حكاية جودر بن التاجر عمر وأخويه

حكاية جودر بن التاجر عمر وأخويه

وبلغني أيضاً أن رجلاً تاجراً اسمه عمر وقد خلف من الذرية ثلاثة أولاد أحدهم يسمى سالماً والأصغر يسمى جودراً والأوسط يسمى سليماً ورباهم إلى أن صاروا رجالاً لكنه كان يحب جودراً أكثر من أخويه، فلما تبين لهما أنه يحب جودراً أخذتهما الغيرة وكرها جودراً، فبان لأبيهما أنهما يكرهان أخاهما وكان والدهم كبير السن، وخاف أنه إذا مات يحصل مشقة من أخويه فأحضر جماعة من أهله، وأحضر جماعة قسامين من طرف القاضي وجماعة من أهل العلم وقال هاتوا لي مالي وقماشي فأحضروا له جميع المال والقماش فقال يا ناس اقسموا هذا المال والقماش أربعة أقسام بالوضع الشرعي فقسموه، فأعطى كل ولد قسماً وأخذ هو قسماً، وقال هذا مالي وقسمته بينهم ولم يبق لهم عندي ولا عند بعضهم شيء فإذا مت لا يقع بينهم اختلاف لأني قسمت بينهم الميراث في حال حياتي وهذا المال الذي أخذته أنا فإنه يكون لزوجتي أم هذه الأولاد لتستعين به على معيشتها.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة التاسعة بعد الستمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن التاجر لما قسم ماله وقماشه على أربعة أقسام أعطى كل ولد من الأولاد الثلاثة قسماً وأخذ هو القسم الرابع، وقال القسم يكون لزوجتي أم هذه الأولاد لتستعين به على معيشتها، ثم بعد مدة قليلة مات والدهم فما أحد رضي بما فعل والدهم عمر بل طلبوا الزيادة من جودر وقالوا له إن مال أبينا عندك، فترافع معهم إلى الحكماء وجاء المسلمون الذين كانوا حاضرين وقت القسمة وشهدوا بما علموا ومنعهم الحاكم عن بعضهم فخسر جودر جانباً من المال وخسر إخوته كذلك بسبب النزاع فتركوه مدة ثم مكروا به ثانياً، فتراجع معهم إلى الحكام فخسروا جملة من المال أيضاً من أجل الحكام ومازالوا يطلبون أذيته من ظالم إلى ظالم وهم يخسرون ويخسر حتى أطعموا مالهم للظالمين وصار الثلاثة فقراء ثم جاء أخواه إلى أمهما وضحاك عليها وأخذا مالها وضرباها وطرداها فجاءت إلى ابنها جودر وقالت له قد فعل أخواك معي كذا وكذا وأخذوا مالي وصارت تدعو عليهما فقال لها جودر: يا أمي لا تدعي عليهما فالله يجازي كل منهما بعمله ولكن يا أمي أنا بقيت فقيراً وأخواي فقيران والمخاصمة تحتاج لخسارة المال وقد اختصمت أنا وإياهما كثيراً بين يدي الحكام ولم يفدنا شيئاً بل خسرنا جميع ما خلفه لنا والدنا وهتكتنا الناس بسبب الشهادة هل بسببك اختصم وإياهما ونترافع إلى الحكام فهذا شيء لا يكون إنما تقعدين عندي والرغيف الذي آكله أخليه لك وادعي لي والله يرزقني واتركيهما يلقيان من الله جزاء فعلهما، وتمثلي بقول من قال:

                         ان يبغ ذو جهل عليك فخلـه        وارقب زمان الانتقام الباغي

                         وتجنب الظلم الوخيم فلو بغى       جبل على جبل لدك الباغي

وصار يطيب خاطر أمه حتى رضيت ومكثت عنده فأخذه له شبكة وصار يذهب إلى البحر والبرك وإلى كل مكان فيه ماء وصار يذهب كل يوم إلى جهة، فصار يعمل يوماً بعشرة ويوماً بعشرين ويوماً بثلاثين ويصرفها على أمه ويأكل طيباً ويشرب طيباً ولا صنعة ولا بيع ولا شراء لأخويه، ودخل عليهما الساحق والماحق والبلاء اللاحق، وقد ضيعا الذي أخذاه من أمهما وصارا من الصعاليك المتاعيس عريانين فقراء يأتيان إلى أمهما ويتواضعان لها زيادة ويشكوان إليها الجوع وقلب الوالدة رؤوف، فتطعمهما عيشاً معفناً وإن كان هناك طبيخ بائت تقول لهما كلاه سريعاً وروحا قبل أن يأتي أخوكما أنه ما يهون عليه ويقسى قلبه علي، وتفضحاني معه، فيأكلان باستعجال ويروحان فدخلا على أمهما يوماً من الأيام، فحطت لهما طبيخاً وعيشاً ليأكلا وإذا بأخيهما جودر داخل، فاستحت أمه وخجلت منه وخافت أن يغضب عليها وأطرقت رأسها إلى الأرض حياء من ولدها، فتبسم في وجوههم وقال مرحباً يا اخواني نهار مبارك، ماذا جرى حتى زرتماني في هذا النهار المبارك واعتنقهما ووادهما، وصار يقول ما كان رجائي أن توحشاني ولا تجيئا عندي ولا تطلا علي ولا على أمكما، فقالا: يا أخانا إننا اشتقنا إليك ولا منعنا إلا الحياء مما جرى بيننا وبينك، ولكن ندمنا كثيراً وهذا فعل الشيطان لعنه الله تعالى ولا لنا بركة إلا أنت وأمنا.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة العاشرة بعد الستمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن جودراً لما دخل منزله ورأى أخويه رحب بهما وقال لهما ما لي بركة إلا أنتما فقالت له أمه يا ولدي بيض الله وجهك وكثر الله خيرك وأنت الأكثر يا ولدي فقال مرحباً بكما عندي والله كريم والخير عندي كثير، واصطلح معهما وباتا عنده وتعشيا معه، وثاني يوم أفطرا وجودر حمل الشبكة وراح على باب الفتاح وراح أخواه فغابا إلى الظهر وأتيا فقدمت لهما أمهما الغذاء وفي المساء أتى أخوهما وجاء باللحم والخضار وصاروا على هذه الحالة مدة شهر وجودر يصطاد سمكاً ويبيعه ويصرف ثمنه على أمه وأخويه وهما يأكلان ويبرجسان فاتفق يوم من الأيام أن جودراً أخذ الشبكة إلى البحر فرماها وجذبها فطلعت فراغة فطرحها ثانية فطلعت فارغة فقال في نفسه إن هذا المكان ما فيه سمك، ثم انتقل إلى غيره ورمى فيه الشبكة فطلعت فارغة ثم انتقل إلى غيره. ولم يزل ينتقل من الصباح إلى المساء ولم يصطد ولا صيدة واحدة فقال عجائب هل السمك فرغ من البحر أو ما السبب ثم حمل الشبكة على ظهره ورجع مغموماً مقهوراً حاملاً هم أخويه وأمه، ولم يدر بأي شيء يعيشهم فأقبل على طابونة فرأى الخلق على العيش مزدحمين، وبأيديهم الدراهم ولا يلتفت إليهم الخباز فوقف وتحسر فقال له الخباز مرحباً بك يا جودر وهل تحتاج عيشاً فسكت فقال له إن لم يكن معك دراهم فخذ كفايتك وعلى مهلك فقال له أعطني بعشرة أنصاف عيشاً فقال له خذ وهذه عشرة أنصاف أخر وفي غد هات لي بالعشرين سمكاً فقال له على الرأس والعين فأخذ العيش والعشرة أنصاف أخذ بها لحمة وخضاراً وقال في غد يفرجها المولى وراح منزله وطبخت أمه الطعام وتعشى ونام وثاني يوم أخذ الشبكة فقالت له أمه اقعد افطر قال أفطري أنت واخوتي.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الحادية عشرة بعد الستمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن جودراً قال لأمه أفطري أنت وأخوي ثم ذهب إلى البحر ورمى الشبكة أولاً وثانياً وثالثاً وتنقل وما زال كذلك إلى العصر ولم يقع له شيء فحمل الشبكة ومضى مقهوراً وطريقه لا يكون إلا على الخباز فلما وصل جودر رآه الخباز، فعد له العيش والفضة وقال له تعال خذ وروح إن ما كان معك في اليوم يكون في غد فأراد أن يعتذر له فقال له رح مثلي ما يحتاج لعد ولو كنت اصطدت شيئاً لرأيته معك فلما رأيتك فارغاً علمت أنه ما حصل لك شيء وإن كان في غد لم يحصل لك شيء تعال خذ عيشاً ولا تستح وعلى مهلك، ثم إنه ثالث يوم تابع البرك إلى العصر فلم ير فيها شيئاً فراح إلى الخباز وأخذ منه العيش والفضة وما زال على هذه الحالة مدة سبعة أيام ثم إنه تضايق فقال في نفسه رح اليوم إلى بركة قارون ثم إنه أراد أن يرمي الشبكة فلم يشعر إلا وقد أقبل عليه مغربي راكب على بغلة وهو لابس حلة عظيمة وعلى ظهر البغلة خرج مزركش وكل ما على البغلة مزركش فنزل من فوق ظهر البغلة، وقال السلام عليك يا جودر يا ابن عمر فقال له وعليك السلام يا سيدي الحاج.

فقال له المغربي يا جودر إن لي عندك حاجة، فإن طاوعتني تنال خيراً كثيراً وتكون بسبب ذلك صاحبي وتقضي لي حوائجي فقال له يا سيدي الحاج قول لي أي شيء في خاطرك وأنا أطاوعك وما عندي خلاف فقال له اقرأ الفاتحة فقرأها معه وبعد ذلك أخرج له قيطاناً من حرير وقال له كتفني وشد كتفي شداً قوياً وارمني في البركة واصبر علي قليلاً، فإن رأيتني أخرجت يدي من الماء قبل أن أبين فاطرح الشبكة علي واجذبني سريعاً وإن رأيتني أخرجت رجلي فاعلم أني ميت فاتركني وخذ البغلة والخرج وامض إلى سوق التجار تجد يهودياً اسمه شميعة فأعطه البغلة وهو يعطيك مائة دينار فخذها واكتم السر وروح إلى حال سبيلك فكتفه كتافاً شديداً فصار يقول له شد الكتاف.

