الإنسي وكيف تلوميننا وقد أنشد الشعر في هواك فلما سمعت ذلك انبسطت وانشرحت وفرحت.

ثم إن حسناً أقام معها أربعين يوماً في حظٍ وسرورٍ ولذةٍ وحبور والبنات يجددن له كل يوم فرحاً ونعمة وهدايا وتحفا وهو بينهن في سرورٍ وانشراحٍ وطاب لبنت الملك القعود بينهن ونسيت أهلها، ثم بعد الأربعين يوماً كان حسن نائماً فرأى والدته حزينة عليه وقد رق عظمها وانتحل جسمها واصفر لونها وتغير وكان هو في حالة حسنة.

فلما رأته على هذه الحالة قالت له: يا ولدي يا حسن كيف تعيش في الدنيا منعماً وتنساني فانظر حالي بعدك وأنا ما أنساك ولا لساني يترك ذكرك حتى أموت وقد عملت لك قبراً عندي في الدار حتى لا أنساك أبداً، أترى أعيش يا ولدي وأنظرك عندي ويعود شملنا مجتمعاً كما كان، فانتبه حسن من نومه وهو يبكي وينوح ودموعه تجري على خديه مثل المطر وصار حزيناً كئيباً لا ترتفع دموعه ولم يجئه نوم ولا يقر له قرار ولم يبق عنده اصطبار، فلما أصبح دخلن عليه البنات وصبحن عليه وانشرحن معه على عادتهن فلم يلتفت إليهن فسألن زوجته عن حاله فقالت لهن: ما أدري فقلن لها: اسأليه عن حاله فتقدمت إليه وقالت له: ما الخبر يا سيدي؟ فتنهد وتضجر وأخبرها بما رآه في منامه ثم أنشد هذين البيتين:

قد بقين موسوسين حيارى

 

نطلب القرب ما إليه سبيل

فدواهي الهوى تزيد علينـا

 

ومقام الهوى علينا ثقـيل

فأخبرتهن زوجته بما قاله لها، فلما سمعت البنات الشعر رفقن لحاله وقلن له: تفضل باسم الله ما نقدر أن نمنعك من زيارتها بل نساعدك على زيارتها بكل ما نقدر عليه ولكن ينبغي أن تزورنا ولا تنقطع عنا ولو في كل سنة مرة واحدة، فقال لهن سمعاً وطاعةً فقامت البنات من وقتهن وعملن له الزاد وجهزن له العروسة بالحلي والحلل وكل شيء غال يعجز عنه الوصف وهيأن له تحفاً تعجز عن حصرها الأقلام.

ثم إنهن ضربن الطبل فجاءت النجائب إليهن من كل مكانٍ فاخترن منها ما يحمل جميع ما جهزته وأركبن الجارية وحسناً وحملن إليها خمسة وعشرين تختاً من الذهب وخمسين من الفضة، ثم سرن معهما ثلاثة أيام فقطعن فيها مسافة ثلاثة أشهر، ثم إنهن ودعنها وأردن الرجوع عنهما، هذا ما كان منهن. وأما ما كان من أمر حسن فإنه سار طول الليل والنهار يقطع مع زوجته البراري والقفار والأودية والأوعار في الهوا جر والأسحار وكتب الله تعالى لهما السلامة فسلما ووصلا إلى مدينة البصرة، ولم يزالا سائرين حتى أناخا على باب نجائبهما، ثم صرف النجائب وتقدم إلى الباب ليفتحه فسمع والدته وهي تبكي بصوت رقيق من كبد ذاق عذاب الحريق وهي تنشد هذه الأبيات:

وكيف يذوق النوم من عدم الكرى

 

ويسهـر لـيلاً والأنـام رقـود

وقد كان ذا مـال وأهـل عـزة

 

فأضحى غريب الدار وهو وحيد

له جمر بـين الـضـلـوع وأنة

 

وشوق شديد ما عـلـيه مـزيد

تولى عليه الوجد والوجد حاكـم

 

ينوح بما يلقـاه وهـو جـلـيد

وحالته في الحب تخـبـر أنـه

 

حزين كئيب والدموع شـهـود

فبكى حسن لما سمع والدته تبكي وتندب، ثم طرق الباب طرقة مزعجة فقالت أمه: من بالباب؟ فقال لها: افتحي ففتحت الباب ونظرت إليه، فلما عرفته خرت مغشياً عليها، فما زال يلاطفها إلى أن فاقت فعانقها وعانقته وقبلته، ثم نقل حوائجه ومتاعه إلى داخل الدار والجارية تنظر إلى حسن وأمه، ثم إن أم حسن لما اطمئن قلبها وجمع الله شملها بولدها أنشدت هذه الأبيات:

رق الزمان لحالتـي

 

ورثى لطول تحرقي

وأنالني ما أشتـهـي

 

وأزال مما أتـقـي

 فلأصفحن عما جنـى

 

من الذنوب السبـق

حتى جنايتـه بـمـا

 

فعل المشيب بمفرقي

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح

وفي الليلة الثامنة والأربعين بعد السبعمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن والدة حسن قعدت وإياه يتحدثان وصارت تقول له: كيف حالك يا ولدي مع الأعجمي؟ فقال لها: يا أمي ما كان أعجمياً بل كان مجوسياً يعبد النار دون الملك الجبار، ثم أنه أخبرها بما فعل به من أنه سافر به وحطه في جلد الجمل وخيطه عليه وحملته الطيور وحطته فوق الجبل، وأخبرها بما رآه فوق الجبل من الخلائق الميتين الذين كان يحتال عليهم المجوسي ويتركهم فوق الجبل بعد أن يقضوا حاجته وكيف رمى روحه في البحر من فوق الجبل وسلمه الله تعالى وأوصله إلى قصر البنات ومؤاخات البنت له وقعوده عند البنات وكيف أوصل الله المجوسي إلى المكان الذي هو فيه وقتله إياه، وأخبرها بعشق الصبية وكيف اصطادها وبقصتها كلها إلى أن جمع الله شملهما ببعضهما فلما سمعت أمه حكايته تعجبت وحمدت الله تعالى على عافيته وسلامته، ثم قامت إلى تلك الحمول فنظرتها وسألته عنها فأخبرها بما فيها ففرحت فرحاً عظيماً، ثم تقدمت إلى الجارية تحدثها وتؤانسها فلما وقعت عينها عليها اندهش عقلها من ملاحتها وفرحت وتعجبت من حسنها وجمالها وقدها واعتدالها ثم قالت: يا ولدي الحمد لله على السلامة وعلى رجوعك بالسلامة ثم إن أمه قعدت جنب الصبية وآنستها وطيبت خاطرها ثم نزلت في بكرة النهار إلى السوق فاشترت عشر بدلاتٍ من أفخر ما في المدينة من الثياب وأحضرت لها الفرش العظيم وألبست الصبية وجملتها بكل شيء مليح، ثم أقبلت على ولدها وقالت: يا ولدي نحن بهذا المال لا نقدر أن نعيش في هذه المدينة وأنت تعرف أننا ناس فقراء والناس يتهموننا بعمل الكيمياء، فقم بنا نسافر إلى مدينة بغداد دار السلام لنقيم في حرم الخليفة وتقعد أنت في دكان فتبيع وتشتري وتتقي الله عز وجل فيفتح عليك بهذا المال.

فلما سمع حسن كلامها استصوبه وقام من وقته وخرج من عندها وباع البيت وأحضر النجائب وحمل عليها جميع أمواله وأمتعته وأمه وزوجته وسار ولم يزل سائراً إلى أن وصل إلى الدجلة فاكترى مركباً لبغداد ونقل فيه جميع ماله وحوائجه ووالدته وزوجته وكل ما كان عنده، ثم ركب المركب فسار بهم في ريح طيبة مدة عشرة أيام حتى أشرفوا على مدينة بغداد، فلما أشرفوا عليها ودخل بهم المركب المدينة طلع من وقته وساعته إلى المدينة واكترى مخزناً في الخانات، ثم نقل حوائجه من المركب إليه وطلع وأقام ليلة في الخان فلما أصبح غير ما عليه من الثياب. فلما رآه الدلال سأله عن حاجته وعما يريد فقال: أريد دار تكون مليحة واسعة فعرض عليه الدور التي عنده فأعجبته دار كانت لبعض الوزراء فاشتراها منه بمائة ألف دينار من الذهب وأعطاه الثمن، ثم عاد إلى الخان الذي نزل فيه ونقل جميع ماله وحوائجه إلى الدار، ثم خرج إلى السوق وأخذ ما تحتاج إليه الدار من آنية وفرش وغير ذلك واشترى خدماً ومن جملتها عبداً صغيراً للدار وأقام مطمئناً مع زوجته في ألذ عيش وسرور مدة ثلاث سنين وقد رزق بغلامين سمى أحدهما ناصراً والآخر منصوراً.

وبعد هذه المدة تذكر أخواته البنات وتذكر إحسانهن إليه وكيف ساعدنه على مقصوده فاشتاق إليهن وخرج إلى أسواق المدينة فاشترى منها شيئاً من حلي وقماش نفيس ونقل وأشياء نادرة وغير موجودة عندهم، فسألته أمه عن سبب شراء تلك التحف فقال لها: إني عزمت على أن أسافر إلى أخواتي اللاتي فعلن معي كل جميل ورزقي الذي أنا أنعم فيه من خيرهن وإحسانهن، فإني أريد أن أسافر إليهن وأنظرهن وأعود قريباً إن شاء الله تعالى. فقالت له: يا ولدي لا تغب عني، فقال لها: اعلمي يا أمي كيف تكونين مع زوجتي وهذا ثوبها الريش مدفون في الأرض فاحرصي عليه لئلا تقع عليه فتأخذه وتطير هي وأولادها ويروحون وأبقى لا أقع لهم على خبر فأموت كمداً من أجلهم، واعلمي يا أمي أني أحذرك من أن تذكري لها واعلمي أنها بنت ملك الجان وما في ملوك الجان أكبر من أبيها ولا أكثر منه جنوداً ولا مالاً، واعلمي أنها سيدة قومها وأعز ما عند أبيها، فهي عزيزة النفس جداً فاخدميها أنت بنفسك ولا تمكنيها من أن تخرج من الباب أو تطل من الطاقة أو من حائط فإني أخاف عليها من الهواء إذا هب وإذا جرى عليها أمر من أمور الدنيا فأنا أقتل روحي من أجلها.

فقالت أمه: أعوذ بالله من مخالفتك يا ولدي هل أنا مجنونة أن توصيني بهذه الوصية وأخالفك فيها، سافر يا ولدي وطب نفساً وسوف تحضر في خير وتنظرها إن شاء الله تعالى بخير وتخبرك بما جرى لها مني ولكن يا ولدي لا تقعد غير مسافة الطريق.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة التاسعة والأربعين بعد السبعمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن حسناً لما أراد السفر إلى البنات وصى أمه على زوجته على حسب ما ذكرنا وكانت زوجته بالأمر المقدر تسمع كلامه وهما لا يعرفان ذلك ثم إن حسناً قام وخرج إلى خارج المدينة ودق الطبل فحضرت له النجائب فحمل عشرين من تحف العراق وودع والدته وزوجته وأولاده وكان عمر واحد من ولديه سنة والآخر سنتين ثم انه رجع إلى والدته وأوصاها ثانية ثم انه ركب إلى أخواته ولم يزل مسافراً ليلاً ونهاراً في أودية وجبال وسهول وأوعار مدة عشرة أيام وفي اليوم الحادي عشر وصل إلى القصر ودخل على أخواته ومعه الذي أحضره إليهن فلما رأينه فرحن به وهنينه بالسلامة وأما أخته فأنها زينت القصر ظاهره وباطنه ثم إنهن أخذن الهدايا وأنزلنه في مقصورة مثل العادة وسألنه عن والدته وزوجته فأخبرهن أنها ولدت منه ولدين ثم أن أخته الصغيرة لما رأته طيباً بخير فرحت فرحاً شديداً وأنشدت هذا البيت:

واسأل الريح عنكم كلما خـطـر

 

وغيركم في فؤادي قط ما خطرا

ثم أنه أقام عندهن في الضيافة والكرامة مدة ثلاثة أشهر وهو في فرح وسرور وغبطة وحبور وصيد وقنص، هذا ما كان من حديثه. وأما ما كان من حديث أمه وزوجته فإنه لما سافر حسن أقامت زوجته يوماً وثانياً مع أمه وقالت لها في اليوم الثالث: سبحان الله هل أقعد معه ثلاث سنين ما أدخل الحمام وبكت فرقت أمه لحالها وقالت لها: يا ابنتي نحن غرباء وزوجك ما هو في البلد فلو كان حاضراً كان يقوم بخدمتك أما أنا فلا أعرف أحداً ولكن يا بنتي اسخن لك الماء واغسل رأسك في حمام البيت.

فقالت لها: يا سيدتي لو قلت هذا القول لبعض الجواري كانت طلبت البيع في السوق وما كنت تقعد عندكم ولكن يا سيدتي إن الرجال معذورون فإن عندهم غيرة وعقولهم تقول لهم إن المرأة إذا خرجت من بيتها ربما تعمل فاحشة والنساء يا سيدتي ما كلهن سواء وأنت تعرفين أن المرأة إذا كان لها غرض في شيء ما يغلبها أحد ولا يقدر أن يحرص عليها ولا يصونها ولا يمنعها من الحمام ولا غيره ولا من أن تعمل كل ما تختاره ثم إنها بكت ودعت على نفسها وصارت تعدد على نفسها وغربتها فرقت لحالها أم زوجها وعلمت أن كل ما قالته لابد منه فقامت وهيأت حوائج الحمام التي يحتاجان إليها، وأخذتها وراحت إلى الحمام. فلما دخلتا الحمام قلعت ثيابها فصار النساء جميعاً ينظرن ويسبحن الله عز وجل ويتأمل فيما خلق من الصورة البهية وصار كل من جاز من النساء على الحمام يدخل ويتفرج عليها وشاع في البلد ذكرها وازدحم النساء عليها وصار الحمام لا ينشق من كثرة النساء اللاتي فيه فاتفق بسبب ذلك الأمر العجيب أنه حضر إلى الحمام في ذلك اليوم جارية من جواري أمير المؤمنين هارون الرشيد ويقول لها تحفة العوادة فرأت النساء في زحمة والحمام لا ينشق من كثرة النساء والبنات فسألت عن الخبر فأخبرتها بالصبية فجاءت عندها ونظرت إليها وتأملت فيها فتحير عقلها من حسنها وجمالها وسبحت الله جل جلاله على ما خلق من الصور الملاح ولم تدخل ولم تغتسل وإنما صارت قاعدة وباهتة في الصبية إلى أن فرغت الصبية من الغسل وخرجت لبست ثيابها فزادت حسناً على حسنها.