ثم إنه قال له ادفعني إلى أن ترميني في البركة فدفعه ورماه فيها فغطس ووقف ينتظره ساعة من الزمان وإذا بالمغربي خرجت رجلاه فعلم أنه مات فأخذ البغلة وتركه وراح إلى سوق التجار فرأى اليهودي جالساً على كرسي في باب الحاصل فلما رأى البغلة قال اليهودي إن الرجل هلك، ثم قال ما هلكه إلا الطمع وأخذ منه البغلة، وأعطاه مائة دينار وأوصاه أن يكتم السر فأخذ جودر الدنانير وراح فأخذ ما يحتاج إليه من العيش من الخباز وقال له خذ هذا الدينار فأخذه وحسب الذي له وقال له عندي بعد ذلك عيش يومين.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الثانية عشر بعد الستمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الخباز لما حاسب جودر على العيش وقال له بقي لك عندي من الدينار عيش يومين انتقل من عنده إلى الجزار وأعطاه دينار آخر وأخذ اللحمة وقال له خل عندك بقية الدينار تحت الحساب وأخذ الخضار وراح فرأى أخويه يطلبان من أمهم شيئاً يأكلونه وهي تقول لهما اصبرا حتى يأتي أخوكما فما عندي شيء فدخل عليهم وقال لهم خذوا كلوا فوقعوا على العيش مثل الغيلان ثم إن جودر أعطى أمه بقية الذهب وقال خذي يا أمي وإذا جاء أخواي فأعطهما ليشتريا ويأكلا في غيابي وبات تلك الليلة ولما أصبح أخذ الشبكة وراح إلى بركة قارون ووقف وأراد أن يطرح الشبكة وإذا بمغربي آخر أقبل وهو راكب بغلة ومهيا أكثر من الذي مات ومعه خرج وحقان في الخرج في كل عين منه حق وقال السلام عليك يا جودر فقال عليك السلام يا سيدي الحاج.

فقال هل جاءك بالأمس مغربي راكب بغلة مثل هذه البغلة فخاف وأنكر وقال ما رأيت أحداً خوفاً أن يقول راح إلى أين فإن قلت له غرق في البركة ربما يقول لي أنت أغرقته فما وسعه إلا الإنكار فقال يا مسكين هذا أخي وسبقني قال ما معي خبر قال أما كتفته أنت ورميته في البركة وقال لك إن خرجت يداي ارم علي الشبكة واسحبني بالعجل وإن خرجت رجلاي أكون ميتاً فخذ أنت البغلة وأديها إلى اليهودي شميعة وهو يعطيك مائة دينار وقد خرجت رجلاه وأنت أخذت البغلة وأديتها إلى اليهودي وأعطاك مائة دينار فقال حيث إنك تعرف ذلك فلأي شيء تسألني قال مرادي أن تفعل بي ما فعلت بأخي واخرج له قيطاناً من حرير وقال له كتفني وارمني إن جرى لي مثل ما جرى لأخي فخذ البغلة ووديها إلى اليهودي وخذ منه مائة دينار فقال له تقدم فتقدم، فكتفه ودفعه فوقع في البركة فغطس فانتظر ساعة فطلعت رجلاه فقال مات في داهية، إن شاء الله كل يوم يجيئني المغاربة وأنا أكتفهم ويموتون ويكفيني من كل ميت مائة دينار.

ثم إنه أخذ البغلة وراح، فلما رآه اليهودي قال له مات الآخر قال له تعيش رأسك قال هذا جزاء الطماعين وأخذ البغلة منه وأعطاه مائة دينار فأخذها وتوجه إلى أمه فأعطاها إياها، فقالت له يا ولدي من أين لك هذا فأخبرها بكل ما جرى فقالت له: ما بقيت تروح بركة قارون فإني أخاف من المغاربة فقال لها يا أمي أنا ما أرميهم إلا برضاهم وكيف يكون العمل هذه صنعة يأتينا منها كل يوم مائة دينار وارجع سريعاً فوالله لا أرجع عن ذهابي إلى بركة قارون حتى ينقطع أثر المغاربة ولا يبقى منهم أحد ثم إنه في اليوم الثالث راح ووقف وإذا بمغربي راكب بغلة ومعه خرج ولكنه مهيأ أكثر من الأولين وقال السلام عليك يا جودر يا ابن عمر فقال في نفسه من أين كلهم يعرفونني ثم رد عليه السلام.

فقال: ها جاز على هذا المكان مغاربة؟ قال له اثنان قال له: أين راحا قال كتفتهما ورميتهما في هذه البركة فغرقا والعاقبة لك أنت الآخر فضحك ثم قال يا مسكين كل حي ووعده ونزل عن البغلة وقال يا جودر اعمل معي كما عملت معهما وأخرج القيطان الحرير فقال له جودر أدر يديك حتى أكتفك فإني مستعجل وراح على الوقت فأدار لي يديه فكتفته ودفعته فوقع في البركة ووقف ينتظر، وإذا بالمغربي أخرج له يديه وقال له ارم الشبكة يا مسكين فرمى عليه الشبكة وجذبه وإذا هو قابض في يديه سمكتين لونهما أحمر مثل المهرجان في كل يد سمكة وقال له افتح الحقين فوضع في كل حق سمكة وسد عليهما فم الحقين ثم إنه حصن جودر وقبله ذات اليمين وذات الشمال في خديه وقال له الله ينجيك من كل شدة والله لولا أنك رميت علي الشبكة وأخرجتني لكنت ما زلت قابضاً على هاتين السمكتين وأنا غاطس في الماء حتى أموت ولا أقدر أن أخرج من الماء فقال له يا سيدي الحاج بالله عليك أن تخبرني بشأن اللذين غرقا أولاً بحقيقة هاتين السمكتين وبشأن اليهود.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الثالثة عشر بعد الستمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن جودراً لما سأل المغربي وقال له أخبرني عن اللذين غرقا أولاً قال له يا جودر إن اللذين غرقا أولاً أخواي أحدهما اسمه عبد السلام والثاني اسمه عبد الأحد، وأنا أسمي عبد الصمد واليهودي أخونا اسمه عبد الرحيم وما هو يهودي إنما هو مسلم مالكي وكان والدنا علمنا الرموز وفتح الكنوز والسحر وصرنا نعالج، حتى خدمتنا مردة الجن والعفاريت ونحن أربعة اخوة والدنا اسمه عبد الودود ومات أبونا وخلف لنا شيئاً كثيراً فقسمن الذخائر والأموال والأرصاد حتى وصلنا إلى الكتب فقسمناها فوقع بيننا اختلاف في كتاب اسمه أساطير الأولين ليس له مثيل، ولا يقدر له على ثمن ولا يعادل بجواهر، لأنه مذكور فيه سائر الكنوز وحل الرموز، وكان أبونا يعمل فيه ونحن نحفظ منه شيئاً قليلاً، وكل منا غرضه أن يملكه حتى يطلع على ما فيه.

فلما وقع الخلاف بيننا حضر مجلسنا شيخ أبينا الذي كان رباه وعلمه السحر والكهانة وكان اسمه الكهين الأبطن فقال لنا هاتوا الكتاب فأعطيناه الكتاب فقال أنتم أولاد ولدي، ولا يمكن أن أظلم منكم أحداً، فليذهب من أراد أن يأخذ هذا الكتاب إلى معالجة فتح الشمردل ويأتيني بدائر الفلك والمكحلة والخاتم والسف، فإن الخاتم له مارد يخدمه اسمه الرعد يملك به الأرض بالطول والعرض يقدر على ذلك، وأما السيف فإنه لو جرد على جيش وهزه حامله لهزم الجيش وإن قال له وقت هزه اقتل هذا الجيش فإنه يخرج من ذلك السيف برق من نار فيقتل جميع الجيوش.

وأما دائر الفلك فإن الذي يملكها إن شاء أن ينظر جميع البلاد من المشرق إلى المغرب، فإنه ينظرها ويتفرج عليها وهو جالس فأي جهة أرادها يوجه الدائرة إليها وينظر في الدائرة، فإنه يرى تلك الجهة وأهلها كأن الجميع بين يديه، وإذا غضب على مدينة ووجه الدائرة إلى الشمس وأراد احتراق تلك المدينة فإنها تحترق.

وأما المكحلة فإن كل من اكتحل منها يرى كنوز الأرض، ولكن لي عليكم شرط، وهو أن كل من عجز على فتح هذا الكنز ليس له في الكتاب استحقاق، ومن فتح هذا الكنز وأتاني بهذه الذخائر الأربعة فإنه يستحق أن يأخذ هذا الكتاب فرضينا بالشرط، فقال لنا يا أولادي اعلموا أن كنز الشمردل تحت حكم أولاد الملك الأحمر، وأبوكم أخبرني أنه كان عالج فتح ذلك الكنز فلم يقدر ولكن هربوا منه أولاد الملك الأحمر إلى بركة في أرض مصر تسمى بركة قارون وغاصوا في البركة، فلحقهم إلى مصر ولم يقدر عليهم بسبب انسيابهم في تلك البركة لأنها مرصودة.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الرابعة عشر بعد الستمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الكهين الأبطن لما أخبر الأولاد بذلك الخبر، قال لهم ثم إنه رجع مغلوباً ولم يقدر على فتح كنز الشمردل من أولاد الملك الأحمر، فلما عجز أبوكم عنهم جاءني وشكا إلي فضربت له تقويماً فرأيت هذا الكنز لا يفتح إلا على وجه غلام من أبناء مصر اسمه جودر بن عمر فإنه يكون سبباً في قبض أولاد الملك الأحمر وذلك الغلام يكون صياداً والاجتماع به يكون على بركة ولا ينفعك ذلك الرصد إلا إذا كان جودر يكتشف صاحب النصيب ويرميه في البركة، فيتحارب مع أولاد الملك الأحمر والذي يسلم تظهر يداه فيحتاج إلى جودر ليرمي عليه الشبكة ويخرجه من البركة فقال إخواتي نحن نروح ولو هلكنا وأنا قلت أروح أيضاً وأما أخونا الذي في هيئة يهودي فإنه قال أنا ليس لي غرض فاتفقنا معه على أنه يتوجه إلى مصر في صفة يهودي تاجر حتى إذا مات أحد منا في البركة ويأخذ البغلة والخرج منه ويعطيه مائة دينار.