فلما خرجت من الحرارة قعدت على البساط والمساند وصارت النساء ناظرات إليها فالتفتت إليهن وخرجت فقامت تحفة العوادة جارية الخليفة، وخرجت معها حتى عرفت بيتها وودعتها ورجعت إلى قصر الخليفة وما زالت سائرة حتى وصلت بين أيادي السيدة زبيدة وقبلت الأرض بين يديها فقالت السيدة زبيدة يا تحفة ما سبب إبطائك في الحمام فقالت يا سيدتي رأيت أعجوبة ما رأيت مثلها في الرجال ولا في النساء وهي التي شغلتني وأدهشت عقلي وحيرتني حتى أنني ما غسلت رأسي فقالت وما هي يا تحفة.

قالت يا سيدتي رأيت جارية في الحمام ومعها ولدان صغيران كأنهما قمران ما رأى أحد مثلها لا قبلها ولا بعدها في الدنيا بأسرها وحق نعمتك يا سيدتي إن عرفت بها أمير المؤمنين قتل زوجها وأخذها منه لأنه لا يوجد مثلها واحدة من النساء وقد سألت عن زوجها فقيل بأنه رجل تاجر اسمه حسن البصري وتبعتها عند خروجها من الحمام إلى أن دخلت بيتها فرأيته بيت الوزير الذي له بابان باب من جهة البحر وباب من جهة البر وأنا أخاف يا سيدتي أن يسمع بها أمير المؤمنين فيخالف الشرع ويقتل زوجها ويتزوج بها.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الخمسين بعد السبعمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن جارية أمير المؤمنين لما رأت زوجة حسن البصري ووصفت حسنها للسيدة زبيدة وقالت يا سيدتي أني أخاف أن يسمع أمير المؤمنين فيخالف الشرع ويقتل زوجها ويتزوج بها فقالت السيدة زبيدة ويلك يا تحفة هل بلغت هذه الجارية من الحسن والجمال أن أمير المؤمنين يبيع دينه بدنياه ويخالف الشرع لأجلها والله لا بد لي من النظر إلى هذه الصبية فإن لم تكن كما ذكرت أمرت بضرب عنقك يا فاجرة إن في سراية أمير المؤمنين ثلثماية وستين جارية بعدد أيام السنة ما فيهن واحدة بالصفات التي تذكرينها فقالت يا سيدتي لا والله ولا في بغداد بأسرها مثلها بل ولا في العجم ولا في العرب ولا في خلق الله عز وجل مثلها.

فعند ذلك دعت السيدة زبيدة بمسرور فحضر وقبل الأرض بين يديها فقالت له يا مسرور اذهب إلى دار الوزير التي ببابين باب على البحر وباب على البر وائت بالصبية التي هناك هي وأولادها والعجوز التي عندها بسرعة ولا تبطئ فقال مسرور السمع والطاعة فخرج من بين يديها حتى وصل إلى باب الدار فطرق الباب فخرجت له العجوز أم حسن وقالت من بالباب فقال لها مسرور خادم أمير المؤمنين ففتحت الباب ودخل فسلم عليها وسلمت عليه وسألته عن حاجته فقال لها إن السيدة زبيدة بنت القاسم زوجة أمير المؤمنين هارون الرشيد السادس من بني العباس عم النبي صلى الله عليه وسلم تدعوك إليها وزوجة ابنك وأولادك فأن النساء أخبرنها عنها وعن حسنها.

فقالت أم حسن: يا مسرور نحن ناس غرباء وزوج البنت ولدي ما هو في البلد ولم يأمرني بالخروج أنا ولا هي لأحد من خلق الله تعالى وأنا أخاف أن يجري أمر ويحضر ولدي فيقتل روحه فمن إحسانك يا مسرور أن تكلفنا ما لا نطيق، فقال مسرور: يا سيدتي لو علمت أن في هذا خوف عليكم ما كلفتكم الرواح وإنما مراد السيدة زبيدة أن تنظرها وترجع فلا تخالفي تندمي وكما آخذكما أردكما إلى هنا سالمين إن شاء الله تعالى، فما قدرت أم حسن أن تخالفه فدخلت وهيأت الصبية وأخرجتها هي وأولادها وساروا خلف مسرور وهو قدامهم إلى قصر الخليفة فطلع بهم حتى أوقفهم قدام السيدة زبيدة فقبلوا الأرض بين يديها ودعوا لها والصبية مستورة الوجه. فقالت لها السيدة: أما تكشفين عن وجهك لأنظره فقبلت الصبية الأرض بين يديها وأسفرت عن وجه يخجل البدر في أفق السماء، فلما نظرتها شخصت إليها وسرحت فيها النظر وأضاء القصر من نور وجهها.

واندهشت زبيدة من حسنها، وكذلك كل من في القصر وصار كل من رآها مجنوناً لا يقدر أن يكلم أحداً ثم إن السيدة زبيدة قامت وأوقفت الصبية وضمتها إلى صدرها وأجلستها معها على السرير وأمرت أن يزينوا القصر ثم أمرت بأن يحضر لها بدلة من أفخر الملبوس وعقداً من أنفس الجواهر وألبست الصبية إياهما، وقالت لها يا سيدة الملاح أنك عجبتيني وملأت عيني، أي شيء عندك من الذخائر.

فقالت لها الصبية يا سيدتي لي ثوب ريش لو لبسته بين يديك لرأيت أحسن ما تتعجبين منه ويتحدث بحسنة كل من يراه جيلاً بعد جيل فقالت وأين ثوبك هذا قالت هو عند أم زوجي فاطلبيه لي منها فقالت السيدة زبيدة يا أمي بحياتي عندك أن تنزلي وتأتي لها بثوبها الريش حتى تفرجنا على الذي تفعله وخذيه ثانياً فقالت العجوز: يا سيدتي هذه كذابة هل رأينا أحداً من النساء له ثوب من الريش فهذا لا يكون إلا للطيور فقالت الصبية للسيدة: زبيدة وحياتك يا سيدتي لي عندها ثوب ريش، وهو في صندوق مدفون في الخزانة التي في الدار.

فقلعت السيدة زبيدة من عنقها عقد جوهر يساوي خزائن كسرى وقيصر وقالت لها يا أمي خذي هذا العقد وناولتها إياه وقالت لها: بحياتي أن تنزلي وتأتي بذلك الثوب لنتفرج عليه وخذيه بعد ذلك فحلفت لها أنها ما رأت هذا الثوب ولا تعرف له طريقاً فصرخت السيدة زبيدة على العجوز وأخذت منها المفتاح ونادت مسروراً فقالت له: خذ هذا المفتاح واذهب إلى الدار وافتحها، وادخل الخزانة التي بابها كذا وكذا، وفي وسطها صندوقاً فأخرجه واكسره وهات الثوب الريش الذي فيه وأحضره بين يدي.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الواحدة والخمسين بعد السبعمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن السيدة زبيدة لما أخذت المفتاح من أم حسن وأعطته لمسرور وقالت له: خذ هذا المفتاح وافتح الخزانة الفلانية وأخرج منها الصندوق واكسره، وأخرج منه الثوب الريش الذي فيه وأحضره بين يدي فقال: سمعاً وطاعةً، ثم أنه تناول المفتاح من يد السيدة زبيدة وسار فقامت العجوز أم حسن وهي باكية العين، ندمانة على مطاوعة الجارية ورواحها الحمام معها ولم تكن الصبية طلبت الحمام إلا مكيدة، ثم إن العجوز دخلت هي ومسرور وفتحت باب الخزانة فدخل وأخرج الصندوق وأخرج منه القميص الريش ولفه معه في فوطة وأتى به إلى السيدة زبيدة، فأخذته وقبلته وتعجبت من حسن صناعته ثم ناولته لها وقالت لها: هل هذا ثوبك الريش.

قالت: نعم يا سيدتي ومدت الصبية يدها إليه وأخذته منها وهي فرحة ثم إن الصبية تفقدته فرأته صحيحاً كما كان عليه ولم يقع منه ريشة ففرحت به وقامت من جنب السيدة زبيدة وأخذت القميص وفتحته وأخذت أولادها في حضنها واندرجت فيه وصارت طيرة بقدرة الله عز وجل فتعجبت السيدة زبيدة من ذلك وكذلك كل من حضر وصار الجميع يتعجبون من فعلها ثم إن الصبية تمايلت وتمشت ورقصت ولعبت وقد شخص لها الحاضرون وتعجبوا من فعلها ثم قالت لهم بلسان يا سادتي هل هذا مليح.

فقال لها الحاضرون نعم يا سيدتي الملاح كل ما فعلته مليح ثم قالت: وهذا الذي أعمله أحسن منه يا سيدتي وفتحت أجنحتها وطارت بأولادها وصارت فوق القبة ووقفت على سطح القاعة فنظروا إليها بالأحداق وقالوا لها: والله هذه صنعة غريبة مليحة ما رأيناها قط ثم إن الصبية لما أرادت أن تطير إلى بلادها تذكرت حسناً وقالت اسمعوا يا سادتي وأنشدت هذه الأبيات:

يا من خلا عن ذي الـديار وسـار

 

نحو الحبائب مـسـرعـاً فـرارا

أظن أني فـي نـعـيم بـينـكـم

 

والعيش منكـم لـم يكـن أكـدارا

لما أسرت وصرت في شرك الهوى

 

جعل الهوى سجني وشط مـزارا

لما اختفى ثوبـي تـيقـن أنـنـي

 

لم ادع فيه الـواحـد الـقـهـارا

قد صار يوصي أمه بـحـفـاظـه

 

في مخدع وعداً عـلـي وجـارا

فسمعت ما قالوه ثم حـفـظـتـه

 

ورجـوت خـيراً زائداً مـدرارا

فرواحي الحـمـام كـان وسـيلة

 

حتى غدت في العقـول حـيارى

 وتعجبت عرس الرشيد لبهجتي

 

إذ شاهدتنـي يمـنة ويسـارا

ناديت يا امرأة الخليفة إن لـي

 

ثوباً من الريش العلي فخـارا

لو كان فوقي تنظرين عجائبـاً

 

تمحوا العنا وتـبـدد الأكـدارا

فاستفسرت عرس الخليفة أين ذا

 

فأجبت في دار الذي قـد دار

فانقض مسرور وأحضره لهـا

 

وإذا به قـد أشـرق الأنـوارا

فأخذته من كفه وفـتـحـتـه

 

ورأيت منه الجـيب والأزرارا

فدخلت فيه ثم أولادي مـعـي

 

وفردت أجنحتي وطرت فرارا

يا أم زوجي أخبـريه إذا أنـي

 

إن حب وصلي فليفـارق دارا

فلما فرغت من شعرها قالت لها السيدة زبيدة أما تنزلين عندنا حتى نتملى بحسنك يا سيدة الملاح فسبحان من أعطاك الفصاحة والصباحة قالت هيهات أن يرجع ما فات ثم قالت لأم الحزين المسكين: والله يا سيدتي يا أم حسن إنك توحشيني فإذا جاء ولدك وطالت عليه أيام الفراق واشتهى القرب والتلاق وهزته أرياح المحبة والأشواق فليجئني إلى جزائر واق الواق، ثم طارت هي وأولادها وطلبت بلادها فلما رأت أم حسن ذلك بكت ولطمت وجهها حتى غشي عليها.

فلما أفاقت قالت لها السيدة زبيدة يا سيدتي الحاجة ما كنت أعرف أن هذا يجري ولو كنت أخبرتيني به ما كنت أتعرض لك وما عرفت أنها من الجن الطيارة إلا في هذا الوقت ولو عرفت أنها على هذه الصفة ما كنت مكنتها من لبس الثوب ولا كنت أخليها تأخذ أولادها ولكن يا سيدتي اجعليني في حلٍ فقالت العجوز وما وجدت في يدها حيلةٌ أنت في حل، ثم خرجت من قصر الخلافة ولم تزل سائرة حتى دخلت بيتها وصارت تلطم على وجهها حتى غشي عليها فلما أفاقت من غشيتها استوحشت إلى الصبية والى أولادها والى رؤية ولدها ثم قامت وحفرت في البيت ثلاثة قبورٍ وأقبلت عليها بالبكاء آناء الليل وأطراف النهار وحين طالت غيبة ولدها وزاد بها القلق والشوق والحزن أنشدت هذه الأبيات:

خيالك بين طابقة الـجـفـون

 

وذكرك في الخوافق والسكون

وحبك قد جرى في العظم منى

 

كجري الماء في ثمر الغصون

ويوم لا أراك يضيق صـدري

 

وتعذرني العواذل في شجوني

أيا من قد تملـكـنـي هـواه

 

وزاد على محبته جـنـونـي

خف الرحمن في وكن رحيمـاً

 

هواك أذاقني ريب المـنـون

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الثانية والخمسين بعد السبعمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن أم حسن صارت تبكي آناء الليل وأطراف النهار لفراق ولدها وزوجته وأولادها هذا ما كان من أمرها وأما ما كان من أمر ولدها حسن فإنه لما وصل إلى البنات، حلفن عليه أن يقيم عندهن ثلاثة أشهرٍ ثم بعد ذلك جهزن له المال وهيأن له عشرة أحمالٍ خمسة من الذهب وخمسة من الفضة وهيأن له من الزاد حملاً واحداً وسفرنه وخرجن معه فحلف عليهن أن يرجعن فأقبلن على عناقه من أجل التوديع، فتقدمت إليه البنت الصغيرة وعانقته وبكت حتى غشي عليها وأنشدت هذين البيتين:

متى تنطفي نار الفراق بقربكـم

 

ويقضي بكم ربي ونبقى كما كنا

لقد راعني يوم الفراق وضر بي

 

وقد زادني التوديع يا سادتي هنا

ثم تقدمت البنت الثانية وعانقته وأنشدت هذين البيتين:

وداعك مثل وداع الحياة

 

وفقدك يشبه فقد النـديم

وبعدك نارٌ كوت مهجتي

 

وقربك فيه جنات النعيم

ثم تقدمت البنت الثالثة وعانقته وأنشدت هذين البيتين:

ما تركنا الوداع يوم افترقـنـا

 

عن ملال ولا لوجه قـبـيح

أنت روحي على الحقيقة قطعاً

 

كيف أختار أن أودع روحـي

ثم تقدمت البنت الرابعة وعانقته وأنشدت هذين البيتين:

هو ذلك الدرر الذي أودعـتـه

 

في مسمعي أجريته من مدمعي

لم يبكني إلا حـديث فـراقـه

 

لما أسر بـه إلـى دمـوعـي

ثم تقدمت البنت الخامسة وعانقته وأنشدت هذين البيتين:

لا ترحلن فما لي عنكـم جـلـدٌ

 

حتى أطيق به توديع مرتـحـل

ولا من الصبر ما ألقى الفراق به

 

ولا من الدمع ما أذري على طلل

ثم تقدمت البنت السادسة وعانقته وأنشدت هذين البيتين:

قد قلت مذ سار السباق بهم

 

والشوق ينهب مهجتي نهبا

لو كان لي ملك أصول به

 

لأخذت كل سفينة غصبـا

ثم تقدمت البنت السابعة وعانقته وأنشدت هذين البيتين:

إذا رأيت الوداع فاصبر

 

ولا يهولنك الـبـعـاد

وانتظر العود عن قريبٍ

 

فإن قلب الوداع غادرا

ثم إن حسناً ودعهن وبكى إلى أن غشي عليه بسبب فراقهم وأنشد هذه الأبيات:

ولقد جرت يوم الفراق سوافـحـي

 

درراً نظمت عقودها من أدمعـي

وحدا بهم حادي الركاب فلـم أجـد

 

جلداً ولا صبراً ولا قلبي مـعـي

ودعتهم ثم انثـنـيت بـحـسـرة

 

وتركت أنس معاهـدي والأربـع

فرجعت لا أدري الطريق ولم تطب

 

نفسي أني أراك بـمـرجـعـي

يا صاحبي أنصت لأخبار الـهـوى

 

حاشى لقلبك أن أقـول ولا يعـي

يا نفس منذ فارقتهن فـفـارقـي

 

طيب الحياة وفي البقاء لا تطمعي

ثم أنه جد في المسير ليلاً ونهاراً حتى وصل إلى بغداد دار السلام وحرم الخلافة العباسية ولم يدر بالذي جرى بعد سفره فدخل الدار على والدته وسلم عليها فرآها قد انتحل جسمها ورق عظمها من كثرة النواح والسهر والبكاء والعويل حتى صارت مثل الخلال ولم تقدر أن ترد الكلام فصرف النجائب وتقدم إليها فلما رآها على تلك الحالة قام في الدار، وفتش على زوجته وعلى أولادها فلم يجد لهم أثراً ثم إنه نظر في الخزانة فوجدها مفتوحة والصندوق مفتوحاً ولم يجد فيه الثوب، فعند ذلك عرف أنها تمكنت من الثوب الريش وأخذته وطارت وأخذت أولادها معها فرجع إلى أمه فرآها قد أفاقت من غشيتها فسألها عن زوجته وعن أولادها فبكت وقالت: يا ولدي عظم الله أجرك فيهم وهذه قبورهم الثلاثة، فلما سمع كلام أمه صرخ صرخة عظيمة وخر مغشياً عليه واستمر كذلك من أول النهار إلى الظهر فازدادت أمه غماً على غمها وقد يئست من حياته فلما أفاق بكي، ولطم على وجهه وشق ثيابه وصار دائراً في الدار متحيراً ثم أنشد هذين البيتين:

شكا ألم الفراق الناس قبلـي

 

وروع بالنوى حي ومـيت

وأما مثل ما ضمت ضلوعي

 

فأني لا سمعـت ولا رأيت

فلما فرغ من شعره أخذ سيفه وسله وجاء إلى أمه وقال لها، إن لم تعلميني بحقيقة الحال ضربت عنقك وقتلت روحي فقالت له: يا ولدي لا تفعل ذلك وأنا أخبرك، ثم قالت له أغمد سيفك واقعد حتى أحدثك بالذي جرى، فلما أغمد سيفه وجلس إلى جانبها أعادت عليه القصة من أولها إلى آخرها وقالت له: يا ولدي لولا أني رأيتها بكت على طلب الحمام، وخفت منك أن تجيء وتشكو إليك فتغضب على ما كنت ذهبت بها إليه، ولولا أن السيدة زبيدة غضبت علي أخذت مني المفتاح قهراً ما كنت أخرجت الثوب ولو كنت أموت ويا ولدي أنت تعرف أن يد الخلافة لا تطاولها يد، فلما أحضروا لها الثوب أخذته وقبلته وكانت تظن أنه فقد منه شيء ففرحت وأخذت أولادها وشدتهم في وسطها ولبست الثوب الريش بعد ما قلعت لها الست زبيدة كل ما عليها إكراماً لها ولجمالها فلما لبست الثوب الريش انتفضت وصارت طيرة ومشت في القصر وهم ينظرون إليها ويتعجبون من حسنها وجمالها ثم طارت وصارت فوق القصر وبعد ذلك نظرت إلي وقالت لي إذا جاء ولدك وطالت عليه ليالي الفراق واشتهى القرب مني والتلاق وهزته رياح المحبة والأشواق فليفارق وطنه ويذهب إلى جزائر واق الواق، هذا ما كان من حديثهما في غيبتك.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الثالثة والخمسين بعد السبعمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن حسناً لما سمع كلام أمه حين حكت له جميع ما فعلت زوجته وقت ما طارت صرخ صرخة عظيمة ووقع مغشياً عليه ولم يزل كذلك إلى آخر النهار فلما أفاق لطم على وجهه وصار يتقلب على الأرض مثل الحية فقعدت أمه تبكي عند رأسه إلى نصف الليل فلما أفاق من غشيته بكى بكاء عظيماً، وأنشد هذه الأبيات:

قفوا وانظروا حال الذي تهجرونه

 

لعلكم بعد الجفاء ترحـمـونـه

فان تنظروه تنكروه لسـقـمـه

 

كأنكم واللـه لا تـعـرفـونـه

 وما هو إلا ميت في هـواكـم

 

يعد من الأمـوات إلا أنـينـه

ولا تحسبوا أن التـفـرق هـين

 

يعز على المشتاق والموت دونه

فلما فرغ من شعره قام وجعل يدور في البيت وينوح ويبكي وينتحب مدة خمسة أيام لم يذق فيها طعاماً ولا شراباً فقامت إليه أمه وحلفته وأقسمت عليه أن يسكت من البكاء فما قبل كلامها وما زال يبكي وينتحب وأمه تسليه وهولا يسمع منها شيئاً وما زال حسن على هذه الحالة يبكي إلى الصباح ثم غفلت عيناه فرأى زوجته حزينة وهي تبكي فقام من نومه وهو يصرخ وأنشد هذين البيتين:

خيالك عندي لـيس يبـرح سـاعة

 

جعلت له في القلب أشرف موضع

ولو رجاء الوصل ما عشت لحـظة

 

ولولا خيال الطيف لم أتـهـجـع

فلما أصبح زاد نحيبه وبكاؤه ولم يزل باكي العين حزين القلب ساهر الليل قليل الأكل واستمر على هذه الحالة مدة شهر كامل فلما مضى ذلك الشهر خطر بباله أنه يسافر إلى أخواته لأجل أن يساعدنه على قصده من حصولها فأحضر النجائب ثم حمل خمسين هجينة من تحف العراق وركب واحدة منها ثم أوصى والدته على البيت وأودع جميع حوائجه إلا قليلاً أبقاه في الدار وسار متوجهاً إلى أخواته لعله أن يجد عندهن مساعدة على اجتماع زوجته ولم يزل سائراً حتى وصل إلى قصر البنات في جبل السحاب فلما دخل عليهن قدم إليهن الهدايا ففرحن بها وهنينه بالسلامة وقلن له يا أخانا ما سبب مجيئك بسرعة وما لك غير شهرين فبكى وأنشد هذه الأبيات:

أرى النفس في فكر لفقد حبيبها

 

فلا تتهنى بالحياة وطـيبـهـا

سقامي داء ليس يعرف طيبـه

 

وهل يبرئ الأسقام غير طيبها

فيا مانعي طيب المنام تركتنـي

 

اسائل عنك الريح عند هبوبها

قريبة عهد من حبيبي وقد حوى

 

محاسن تدعو مقلتي لحبيبهـا

فيا أيها الشخص والملم بأرضه

 

عسى نفحة تحيا القلوب بطيبها

فلما فرغ من شعره صرخ صرخة عظيمة وخر مغشياً عليه وقعدت البنات حوله يبكين عليه حتى أفاق من غشيته فلما أفاق أنشد هذين البيتين:

عسى وأمل الدهر يلوي عنـانـه

 

ويأتيني بحبيبي والزمان غـيور

ويسعدني دهري فتنقضي حوائجي

 

وتحصل من بعد الأمور أمـور

فلما فرغ من شعره بكى حتى غشي عليه فلما أفاق من غشيته أنشد هذه الأبيات:

أفي العشق والتبريح دنتم كمادنـا

 

وهل ودنا منكم كما ودكم مـنـا

ألا قاتل الله الـهـوى مـا أمـره

 

فيا ليت شعري ما يريد الهوى منا

وجوهكم الحسنى وإن شطت النوى

 

تمثل في أبصارنا أينـمـا كـنـا

فقلبي مشغول بتذكـار حـبـكـم

 

ويطربني صوت الحمام إذا غنى

ألا يا حـمـامـاً يدعـو ألـيفـه

 

لقد زدتني شوقاً وأصحبتني حزنا

تركت جفوني لا تمل من البـكـا

 

على سادة غابوا برؤيتهم عـنـا

أحن إليهـم كـل وقـت سـاعةٍ

 

وأشتاق في الليل إليهم إذا جـنـا

فلما سمعت كلامه أخته خرجت إليه فرأته راقداً مغشياً عليه فصرخت ولطمت فسمعها أخواتها فخرجن إليها فرأين حسناً راقداً مغشياً عليه فاحتطن به وبكين عليه ولم يخف عليهن حين رأينه ما حل به من الوجد والهيام والشوق والغرام فسألنه عن حاله فبكى وأخبرهن بما جرى في غيابه حيث طارت زوجته وأخذت أولادها معها فحزن عليها وسألنه عن الذي قالت عندما راحت قال يا أخواتي إنها قالت لوالدتي قولي لولدك إذ جاء وطالت عليه ليالي الفراق واشتهى القرب مني وهزته أرياح المحبة والأشواق فليجئ إلى جزائر واق الواق. فلما سمعن كلامه تغامزن وتذاكرن وصارت كل واحدة تنظر إلى أختها وحسن ينظر إليهن ثم أطرقن رؤوسهن إلى الأرض ساعة وبعد ذلك رفعنها وقلن لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ثم قلن له امدد يدك إلى السماء فان وصلت إلى السماء تصل إلى زوجتك.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الرابعة والخمسين بعد السبعمائة  قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن البنات لما قلن لحسن امدد يدك إلى السماء فإذا وصلت إليها تصل إلى زوجتك وأولادك جرت دموعه على خديه مثل المطر حتى بلت ثيابه وأنشد هذه الأبيات:

قد هيجتني الخدود الحمـر والـحـدق

 

وفارق الصبر لـمـا أقـبـل الأرق

بيض نواعم أضنت بالجفـا جـسـدي

 

لم يبق منه لا يصار الـورى رمـق

جور يميس كغزلان النقـا سـفـرت

 

عن بهجة لو رآها الأولياء عـلـقـوا

يمشين مثل نسيم الأرض في سـحـر

 

يعشقهن عـراء الـهـم والـقـلـق

علقت منـهـم آمـالـي بـغـانـية

 

قلبي لها بلظى الـنـيران يحـتـرق

خدود نـاعـمة الأطـراف مــائسة

 

في وجهها الصبح وفي شعرها الغسق

قد هيجتني وكم في الحب من نـطـق

 

قد هيجته جفون البـيض والـحـدق

فلما فرغ من شعره بكى وبكت البنات لبكائه وأخذتهن الشفقة والغيرة عليه وصرن به يصبرنه ويقمن له بجميع الضمل فأقبلت عليه أخته وقالت له يا أخي طب نفساً وقر عيناً واصبر تبلغ مرادك فمن صبر نال ما تمنى والصبر مفتاح الفرج فقد قال الشاعر:

دع المقادير تجري في أعنتها

 

ولا تبيتن إلا خالي الـبـال

ما بين غمضة عين وانتباهتها

 

يغير الله من حال إلى حال

ثم قالت له قو قلبك وشدد عزمك فان ابن عشرة لا يموت وهو في التاسعة والبكاء والحزن يمرض ويسقم واقعد عندنا تستريح وأنا أتحيل لك في الوصول إلى زوجتك وأولادك إن شاء الله تعالى وبكى بكاءً شديداً وأنشد هذين البيتين:

لئن عوفيت من مرض بجسمي

 

فما عوفيت بمرض بقلـبـي

وليس دواء أمراض التصابـي

 

سوى وصل الحبيب مع المحب

ثم جلس إلى جانب أخته وصارت تحدثه وتسليه عن الذي كان سبباً في رواحها فأخبرها عن سبب ذلك فقالت له والله يا أخي إني أردت أن أقول لك أحرق الثوب الريش فإنساني الشيطان ذلك وصارت تحدثه وتلاطفه فلما طال عليه الأمر زاد به القلق وأنشد هذه الأبيات:

تمكن من قلبي حبيب ألـفـتـه

 

وليس لما قد قدر الله مـدفـع

من العرب قد حاز الملاحة كلها

 

غزال ولكن في فؤادي يرتـع

لئن عز صبري في هواه وحيلتي

 

بكيت على أن البكا ليس ينفـع

مليح له سبع وسـبـع كـأنـه

 

هلالٌ له خمس وخمس وأربـع

فلما نظرت أخته إلى ما فيه من الوجد والهيام وتباريح الهوى والغرام قامت إلى أخواتها وهي باكية العين حزينة القلب وبكت بين أيديهن ورمت نفسها عليهن وقبلت أقدامهن وسألتهن مساعدة أخيها على قضاء حاجته واجتماعه بأولاده وزوجته وعاهدتهن على أن يدبرن أمراً يوصله إلى جزائر واق الواق وما زالت تبكي بين يدي أخواتها حتى أبكتهن وقلن لها طيبي قلبك بأننا مجتهدات في اجتماعه بأهله إن شاء الله تعالى ثم إنه قام عندهن سنة كاملة وعينه لم تمسك عن الدموع وكان لأخواتها عم أخو والدهن شقيقه وكان اسمه عبد القدوس وكان يحب البنت الكبيرة محبة كثيرة وكان في كل سنة يزورها مرة واحدة ويقضي حوائجها وكانت البنات قد حدثته بحديث حسن وما وقع له مع المجوس وكيف قدر على قتله ففرح عمهن بذلك ودفع للبنت الكبيرة صرة فيها بخور وقال لها يا بنت أخي إذا أهمك أمراً ونالك مكروه أو عرضت لك حاجة فألق هذا البخور في النار واذكريني فأنا أحضر لك بسرعة وأقضي حاجتك وكان هذا الكلام في أول يوم من السنة.