فلما أتاك الأول قتله أولاد الملك الأحمر وقتلوا أخي الثاني وأنا لم يقدروا علي فقبضتهم فقال أين قبضتهم؟ قال: أما رأيتهم قد حبستهم في الحقين قال هذا سمك قال له المغربي ليس هذا سمكاً إنما هم عفاريت بهيئة السمك، ولكن يا جودر اعلم أن فتح هذا الكنز لا يكون إلا على يديك فهل تطاوعني وتروح معي إلى مدينة فاس ومكناس وتفتح الكنز وأعطيك ما تطلب وأنت بقيت أخي في عهد الله وترجع إلى عيالك مجبور القلب، فقال: يا سيدي الحاج أنا في رقبتي أمي وأخواي.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الخامسة عشر بعد الستمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن جودراً قال للمغربي أنا في رقبتي أمي وأخواي وأنا الذي أجري عليهم وإن رحت معك فمن يطعمهم العيش فقال له هذه حجة باطلة، فإن كان من شأن المصروف فنحن نعطي ألف دينار تعطي أمك إياها لتصرفها حتى ترجع إلى بلادك، وأنت إن غبت ترجع قبل أربعة أشهر، فلما سمع جودر بالألف دينار قال هات يا حاج الألف دينار اتركها عند أمي وأروح معك، فأخرج له الألف دينار فأخذها إلى أمه وأخبرها بما جرى بينه وبين المغربي وقال لها خذي هذه اللف دينار واصرفي منها عليك وعلى أخواي وأنا مسافر مع المغربي إلى الغرب فأغيب أربعة أشهر ويحصل لي خير كثير فادعي لي يا والدتي فقالت له يا ولدي توحشني وأخاف عليك فقال يا أمي ما على من يحفظه الله بأس، والمغربي رجل طيب وصار يشكر لها حاله فقالت الله يعطف عليك رح معه يا ولدي لعله يعطيك شيئاً فودع أمه وراح.

ولما وصل عند المغربي عبد الصمد قال له هل شاورت أمك؟ قال نعم، ودعت لي، فقال له اركب وارئي فركب على ظهر البغلة وسافرا من الظهر إلى العصر فجاع جودر ولم ير مع المغربي شيئاً يؤكل، فقال هل أنك جائع؟ قال نعم فنزل من فوق ظهر البغلة هو وجودر، ثم قال نزل الخروج فنزله ثم قال له أي شيء تشتهي يا أخي، فقال له أي شيء كان، قال له بالله عليك أن تقول لي أي شيء تشتهي قال عيشاً وجبناً قال يا مسكين العيش والجبن ما هو مقامك فاطلب شيئاً طيباً قال جودر أنا عندي في هذه الساعة كل شيء طيب فقال له أتحب الفراخ المحمرة؟ قال نعم قال أتحب الأرز بالعسل قال نعم قال أتحب اللون الفلاني حتى سمى له من الطعام أربعة وعشرين لوناً، ثم قال في باله هل هو مجنون من أين يجيء لي بالأطعمة التي مساها وما عنده مطبخ ولا طباخ لكن قل له يكفي فقال له: يكفي هل أنت تجعلني أشتهي الألوان ولا أنظر شيئاً؟ فقال المغربي مرحباً بك يا جودر وحط بيده في الخرج فأخرج صحناً من الذهب فيه كباب وما زال يخرج من الخرج حتى أخرج الأربعة والعشرين لوناً التي ذكرها بالتمام والكمال فبهت جودر فقال كل يا مسكين فقال: يا سيدي أنت جاعل في هذا الخرج مطبخاً وناساً تطبخ فضحك المغربي، وقال هذا مرصود له خادم لو نطلب في كل ساعة ألف لون يجيء بها الخادم ويحضرها في الوقت فقال نعم هذا الخرج.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة السادسة عشرة بعد الستمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن جودراً قال نعم هذا الخرج ثم إنهما أكلا حتى اكتفيا والذي فضل كباه ورد الصحون الفارغة في الخرج وحط يده فأخرج إبريقاً فشربا وتوضيا وصليا العصر ورد الإبريق في الخرج ثم إنه حط فيه الحقين وحمله على تلك البغلة وركب وقال اركب حتى نسافر ثم إنه قال يا جودر هل تعلم ما قطعنا من مصر إلى هنا، قال له والله لا أدري فقال له قطعنا مسيرة شهر كامل قال وكيف ذلك قال له يا جودر اعلم أن البغلة التي تحتنا ماردة من مردة الجن تسافر في اليوم مسافة سنة ولكن من شأن خاطرك مشت على مهلها ثم ركبا وسافرا إلى المغرب.

فلما أمسيا أخرج من الخرج العشاء وفي الصباح أخرج الفطور وما زالا على هذه الحالة مدة أربعة أيام وهما يسافران إلى نصف الليل وينزلان فينامان ويسافران في الصباح وجميع ما يشتهي جودر يطلبه من المغربي فيخرجه له من الخرج وفي اليوم الخامس وصلا إلى فاس ومكناس ودخلا المدينة فلما دخلا صار كل من قابل المغربي يسلم عليه ويقبل يده وما زالا كذلك حتى وصل إلى باب فطرقه، وإذا بالباب قد فتح وبان منه بنت كأنها القمر فقال لها يا رحمة يا بنتي افتحي لنا القصر قالت على الرأس والعين يا أبت ودخلت تهز أعطافها فطار عقل جودر وقال: ما هذه إلا بنت ملك، ثم إن البنت فتحت القصر، فأخذ الخرج من فوق البغلة وقال لها انصرفي بارك الله فيك، وإذا بالأرض قد انشقت ونزلت البغلة ورجعت الأرض كما كانت فقال جودر يا ستار الحمد لله الذي نجانا من فوق ظهرها، ثم إن المغربي قال لا تعجب يا جودر فإني قلت لك إن البغلة عفريت لكن اطلع بنا القصر. فلما دخلا ذلك القصر اندهش جودر من كثرة الفرش الفاخر ومما رأى فيه من التحف وتعاليق الجواهر والمعادن فلما جلسا أمر البنت وقال يا رحمة هات البقجة الفلانية، فقامت وأقبلت ببقجة ووضعتها بين يدي أبيها ففتحها وأخرج منها حلة تساوي ألف دينار، وقال له البس يا جودر مرحباً بك فلبس الحلة وصار كناية عن ملك من ملوك الغرب، ووضع الخرج بين يديه ثم مد يده وأخرج منه صحناً فيه ألوان مختلفة حتى صارت سفرة فيها أربعون لوناً فقال يا مولاي تقدم وكل ولا تؤاخذنا.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة السابعة عشرة بعد الستمائة

قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن المغربي لما أدخل جودراً القصر مد له سفرة فيها أربعون لوناً، وقال له تقدم وكل ولا تؤاخذنا نحن لا نعرف أي شيء تشتهي من الأطعمة فقل ما تشتهي ونحن نحضره إليك من غير تأخير، فقال له والله يا سيدي الحاج إني أحب سائر الأطعمة ولا أكره شيئاً فلا تسألني عن شيء فهات جميع ما يخطر ببالك وأنا ما علي إلا الأكل ثم إنه أقام عنده عشرين يوماً كل يوم يلبسه حلة والأكل من الخرج والمغربي لا يشتير من اللحم ولا عيشاً ولا يطبخ، ويخرج كل ما يحتاجه من الخرج حتى أصناف الفاكهة، ثم إن المغربي في اليوم الحادي والعشرين، قال يا جودر قم بنا فإن هذا هو اليوم الموعود لفتح كنز الشمردل، فقام معه ومشيا إلى آخر المدينة ثم خرجا منها فركب جودر بغله وركب المغربي بغلة، ولم يزالا مسافرين إلى وقت الظهر فوصلا إلى نهر ماء جار، فنزل عبد الصمد وقال انزل يا جودر، فنزل، ثم إن عبد الصمد قال هيا وأشار بيده إلى عبدين فأخذا البغلتين وراح كل عبد من طريق، ثم غابا قليلاً وقد أقبل أحدهما بخيمة فنصبها وأقبل الثاني بفرش وفرشه في الخيمة ووضع في دائرها وسائد ومساند ثم ذهب واحد منهما وجاء بالحقين الذين فيها السمكتان والثاني جاء بالخرج فقام المغربي وقال تعال يا جودر، فأتى وجلس بجانبه وأخرج المغربي من الخرج صحون الطعام وتغذيا وبعد ذلك أخذ الحقين، ثم إنه عزم عليهما فصارا من داخل يقولان لبيك يا كهين الدنيا ارحمنا وهما يستغيثان وهو يعزم عليهما، فصارا قطعاً وتطايرت قطعهما فظهر منهما اثنان مكتفان يقولان: الأمان يا كهين الدنيا مرادك أن تعمل فينا أي شيء، فقال مرادي أن أحرقكما أو إنكما تعاهداني على فتح كنز الشمردل، فقالا نعاهدك ونفتح لك الكنز لكن بشرط أن تحضر جودر الصياد فإن الكنز لا يفتح إلا على وجهه ولا يقدر أحد أن يدخل فيه إلا جودر بن عمر، فقال لهما الذي تذكرانه قد جئت به وهو ههنا يسمعكما وينتظركما فعاهداه على فتح الكنز وأطلقهما.

ثم إنه أخرج قصبة وألواحاً من العقيق الأحمر وجعلها على القصبة وأخذ مجمرة ووضع فيها فحماً ونفخها نفخة واحدة فأوقد فيها النار وأحضر البخور وقال يا جودر أنا أتلو العزيمة وألقي البخور فإذا ابتدأت بالعزيمة لا أقدر أن أتكلم فتبطل العزيمة ومرادي أن أعلمك كيف تصنع حتى تبلغ مرادك، فقال له: اعلم أني متى عزمت وألقيت البخور ونشف الماء من النهر وبان لك من الذهب قدر باب المدينة بحلقتين من المعدن، فانزل إلى الباب واطرقه طرقة خفيفة واصبر مدة واطرق الثانية طرقة أثقل من الأولى واصبر مدة واطرقه ثلاث طرقات متتابعات وراء بعضها، فإنك تسمع قائلاً يقول من يطرق باب الكنوز وهو لم يعرف أن يحل الرموز، فقل أنا جودر الصياد بن عمر فيفتح لك الباب ويخرج لك شخص بيده سيف ويقول لك إن كنت ذلك الرجل فمد عنقك حتى أرمي رأسك فمد له عنقك ولا تخف فإنه متى رفع يده بالسيف وضربك وقع بين يديك، وبعد مدة تراه شخصاً من غير روح وأنت لا تتألم بالضربة ولا يجري عليك شيء وأما إذا خالفته فإنه يقتلك ثم إنك إذ أبطلت رصده بالامتثال فادخل حتى ترى باباً آخر فاطرقه، يخرج لك فارس راكب على فرس وعلى كتفه رمح، فيقول أي شيء أوصلك إلى هذا المكان الذي لا يدخله أحد من الإنس ولا من الجن ويهز عليك الرمح فافتح له صدرك فيضربك ويقع في الحال فتراه جسماً من غير روح وإن خالفت قتلك، ثم ادخل الباب الثالث، يخرج لك آدمي وفي يده قوس ونشاب ويرميك بالقوس فافتح له صدرك ليضربك ويقع قدامك جسماً من غير روح وإن خالفت قتلك، ثم ادخل الباب الرابع.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الثامنة عشرة بعد الستمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن المغربي قال لجودر فادخل الباب الرابع واطرقه يفتح لك ويخرج لك سبع عظيم الخلقة ويهجم عليك ويفتح فمه يريك أنه يقصد أكلك فلا تخف ولا تهرب منه فإذا وصل إليك فأعطه يدك فإنه لا يصيبك شيء ثم ادخل الباب الخامس، يخرج لك عبد أسود ويقول لك من أنت فقل له أنا جودر فيقول لك إن كنت ذلك الرجل فافتتح الباب السادس، فتقدم إلى الباب وقل له يا عيسى قل لموسى يفتح الباب، فيفتح الباب، فادخل تجد ثعبانين أحدهما على الشمال وآخر على اليمين كل واحد منهما يفتح فاه ويهجمان عليك في الحال فمد إليهما يديك فيعض كل واحد منهما في يد وإن خالفت قتلاك، ثم ادخل إلى الباب السابع واطرقه، تخرج لك أمك وتقول لك مرحباً يا ابني قدم حتى أسلم عليك فقل لها خليك بعيدة عني واخلعي ثيابك فتقول لك أنا أمك ولي عليك حق الرضاعة والتربية كيف تعريني فقل لها إن لم تخلعي ثيابك قتلتك وانظر جهة يمينك تجد سيفاً معلقاً على الحائط، فخذه واسحبه عليها وقل لها اخلعي فتصير تخادعك وتتواضع إليك فلا تشفق عليها فكلما تخلع شيئاً قل لها اخلعي الباقي ولم تزل تهددها بالقتل حتى تخلع جميع ما عليها وتسقط.