فقالت البنت لبعض أخواتها إن السنة قد مضت بتمامها وعمي لم يحضر قومي اقدحي الزناد وائتني بعلبة البخور فقامت وهي فرحانة وأحضرت علبة البخور وفتحتها وأخذت منها شيء يسير وناولته لأختها فأخذته ورمته في النار وذكرت عمها فما فرغ البخور وإلا غبرة قد ظهرت من صدر الوادي ثم بعد ساعة انكشف الغبار فبان من تحته شيخ راكب على فيل وهو يصيح من تحته فلما نظرته البنات صار يشير إليهن بيديه ورجليه ثم بعد ساعة وصل إليهن فنزل عن الفيل ودخل عليهن فعانقنه وقبلن يديه وسلمن عليه ثم إنه جلس وصارت البنات يتحدثن معه ويسألنه عن غيابه. فقال إني كنت في هذا الوقت جالساً أنا وزوجة عمكن فشممت البخور فحضرت إليكن على هذا الفيل فما تريدين يا بنت أخي؟ فقالت يا عم إننا اشتقنا إليك وقد مضت السنة وما عادتك أن تغيب عنا أكثر من سنة فقال لهن إني مشغولاً وكنت عزمت على أن أحضر إليكن غداً فشكرنه ودعون له وقعدن يتحدثن معه.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الخامسة والخمسين بعد السبعمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن البنات قعدن يتحدثن مع عمهن قالت البنت الكبيرة يا عمي إننا كنا حدثناك بحديث حسن البصري الذي جاء به بهرام المجوسي وكيف قتله وحدثناك بالصبية بنت الملك الأكبر التي أخذها وما قاس من الأمور الصعاب والأهوال وكيف اصطاد بنت الملك وتزوج بها وكيف سافر إلى بلاده قال نعم فما حدث له بعد هذا قالت له إنها غدرت به وقد رزق منها بولدين فأخذتهما وسافرت بهما إلى بلادها وهو غائب وقالت لأمه إذا حضر ولدك وطالت عليه ليالي الفراق وأراد مني القرب والتلاقي به وهزته رياح المحبة والاشتياق فليجئني إلى جزائر واق الواق، فحرك رأسه وعض على إصبعه ثم أطرق رأسه إلى الأرض وصار ينكث في الأرض بإصبعه ثم التفت يميناً وشمالاً وحرك رأسه وحسن ينظره وهو متوار عنه.

فقالت البنات لعمهن رد علينا الجواب فقد تفتت منا الأكباد فهز رأسه إليهن وقال لهن يا بناتي لقد أتعب هذا الرجل نفسه ورمى روحه في هول عظيم وخطر جسيم فإنه لا يقدر أن يقبل على جزائر واق الواق فعند ذلك نادت البنات حسناً فخرج إليهن وتقدم الشيخ عبد القدوس وقبل يده وسلم عليه ففرح به وأجلسه بجانبه فقالت البنات لعمهن يا عم بين لأخينا حقيقة ما قلته فقال له يا ولدي اترك عنك هذا العذاب الشديد فإنك لا تقدر أن تصل إلى جزائر واق الواق ولو معك الجن الطيارة والنجوم السيارة لأن بينك وبين الجزائر سبع أودية وسبع بحار وسبع جبال عظام وكيف أن تصل إلى هذا المكان ومن يصلك إليه بالله عليك أن ترجع من قريب ولا تتعب نفسك.

فلما سمع حسن كلام الشيخ عبد القدوس بكى حتى غشي عليه وقعدت البنات حوله يبكين لبكائه وأما البنت الصغيرة فإنها شقت ثيابها ولطمت على وجهها حتى غشي عليها فلما رآهم الشيخ عبد القدوس على هذه الحالة من الهم والوجد والحزن رق لهم وأخذته الرأفة عليهم فقال اسكتوا ثم قال لحسن طيب قلبك وأبشر بقضاء حاجتك إن شاء الله تعالى ثم قال يا ولدي قم وشد حيلك واتبعني فقام حسن على حيله بعد أن ودع البنات وتبعه وقد فرح بقضاء حاجته ثم إن الشيخ عبد القدوس استدعى الفيل فحضر فركبه وأردف حسناً خلفه وسار به مدة ثلاثة أيام بلياليها مثل البرق الخاطف حتى وصل جبل عظيم أزرق وفي ذلك الجبل مغارة عليها باب من الحديد الصيني.

فأخذ الشيخ بيد حسن وأنزله ثم نزل الشيخ وأطلق الفيل ثم تقدم إلى باب المغارة وطرقه فانفتح الباب وخرج إليه عبد أسود أحرود كأنه عفريت وبيده اليمنى سيف والأخرى ترس من بولاد فلما نظر الشيخ عبد القدوس رمى السيف والترس من يده وتقدم إلى الشيخ عبد القدوس وقبل يده ثم أخذ الشيخ بيد حسن ودخل هو وإياه وقفل العبد الباب خلفهما فرأى حسن المغارة كبيرة واسعة جداً أولها دهليز معقود ولم يزالوا سائرين مقدار ميل ثم انتهى بهم السير إلى فلاة عظيمة وتوجهوا إلى ركن فيه بابان عظيمان مسبوكان من النحاس الأصفر ففتح الشيخ عبد القدوس باباً منهما ودخل ورده وقال لحسن اقعد على هذا الباب واحذر أن تفتحه وتدخل حتى أدخل وأرجع إليك عاجلاً. فلما دخل الشيخ غاب مدة ساعة فلكية ثم خرج ومعه حصان ملجم إن سار طار وإن طار لم يلحقه غبار فقدمه الشيخ لحسن وقال له اركب، ثم إن الشيخ فتح الباب الثاني فبان منه برية واسعة فركب حسن الحصان وخرج الاثنان من الباب وسار في تلك البرية، فقال الشيخ لحسن: يا ولدي خذ هذا الكتاب وسر على الحصان إلى الموضع الذي يوصلك إليه فإذا نظرته وقف على مغارة مثل هذه فانزل عن ظهره وأجعل عنانه في قربوس السرج وأطلقه فإنه يدخل المغارة فلا تدخل معه وقف على باب المغارة مدة خمسة أيام ولا تضجر فإنه في اليوم السادس يخرج إليك شيخ أسود عليه لباس أسود وذقنه طويلة نازلة إلى سرته، فإذا رأيته فقبل يديه وامسك ذيله واجعله على رأسك وابك بين يديه حتى يرحمك فإنه يسألك عن حاجتك فإذا قال لك ما حاجتك فادفع إليه هذا الكتاب فإنه يأخذه منك ولا يكلمك ويدخل ويخليك فقف مكانك خمسة أيام أخرى ولا تضجر، وفي اليوم السادس انتظره فإنه يخرج إليك فإن خرج إليك بنفسه فأعلم أن حاجتك تقضى وإن خرج إليك أحد من غلمانه فأعلم أن الذي خرج إليك يريد قتلك والسلام، وأعلم يا ولدي أن كل من خاطر بنفسه أهلك نفسه.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة السادسة والخمسين بعد السبعمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الشيخ عبد القدوس لما أعطى حسناً الكتاب أعلمه بما يحصل وقال له إن كل من خاطر بنفسه أهلك نفسه، فان كنت تخاف على نفسك فلا تلقي بها إلى الهلاك وإن كنت لا تخاف فدونك وما تريد فقد بينت لك الأمور، وإن شئت الرواح لصواحبك فهذا الفيل حاضر فانه يسير بك إلى بنات أخي وهن يوصلنك إلى بلادك ويرددنك إلى وطنك ويرزقك الله خيراً من البنت التي تعلقت بها.

فقال حسن للشيخ: وكيف تطيب لي الحياة من غير أن أبلغ مرادي، والله إني لا أرجع أبداً حتى أبلغ مرادي من حبيبتي أو تدركني منيتي، ثم بكى وأنشد هذه الأبيات:

على فقد حبي مع تزايد صبـوتـي

 

وقفت أنـادي بـانـكـسـار وذلة

وقبلت تراب الربع شوقـاً لأجـلـه

 

ولم يجدني إلا تـزايد حـسـرتـي

رعى الله من باتوا وفي القلب ذكرهم

 

فوصلت آلامي وفارقـت لـذتـي

يقولون لي صبراً وقد رحـلـوا بـه

 

وقد أضرموا يوم الترحل زفرتـي

وما راعنـي إلا الـوداع وقـولـه

 

إذا غبت فاذكرني ولا تنسى صحبتي

لمن ألتجي من أرتجي بعد فقـدهـم

 

وكانوا رجائي في رخائي وشدتـي

فوا حسرتي لما رجعـت مـودعـاً

 

وسرت عداي المبغضون برجعتـي

فوا أسفا هذا الذي كـنـت حـاذراً

 

ويا لوعتي زيدي لهيباً بمهـجـتـي

فإن غاب أحبابي فلا أعيش بعدهـم

 

وإن رجعوا يا فرحتي ومسـرتـي

فوالله لم ينفض دمعي من الـبـكـا

 

على فقدهم بل عبرة بعـد عـبـرة

فلما سمع الشيخ عبد القدوس إنشاده وكلامه علم أنه لا يرجع عن مراده وأن الكلام لا يؤثر فيه وتيقن أنه لا بد أن يخاطر بنفسه ولو تلفت مهجته فقال: اعلم يا ولدي أن جزائر واق الواق سبع جزائر فيها عسكر عظيم وذلك العسكر كله بنات أبكار وسكان الجزائر الجوانية شياطين ومردة وسحرة وأرهاط مختلفة وكل من دخل أرضهم لا يرجع وما حصل إليهم أحد قط ورجع، فبالله عليك أن ترجع إلى أهلك من قريب وأعلم أن البنت التي قصدتها بنت ملك هذه الجزائر كلها وكيف تقدر أن تصل إليها، فاسمع مني يا ولدي ولعل الله يعوضك خيراً منها.
فقال: والله يا سيدي لو قطعت في هواها إرباً إرباً ما ازددت إلا حباً وطرباً ولا بد من رؤية زوجتي وأولادي والدخول في جزائر واق الواق وإن شاء الله ما أرجع إلا بها وبأولادي، فقال له الشيخ عبد القدوس حينئذ: لا بد لك من السفر؟ فقال نعم وإنما أريد منك الدعاء بالإسعاف والإعانة لعل الله يجمع شملي بزوجتي وأولادي عن قريب، ثم بكى من عظم شوقه وأنشد هذه الأبيات:

أنتم مرادي وأنتم أحسن البشـر

 

أحلكم في محل السمع والبصر

ملكتم القلب مني وهو منزلكـم

 

وبعد سادتي أصبحت في كدر

فلا تظنوا انتقالي عن محبتكـم

 

فحبكم صير المسكين في حذر

 غبتم فغاب سروري بعد غيبتـكـم

 

وأصبح الصفو عندي غاية الكدر

تركتموني أراعي النجم مـن ألـمٍ

 

أبكي بدمع يحاكي هاطل المطر

يا ليل طلت على من بات في قلق

 

من شدة الوجد يرعى طلعة القمر

إن جزت يا ريح حياً فيه قد نزلوا

 

بلغ سلامي لهم فالعمر في قصر

وقل لهم بعض ما لاقيت من ألـم

 

إن الأحبة لا يدرن عن خـبـري

فلما فرغ حسن من شعره بكى بكاءً شديداً حتى غشي عليه فلما أفاق قال له الشيخ عبد القدوس يا ولدي إن لك والدة فلا تذقها ألم فقدك فقال حسن للشيخ والله يا سيدي ما بقيت أرجع إلا بزوجتي أو تدركني منيتي ثم بكى وناح وأنشد هذه الأبيات:

وحتى الهوى ما غير البعد عهدكم

 

وما أنا بمن للـعـهـود يخـون

وعندي من الأشواق ما لو شرحته

 

إلى الناس قالوا قد عراه جنـون

فوجدٌ وحزنٌ وانتـحـاب لـوعةٍ

 

ومن حاله هذا فـكـيف يكـون

فلما فرغ من شعره علم الشيخ أنه لا يرجع عما هو فيه ولو ذهبت روحه فناوله الكتاب ودعا له وأوصاه بالذي يفعله وقال له قد أكدت لك في الكتاب على أبي الريش ابن بلقيس بنت معين فهو شيخي ومعلمي وجميع الإنس والجن يخضعون له ويخافون منه ثم قال له توجه على بركة الله تعالى فتوجه وقد أرخى عنان الحصان فطار به أسرع من البرق ولم يزل حسن مسرعاً بالحصان مدة عشرة أيام حتى نظر أمامه شبحاً عظيماً أسود من الليل قد سد ما بين المشرق والمغرب فلما قرب حسن منه صهل الحصان تحته فاجتمعت خيول كثيرة مثل المطر لا يحصى لها عدد ولا يعرف لها مدد وصارت تتمسح في الحصان فخاف حسن وفزع.

ولم يزل حسن سائراً والخيول حوله إلى أن وصل إلى المغارة التي وصفها له الشيخ عبد القدوس فوقف الحصان على بابها فنزل حسن من فوقه ووضع عنانه في سرجه فدخل الحصان المغارة ووقف حسن على الباب كما أمره الشيخ عبد القدوس وصار متفكراً في عاقبة أمره كيف يكون حيران ولهان لا يعلم الذي يجري له.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة السابعة والخمسين بعد السبعمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن حسناً لما نزل من فوق ظهر الحصان وقف على باب المغارة متفكراً في عاقبة أمره كيف يكون لا يعلم الذي يجري له ولم يزل واقفاً على باب المغارة خمسة أيام بلياليها وهو سهران حزنان حيران متفكراً حيث فارق الأهل والأوطان والأصحاب والخلان باكي العين حزين القلب ثم إنه تذكر والدته وتفكر فيما يجري له وفي فراق زوجته وأولاده فيما أساد فأنشد هذه الأبيات:

لديكم دواء القلب والقـلـب ذائبٌ

 

ومن سفح أجفاني دموع سواكب

فراق وحزن واشتـياق وغـربة

 

وبعد عن الأوطان والشوق غالب

وما أنا إلا عاشـق ذو صـبـابة

 

ببعد الذي يهدى دهته المصـائب

فإن كان عشقي قد رماني بنكـبة

 

فأي كريم لم تصبـه الـنـوائب

فما فرغ حسن من شعره إلا والشيخ أبو الريش قد خرج له وهو أسود وعليه لباس أسود فلما نظر حسن عرفه بالصفات التي أخبره بها الشيخ عبد القدوس فرمى نفسه عليه ومرغ خديه على قدميه وأمسك ذيله وحطه على رأسه وبكى قدامه فقال الشيخ أبو الريش ما حاجتك يا ولدي فمد يديه بالكتاب وناوله للشيخ أبي الريش فأخذه منه ودخل المغارة لم يرد عليه جواباً فقعد حسن في موضعه على الباب مثل ما قاله الشيخ عبد القدوس وهو يبكي وما زال قاعداً مكانه مدة خمسة أيام وقد ازداد به القلق واشتد به الخوف ولازمه الأرق فصار يبكي ويتضجر من ألم البعاد وكثرة السهاد، ثم أنشد هذه الأبيات:

سبحان جبار السـمـا

 

أن المحب لفي عنـا

من لم يذق طعم الهوى

 

لم يدر ما جهد البـلا

لو كنت أحبس عبرتي

 

لوجدت أنهار الدمـا

كم من صديق قد قسا

 

قلباً وأولع بالشـقـا

فإذا تعطف لامـنـي

 

فأقول ما بي من بكا

لكن ذهبـت لأرتـدي

 

فأصابني عين الردى

بكت الوحوش لوحشتي

 

وكذلك سكان الهـوى

ولم يزل حسن يبكي إلى أن لاح الفجر وإذا بالشيخ أبو الريش قد خرج إليه وهو لابس لباساً أبيض وأومأ إليه بيده أن يدخل فدخل حسن فأخذه الشيخ من يده ودخل به المغارة ففرح وأيقن أن حاجته قد قضيت ولم يزل الشيخ سائراً وحسن معه مقدار نصف نهار ثم وصلا إلى باب مقنطر عليه باب من البولاد ففتح الباب ودخل هو وحسن في دهليز معقود بحجارة من الجزع المنقوش بالذهب ولم يزالا سائرين حتى وصل إلى قاعة كبيرة مرخمة واسعة في وسطها بستان فيه من سائر الأشجار والأزهار والأثمار والأطيار على الأشجار تناغي وتسبح الملك القهار وفي القاعة أربعة لواوين يقابل بعضها بعضاً وفي كل ليوان مجلس فيه فسقية وعلى كل ركن من أركان كل فسقيه صورة سبع من الذهب وفي كل مجلس كرسي وعليه شخص جالس وبين يديه كتب كثيرة جداً وبين أيديهم مجاهر من ذهب فيها آثار وبخور وكل شيخ منهم بين يديه طلبته يقرؤون عليه الكتب.

فلما دخلا عليهم قاموا إليهما وعظموهما فأقبل عليهم وأشار لهم أن يصرفوا الحاضرين فصرفهم وقام أربعة مشايخ وجلسوا بين يدي الشيخ أبو الريش وسألوه عن حال حسن فعند ذلك أشار الشيخ أبو الريش إلى حسن وقال له حدث الجماعة بحديثك وبجميع ما جرى لك من أول الأمر إلى آخره فعند ذلك بكى حسن بكاءً شديداً بحديثه.

فلما فرغ حسن من حديثه صاحت المشايخ كلهم وقالوا هل هذا هو الذي أطلعه المجوسي إلى جبل السحاب والنسور وهو في جلد الجمل فقال لهم حسن نعم فأقبلوا على الشيخ أبي الريش وقالوا له يا شيخنا إن بهرام نحيل في طلوعه على الجبل وكيف نزل وما الذي وراء فوق الجبل من العجائب فقال الشيخ أبو الريش يا حسن حدثهم كيف نزلت وأخبرهم بالذي رأيته من العجائب فأعاد لهم ما جرى له من أوله إلى آخره وكيف ظفر به وقتله وكيف غدرت به زوجته وأخذت أولاده وطارت وبجميع ما قاساه من الأهوال والشدائد فتعجب الحاضرون مما جرى له أقبلوا على الشيخ أبي الريش وقالوا له يا شيخ الشيوخ والله إن هذا الشاب مسكين فعساك أن تساعده على خلاص زوجته وأولاده.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الثامنة والخمسين بعد السبعمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن حسناً لما حكى للمشايخ قصته قالوا للشيخ أبي الريش هذا الشاب مسكين فعساك أن تساعده على خلاص زوجته وأولاده فقال لهم الشيخ أبو الريش يا أخواتي إن هذا أمر عظيم خطر وما رأيت أحداً يكره الحياة غير هذا الشاب وأنتم تعرفون أن جزائر واق الواق صعبة الوصول ما وصل إليها أحد إلا خاطر بنفسه وتعرفون قوتهم وأعوانهم وأنا حالف أني ما أدوس لهم أرضاً ولا أتعرض لهم في شيء وكيف يصل هذا إلى بنت الملك الأكبر ومن يقدر أن يوصله إليها أو يساعده على هذا الأمر.

فقالوا يا شيخ الشيوخ إن هذا الرجل أتلفه الغرام وقد خاطر بنفسه، وحضر إليك بكتاب أخيك الشيخ عبد القدوس فحينئذ يجب عليك مساعدته فقام حسن وقبل قدم أبي الريش ورفع ذيله ووضعه على رأسه وبكى وقال له سألتك بالله أن تجمع بيني وبين أولادي وزوجتي ولو كان في ذلك ذهاب روحي ومهجتي فبكى الحاضرون لبكائه وقالوا للشيخ أبي الريش اغتنم أجر هذا المسكين وافعل معه جميل لأجل أخيك الشيخ عبد القدوس فقال إن هذا الشاب مسكين ما يعرف الذي هو قادم عليه، ولكن نساعده على قدر الطاقة.

ففرح حسن لما سمع كلامه وقبل يديه وقبل أيادي الحاضرين واحداً بعد واحداً وسألهم المساعدة فعند ذلك أخذ أبو الريش ورقة ودواة وكتب كتاباً وختمه وأعطاه لحسن ودفع له خريطة من الآدم فيها بخور وآلات من نار من زناد وغيره وقال له احتفظ على هذه الخريطة ومتى وقعت في شدة فبخر بقليل منه واذكرني فإني أحضر عندك وأخلصك منها ثم أمر بعض الحاضرين أن يحضر له عفريتاً من الجن الطيارة في ذلك الوقت فحضر. فقال له الشيخ ما اسمك قال عبدك دهنش ابن فقطش فقال له أبو الريش: ادن مني فدنا منه فوضع الشيخ أبو الريش فاه على أذن العفريت وقال له: كلاماً فحرك العفريت رأسه ثم قال الشيخ لحسن: يا ولدي قم اركب على كتف هذا العفريت دهنش الطيار، فإذا رفعك إلى السماء، وسمعت تسبيح الملائكة في الجو فلا تسبح فتهلك أنت وهو فقال حسن لا أتكلم أبداً ثم قال له الشيخ يا حسن إذا سار بك فإنه يضعك ثاني يوم في وقت السحر على أرض بيضاء نقية مثل الكافور، فإذا وضعك هناك فامشي عشرة أيام وحدك حتى تصل إلى باب المدينة، فإذا وصلت إليها فادخل واسأل على ملكها، فإذا اجتمعت به فسلم عليه وقبل يده وأعطه هذا الكتاب، ومهما أشار إليك فافهمه.

فقال حسن سمعاً وطاعةً وقام مع العفريت وقام المشايخ ودعوا له ووصوا العفريت عليه فلما حمله العفريت على عاتقه ارتفع به إلى عنان السماء ومشى به يوماً وليلة حتى سمع تسبيح الملائكة في السماء، فلما كان الصبح وضعه في أرض بيضاء مثل الكافور وتركه وانصرف فلما أدرك حسن أنه على الأرض ولم يكن عنده أحد، سار في الليل والنهار مدة عشرة أيام إلى أن وصل إلى باب المدينة فدخل وسأل عن الملك فدلوه عليه وقالوا إن اسمه الملك حسون ملك أرض الكافور، وعنده من العسكر والجنود ما يملأ الأرض في طولها والعرض فاستأذن حسن فأذن له فلما دخل عليه وجده ملكاً عظيماً، فقبل الأرض بين يديه.

فقال له الملك ما حاجتك فقبل حسن الكتاب وناوله إياه فأخذه وقرأه ثم حرك رأسه ساعة، ثم قال لبعض خواصه: خذ هذا الشاب وأنزله في دار الضيافة، فأخذه وسار حتى أنزله هناك، فأقام بها مدة ثلاثة أيام في أكل وشرب وليس عنده إلا الخادم الذي معه فصار ذلك الخادم يحدثه ويؤانسه ويسأله عن خبره وكيف وصل إلى هذه الديار، فأخبره بجميع ما حصل له وكل ما هو فيه. وفي اليوم الرابع أخذه الغلام وأحضره بين يدي الملك فقال له يا حسن أنت قد حضرت عندي تريد أن تدخل جزائر واق الواق كما ذكر لنا شيخ الشيوخ يا ولدي أنا أرسلك في هذه الأيام إلا أن في طريقك مهالك كثيرة وبراري معطشة كثيرة المخاوف ولكن اصبر ولا يكون إلا خيراً فلا بد أن أتحيل وأوصلك إلى ما تريد إن شاء الله تعالى.

واعلم يا ولدي أن هنا عسكراً من الديلم يريدون الدخول في جزائر واق الواق مهيئين بالسلاح والخيل والعدد وما قدروا على الدخول ولكن يا ولدي لأجل شيخ الشيوخ أبي الريش أبي بلقيس بن معن ما أقدر أن أردك إليه إلا مقضي الحاجة، وعن قريب تأتي إلينا مراكب من جزائر واق الواق وما بقي لها إلا القليل فإذا حضرت واحدة منها أنزلتك فيها وأوصي البحرية عليك ليحفظوك ويرسلوك إلى جزائر واق الواق، وكل من سألك عن حالك وخبرك فقل له أنا صهر الملك حسون صاحب الكفور، وإذا رست المركب على جزائر واق الواق وقال لك الريس اطلع البر فاطلع ترى دكاً كثيرة في جميع جهات البر فاختر لك دكة واقعد تحتها ولا تتحرك.

فإذا جاء الليل ورأيت عسكر النساء قد أحاط بالبضائع، فمد يدك وامسك صاحبة هذه الدكة التي أنت تحتها واستجر بها، واعلم يا ولدي إذا جارتك قضيت حاجتك فتصل إلى زوجتك وأولادك وإن لم تجرك فاحزن على نفسك وأيأس من الحياة وتيقن هلاك نفسك، واعلم يا ولدي أنك مخاطر بنفسك ولا أقدر لك على شيء غير هذا والسلام.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة التاسعة والخمسين بعد السبعمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن حسناً لما قال له الملك حسون هذا الكلام وأوصاه بالذي ذكرناه وقال له أنا لا أقدر لك على شيء غير هذا قال بعد ذلك واعلم أنه لولا عناية رب السماء ما وصلت إلى هنا. فلما سمع حسن كلام الملك حسون بكى حتى غشي عليه فلما أفاق أنشد هذين البيتين:

لا بد من مـدة مـحـتـومة

 

فإذا انقضت أيامـهـا مـت

لو صارعتني الأسد في غاباتها

 

لقهرتها مـا دام لـي وقـت

 فلما فرغ حسن من شعره قبل الأرض بين يدي الملك وقال له أيها الملك العظيم وكم بقي من الأيام حتى تأتي المراكب قال مدة شهر ويمكثون هنا لبيع ما فيها مدة شهرين، ثم يرجعون إلى بلادهم فلا تنتظر سفرك فيها إلا بعد ستة أشهر كاملة ثم إن الملك أمر حسن أن يذهب إلى دار الضيافة وأمر أن يحمل إليه كل ما يحتاج إليه من مأكول ومشروب وملبوس من الذي يناسب الملوك فأقام في دار الضيافة شهراً، وبعد الشهر حضرت المراكب، فخرج الملك والتجار وأخذ حسناً معه إلى المراكب، فرأى مركب فيها خلق كثير مثل الحصى ما يعلم عددهم إلا الذي خلقهم وتلك المركب في وسط البحر، ولها زوارق صغار تنقل ما فيها من البضائع إلى البر فأقام حسن عندهم حتى نزع أهلها البضائع منها إلى البر وباعوا واشتروا، وما بقي للسفر إلا ثلاثة أيام فأحضر حسناً بين يديه وجهز له ما يحتاج إليه وأنعم عليه إنعاماً عظيماً ثم بعد ذلك استدعى رئيس المركب وقال له خذ هذا الشاب معك في المركب ولا تعلم به أحداً وأوصله إلى جزائر واق الواق واتركه هناك ولا تأت به.

فقال الريس سمعاً وطاعةً ثم إن الملك أوصى حسناً وقال له لا تعلم أحداً من الذين معك في المركب بشيء من حالك ولا تطلع أحداً على قصتك فتهلك قال سمعاً وطاعةً ثم ودعه بعد أن دعا له بطول البقاء والدوام والنصر على جميع الحساد والأعداء وشكره الملك على ذلك ودعا له بالسلامة وقضاء حاجته ثم سلمه للريس فأخذه وحطه في صندوق وأنزله في قارب، ولم يطلعه في المركب إلا والناس مشغولون في نقل البضائع، وبعد ذلك سافرت المركب ولم تزل مسافرة مدة عشرة أيام.

فلما كان اليوم الحادي عشر وصلوا إلى البر فطلعه الريس من المركب فلما طلع من المركب إلى البر ورأى فيه دكاً لا يعلم عددها إلا الله، فمشى حتى وصل إلى دكة ليس لها نظير واختفى تحتها فلما أقبل الليل، جاء خلق كثير من النساء مثل الجراد المنشور وهن ماشيات على أقدامهن وسيوفهن مشهورة في أيديهن ولكنهن غائصات في الزرد فلما رأت النساء البضائع اشتغلن بها ثم بعد ذلك جلسن لأجل الاستراحة فجلست واحدة منهن على الدكة التي تحتها حسن فأخذ حسن طرف ذيلها وحطه فوق رأسه، ورمى نفسه عليها وصار يقبل يديها وقدميها وهو يبكي.

فقالت له يا هذا قم واقفاً قبل أن يراك أحد فيقتلك، فعند ذلك خرج حسن من تحت الدكة ونهض قائماً على قدميه وقبل يديها وقال لها يا سيدتي أنا في جيرتك، ثم بكى وقال لها: ارحمي من فارق أهله وزوجته وأولاده وبادر إلى الاجتماع بهم وخاطر بروحه ومهجته، فارحميني وأيقني أنك تؤجرين على ذلك بالجنة، وإن لم تقبليني فأسألك بالله العظيم الستار أن تستري علي.

فصار التجار شاخصين له وهو يكلمها، فلما سمعت كلامه ونظرت تضرعه رحمته ورق قلبها إليه وعلمت أنه ما خاطر بنفسه وجاء إلى هذا المكان إلا لأمر عظيم، فعند ذلك قالت لحسن: يا ولدي طب نفساً وقر عيناً وطيب قلبك وخاطرك وارجع إلى مكانك واختف تحت الدكة كما كنت أولاً إلى الليلة الآتية والله يفعل ما يريد، ثم ودعته ودخل حسن تحت الدكة كما كان ثم إن العساكر بتن يوقدون الشموع الممزوجة بالعود الند والعنبر الخام إلى الصباح.