وحينئذ تكون قد حللت وأبطلت الأرصاد وقد أمنت على نفسك فادخل تجد الذهب كامناً داخل الكنز فلا تعتن بشيء منه وإنما ترى مقصورة في صدر الكنز وعليها ستارة فاكشف الستارة، فإنك ترى الكهين الشمردل راقد على سرير من الذهب وعلى رأسه شيء مدور يلمع مثل القمر، فهو دائرة الفلك وهو مقلد بالسيف وفي إصبعه خاتم، وفي رقبته سلسلة فيها مكحلة فهات الأربع ذخائر، وإياك أن تنس شيئاً مما أخبرتك به ولا تخاف فتندم ويخشى عليك، ثم كرر عليه الوصية ثانياً وثالثاً ورابعاً حتى قال حفظت كل ما قلته لي، لكن من يستطيع أن يواجه هذه الأرصاد التي ذكرتها ويصير على هذه الأهوال العظيمة، فقال له يا جودر لا تخف إنهم أشباح من غير أرواح وصار يطمنه فقال جودر توكلت على الله، ثم إن المغربي عبد الصمد ألقى البخور وصار يعزم مدة، وإذا بالماء قد ذهب وبانت أرض النهر وظهر باب الكنز فنزل الباب وطرقه فسمع قائلاً يقول: من يطرق أبواب الكنز ولم يعرف أن يحل الرموز فقال أنا جودر بن عمر فانفتح الباب وخرج له الشخص وجرد السيف وقال له مد عنقك فمد عنقه وضربه ثم وقع، وكذلك الثاني إلى أن أبطل أرصاد السبعة أبواب وخرجت أمه وقالت له سلامات يا ولدي فقال لها أنت لا شيء، قالت أنا أمك ولي عليك حق الرضاعة والتربية حملتك تسعة أشهر يا ولدي فقال لها اخلعي ثيابك فقالت أنت ولدي وكيف تعريني، قال لها اخلعي ثيابك وإلا أرمي رأسك بهذا السيف ومد يده فأخذ السيف وشهره عليها، وقال لها إن لم تخلعي قتلتك وطال بينهما وبينه العلاج ثم إنه لما أكثر عليها التهديد خلعت شيء، فقال اخلعي الباقي وعالجها كثيراً حتى خلعت شيء آخر وما زالا على هذه الحالة وهي تقول يا ولدي خابت فيك التربية حتى لم يبق عليها شيء غير اللباس، فقالت يا ولدي هل قلبك حجر فتفضحني بكشف العورة يا ولدي، أما هذا حرام فقال صدقت فلا تخلعي اللباس.

فلما نطق بهذه الكلمة صاحت وقالت قد غلط فاضربوه فنزل عليه ضرب مثل قطر المطر واجتمعت عليه خدام الكنز فضربوه علقة لم ينساها في عمره ودفعوه فرموه خارج باب الكنز، وانغلقت أبواب الكنز كما كانت فلما رموه خارج الباب أخذه المغربي في الحال وجرت المياه كما كانت.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة التاسعة عشرة بعد الستمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن جودر لما ضربه خدام الكنز ورموه خارج الباب وانغلقت الأبواب وجرى النهر كما كان أولاً قام عبد الصمد المغربي فقرأ على جودر حتى أفاق وصحا من سكرته، فقال له أي شيء عملت يا مسكين، فقال له أبطلت الموانع كلها ووصلت إلى أمي ووقع بيني وبينها معالجة طويلة وصارت يا أخي تخلع ثيابها حتى لم يبق عليها إلا اللباس، فقالت لا تفضحني فإن كشف العورة حرام فتركت لها اللباس شفقة عليها وإذا بها صاحت وقالت غلط فاضربوه فخرج لي ناس لا أدري أين كانوا، ثم إنهم ضربوني علقة حتى أشرفت على الموت، ودفعوني ولم أدر بعد ذلك ما جرى لي، فقال له أما قلت لك لا تخالف ما قلته لك والآن قد أسأتني وأسأت نفسك فلو خلعت لباسها كنا بلغنا المراد، ولكن حينئذ تقيم عندي إلى العام القابل لمثل هذا اليوم، ونادى العبدين في الحال فحلا الخيمة وحملاها ثم غابا قليلاً ورجعا بالبغلتين فركب كل واحد بغلة ورجعا إلى مدينة فاس فأقام عنده في أكل طيب وكل يوم يلبسه حلة فاخرة إلى أن فرغت السنة، وجاء ذلك اليوم فقال له المغربي هذا هو اليوم الموعود فامض بنا قال له نعم فأخذه إلى خارج المدينة فرأيا العبدين بالبغلتين.

ثم ركبا وسارا حتى وصلا إلى النهر، فنصب العبدان الخيمة وفرشا وأخرج المغربي السفرة فتغذيا، وبعد ذلك أخرج القصبة والألواح مثل الأول وأوقد النار وأحضر له البخور، وقال له يا جودر مرادي أن أوصيك فقال له يا سيدي الحاج إن كنت نسيت العلقة أكون نسيت الوصية، فقال له هل أنت حافظ الوصية قال: نعم، قال احفظ روحك ولا تظن أن المرأة أمك وإنما هي رصد في صورة أمك ومرادها أن تغلطك، وإن كنت أول مرة طلعت حياً فإنك في هذه المرة إن غلطت يرموك قتيلاً قال إن غلطت أستحق أن يحرقوني.

ثم إن المغربي وضع البخور وعزم فنشف النهر، فتقدم جودر إلى الباب ورقه فانفتح وأبطل الأرصاد السبعة إلى أن وصل إلى أمه فقالت مرحباً يا ولدي، فقال لها من أين أنا ولدك يا معلونة اخلعي فجعلت تخادعه وتخلع شيئاً بعد شيء حتى لم يبق عليها غير اللباس وصارت شبحاً بلا روح فدخل ورأى الذهب كيماناً فلم يعتن بشيء، ثم أتى المقصورة ورأى الكهين الشمردل راقداً متقلداً بالسيف والخاتم في اصبعه والمكحلة في صدره، ورأى دائرة الفلك فوق رأسه فتقدم وفك السيف وأخذ الخاتم ودائرة الفلك والمكحلة، وخرج.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة العشرون بعد الستمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن جودر أخذ المكحلة وخرج وإذا بنوبة دقت له وصار الخدام ينادونه هنيت بما أعطيت يا جودر ولم تزل النوبة تدق إلى أن خرج من الكنز ووصل إلى المغربي فأبطل العزيمة البخور وقام وحضنه وسلم عليه وأعطاه جودر الأربعة ذخائر فأخذها وصاح على العبدين فأخذا الخيمة وردها ورجع بالبغلتين فركباهما ودخل مدينة فاس فأحضر الخرج وجعل يطلع منه الصحون وفيها الألوان وكملت قدامه سفرة الطعام وقال يا أخي يا جودر كل فأكل حتى اكتفى، وفرغ بقية الأطعمة ثم جاؤا بصحون غيرها ورموا الفوارغ في الخرج، ثم إن المغربي عبد الصمد قال يا جودر أنت فارقت أهلك وبلادك من أجلنا وقضيت حاجتنا وسار لك علينا أمنية ما تطلب فإن الله تعالى أعطاك ونحن السبب فاطلب مرادك ولا تستح فإنك تستحق.

فقال يا سيدي تمنيت على الله ثم عليك أن تعطيني الخرج فجاء به وقال خذه فإنه حقك ولو كنت تمنيت غيره لأعطيناك إياه ولكن يا مسكين هذا ما يفيدك غير الأكل وأنت تعبت معنا، ونحن وعدناك أن نرجعك إلى بلادك مجبور الخاطر والخرج هذا تأكل منه ونعطيك خرجاً آخر ملآناً من الذهب والجواهر ونوصلك إلى بلادك فتصير تاجراً واكس نفسك وعيالك ولا تحتاج إلى مصروف وكل أنت وعيالك من هذا الخرج، وكيفية العمل به أنك تمد يدك فيه وتقول بحق ما عليك من الأسماء العظام يا خادم هذا الخرج أن تأتيني باللون الفلاني فإنه يأتيك بما تطلبه ولو طلبت كل يوم ألف لون ثم إنه أحضر عبداً ومعه بغلة وملأ به خرجاً، عيناً من الذهب وعيناً من الجواهر والمعادن وقال له اركب هذه البغلة والعبد يمشي قدامك فإنه يعرفك الطريق إلى أن يوصلك إلى باب دارك، فإذا وصلت فخذ الخرجين وأعطيه البغلة فإنه يأتي بها ولا تظهر أحد على سرك واستودعناك الله. فقال له كتر الله خيرك وحط الخرجين على ظهر البغلة وركب والعبد مشى قدامه وصارت البغلة تتبع العبد طول النهار وطول الليل وثاني يوم ي الصباح دخل من باب القصر فرأى أمه قاعدة تقول شيئاً لله فطار عقله ونزل من فوق ظهر البغلة ورمى روحه عليها، فلما رأته بكت ثم إنه أركبها على ظهر البغلة ومشى في ركابها إلى أن وصل إلى البيت فأنزل أمه وأخذ الخرجين وترك البغلة للعبد فأخذها وراح لسيده لأن العبد الشيطان والبغلة شيطان، وأما ما كان من جودر فإنه صعب عليه كون أمه تسأل، فلما دخل البيت قال لها هل أخواي طيبان، قالت طيبان، قال لأي شيء تسألين في الطريق قالت يا ابني من جوعي، قال لها أنا أعطيتك قبل ما أسافر مائة دينار في أول يوم ومائة دينار في ثاني يوم وأعطيتك ألف دينار يوم أن سافرت فقالت له يا ولدي إن أخويك قد مكرا علي وأخذاهما مني وقالا مرادنا أن نشتير بها شيئاً.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الواحدة والعشرين بعد الستمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن أم جودر قالت إن أخويك مكرا علي فأخذاهما مني وطرداني فصرت أسال في الطريق من شدة الجوع فقال يا أمي ما عليك بأس حيث جئت فلا تحملي هماً أبداً هذا خرج ملآن ذهباً وجواهر والخير كثير فقالت يا ولدي أنت مسعد الله يرضى عليك ويزيدك من فضله قم يا ابني هات لنا عيشاً فإني بائتة بشدة الجوع من غير عشاء فضحك وقال لها مرحباً بك يا أمي فاطلبي أي شيء أحضره لك في هذه الساعة ولا أحتاج لشرائه من السوق ولا لمن يطبخ فقالت يا ولدي ما أنا ناظرة شيئاً فقال معي في الخرج من جميع الألوان فقالت يا ولدي كل شيء حضر يسد الرمق قال صدقت فعند عدم الموجود يقنع الإنسان بأقل الشيء وأما إذا كان الموجود حاضراً فإن الإنسان يشتهي أن يأكل من الشيء الطيب وأنا عندي الموجود فاطلبي ما تشتهين.