فلما طلع النهار رجعت المراكب إلى البر واشتغل التجار بنقل البضائع والأمتعة إلى أن أقبل الليل وحسن مختف تحت الدكة باكي العين حزين القلب ولم يعلم بالذي قدر له في الغيب، فبينما هو كذلك إذ أقبلت عليه المرأة التاجرة التي كان استجار بها وناولته زردية وسيفاً وحياصاً مذهباً ورمحاً ثم انصرفت عنه خوفاً من العسكر، فلما رأى ذلك علم أن التاجرة ما أحضرت له هذه العدة إلا ليلبسها، فقام حسن ولبس الزردية وشد الحياصة على وسطه وتقلد بالسيف تحت إبطه وأخذ الرمح بيده وجلس على تلك الدكة ولسانه لم يغفل عن ذكر الله تعالى بل يطلب منه الستر.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الستين بعد السبعمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن حسناً لما أخذ السلاح الذي أعطته إياه الصبية التي استجار بها وقالت له اجلس تحت الدكة ولا تخل أحد يفهم حالك وتقلد به ثم جلس فوق الدكة ولسانه لم يغفل عن ذكر الله تعالى وصار يطلب من الله الستر، فبينما هو جالس إذ أقبلت المشاعل والفوانيس والشموع وأقبلت عساكر النساء واختلط بالعسكر وصار كواحدة منهن، فلما قرب طلوع الفجر توجهت العساكر وحسن معهن حتى وصلن إلى خيامهن ودخلت كل واحدة خيمتها فدخل حسن خيمة واحدة منهن وإذا هي خيمة صاحبته التي كان استجار بها، فلما دخلت خيمتها ألقت سلاحها وقلعت الزردية والنقاب وألقى حسن سلاحه فنظر إلى صاحبتها فوجدها زرقاء العينين كبيرة الأنف وهي داهية من الدواهي أقبح ما يكون في الخلق بوجه أجدر وحاجب أمعط وأسنان مكسرة وخدود معجرة وشعر شائب وفم بالريالة سائل وهي كما قال في مثلها الشاعر:

لها في زوايا الوجه تسع مصائب

 

فواحدة منهن تبدي جهـنـمـا

بوجه بشـيع ثـم ذات قـبـيحة

 

كصورة خنزير تراه مرمرمـا

وهي بذات معطاء كحية رقطاء، فلما نظرت العجوز إلى حسن تعجبت وقالت: كيف وصل هذا إلى هذه الدار وفي أي المراكب حضر وكيف سلم وصارت تسأله عن حاله وتتعجب من وصوله، فعند ذلك وقع حسن على قدميها ومرغ وجهه على رجليها وبكى حتى غشي عليه، فلما أفاق أنشد هذه الأبيات:

متى الأيام تسمـح بـالـتـلاقـي

 

وتجمع شملنا بـعـد الـفـراق

وأحظى بالذي أرضـاه مـنـهـم

 

عتاباً ينقـضـي والـود بـاقـي

لو أن النيل يجري مثـل دمـعـي

 

لما خلى على الدنـيا شـراقـي

وفاض على الحجاز وأرض مصر

 

كذلك الشام مع أرض الـعـراق

وذاك لأجل صـدك يا حـبـيبـي

 

ترفق بي وواعد بـالـتـلاقـي

فلما فرغ من شعره أخذ ذيل العجوز ووضعه فوق رأسه وصار يبكي ويستجير بها، فلما رأت العجوز احتراقه ولوعته وتوجعه وكربته حن قلبها إليه وأجارته وقالت له: لا تخف أبدا، ثم سألته عن حاله فحكى لها جميع ما جرى له من المبتدأ إلى المنتهى، فتعجبت العجوز من حكايته وقالت له: طيب قلبك وطيب خاطرك ما بقي عليك خوف وقد وصلت إلى مطلوبك وقضاء حاجتك إن شاء الله تعالى، ففرح حسن بذلك فرحاً شديداً، ثم إن العجوز أرسلت إلى قواد العسكر أن يحضروا وكان ذلك آخر يوم من الشهر، فلما حضروا بين يديها قالت لهم: اخرجوا ونادوا في جميع العسكر أن يخرجوا في غد بكرة النهار ولا يتخلف أحد منهم فإن تخلف أحد راحت روحه فقالوا سمعاً وطاعةً، ثم خرجوا ونادوا في جميع العسكر بالرحيل في غد بكرة النهار ثم عادوا وأخبروها بذلك فعلم حسن أنها رئيسة العسكر وصاحبة الرأي فيه وهي المقدمة عليه.

ثم إن حسناً لم يقلع السلاح من فوق بدنه في ذلك النهار وكان اسم تلك العجوز التي هو عندها شواهي وتكنى بأم الدواهي، فما فرغت العجوز من أمرها ونهيها ألا وقد طلع الفجر فخرج العسكر من أماكنه ولم تخرج العجوز معهم، فلما سار العسكر وخلت منه الأماكن قالت شواهي لحسن ادن مني يا ولدي فدنا منها ووقف بين يديها فأقبلت عليه وقالت له: ما السبب في مخاطرتك بنفسك ودخولك إلى هذه البلاد وكيف رضيت نفسك بالهلاك فأخبرني بالصحيح عن جميع شأنك ولا تخبئ عني منه شيئاً ولا تخف فإنك قد صرت في عهدي وقد أجرتك ورحمتك ورثيت لحالك فإن أخبرتني بالصدق أعنتك على قضاء حاجتك ولو كان فيها رواح الأرواح وهلاك الأشباح وحيث وصلت إلي ما بقي عليك بأس ولا أخلي أحداً يصل إليك بسوء أبداً من كل ما في جزائر واق الواق.

فحكى لها قصته من أولها إلى آخرها وعرفها بشأن زوجته وبالطيور وكيف اصطادها من بين العشرة وكيف تزوج بها ثم أقام معها حتى رزق منها بولدين وكيف أخذت أولادها وطارت حين عرفت طريق الثوب الريش ولم يخف من حديثه شيئاً من أوله إلى يومه الذي هو فيه فلما سمعت العجوز كلامه حركت رأسها وقالت سبحان الله الذي سلمك وأوصلك إلى هنا، وأوقعك عندي ولو كنت وقعت عند غيري كانت روحك راحت ولم تقض لك حاجة ولكن صدق نيتك ومحبتك وفرط شوقك إلى زوجتك وأولادك هو الذي أوصلك إلى حصول بغيتك ولولا أنك لها محب وبها ولهان ما كنت خاطرت بنفسك هذه المخاطرة والحمد لله على السلامة وحينئذ يجب علينا أن نقضي لك حاجتك ونساعدك على مطلوبك حتى تنال بغيتك عن قريب إن شاء الله تعالى ولكن اعلم يا ولدي أن زوجتك في الجزيرة السابعة من جزائر واق الواق ومسافة ما بيننا وبينها سبعة أشهر ليلاً ونهاراً فإننا نسير من هنا حتى نصل إلى أرض يقال لها أرض الطيور ومن شدة صياح الطيور وخفقان أجنحتها لا يسمع بعضنا كلام بعض.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الواحدة والستين بعد السبعمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن العجوز قالت لحسن إن زوجتك في الجزيرة السابعة من جزائر واق الواق، ومسافة ما بيننا وبينها سنة كاملة للراكب المجد في السير، وعلى شاطئ هذا النهر جبل آخر يسمى جبل واق وهذا الاسم علم على شجرة أغصانها تشبه رؤوس بني آدم فإذا طلعت الشمس عليها تصيح تلك الرؤوس جميعاً وتقول في صياحها واق واق سبحان الخلاق، فإذا سمعنا صياحها نعلم أن الشمس قد طلعت، وكذلك إذا غربت الشمس تصيح تلك الرؤوس وتقول في صياحها واق واق سبحان الملك الخلاق فنعلم أن الشمس غربت، ولا يقدر أحد من الرجال أن يقيم عندنا ولا يصل إلينا ولا يطأ أرضنا وبيننا ويبن الملكة التي تحكم على هذه الأرض مسافة شهر من هذا البر وجميع الرعية التي في ذلك البر تحت يد تلك الملكة وتحت يدها أيضاً قبائل الجان المردة والشياطين وتحت يدها من السحرة ما لا يعلم عددهم إلا الذي خلقهم.

فإن كنت تخاف أرسلت معك من يوصلك إلى الساحل وأجيء بالذي يحملك معه في مركب ويوصلك إلى بلادك، وإن كان يطيب على قلبك الإقامة معنا فلا أمنعك وأنت عندي في عيني حتى تقضي حاجتك إن شاء الله تعالى فقال حسن: يا سيدتي ما بقيت أفارقك حتى اجتمع بزوجتي أو تذهب روحي. فقالت له: هذا أمر يسير فطيب قلبك وسوف تصل إلى مطلوبك إن شاء الله تعالى، ولا بد أن أطلع الملكة عليك حتى تكون مساعدة لك على بلوغ قصدك، فدعا لها حسن وقبل يديها ورأسها وشكرها على فعلها وفرط مروءتها وسار معها وهو متفكر في عاقبة أمره وأهوال غربته فصار يبكي وينتحب وجعل ينشد هذه الأبيات:

من كان الحب هـب نـسـيم

 

فتراني من فرط وجدي أهـيم

إن ليل الوصال صبح مضـيء

 

ونهار الفـراق لـيل بـهـيم

ووداع الحبيب صعـب شـديد

 

وفراق الأنيس خطب جسـيم

لست أشكـو جـفـاه إلا إلـيه

 

لم يكن في الورى صديق حميم

وسلوى عنكم محـال فـإنـي

 

ليس يسلي قلبي عذول ذمـيم

يا وحيد الجمال عشقـي وحـيد

 

يا عديم المثال قلـبـي عـديم

كل من يدعي المحـبة فـيكـم

 

ويهاب الملام فهـو مـلـوم

ثم إن العجوز أمرت بدق طبل الرحيل وسار العسكر وسار حسن صحبة العجوز وهو غرقان في بحر الأفكار يتضجر وينشد الأشعار والعجوز تصبره وتسليه وهو لا يفيق ولا يعي لما تقول إليه ولم يزالوا سائرين إلى أن وصلوا إلى جزيرة من الجزائر السبعة وهي جزيرة الطيور فلما دخلوها ظن حسن أن الدنيا قد انقلبت من شدة الصياح وأوجعته رأسه وطاش عقله وعمي بصره وانسدت أذناه وخاف خوفاً شديداً وأيقن بالموت وقال في نفسه إذا كانت هذه أرض الطيور فكيف أرض الوحوش؟ فلما رأته العجوز المسماة بشواهي على هذه الحالة ضحكت عليه وقالت يا ولدي إذا كان هذا حالك من أول جزيرة فكيف بك إذا وصلت إلى بقية الجزائر، فسأل الله وتضرع إليه وطلب منه أن يعينه على ما بلاه وأن يبلغه مناه ولم يزالوا سائرين حتى قطعوا أرض الطيور وخرجوا منها ودخلوا في أرض الجان.

فلما رآها حسن خاف وندم على دخوله فيها معهم ثم استعان بالله تعالى وسار معهم، فعند ذلك خلصوا من أرض الجان ووصلوا إلى النهر فنزلوا تحت جبل عظيم شاهق ونصبوا خيامهم على شاطئ النهر ووضعت العجوز لحسن دكة من المرمر مرصعة بالدرر والجواهر وسبائك الذهب الأحمر في جنب النهر فجلس عليها وتقدمت العساكر فعرضتهم عليه ثم بعد ذلك نصبوا خيامهم حوله واستراحوا ساعة ثم أكلوا وشربوا وناموا مطمئنين لأنهم وصلوا إلى بلادهم وكان حسن واضعاً على وجهه لثاماً بحيث لا يظهر منه غير عينه وإذا بجماعة من البنات مشين إلى قرب النهر ثم قلعن ثيابهن ونزلن في النهر فصار حسن ينظر إليهن وهن يغتسلن فصرن يلعبن وينشرحن ولا يعلمن أنه ناظر إليهن لأنهن ظنن أنه من بنات الملوك.

فاشتد على حسن وتره حيث كان ينظر إليهن وهن مجردات من ثيابهن، وقد رأى ما بين أفخاذهن أنواع مختلفة ما بين ناعم ومقبقب وسمين مربرب وغليظ المشافر وكامل وبسيط ووافر ووجوههن كالأقمار وشعورهن كليل على نهار لأنهن من بنات الملوك ثم إن العجوز نصبت له سريراً وأجلسته فوقه، فلما خلصن طلعن من النهر وهن متجردات كالقمر ليلة البدر وقد اجتمع جميع العسكر قدام حسن لأن العجوز أمرت أن ينادي في جميع العسكر أن يجتمعن قدام خيمته ويتجردن من ثيابهن وينزلن في النهر ويغتسلن فيه لعل زوجته أن تكون فيهن فيعرفها وصارت العجوز تسأله عنهن طائفة بعد طائفة فيقول ما هي في هؤلاء يا سيدتي. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الثانية والستين بعد السبعمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن العجوز كانت تسأل حسن عن البنات طائفة بعد طائفة لعله يعرف زوجته بينهن وكلما سألته عن طائفة يقول ما هي في هؤلاء يا سيدتي ثم بعد ذلك تقدمت جارية في آخر الناس وفي خدمتها ثلاثون خادمة كلهن نهداً بكار فنزعن عنهن ثيابهن ونزلن معها في النهر فصارت تتدلل عليهن وترميهن في البحر وتغطسهن ولم تزل معهن على هذا الحال ساعةً زمانيةً ثم طلعن من النهر وقعدن فقدمن إليها مناشف من حريرٍ مزركشة بالذهب فأخذتها وتنشفت بها ثم قدموا إليها ثياباً وحللاً وحلياً من عمل الجن فأخذتها ولبستها وقامت تخطر بين العسكر هي وجواريها فلما رآها حسن طار قلبه وقال هذه أشبه الناس بالطيرة التي رأيتها في البحيرة، في قصر أخواتي البنات وكانت تتدلل على أتباعها مثلها.