قالت له يا ولدي عيشاً سخناً وقطعة جبن فقال يا أمي ما هذا من مقامك فقالت له أنت تعرف مقامي فالذي من مقامي أطعمني منه فقال يا أمي أنت من مقامك اللحم المحمر والفراخ المحمرة والأرز المفلفل ومن مقامك المنبار المحشي والقرع المحشي والخروف المحشي والضلع المحشي والكنافة بالمكسرات والعسل والسكر والقطايف والبقلاوة فظنت أنه يضحك عليها ويسخر منها فقالت له يوه يوه أي شيء جرى لك هل أنت تحلم وإلا جننت فقال لها من أين علمت أني جننت قالت له لأنك تذكر لي جميع الألوان الفاخرة فمن يقدر على ثمنها ومن يعرف أن يطبخها.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الثانية والعشرين بعد الستمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن أم جودر لما قالت له ومن يعرف يطبخها فقال لها وحياتي لابد أن أطعمك من جميع الذي ذكرته لك في هذه الساعة، فقالت له هاأنا ناظرة شيئاً فقال لها هات الخرج فجاءت بالخرج وجسته فرأته فارغاً وقدمته إليه فصار يمد يديه ويخرج صحوناً ملآنة حتى أنه أخرج لها جميع ما ذكره، فقالت له أمه يا ولدي إن الخرج صغير وكان فارغاً وليس فيه شيء، وقد أخرجت منه هذه الأطعمة كلها فهذه الصحون أين كانت فقال لها يا أمي اعلمي أن هذا الخرج أعطانيه المغربي وهو مرصود وله خادم إذا أراد الإنسان شيئاً وتلا عليه الأسماء وقال يا خادم هذا الخرج هات لي اللون الفلاني فإنه يحضره.

فقالت له أمه هل أمد يدي وأطلب منه شيئاً قال مدي يدك، فمدت يدها وقالت بحق ما عليك من الأسماء يا خادم هذا الخرج أن تجيء لي بضلع محشي فرأت الصحن صار في الخرج فمدت يدها فأخذته فوجدت فيه ضلعاً محشياً نفيساً، ثم طلبت العيش وطلبت كل شيء أرادته من أنواع الطعام فقال لها يا أمي بعد أن تفرغي من الأكل أفرغي بقية الأطعمة في صحون غير هذه الصحون وارجعي الفوارغ في الخرج فإن الرصد على هذه الحالة واحفظي الخرج فنقلته وحفظته وقال لها يا أمي اكتمي السر وأبقيه عندك، وكلما احتجت لشيء أخرجيه من الخرج وتصدقي وأطعمي أخواي سواء كان في حضوري أو في غيابي، وجعل يأكل هو وإياها، وإذا بأخويه داخلان عليه وكان بلغهم الخبر من رجل من أولاد حارته قال لهم أخوكم أتى وهو راكب على بغلة وقدامه عبد وعليه حلة ليس لها نظير. فقالا لبعضهما يا ليتنا ما كنا شوشنا على أمنا لابد أنها تخبره بما عملنا فيها يا فضيحتنا منه فقال واحد منهما أمنا شفوقة فإن أخبرته فأخونا أشفق منها علينا وإذا اعتذرنا إليه يقبل عذرنا ثم دخلا عليه فقام لهما على الأقدام وسلم عليهما غاية السلام وقال لهما اقعدا وكلا فقعدا وأكلا وكانا ضعيفين من الجوع فما زالا يأكلان حتى شبعا، فقال لهما جودر يا أخواي خذا منه بقية الطعام وفرقاه على الفقراء والمساكين فقالا يا أخانا خله لنتعشى به فقال لهما وقت العشاء يأتيكما أكثر منه، فأخرجا بقية الأطعمة وصارا يقولان لكل فقير جاز عليهما خذ وكل حتى لم يبق شيء ورد الصحون وقال لأمه حطيها في الخرج.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الثالثة والعشرين بعد الستمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن جودر لما انتهى أخويه من الغداء قال لأمه حطي الصحون في الخرج وعند المساء دخل القاعة وأخرج من الخرج سماطاً أربعين لوناً وطلع فلما جلس بين أخويه قال لأمه هات العشاء فلما دخلت رأت الصحون ممتلئة، فحطت السفرة ونقلت الصحون شيئاً بعد شيء حتى كملت الأربعين صحناً، فتعشوا وبعد العشاء قال خذوا وأطعموا الفقراء والمساكين فأخذوا بقية الأطعمة وفرقوها وبعد العشاء خرج لهم حلويات فأكلوا منها والذي فضل منهم قال أطعموه للجيران، وفي ثاني يوم الفطور كذلك وما زالوا على هذه الحالة مدة عشرة أيام ثم قال سالم لسليم ما سبب هذا المر إن أخانا يخرج لنا ضيافة في الصبح وضيافة في الظهر وضيافة في المغرب وفي آخر الليل يخرج حلويات وكل شيء يفرقه على الفقراء وهذا فعل السلاطين ومن أين أتته هذه السعادة ألا نسأل عن هذه الأطعمة المختلفة وعن هذه الحلويات ولا نراه يشتري شيئاً أبداً ولا يوقد ناراً وليس له مطبخ ولا طباخ.

فقال أخوه والله لا أدري ولكن هل تعرف من يخبرنا بحقيقة هذا الأمر قال له لا يخبرنا إلا أمنا فدبرا لها حيلة ودخلا على أمهما في غياب أخيهما وقالا يا أمنا نحن جائعان فقالت لهما أبشرا ودخلت القاعة وطلبت من خادم الخرج وأخرجت لهما أطعمة سخنة فقالا يا أمنا هذا الطعام سخن وأنت لم تطبخي ولم تنفخي فقالت لهما إنه من الخرج فقال لها أي شيء هذا الخرج فقالت لهما إن الخرج مرصود والطلب من الرصد وأخبرتهما بالخبر وقالت لهما اكتما السر فقالا لها السر مكتوم يا أمنا ولكن علمينا كيفية ذلك فعلمتهما وصارا يمدان أياديهما ويخرجان الشيء الذي يطلبانه وأخوهما ليس عنده خبر بذلك فلما علما بصفة الخرج قال سالم لسليم يا أخي إلى متى ونحن عند جودر في صفة الخدامين ونأكل صدقته، ألا نعمل عليه حيلة ونأخذ هذا الخرج ونفوز به فقال كيف تكون الحيلة قال نبيع أخانا لرئيس بحر السويس.

فقال له: وكيف نصنع حتى نبيعه؟ فقال أروح أنا وأنت لذلك الرئيس ونعزمه مع اثنين من جماعته والذي أقوله لجودر تصدقني فيه وآخر الليل أريك ما أصنع ثم اتفقا على بيع أخيهما، وراحا بيت رئيس بحر السويس ودخل سالم وسليم وقالا له يا رئيس جئناك في حاجة تسك فقال خيراً قالا له نحن أخوان ولنا أخ ثالث معكوس لا خير فيه، ومات أبونا وخلف لنا جانباً من المال ثم إننا قسمنا المال وأخذ هو ما نابه من الميراث فصرفه في الفسق والفساد ولما افتقر تسلط علينا وصار يشكونا إلى الظلمة ويقول أنتما أخذتما مالي ومال أبي وبقينا نتراجع إلى الحكام وخسرنا المال وصبر علينا مدة واشتكانا ثانياً حتى أفقرنا ولم يرجع عنا وقد قلقنا منه والمراد أنك تشتريه منا. فقال هل تقدران أن تحتالا عليه وتأتياني به إلى هنا وأنا أرسله سريعاً إلى البحر فقالا ما نقدر أن نجيء به ولكن أنت تكون ضيفنا وهات معك اثنين من غير زيارة، فحين ينام نتعاون عليه نحن الخمسة فتقبضه ونجعل في فمه العلقة وتأخذه تحت الليل وتخرج به من البيت وافعل معه ما شئت، فقال لهما: سمعاً وطاعة أتبيعانه بأربعين ديناراً فقالا له: نعم وبعد العشاء تأتوا الحارة الفلانية فتجدوا خادمنا ينتظركم، فقعد على باب الزاوية ليعيد العشاء وإذا بهم قد أقبلوا عليه فأخذهم ودخل بهم إلى البيت فلما رآهم جودر قال لهم مرحباً بكم وأجلسهم وعمل معهم صحبة وهو لا يعلم ما في الغيب منهم ثم إنه طلب العشاء من أمه فجعلت تخرج من الخرج وهو يقول هات اللون الفلاني حتى صار قدامهم أربعون لوناً فأكلوا حتى اكتفوا، ورفعت السفرة والبحرية يظنون أن هذا الإكرام من عند سالم فلما مضى ثلث الليل أخرج لهم الحلويات وسالم هو الذي يخدمهم وجودر وسليم قاعدان إلى أن طلبوا المنام فقام جودر ونام وناموا حتى غفل فقاموا وتعاونوا عليه، فلم يفق إلا والعلقة في فمه وكتفوه وحملوه وخرجوا به من القصر تحت جنح الليل.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الرابعة والعشرين بعد الستمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن جودر لما أخذوه وحملوه وخرجوا به من تحت القصر تحت الليل أرسلوه إلى السويس وحطوا في رجليه القيد وأقام يخدم وهو ساكت ولم يزل يخدم خدمة الأسارى والعبيد سنة كاملة هذا ما كان من أمر جودر وأما ما كان من أمر أخويه فإنهما لما أصبحا دخلا على أمهما وقالا لها يا أمنا أخانا جودر لم يستيقظ فقالت لهما أيقظاه قالا لها أين هو راقد قالت لهما عند الضيوف قالا لعله راح مع الضيوف ونحن نائمان يا أمي كان أخانا ذاق الغربة ورغب في دخول الكنوز وقد سمعناه يتكلم مع المغاربة فيقولون له نأخذك معنا ونفتح لك الكنز، فقالت هل اجتمع مع المغاربة قالوا لها أما كانوا ضيوفاً عندنا قالت لعله راح معهم ولكن الله يرشد طريقه هذا مسعد لابد أن يأتي بخير كثير وبكت وعز عليها فراقه فقالا لها يا ملعونة أتحبين جودراً كل هذه المحبة، ونحن إن غبنا أو حضرنا فلا تفرحي بنا ولا تحزني علينا أما نحن ولداك كما أن جودر ابنك، فقالت أنتما ولاداي ولكن أنتما شقيان ولا لكما علي فضل ومن يوم مات أبوكما ما رأيت منكما خيراً وأما جودر فقد رأيت منه خيراً كثيراً وجبر بخاطري وأكرمني فيحق لي أن أبكي عليه لأن خيره علي وعليكما.

فلما سمعا هذا الكلام شتماها وضرباها ودخلا وصارا يفتشان على الخرج حتى عثروا به وأخذا الجواهر من العين الأولى والذهب من العين الثانية والخرج المرصود وقالا لها هذا مال أبينا فقالت لا والله إنما هو مال أخيكما جودر وجاء به من بلاد المغاربة فقالا لها كذبت بل هذا مال أبينا نتصرف فيه فقسماه بينهما ووقع الاختلاف بينهما في الخرج المرصود، فقال سالم أنا آخذه، وقال سليم أنا آخذه ووقعت بينهما المعاندة فقالت أمهما يا ولداي الخرج الذي فيه الجواهر والذهب قسمتماه وهذا لا ينقسم ولا يعادل بمال وإن انقطع قطعتين بطل رصده، ولكن اتركاه عندي وأنا أخرج لكما ما تأكلانه في كل وقت وأرضى بينكما باللقمة وإن كسوتماني شيئاً من فضلكما وكل منكما يجعل له معاملة مع الناس وأنتما ولداي وأنا أمكما وخلونا على حالنا فربما يأتي أخوكما فيحصل لكما منه الفضيحة فما قبلا كلامها وباتا يختصمان تلك الليلة فسمعهما رجل قواس من أعوان الملك وكان معزوماً في بيت بجنب بيت جودر طاقته مفتوحة فطل القواس من الطاقة وسمع جميع الخصام وما قالوه من الكلام والقسمة، فلما أصبح الصباح دخل ذلك الرجل القواس على الملك وكان اسمه شمس الدولة وكان ملك مصر في ذلك العصر، فلما دخل عليه القواس أخبره بما قد سمعه، فأرسل الملك إلى أخوي جودر وجاء بهما ورماهما تحت العذاب فأقروا وأخذوا الخرجين منهما ووضعهما في السجن، ثم إنه عين إلى أم جودر من الجرايات في كل يوم ما يكفيها هذا ما كان من أمرهم. وأما ما كان من أمر جودر فإنه أقام سنة كاملة يخدم في السويس وبعد سنة كانوا في مركب فخرج عليهم ريح رمى المركب الذي هم فيه على جبل فانكسر وغرق جميع ما فيه، ولم يحصل البر إلا جودر والبقية ماتوا فلما حصل البر سافر حتى وصل إلى نجع عرب فسألوه عن حاله فأخبرهم أنه كان بحرياً بمركب وحكى لهم قصته، وكان في النجع رجل تاجر من أهل جدة فحن عليه وقال له تخدم عندنا يا مصري وأنا أكسوك وآخذك معي إلى جدة، فخدم عنده وسافر معه إلى أن وصلا إلى جدة فأكرمه إكراماً كثيراً ثم إن سيده التاجر طلب الحج فأخذه معه إلى مكة فلما دخلاها راح جودر يطوف البيت الحرام، فبينما هو يطوف وإذا بصاحبه المغربي عبد الصمد يطوف.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الخامسة والعشرين بعد الستمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن جودر لما كان ماشياً في الطواف وإذا هو بصاحبه المغربي عبد الصمد يطوف، فلما رآه سلم عليه وسأله عن حاله فبكى ثم أخبره بما جرى له فأخذه معه إلى أن دخل منزله وأكرمه وألبسه حلة ليس لها نظير وقال له زال عنك الشر يا جودر وضرب له تخت رمل فبان له الذي جرى لأخويه فقال له اعلم يا جودر أن أخويك جرى لهما كذا وكذا وهما محبوسان في سجن ملك مصر، ولكن مرحباً بك حتى تقضي مناسكك ولا يكون إلا خيراً.

فقال له ائذن لي يا سيدي حتى أروح آخذ خاطر التاجر الذي أنا عنده واجيء غليك فقال: هل عليك مال؟ قال لا، فقال رح خذ بخاطره وتعال في الحال إن العيش له حق عند أولاد الحلال فراح وأخذ بخاطر التاجر وقال له إني اجتمعت على أخي فقال له رح هاته فنعمل له ضيافة فقال له ما يحتاج فإنه من أصحاب النعم وعنده خدم كثير، فأعطاه عشرين ديناراً وقال له ابرئ ذمتي فودعه وخرج من عنده فرأى رجلاً فقيراً فأعطاه العشرين ديناراً ثم إنه ذهب إلى عبد الصمد المغربي، فأقام عنده حتى قضى مناسك الحج وأعطاه الخاتم الذي أخرجه من كنز الشمردل وقال له خذ هذا الخاتم أنه يبلغك مرادك لأن خادمه اسمه الرعد القاصف، فجميع ما تحتاج إليه من حوائج الدنيا، فأدعكه يظهر لك الخادم وجميع ما تأمره به يفعله لك ودعكه قدامه فظهر له الخادم ونادى لبيك يا سيدي أي شيء تطلب فتعطى فهل تعمر مدينة خربة أو تخرب مدينة عامرة أو تقتل ملكاً أو تكسر عسكراً، فقال المغربي يا رعد.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة السادسة والعشرين بعد الستمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الخادم قال للمغربي ما تطلب قال له: يا رعد هذا صار سيدك فاستوص به، ثم صرفه وقال له ادعك الخاتم فيحضر بين يديك خادمه فأمره بما في مرادك فإنه لا يخالفك وامض إلى بلادك واحتفظ عليه فإنك تكيد به أعداءك ولا تجهل مقدار هذا الخاتم، فقال له يا سيدي عن إذنك أسير إلى بلادي قال له ادعك هذا الخاتم يظهر لك الخادم فاركب على ظهره وإن قلت له أوصلني في هذا اليوم إلى بلادي فلا يخالف أمرك ثم ودع جودر عبد الصمد ودعك الخاتم فحضر له الرعد القاصف وقال له لبيك اطلب تعطى فقال له أوصلني إلى مصر في هذا اليوم فقال له لك ذلك وحمله وطار به من وقت الظهر إلى نصف الليل ثم نزل في بيت أمه وانصرف فدخل على أمه، فلما رأته قامت وبكت وسلمت عليه وأخبرته بما جرى لأخويه من الملك وكيف ضربهما وأخذا الخرج المرصود والخرج الذهب والجواهر فلما سمع جودر ذلك لم يهن عليه أخواه فقال لأمه لا تحزني على ذلك ففي هذه الساعة أريك ما أصنع وأجيء بأخواي ثم إنه دعك الخاتم فحضر له الخادم وقال: لبيك اطلب تعطى فقال له أمرتك أن تجيء بأخواي من سجن الملك فنزل إلى الأرض ولم يخرج إلا من وسط السجن، وصارا يتمنيان الموت وأحدهما يقول للآخر والله يا أخي قد طالت علينا المشقة وإلى متى ونحن في هذا السجن، فالموت فيه راحة لنا. فبيمنا هما كذلك وإذا بالأرض قد انشقت وخرج لهما الرعد القاصف وحمل الاثنين ونزل بهما في الأرض فغشي عليها من شدة الخوف فلما أفاقا وجدا أنفسهما في بيتهما ورأيا أخاهما جودر جالساً وأمه في جانبه فقال لهما سلامات يا أخواي أنسيتماني فطأطأا وجهيهما في الأرض وصارا يبكيان، فقال لهما لا تبكيان فالشيطان والطمع ألجأكما إلى ذلك، وكيف تبيعاني ولكني أتسلى بيوسف فإنه فعل به اخوته أبلغ من فعلكما معي حيث رموه في الجب.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة السابعة والعشرين بعد الستمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن جودر قال لأخويه كيف فعلتما معي هذا الأمر ولكن توبا إلى الله واستغفراه فيغفر لكما الغفور الرحيم، وقد عفوت عنكما ومرحباً بكما ولا بأس عليكما وجعل يأخذ بخاطرهما حتى طيب قلوبهما، وصار يحكي لهما جميع ما قاساه وما حصل له إلى أن اجتمع بالشيخ عبد الصمد وأخبرهما بالخاتم فقالا يا أخانا لا تؤاخذنا في هذه المرة إن عدنا لما كنا فيه فافعل بنا مرادك، فقال لا بأس عليكما ولكن أخبراني بما فعل بكما الملك فقالا ضربنا وأخذ الخرجين منا، فقال ما أبالي بذلك ودعك الخاتم فحضر له الخادم فلما رآه أخواه خافا منه وظنا أنه يأمر الخادم بقتلهما فذهبا إلى أمهما وصارا يقولان يا أمنا نحن في عرضك، يا أمنا اشفعي فينا، فقالت لهما يا ولداي لا تخافا ثم إنه قال للخادم أمرتك أن تأتيني بجميع ما في خزانة الملك من الجواهر وغيرها، ولا تبقي فيها شيئاً وتأتي بالخرج المرصود والخرج والجواهر الذين أخذهما من أخواي فقال السمع والطاعة وذهب في الحال وجمع ما في الخزانة وجاء بالخرجين وأمانتهما، ووضع جميع ما كان في الخزانة قدام جودر وقال يا سيدي ما بقيت في الخزانة شيئاً، فأمر أمه أن تحفظ خرج الجواهر وحط الخرج المرصود قدامه وقال للخادم أمرتك أن تبني لي في هذه الليلة قصراً عالياً وتزوقه بماء الذهب وتفرشه فرشاً فاخراً، ولا يطلع النهار إلا وأنت خالص من جميعه، فقال له لك ذلك ونزل في الأرض وبعد ذلك أخرج جودر الأطعمة وأكلوا وانبسطوا وناموا.