فقالت العجوز: يا حسن هذه زوجتك؟ فقال: لا وحياتك يا سيدتي ما هذه زوجتي ولا مثل قدها واعتدالها وحسنها وجمالها. فقالت: صفها لي وعرفني بجميع أوصافها حتى تكون في ذهني فإني أعرف كل بنت في جزيرة واق الواق لأني نقيبة عسكر البنات والحاكمة عليهن وإن وصفتها لي عرفتها وتحيلت لك في أخذها. فقال لها حسن: إن زوجتي صاحبة وجه مليح وقد رجيح أسيلة الخد قائمة النهد دعجاء العينين ضخمة الساقين بيضاء الأسنان حلوة اللسان ظريفة الشمائل كأنها غصن مائل بديعة الصفة حمراء الشفة بعيون كحال وشفايف رقاق على خدها الأيمن شامة، وعلى بطنها من تحت سرتها علامة ووجهها منير كالقمر مستدير وخصرها نحيل وردفها ثقيل وريقها يشفي العليل كأنه الكوثر أو السلسبيل.

فقالت العجوز: زدني في أوصافها بياناً زادك الله تعالى فيها افتتاناً، فقال لها حسن إن زوجتي ذات وجه جميل وعنق طويل وطرف كحيل وخدود كالشقائق وفم كخاتم عقيق وثغر لامع البريق يغني عن الكأس والإبريق في هيكل اللطافة وبين فخذيها تخت الخلافة ما مثل حومة بين المشاعر كما قال في حقه الشاعر:

اسم الذي حيرني حروفه مشتهره

 

أربعة في خمسةٍ وستةٍ في عشرة

ثم بكى حسن وغنى بهذا الموال:

وجدي بكم وجد هندي ضيع القـصـعة

 

أو وجد ساعي وفي رجله اليمين قصعه

أو وجد مضني عليل بجروح متسـعـه

 

أو وجد من حرر السبعة على العشرين

ولعنة الله على من يتبع الـتـسـعـه

 

 

أطرقت العجوز برأسها إلى الأرض ساعة من الزمان ثم رفعت رأسها إلى حسن وقالت: سبحان الله العظيم الشأن إني بليت بك يا حسن فيا ليتني ما كنت عرفتك لأن المرأة التي وصفتها لي على أنها زوجتك فإني قد عرفتها بصفتها وهي بنت الملك الأكبر الكبيره، التي تحكم على جزائر واق الواق بأسرها فافتح عينك ودبر أمرك وإن كنت نائماً فانتبه فإنه لا يمكنك الوصول إليها أبداً وإن وصلت إليها لا تقدر على تحصيلها، لأن بينك وبينها مثل ما بين السماء والأرض، فارجع يا ولدي من قريب، ولا ترم نفسك في الهلاك وترميني معك فإني أظن أنه ليس لك فيها نصيب وارجع من حيث أتيت لئلا تروح أرواحنا وخافت على نفسها وعليه.

فلما سمع حسن كلام العجوز بكى بكاءً شديداً حتى غشي عليه فما زالت العجوز ترش على وجهه الماء حتى أفاق من غشيته، وصار يبكي حتى بل ثيابه بالدموع من عظم ما لحقه من الهم والغم من كلام العجوز، وقد يئس من الحياة ثم قال للعجوز: يا سيدتي وكيف أرجع بعد أن وصلت إلى هنا وما كنت أظن في نفسي أنك تعجزين عن تحصيل غرضي خصوصاً، وأنت نقيبة عسكر للبنات والحاكمة عليهن، قالت: بالله يا ولدي أن تختار لك بنتاً من هؤلاء البنات وأنا أعطيك إياها عوضاً عن زوجتك لئلا تقع في يد الملوك فلا يبقى لي في خلاصك حيلة فبالله عليك أن تسمع مني وتختار لك واحدة من هؤلاء البنات غير تلك البنت وترجع إلى بلادك من قريب سالماً ولا تجرعني غصتك والله لقد رميت نفسك في بلاء عظيم وخطر جسيم، لا يقدر أحد أن يخلصك منه فعند ذلك أطرق حسن رأسه وبكى بكاءً شديداً، وأنشد هذه الأبيات:

فقلت لعذالي لا تعـذلـونـي

 

لغير الدمع ما خلقت جفوني

مدامع مقلتي طفحت ففاضت

 

على خدي وأحبابي جفونـي

دعوني في الهوى قدر جسمي

 

لأني في الهوى أهوى جنوني

ويا أحباب قد زاد اشتـياقـي

 

إليكم مالكم لا ترحـمـونـي

جفوتم بعد ميثاقي وعـهـدي

 

وخنتم صحبتي وتركتمونـي

ويوم البين لما قد رحلتم سقيت

 

من الصدود شـراب هـون

فيا قلبي عليهم ذاب غـرامـاً

 

وجودي بالمدامع يا عيونـي

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الثالثة والستين بعد السبعمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن العجوز لما قالت لحسن بالله عليك يا ولدي أن تسمع كلامي، وتختار لك واحدة من هؤلاء البنات غير زوجتك وترجع إلى بلادك من قريب سالماً، فأطرق رأسه وبكي بكاءً شديداً، فأنشد الأبيات المذكورة فلما فرغ من شعره بكي حتى غشي عليه فما زالت العجوز ترش على وجهه الماء حتى أفاق من غشيته ثم أقبلت عليه وقالت له يا سيدي ارجع إلى بلادك فإني متى سافرت بك إلى المدينة راحت روحك وروحي لأن الملكة إذا علمت بذلك تلومني على دخولي بك إلى بلادها وجزائرها التي لم يصلها أحد من بني آدم، وتقتلني حيث حملتك معي، وأطلعتك على هؤلاء الأبكار التي رأيتهن في البحر مع أنه لم يمسهن فحل ولم يقربهن بعل، فحلف حسن أنه ما نظر إليهن نظرة سوء قط فقالت له: يا ولدي ارجع إلى بلادك وأنا أعطيك من المال والذخائر والتحف ما تستغني به عن جميع النساء فاسمع كلامي وارجع من قريب ولا تخاطر بنفسك فقد نصحتك، فلما سمع كلامها بكى ومرغ خديه على أقدامها وقال: يا سيدتي ومولاتي وقرة عيني كيف أرجع بعدما وصلت إلى هذا المكان ولم أنظر من أريد وقد قربت من دار الحبيب وترجيت اللقاء عن قريب لعله أن يكون لي في الاجتماع نصيب ثم أنشد هذه الأبيات:

يا ملوك الجمال رفقاً بـأسـري

 

لجفون تملكت ملك كـسـرى

قد غلبتم روائح المسك طـيبـاً

 

وبهرتم محاسن الـورد زهـرا

ونسيم النعيم حـيث حـلـلـتـم

 

فالصبا من هناك تعبق نـشـرا

عاذلي كف عن ملامي ونصحي

 

إنما جئت بالنصـيحة نـكـرا

ما على صبوتي من العذل واللوم

 

إذا لم تحـط بـذلـك خـبـرا

أسرتني العيون وهي مـراض

 

ورمتني في الحب عنفاً وقهرا

أنثرا الدمع حين أنظم شـعـري

 

هاك مني الحديث نظماً وشعرا

 حمرة الخد قـد أذابـت فـؤادي

 

فتلظت مني الجوارح جـمـرا

خبراني متى تركـت حـديثـي

 

فبأي الحـديث أشـرح صـدرا

طول عمري أهوى الحسان ولكن

 

يحدث الله بـعـد ذلـك أمـرا

فلما فرغ حسن من شعره رقت له العجوز ورحمته وأقبلت عليه وطيبت خاطره وقالت له طب نفساً وقر عيناً واخل فكرك من الهم والله لأخطرن معك بروحي حتى تبلغ مقصودك أو تدركني منيتي فطاب قلب حسن وانشرح صدره وجلس يتحدث مع العجوز إلى آخر النهار فلما أقبل الليل تفرقت البنات كلهن فمنهن من دخلت قصرها في البلد ومنهن من باتت في الخيام ثم إن العجوز أخذت حسناً معها ودخلت به إلى البلد فأخلت له مكاناً وحده لئلا يطلع عليه أحد فيعلم الملكة فتقتله وتقتل من أتى به ثم صارت تخدمه بنفسها وتخوفه من سطوة الملك الأكبر أبا زوجته وهو يبكي بين يديها ويقول يا سيدتي قد اخترت الموت لنفسي وكرهت الدنيا إن لم أجتمع بزوجتي وأولادي فأنا أخاطر بروحي إما أن أبلغ مرادي وإما أن أموت.

فصارت العجوز تتفكر في كيفية وصوله واجتماعه بزوجته وكيف تكون الحيلة في أمر هذا المسكين الذي رمى روحه في الهلاك ولم ينزجر عن قصده بخوف ولا غيره وقد سلا جسمه وصاحب المثل يقول العاشق لا يسمع كلام خلى وكانت تلك البنت ملكة الجزيرة التي هم نازلون فيها وكان اسمها نور الهدى وكان لهذه الملكة سبع أخوات بنات أبكار مقيمات عند أبيهن الملك الأكبر الذي هو حاكم على السبع جزائر وأقطار واق الواق وكانت تخت ذلك الملك في المدينة التي هي أكبر مدن ذلك البر وكانت بنته الكبيرة وهي نور الهدى هي الحاكمة على تلك المدينة التي فيها حسن وعلى سائر أقطارها ثم إن العجوز لما رأت حسناً محترقاً على الاجتماع بزوجته وأولاده قامت وتوجهت إلى قصر الملكة نور الهدى فدخلت عليها وقبلت الأرض بين يديها وكان للعجوز فضل عليها لأنها ربت بنات الملك جميعهن ولها على الجميع سلطنة وهي مكرمة عندهم عزيزة عند الملك.

فلما دخلت العجوز على الملكة نور الهدى قامت لها وعانقتها وأجلستها جنبها وسألتها عن سفرتها فقالت لها والله يا سيدتي إنها كانت سفرة مباركة وقد استصحبت لك معي هدية سأحضرها بين يديك ثم قالت لها يا ابنتي يا ملكة العصر والزمان إني أتيت معي بشيء عجيب وأريد أن أطلعك عليه لأجل أن تساعديني على قضاء حاجته فقالت لها وما هو فأخبرتها بحكاية حسن من أولها إلى آخرها وهي ترتعد كالقصبة في مهب الريح العاصف حتى وقعت بين يدي الملك وقالت لها يا سيدتي قد استجار بي شخص على الساحل كان مختفياً تحت الدكة فأجرته وأتيت به معي بين عسكر البنات وهو حامل السلاح بحيث لا يعرفه أحد وأدخلته البلد وقد خوفته من سطوتك وعرفته ببأسك وقوتك وكلما أخوفه يبكي وينشد الأشعار ويقول لا بد لي من رؤية زوجتي وأولادي أو أموت ولا أرجع إلى بلادي من غيرهم وقد خاطر بنفسه وجاء إلى جزائر واق الواق ولم أر عمري آدمياً أقوى قلباً منه ولا أشد بأساً منه لأن الهوى قد تمكن منه غاية التمكن وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الرابعة والستين بعد السبعمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن العجوز لما حكت للملكة نور الهدى حكاية حسن قالت لها وما رأيت أقوى قلباً منه لأن الهوى قد تمكن منه غاية التمكن، فلما سمعت الملكة كلامها وفهمت قصة حسن غضبت غضباً شديداً وأطرقت برأسها إلى الأرض ساعة ثم رفعت رأسها ونظرت إلى العجوز وقالت لها يا عجوز النحس هل بلغ من خبثك أنك تحملين الذكور وتأتين بهم معك إلى جزائر واق الواق وتدخلين بهم علي ولا تخافي من سطوتي وحق رأس الملك لولا ما لك علي من التربية لقتلتك أنت وإياه في هذه الساعة أقبح قتلة حتى يعتبر المسافرون بك يا ملعونة لئلا يفعل أحد مثل ما فعلت من هذه الفعلة العظيمة التي لا يقدر أحد عليها ولكن اخرجي واحضريه في هذه الساعة حتى أنظره. فخرجت العجوز من بين يديها وهي مدهوشة لا تدري أين تذهب وتقول كل هذه المصيبة ساقها الله لي من هذه الملكة على يد حسن ومضت إلى أن دخلت على حسن فقالت له قم كلم الملكة يا من آخر عمره قد دنا فقام معها ولسانه لا يفتر عن ذكر الله تعالى ويقول اللهم الطف بي في قضائك وخلصني من بلائك فسارت حتى أوقفته بين يدي الملكة نور الهدى وأوصته العجوز في الطريق بما يتكلم به معها فلما تمثل بين يدي نور الهدى رآها ضاربة لثاماً فقبل الأرض بين يديها وسلم عليها وأنشد هذين البيتين:

أدام الله عزك في سرورٍ

 

وخولك الإله بما حبـاك

وزادك ربنا عزاً ومجداً

 

وأيدك القدير على عداك

فلما فرغ من شعره أشارت الملكة إلى العجوز أن تخاطبه قدامها لتسمع فجاوبته فقالت العجوز إن الملكة ترد عليك السلام وتقول لك ما اسمك ومن أي البلاد أتيت وما اسم زوجتك وأولادك الذين جئت من أجلهم وما اسم بلادك فقال لها وقد ثبت جنانه وساعدته المقادير يا ملكة العصر والأوان ووحيدة الدهر والزمان أما أنا فاسمي حسن الكثير الحزن وبلدي البصرة وأما زوجتي فلا أعرف لها اسماً وأما أولادي فواحد اسمه ناصر والآخر منصور فلما سمعت الملكة كلامه وحديثه قالت فمن أين أخذت أولادها فقال لها يا ملكة من مدينة بغداد من قصر الخلافة فقالت وهل قالت لكم شيئاً عندما طارت؟ قال: إنها قالت لوالدتي إذا جاء ولدك وطالت عليه أيام الفراق واشتهى القرب مني والتلاقي وهزته رياح المحبة والاشتياق فليجئني إلى جزائر واق الواق فحركت الملكة نور الهدى رأسها ثم قالت له: لو كانت ما تريدك ما قالت لأمك هذا الكلام وتشتهي قربك ما كانت أعلمتك بمكانها ولا طلبتك إلى بلادها فقال حسن: يا سيدة الملوك والحاكمة على كل ملك وصعلوك إن الذي جرى أخبرتك به ولا أخفيت منه شيئاً وأنا أستجير بالله وبك أن لا تظلميني فارحميني وأريحي أجري وثوابي وساعديني على الاجتماع بزوجتي وأولادي وردي لهفتي وقري عيني بأولادي وأسعفيني برؤيتهم ثم بكى وحن واشتكى وأنشد هذين البيتين:

لأشكرنك مـا نـاحـت مـطـوقة

 

جهدي وإن كنت لا أقضي الذي وجبا

فما تقلبت في نـعـمـاء سـابـغة

 

إلا وجدتك فيها الأصل والسـبـبـا

فأطرقت الملكة نور الهدى رأسها إلى الأرض وحركتها زماناً طويلاً ثم رفعتها وقالت له: قد رحمتك ورثيت لك وقد عزمت على أن أعرض عليك كل بنت في المدينة وفي بلاد جزيرتي فإن عرفت زوجتك سلمتها إليك وإن لم تعرفها قتلتك وصلبتك على باب دار العجوز فقال لها حسن: قبلت تلك منك يا ملكة الزمان ثم أنشد هذه الأبيات:

أقمتم غرامي في الهوى وقعدتم

 

وأسهرتم جفني القريح ونمتـم

وعاهدتموني أنكم لن تماطلـوا

 

فلما أخذتم بالقـياد غـدرتـم

عشقتكم طفلاً ولم أدر الهـوى

 

فلا تقتلوني إنني متـظـلـم

أما تتقون الله في قتل عاشـقٍ

 

يبيت يراعي النجم والناس نوم

فبالله يا قومي إذا مت فاكتبـوا

 

على لوح قبري إن هذا متـيم

لعل فتى مثلي أضر به الهوى

 

إذا ما رأى قبري علي يسلـم

فلما فرغ من شعره قال: رضيت بالشرط الذي اشترطيه ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، فعند ذلك أمرت الملكة نور الهدى أن لا تبقى بنت في المدينة إلا وتطلع القصر وتمر أمامه، ثم إن الملكة أمرت العجوز شواهي أن تنزل بنفسها إلى المدينة وتحضر كل بنت في المدينة إلى الملكة في قصرها، وصارت الملكة تدخل البنات على حسن مائة بعد مائة حتى لم يبق في المدينة بنت إلا وعرضتها على حسن فلم ير زوجته فيهن، فسألته الملكة وقالت له: هل رأيتها في أولئك؟ فقال لها: وحياتك يا ملكة ما هي بينهن، فاشتد غضب الملكة عليه وقالت للعجوز: ادخلي وأخرجي كل من في القصر واعرضيه عليه.