وأما ما كان من أمر الخادم فإنه جمع أعوانه وأمرهم ببناء القصر، فصار البعض منهم يقطع الحجارة والبعض يبني والبعض يبيض والبعض ينقش والبعض يفرش، فلما طلع النهار حتى تم انتظام القصر ثم طلع الخادم إلى جودر وقال: يا سيدي إن القصر كمل وتم نظامه فإن كنت تطلع تتفرج عليه فاطلع، فطلع هو وأمه وأخواه، فرأوا أن القصر ليس له نظير يحير العقول من حسن نظافة ففرح به جودر، وكان على قارعة الطريق ومع ذلك لم يتكلف عليه شيء فقال لأمه هل تسكنين في هذا القصر؟ فقالت يا ولدي أسكن ودعت له فدعك الخاتم وإذا بالخادم يقول لبيك فقال أمرتك أن تأتيني بأربعين جارية بيضاً ملاحاً وأربعين جارية سوداً وأربعين مملوكاً وأربعين عبداً، فقال لك ذلك، وذهب مع أربعين من أعوانه إلى بلاد الهند والسند وصاروا كلما رأوا بنتاً جميلة يخطفونها أو غلاماً يخطفونه ونفذ أربعين عوناً آخر فجاءوا بجوار سود ظراف وأربعين جاءوا بعبيد وأتى الجميع دار جودر فملؤوها.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الثامنة والعشرين بعد الستمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الأعوان جاءوا بالجواري والعبيد ودخلوا على جودر فقال يا رعد هات لكل شخص حلة من أفخر الملبوس قال حاضر وقال هات حلة تلبسها أمي وحلة ألبسها أنا فأتى بالجميع وألبس الجواري، وقال لهم هذه سيدتكم فقبلوا يدها ولا تخالفوها واخدموها بيضاً وسوداً، وألبس المماليك وقبلوا يد جودر وألبس أخويه وصار جودر كناية عن ملك وأخواه مثل الوزراء وكان بيته واسعاً فأسكن سالم وجارية في جهة وسكن هو وأمه في القصر الجديد وصار كل منهم في محله مثل السلطان هذا ما كان من أمرهم.

وأما ما كان من خازندار الملك فإنه أراد أن يأخذ بعض مصالح من الخزانة فدخل فلم ير فيها شيئاً بل وجدها كقول من قال:

                          كانت خاليات نحل وهي عامرة       لما خلا نحلها صارت خاليات

فصاح صيحة عظيمة ووقع مغشياً عليه فلما أفاق خرج من الخزانة وترك بابها مفتوحاً ودخل على الملك شمس الدولة وقال يا أمير المؤمنين الذي نعلمك به أن الخزانة قد فرغت في هذه الليلة فقال له ما صنعت بأموالي التي في خزانتي فقال والله ما صنعت فيها شيئاً ولا أدري ما سبب فراغها بالأمس دخلتها فرأيتها ممتلئة واليوم دخلتها فرأيتها فارغة ليس فيها شيء، والأبواب مغلوقة ولا ثقبت ولا كسر جنبها ولم يدخلها سارق فقال هل راح منها الخرجان فقال نعم فطار عقله من رأسه.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة التاسعة والعشرين بعد الستمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن خازندار الملك لما دخل عليه وأعلمه أن ما في الخزانة ضاع وكذلك الخرجان طار عقله من رأسه، إلا والقواس الذي بلغه سابقاً على سليم وسالم داخل على الملك، وقال يا ملك الزمان طول الليل وأنا أتفرج على بنائين يبنون، فلما طلع عنها النهار رأيت قصراً مبنياً ليس له نظير فسألت لمن هذا القصر فقيل لي إن جودر أتى وبنى هذا القصر وعنده مماليك وعبيد وجاء بأموال كثيرة وخلص أخويه من السجن وهو في داره كأنه السلطان، فقال الملك انظروا السجن فنظروه فلم يروا سالم وسليم، فرجعوا وأعلموه بما جرى فقال الملك بأنه غريمي فالذي خلص سالم وسليم من السجن هو الذي أخذ مالي فقال الوزير يا سيدي من هو؟ قال أخوكم جودر وأخذ الخرجين، ولكن يا وزير أرسل لهم أمير بخمسين رجلاً يقبضوا عليه وعلى أخويه ويضعون الختم على ماله ويأتون بهم حتى أشنقهم جميعاً وغضب غضباً شديداً وقال هيا بالعجل ابعث لهم أمير يأتيني بهم لأقتلهم فقال الوزير احلم فإن الله حليم لا يعجل على عبده إذا عصاه فإن الذي يبني قصراً في ليلة واحدة كما قالوا لن يقضِ عليه أحد في الدنيا، وإني أخاف على الملك أن يجري له مشقة من جودر فاصبر حتى أدبر لك تدبيراً وتنظر حقيقة الأمر والذي في مرادك أنت لاحقه يا ملك الزمان، فقال الملك دبر لي تدبيراً يا وزير قال له: أرسل له أميراً واعزمه ثم تظهر له الود واسأله عن حاله، وبعد ذلك ننظر إن كان عزمه شديداً نحتال عليه، وإن كان عزمه ضعيفاً فاقبض عليه وافعل به مرادك فقال الملك أرسل اعزمه فأمر أميراً اسمه الأمير عثمان أن يروح إلى جودر ويعزمه ويقول له الملك يدعوك للضيافة، وقال له الملك لا تجيء إلا به وكان ذلك الأمير أحمق متكبراً في نفسه فلما نزل رأى قدام باب القصر طواشياً جالساً على كرسي في باب القصر، فلما وصل الأمير عثمان إلى القصر لم يقم له وكأن لم يكن مقبلاً عليه أحد ومع ذلك كان مع الأمير عثمان خمسون رجلاً.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الثلاثين بعد الستمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الطواشي لما رأى الأمير عثمان لم يعتن به وكأن لم يكن مقبلاً عليه أحد وكان مع الأمير عثمان خمسون رجلاً وقال: يا عبد أين سيدك؟ قال: في القصر وصار يكلمه وهو متكئ فغضب الأمير عثمان وقال له: يا عبد النحس أما تستحي مني وأنا أكلمك وأنت مضطجع مثل العلوق؟ فقال له: امش لا تكن كثير الكلام فلما سمع منه هذا الكلام حتى امتزج بالغضب وسحب الدبوس وأراد أن يضرب الطواشي ولم يعلم أنه شيطان فلما رآه سحب الدبوس قام واندفع عليه وأخذ منه الدبوس وضربه أربع ضربات فلما رآه الخمسون رجلاً صعب عليهم ضرب سيدهم، فسحبوا السيوف وأرادوا أن يقتلوا العبد فقال لهم: أتسحبون السيوف يا كلاب وقام عليهم وصار كل من لطشه دبوساً يهشمه ويغرقه في الدم، فانهزموا قدامه وما زالوا هاربين وهو يضربهم إلى أن بعدوا عن باب القصر، ورجع وجلس على كرسيه ولم يبال بأحد. وأما ما كان من أمر الأمير عثمان وجماعته، فإنهم رجعوا مهزومين مضروبين إلى أن وقفوا قدام الملك شمس الدولة وأخبره بما جرى لهم وقال الأمير عثمان: يا ملك الزمان لما وصلت إلى باب القصر رأيت طواشياً جالساً على الباب على كرسي من الذهب وهو متكبر فلما رآني مقبلاً عليه اضطجع بعد أن كان جالساً واحتقرني ولم يقم لي فصرت أكلمه فيجيبني وهو مضطجع فأخذتني الحدة وسحبت الدبوس وأردت ضربه فأخذ الدبوس مني وضربني وضرب جماعتي وبطحهم فهربنا قدامه ولم نقدر عليه فحصل للملك غيظ وقال: ينزل إليه مائة رجل فنزلوا إليه وأقبلوا عليه فقام لهم بالدبوس وما زال يضرب فيهم حتى هربوا من قدامه فرجع وجلس على الكرسي فرجع المائة رجل ولما وصلوا إلى الملك وأخبروه وقالوا له: يا ملك الزمان هربنا من قدامه خوفاً منه فقال الملك: تنزل مائتان فنزلوا فكسرهم ثم رجعوا فقال الملك للوزير: ألزمتك أيها الوزير أن تنزل بخمسمائة رجل وتأتيني بهذا الطواشي سريعاً وتأتي بسيده جودر وأخويه فقال: يا ملك الزمان لا أحتاج لعسكر بل أروح إليه وحدي من غير سلاح فقال له: رح وافعل الذي تراه مناسباً فرمى الوزير السلاح ولبس حلة بيضاء وأخ في يده مسبحة ومشى وحده من غير تأن حتى وصل إلى قصر جودر فرأى العبد جالساً، فلما رآه أقبل عليه من غير سلاح وجلس جنبه بأدب ثم قال: السلام عليكم فقال: وعليكم السلام يا انسي ما تريده؟ فلما سمعه يقول يا انسي ما تريده علم أنه من الجن فارتعش من خوفه وقال له: يا سيدي هل سيدك جودر هنا؟ قال: نعم في القصر، فقال له: يا سيدي اذهب إليه وقل له إن الملك شمس الدولة يدعوك وعامل لك ضيافة ويقرؤك السلام ويقول لك شرف منزله واحضر ضيافته.