فلما عرضت عليه كل من في القصر ولم ير زوجته فيهن قال للملكة: وحياة رأسك يا ملكة ما هي فيهن، فغضبت وصرخت على من حولها وقالت: خذوه واسحبوه على وجهه فوق الأرض واضربوا عنقه لئلا يخطر بنفسه أحد بعده ويطلع على حالنا ويجوز علينا في بلادنا ويطأ أرضنا وجزائرنا، فسحبوه على وجهه ورفعوا ذيله وغمضوا عينيه ووقفوا بالسيوف على رأسه ينتظرون الإذن، فعند ذلك تقدمت شواهي إلى الملكة وقبلت الأرض بين يديها وأمسكت ذيلها ورفعته فوق رأسها وقالت لها: يا ملكة لا تعجلي عليه خصوصاً وأنت تعرفين أن هذا المسكين غريب قد خاطر بنفسه وقاسى أموراً ما قاساها أحد قبله ونجاه الله تعالى عز وجل من الموت لطول عمره. لقد سمع بعدلك فدخل بلادك وحماك فإن قتلتيه تنشر الأخبار عنك مع المسافرين بأنك تبغضين الأغراب وتقتلينهم وهو على كل حال تحت قهرك ومقتول سيفك إن لم تظهر زوجته في بلدك وأي وقت تشتهين حضوره فأنا قادرة على رده إليك، وأيضاً فأنا ما أجرته إلا طمعاً في كرمك بسبب ما لي عليك من التربية حتى ضمنت له أنك توصليه إلى بغيته لعلي بعدلك وشفقتك ولولا أني أعلم منك هذا ما كنت أدخلته بلدك وقلت في نفسي إن الملكة تتفرج عليه وعلى ما يقول من الأشعار والكلام المليح الفصيح الذي يشبه الدر المظلوم، وهذا قد دخل بلادنا وأكل زادنا فوجب إكرامه علينا.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الخامسة والستين بعد السبعمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الملكة نور الهدى لما أمرت غلمانها بأخذ حسن وضرب عنقه صارت العجوز تتعطف بخاطرها وتقول لها إنه دخل بلادنا وأكل من زادنا فوجب علينا إكرامه، خصوصاً وقد وعدته بالاجتماع بك وأنت تعرفين أن الفراق صعب وتعرفين أن الفراق قتال خصوصاً فراق الأولاد وما بقي علينا من النساء واحدة إلا أنت فأريه وجهك فتبسمت الملكة وقالت: من أين له أن يكون زوجي وخلف مني أولاد حتى أريه وجهي، ثم أمرت بحضوره فأدخلوه عليها وأوقفوه بين يديها فكشفت عن وجهها، فلما رآها حسن صرخ صرخة عظيمة وخر مغشياً عليه فلم تزل العجوز تلاطفه حتى أفاق من غشيته وأنشد هذه الأبيات:

يا نسيماً هب من أرض العراق

 

في زوايا أرض من قـال واق

بلغ الأحبـاب عـنـي أنـنـي

 

مت من طعم الهوى مر المذاق

يا أهيل الحب منوا واعطـفـوا

 

ذاب قلبي من تباريح الفـراق

فلما فرغ من شعره قام ونظر الملكة وصاح صيحة عظيمة كاد منها القصر أن يسقط على من فيه، ثم وقع مغشياً عليه، فما زالت العجوز تلاطفه حتى أفاق وسألته عن حاله فقال: إن هذه الملكة إما زوجتي وإما أشبه الناس بزوجتي.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة السادسة والستين بعد السبعمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن العجوز لما سألته عن حاله قال لها: إن هذه الملكة إما زوجتي وإما أشبه الناس بزوجتي: فقالت الملكة للعجوز: ويلك يا داية إن هذا الغريب مجنون أو مختل لأنه ينظر إلى وجهي ويحملق إلي، فقالت لها العجوز: يا ملكة إن هذا معذور فلا تؤاخذيه فإنه قيل في المثل: مريض الهوى ما له دواء وهو والمجنون سواء، ثم إن حسناً بكى بكاءً شديداً وأنشد هذين البيتين:

أرى آثارهم فأذوب شـوقـاً

 

وأسكب في مواطنهم دموعي

وأسأل من بفرقتهم بـلانـي

 

يمن علي منهم بالـرجـوع

ثم إن حسناً قال للملكة: والله ما أنت زوجتي ولكنك أشبه الناس بها فضحكت الملكة نور الهدى حتى استلقت على قفاها ومالت على جنبها ثم قالت: يا حبيبي تمهل على روحك وميزني وجاوبني عن الذي أسألك عنه ودع عنك الجنون والحيرة والذهول فإنه قد قرب لك الفرج، فقال حسن: يا سيدة الملوك وملجأ كل غني وصعلوك إني حين نظرتك جننت لأنك إما تكونين زوجتي وإما أشبه الناس بزوجتي فاسأليني الآن عما تريدين. فقالت: أي شيء في زوجتك يشبهني؟ فقال جميع ما فيك من الحسن والجمال والظرف والدلال كاعتدال قوامك وعذوبة كلامك وحمرة خدودك وبروز نهودك وغير ذلك مما يشبهها. ثم إن الملكة التفتت إلى شواهي أم الدواهي وقالت لها: يا أمي أرجعيه إلى موضعه الذي كان فيه عندك واخدميه أنت بنفسك حتى أتفحص عن أمره، فإن كان هذا الرجل صاحب مروءة بحيث أنه يحفظ الصحبة والود وجب علينا مساعدته على قضاء حاجته خصوصاً وقد نزل أرضنا وأكل طعامنا مع ما تحمله من مشقات الأسفار ومكابدة أهوال الأخطار، ولكن إذا أوصلتيه إلى بنتك فأوصي عليه أتباعك وارجعي إلي بسرعة وإن شاء الله لا يكون إلا خيراً.

فعند ذلك خرجت العجوز وأخذت حسناً ومضت به إلى منزلها وأمرت جواريها وخدمها وحشمها بخدمته وأمرتهم أن يحضروا له جميع ما يحتاج إليه وأن لا يقصروا في حقه، ثم عادت إلى الملكة بسرعة فأمرتها أن تحمل سلاحها وتأخذ معها ألف فارس من الشجعان فامتثلت العجوز شواهي أمرها ولبست درعها وأحضرت الألف فارس، ولما وقفت بين يديها وأخبرتها بإحضار الألف فارس أمرتها أن تسير إلى مدينة الملك الأكبر أبيها وتنزل عند بنته منار السنا أختها وتقول لها البسي ولديك الدرعين اللذين عملتيهما لهما وأرسليهما إلى خالتهما فإنها مشتاقة إليهما.

وقالت لها: أوصيك يا أمي بكتمان أمر حسن، فإذا أخذتيهما منها فقولي لها: إن أختك تستدعيك إلى زيارتها فإذا أعطتك ولديها وخرجت بهما قاصدة الزيارة بهما سريعاً وخليها تحضر على مهلها وتعالي من طريق غير الطريق التي تجيء هي منها ويكون سفرك ليلاً ونهاراً، واحذري أن يطلع على هذا الأمر أحد أبداً، ثم إني أحلف بجميع الأقسام إن طلعت أختي زوجته وظهر أن ولديها هما ولداه فلن أمنعه من أخذها ولا من السفر معه بأولادها. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة السابعة والستين بعد السبعمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الملكة قالت: إني أحلف بالله وأقسم بجميع الأقسام أنها إن طلعت أختي زوجته لا أمنعه من أخذها بل أساعده على أخذها وعلى سفرها معه إلى بلاده فوثقت العجوز بكلامها، ولم تعلم بما أضمرته في نفسها وقد أضمرت العاهرة في نفسها أنها إن لم تكن زوجته ولا أولادها يشبهونه تقتله، ثم إن الملكة قالت للعجوز: يا أمي إن صدق حزري تكون زوجته أختي منار السنا والله أعلم فإن هذه الصفات صفاتها وجميع الأوصاف التي ذكرها من الجمال البارع والحسن البارع لا يوجد في أحد غير أخوتي خصوصاً الصغيرة ثم إن العجوز قبلت يدها ورجعت إلى حسن وأعلمته بما قالته الملكة فطار عقله من الفرح وقام إلى العجوز وقبل رأسها فقالت له: يا ولدي لا تقبل رأسي وقبلني في فمي، واجعل هذه القبلة حلاوة السلامة وطب نفساً وقر عيناً ولا يكن صدرك إلا منشرحاً ولا تستكره أن تقبلني في فمي فإني أنا السبب في اجتماعك بها فطيب قلبك وخاطرك، ولا تكن إلا منشرح الصدر قرير العين مطمئن النفس ثم ودعته وانصرفت فأنشد حسن هذين البيتين:

لي في محبتكم شـهـود أربـع

 

وشهود كـل قـضـية اثـنـان

خفقان قلبي واضطراب جوارحي

 

ونحول جسمي وانعقاد لسـانـي

ثم أنشد أيضاً هذين البيتين:

شيئان لو بكت الدماء عليهمـا

 

عيناي حتى تؤذنا بذهـابـي

لم يقضيا المعشار من حقيهما

 

شرخ الشباب وفرقة الأحباب

ثم إن العجوز حملت سلاحها، وأخذت معها ألف فارس حاملين السلاح وتوجهت إلى تلك الجزيرة التي فيها أخت الملكة وسارت إلى أن وصلت إلى أخت الملكة وكان بين مدينة نور الهدى وبين مدينة أختها ثلاثة أيام، فلما وصلت شواهي إلى المدينة وطلعت إلى أخت الملكة منار السنا سلمت عليها وبلغتها السلام من أختها نور الهدى، وأخبرتها باشتياقها إليها وإلى أولادها وعرفتها أن الملكة نور الهدى تعتب عليها بسبب عدم زيارتها إياها فقالت لها الملكة منار السنا إن الحق على أختي وأنا مقصرة بعدم زيارتي لها ولكن أزورها الآن ثم أمرت بإخراج خيامها إلى خارج المدينة وأخذت لأختها معها ما يصلح لها من الهدايا والتحف، ثم إن الملك أباها نظر من شباك القصر فرأى الخيام منصوبة فسأل عن ذلك فقالوا له: إن الملكة منار السنا نصبت خيامها بتلك الطريق لأنها تريد زيارة أختها نور الهدى، فلما سمع الملك بذلك جهز لها عسكراً يوصلها إلى أختها وأخرج من خزائنه من الأموال ومن المأكل والمشرب ومن التحف والجواهر ما يعجز عنه الوصف، وكانت بنات الملك السبعة أشقاء من أب واحد وأم واحدة إلا الصغيرة، وكان اسم الكبيرة نور الهدى والثانية نجم الصباح والثالثة شمس الضحى والرابعة شجرة الدر والخامسة قوت القلوب والسادسة شرف البنات والسابعة منار السنا وهي الصغيرة فيهن وهي زوجة حسن وكانت أختهن من أبيهن فقط، ثم إن العجوز تقدمت وقبلت الأرض بين يدي منار السنا فقالت لها منار السنا: هل لك حاجة يا أمي؟ فقالت لها: إن الملكة نور الهدى أختك تأمرك أن تغير لولديك وتلبسيهما الدرعين الذين فصلتيهما لهما وأن ترسليهما معي إليها فآخذهما وأسبقك بهما وأكون المبشرة بقدومك عليها، فلما سمعت منار السنا كلام العجوز أطرقت رأسها إلى الأرض وتغير لونها ولم تزل مطرقة زماناً طويلاً ثم حركت رأسها ورفعته إلى العجوز وقالت لها: يا أمي قد ارتجف فؤادي وخفق قلبي عندما ذكرت أولادي فإنهم من حين ولادتهم لم ينظر أحداً وجوههم من الجن والبشر ولا أنثى ولا ذكر وأنا أغار عليهم من النسيم إذا سرى فقالت العجوز: أي شيء هذا الكلام يا سيدتي أتخافين عليهم من أختك.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الثامنة والستين بعد السبعمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن العجوز لما قالت للسيدة منار السنا أي شيء هذا الكلام يا سيدتي أتخافين عليهم من أختك سلامة عقلك، وإن خالفت الملكة في هذا الأمر، لا يمكنك المخالفة فإنها تعتب عليك، ولكن يا سيدتي أولادك صغار وأنت معذورة في الخوف عليهم والمحب مولع بسوء الظن ولكن يا بنتي أنت تعلمين شفقتي ومحبتي لك ولأولادك وقد ربيتكم قبلهم وأنا أتسلمهم وآخذهم وأفرش لهم حدي وافتح قلبي وأجعلهم في داخله ولا أحتاج إلى الوصية عليهم في هذا الأمر فطيبي نفساً وقري عيناً وارسليهم لها وأكثر ما أسبقك به يوماً واحداً ويومان، ولم تزل تلح عليها حتى لان جانبها وخافت من غيظ أختها، ولم تدر ما هو مخبوء لها في عالم الغيب، فسمحت بإرسالهم مع العجوز ثم أنها دعت بهم وأدخلتهم الحمام وهيأتهم وغيرت لهم وأل