فقال له: قف أنت هنا حتى أشاوره فوقف الوزير متأدباً وطلع المارد من القصر وقال لجودر: اعلم يا سيدي أن الملك أرسل إليك أميراً فضربته وكان معه خمسون رجلاً فهزمتهم، ثم أرسل مائة رجل فضربتهم، ثم أرسل مائتي رجل فهزمتهم، ثم أرسل إليك الوزير من غير سلاح يدعوك إليه لتأكل من ضيافته فماذا تقول؟ فقال له: رح هات الوزير إلى هنا فنزل من القصر وقال له: يا وزير كلم سيدي فقال على الرأس ثم إنه طلع ودخل على جودر فرآه أعظم من الملك جالساً على فراش لا يقدر الملك أن يفرش مثله فتحير فكره من حسن القصر ومن نقشه وفرشه حتى كان الوزير بالنسبة غليه فقير فقبل الأرض ودعا له فقال له: ما شأنك أيها الوزير؟ فقال: يا سيدي إن الملك شمس الدولة حبيبك يقرؤك السلام ومشتاق إلى النظر لوجهك، وقد عمل لك ضيافة، تجبر خاطره فقال جودر حيث كان حبيب فسلم عليه وقل له يجيء هو عندي فقال له: على الرأس ثم أخرج الخاتم ودعكه فحضر الخادم فقال له: هات لي حلة من خيار الملبوس، فاحضر له حلة فقال: البس هذه يا وزير فلبسها ثم قال له: رح أعلم الملك بما قلته، فنزل لابساً تلك الحلة التي لم يلبس مثلها، ثم دخل على الملك وأخبره بحال جودر وشكل القصر وما فيه وقال إن جودراً عزمك فقال: قوموا يا عسكر فقاموا كلهم على الأقدام وقال اركبوا خيلكم وهاتوا جوادي حتى نروح إلى جودر، ثم إن الملك ركب وأخذ العساكر وتوجهوا إلى بيت جودر، وأما جودر فإنه قال للمارد: مرادي أن تأتي لنا من أعوانك عفاريت في صفة الإنس يكونوا عسكراً، ويقفون في ساحة البيت حتى يراهم الملك فيرعبونه ويفزعونه فيرتجف قلبه ويعلم أن سطوتي أعظم من سطوته فأحضر مائتين في صفة عسكر متقلدين بالسلاح الفاخر وهم شداد غلاظ، فلما وصل الملك رأى القوم الشداد الغلاظ فخاف قلبه منهم، ثم إنه طلع القصر ودخل على جودر فرآه جالساً جلسة لم يجلسها ملك ولا سلطان فسلم عليه وتمنى بين يديه وجودر لم يقم له ولم يعمل له مقاماً ولم يقل له اجلس بل تركه واقفاً.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الواحدة والثلاثين بعد الستمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن جودراً لما دخل عليه الملك لم يقم له ولم يعتبره ولم يقل له اجلس بل تركه واقفاً حتى داخله الخوف فصار لا يقدر أن يجلس ولا يخرج وصار يقول في نفسه لو كان خائفاً مني ما كان تركني عن ابله وربما يؤذيني بسبب ما فعلت مع أخويه ثم إن جودراً قال: يا ملك الزمان ليس شيئاً مثلكم أن يظلم الناس ويأخذ أموالهم فقال: يا سيدي لا تؤاخذني فإن الطعم أحوجني إلى ذلك ونفذ القضاء ولولا الذنب ما كانت المغفرة، وصار يعتذر إليه على ما سلف منه، ويطلب منه العفو والسماح حتى من جملة الاعتذار أنشد هذا الشعر:

                        يا أصيل الجدود سمح السجايا     لا تلمني فيما حصل منـي

                        إن تكن ظالماً فعنك عفونـا        وإن أكن ظالماً فعفوك عني

وما زال يتواضع بين يديه حتى قال له: عفا الله عنك وأمره بالجلوس، فجلس وخلع عليه ثياب الأمان، وأمر أخويه بمد السماط وبعد أن أكلوا كسى جماعة الملك وأكرمهم، وبعد ذلك أمر الملك بالمسير فخرج من بيت جودر، وصار كل يوم يأتي إلى بيت جودر ولا ينصب الديوان إلا في بيت جودر وزادت بينهما العشرة والمحبة ثم إنهم قاموا على هذه الحالة مدة وبعد ذلك خلا بوزيره وقال له يا وزير أنا خائف أن يقتلني جودر ويأخذ الملك مني فقال له: يا ملك الزمان أما من قضية أخذ الملك فلا تخف فإن حالة جودر التي هو فيها أعظم من حالة الملك وأخذ الملك حطه في قدره فإن كنت خائفاً أن يقتلك فإن لك بنتاً فزوجها له وتصير أنت وإياه حالة واحدة فقال له: يا وزير أنت تكون واسطة بيني وبينه فقال له: اعزمه عندك ثم إننا نسهر في قاعة وأمر بنتك أن تتزين بأفخر الثياب وتمر عليه من باب القاعة فإنه متى رآها عشقها فإذا فهمنا منه ذلك فأنا أميل عليه وأخبره أنها ابنتك وأدخل وأخرج معه في الكلام بحيث انه لم يكن عندك خبر بشيء من ذلك حتى يخطبها منك ومتى زوجته البنت صرت أنت وإياه شيئاً واحداً وتأمن منه وإن مات ترث منه الكثير.

فقال له: صدقت يا وزير وعمل الضيافة وعزمه فجاء إلى سرايا السلطان وقعدوا في القاعة في أنس زائد إلى آخر النهار، وكان الملك أرسل إلى زوجته أن تزين البنت بأفخر زينة وتمر بها على باب القاعة، فعملت كما قال ومرت بالبنت فنظرها جودر وكانت ذات حسن وجمال وليس لها نظير، فلما حقق جودر النظر فيها قال: آه وتفكفكت أعضاؤه واشتد به العشق والغرام وأخذه الوجد والهيام واصفر لونه، فقال له الوزير: لا بأس عليك يا سيدي ما لي أراك متغيراً متواجعاً؟ فقال: يا وزير هذه البنت بنت من فإنها سلبتني وأخذت عقلي، فقال: هذه بنت حبيبك الملك فإن كانت أعجبتك أنا أتكلم مع الملك يزوجك إياها. فقال: يا وزير كلمه وأنا وحياتي أعطيك ما تطلب وأعطي الملك ما يطلبه في مهرها ونصير أحباباً وأصهاراً، فقال له الوزير: لابد من حصول غرضك ثم إن الوزير حدث الملك سراً وقال له: يا ملك الزمان إن جودراً حبيبك يريد القرب منك، وقد توسل بي إليك أن تزوجه ابنتك السيدة آسية فلا تخيبني واقبل سياقي مهما تطلبه في مهرها يدفعه، فقال الملك: المهر قد وصلني والبنت جارية في خدمته وأنا أزوجه إياها وله الفضل في القبول.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الثانية والثلاثين بعد الستمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الملك شمس الدولة لما قال له وزيره إن جودر يريد القرب منه بتزويجه ابنتك قال له المهر قد وصلني والبنت جارية في خدمته وله الفضل في القبول وباتوا تلك الليلة ثم أصبح الملك نصب ديواناً وأحضر فيه الخاص والعام وحضر شيخ الإسلام، وجودر خطب البنت وقال: المهر قد وصل وكتبوا الكتاب فأرسل جودر لإحضار الخرج الذي فيه الجواهر وأعطاه للملك في مهر ابنته، ودقت الطبول وغنت الزمور وانتظمت عقود الفرح ودخل على البنت وصار هو والملك شيئاً واحداً وأقاما مع بعضهما مدة من الأيام ثم مات الملك فصارت العساكر تطلب جودراً للسلطنة ولم يزالوا يرغبونه وهو يمتنع منهم حتى رضي، فجعلوه سلطاناً فأمر ببناء جامع على قبر الملك شمس الدولة، ورتب له الأوقاف، وهو في خط البندقيين وكان بيت جودر في حارة اليمانية. فلما تسلطن بنى أبنية وجامعاً وقد سميت الحارة باسمه وصار اسمها الجودرية وأقام ملكاً مدة وجعل أخويه وزيرين فقال سالماً لسليم: يا أخي إلى متى هذا الحال فهل نقضي عمرنا كله ونحن خادمان لجودر ولا نفرح بسيادة ولا سعادة مادام جودر حياً قال: وكيف نصنع حتى نقتله ونأخذ منه الخاتم والخرج فقال سليم لسالم: أنت أعرف مني فدبر لنا حيلة لعلنا نقتله بها فقال: إذا دبرت لك حيلة على قتله هل ترضى أن أكون سلطاناً، وأنت وزير ميمنة ويكون الخاتم لي والخرج لك؟ قال: رضيت فاتفقا على قتل جودر من شأن حب الدنيا والرياسة، ثم إن سليماً وسالماً دبرا حيلة لجودر وقالا له: يا أخانا يجب أن نفتخر بك، فتدخل بيوتنا وتأكل ضيافتنا وتجبر خاطرنا فصارا يخادعانه ويقولا له اجبر خاطرنا وكل ضيافتنا، فقال لا بأس فالضيافة في بيت من منكم؟ قال سالم: في بيتي وبعدما تأكل ضيافتي تأكل ضيافة أخي، قال: لا بأس وذهب مع سليم إلى بيته فوضع له الضيافة وحط فيها السم، فلما أكل تفتت لحمه مع عظمه، فقام سالم ليأخذ الخاتم من إصبعه فعصى منه، فقطع إصبعه بالسكين، ثم إنه دعك الخاتم فحضر له المارد وقال: لبيك فاطلب ما تريد فقال له: أمسك أخي واقتله واحمل الاثنين المسموم والمقتول وارمهما قدام العسكر، فأخذ سليماً وقتله وحمل الاثنين وخرج بهما ورماهما قدام أكابر العسكر وكانوا جالسين على السفرة في مقعد البيت يأكلون. فلما نظروا جودراً وسليماً مقتولين والوزير هذه الفعال؟ فقال لهم: أخوهم سالم وإذا بسالم أقبل عليهم وقال: يا عسكر كلوا وابنسطوا، فإني ملكت الخاتم من أخي جودر وهذا المارد خادم الخاتم قدامكم وأمرته بقتل أخي سليم حتى لا ينازعني في الملك لأنه خائن، وأنا أخاف أن يخونني وهذا جودر صار مقتولاً، وأنا بقيت سلطاناً عليكم هل ترضون بي وإلا أدعك الخاتم فيقتلكم خادمه كباراً وصغاراً.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الثالثة والثلاثين بعد الستمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن سالماً لما قال للعسكر: هل ترضون بي عليكم سلطاناً وإلا أدعك الخاتم فيقتلكم خادمه كباراً وصغاراً، وذهب ناس في تلك الجنازة وناس مشوا قدامه بالموكب ولما وصلوا إلى الديوان جلس على الكرسي وبايعوه على الملك، وبعد ذلك قال: أريد أن أكتب كتابي على زوجة أخي فقالوا: حتى تنقضي العدة فقال: أنا لا أعرف عدة ولا غيرها وحياة رأسي لابد أن أدخل عليها هذه الليلة فكتبوا له الكتاب، وأرسلوا أعلموا زوجة جودر بنت الملك شمس الدولة فقالت: دعوه ليدخل فلما دخل عليها أظهرت له الفرح وأخذته بالترحيب وحطت له السم في الماء فأهلكته ثم إنها أخذت الخاتم وكسرته حتى لا يملكه أحد وشقت الخرج ثم أرسلت أخبرت شيخ الإسلام وأرسلت تقول لهم: اختاروا لكم ملكاً يكون عليكم سلطاناً وهذا ما انتهى إلينا من حكاية جودر بالتمام والكمال.