حكاية الشاب البغدادي مع جاريته التي اشتراها

حكاية الشاب البغدادي مع جاريته التي اشتراها

يحكى أنه كان في قديم الزمان رجلٌ بغدادي من أولاد أهل النعم ورث عن أبيه مالاً جزيلاً وكان يعشق جاريةً اشتراها وكانت تحبه كما يحبها ولم يزل ينفق عليها إلى أن ذهب جميع ماله ولم يبق منه شيء فطلب شيئاً من أسباب المعاش يتعيش فيه فلم يقدر، وكان ذلك الفتى في أيام غناه يحضر مجالس العرفين بصناعة الغناء فبلغ فيها الغاية القصوى، فاستشار أحد إخوانه فقال له: أنا لا أعرف لك صنعةً أحسن من أن تغني أنت وجاريتك فتأخذ على ذلك المال الكثير وتأكل وتشرب، فكره ذلك هو والجارية. فقالت له جاريته: قد رأيت لك رأياً، قال: ما هو؟ قالت: تبيعني ونخلص من هذه الشدة أنا وأنت وأكون في نعمةٍ، فإن مثلي لا يشتريه إلا ذو نعمةٍ وبذلك أكون سبباً في رجوعي إليك، فأطلعها إلى السوق فكان أول من رآها رجلٌ هاشمي من أهل البصرة وكان ذلك الرجل أديباً ظريفاً كريم النفس فاشتراها بألف وخمسمائة دينار وذلك الفتى صاحب الجارية فلما قبضت الثمن ندمت وبكت أنا والجارية وطلبت الإقامة فلم يرض، فوضعت الدنانير في الكيس وأنا لا أدري أين أذهب لأن بيتي أصبح موحشاً بعد غيابها وحصل لي من البكاء واللطم والنحيب ما لم يحصل لي قطٌ من قبل، فدخلت بعض المساجد وقعدت أبكي فيه واندهشت حتى صرت لا أعلم بنفسي، فنمت ووضعت الكيس تحت رأسي كالمخدة فلم أشعر إلا وإنسان قد سحبه من تحت رأسي فانتبهت فزعاً مرعوباً فلم أجد الكيس فقمت أجري خلفه وإذا برجلي مربوطةٌ في حبل، فوقعت على وجهي وصرت أبكي وألطم وقلت في نفسي: فارقتك روحك وضاع مالك.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الخامسة والثمانين بعد الثمانمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن ذلك الفتى لما ضاع منه الكيس قال: قلت في نفسي فارقتك روحك وضاع مالك وزادني الحال فجئت إلى الدجلة وحملت ثوبي على وجهي وألقيت نفسي في البحر ففطن بي الحاضرون وقالوا إن ذلك لعظيم همٍ حصل له فرموا أرواحهم خلفي وأطلعوني وسألوني عن أمري فأخبرتهم بما حصل لي فتأسفوا لذلك ثم جاءني شيخ منهم وقال: قد ذهب مالك وكيف تتسبب في ذهاب روحك فتكون من أهل النار قم معي حتى أرى منزلك ففعلت ذلك فلما وصلنا إلى منزلي قعد عندي ساعةً حتى سكن ما بي فشكرته عن ذلك ثم انصرف فلما خرج من عندي كدت أن أقتل روحي فتذكرت الآخرة والنار فخرجت من بيتي هارباً إلى بعض الأصدقاء فأخبرته بما جرى لي فبكى رحمةً لي وأعطاني خمسين ديناراً وقال لي: أقبل رأيي وأخرج في هذه الساعة من بغداد وأجعل هذه نفقة لك، إلى أن يشتغل قلبك عن حبها وتسلوها وأنت من أهل الإنشاء والكتابة وخطك جيداً وأدبك بارع فاقصد من شئت من العمال وأطرح نفسك عليه لعل الله يجمعك بجاريتك فسمعت منه وقد قوى عزمي وأزال عني بعض الهموم وعزمت على أني أقصد أرض واسط لأن فيها أقارب فخرجت إلى ساحل البحر فرأيت سفينةً رأسيةً والبحرية ينقلون إليها أمتعة وقماشاً فاخراً فسألتهم أن يأخذوني معهم فقالوا: إن هذه السفينة لرجل هاشمي ولا يمكننا أخذك على هذه الصورة فرغبتهم في الأجرة فقالوا: إن كان ولا بد فاقلع هذه الثياب الفاخرة التي عليك وألبس ثياب الملاحين وأجلس معنا كأنك واحدٌ منا فرجعت واشتريت شيئاً من ثياب الملاحين ولبسته وجئت إلى السفينة وكانت متوجهةً إلى البصرة فنزلت معهم، فما كان إلا ساعةً حتى رأيت جاريتي بعينها ومعها جاريتان يخدمانها فسكن ما كان عندي من الغيظ وقلت في نفسي: ها أنا أراها وأسمع غناءها إلى البصرة فما أسرع إن جاء الهاشمي راكباً ومعه جماعة فنزلوا في تلك السفينة وانحدرت بهم وأخرج الطعام فأكل هو والجارية، وأكل الباقون في وسط السفينة.

ثم قال الهاشمي للجارية: كم هذا التمنع من الغناء ولزوم الحزن والبكاء ما أنت أول من فارق من يحب فعلمت ما كان عندها من أمر حبي ثم ضرب سائراً على الجارية في جانب السفينة واستدعى الذين كانوا في ناحيتي وجلس معهم خارج الستارة فسألت عنهم فإذا هم أخوته ثم أخرج لهم ما يحتاجون إليه من الخمر والنقل ولم يزالوا يحثون الجارية على الغناء إلى أن استدعت بالعود وأصلحته وأخذت تغني فأنشدت هذين البيتين:

                 بان الخليط بمن أحب فادلجـوا      وعن السرى بمنأى لم يتحرجوا

                 والصب بعد أن اسقتل ركابهـم       جمر الغضى في قلبه يتأجـج

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة السادسة والثمانين بعد الثمانمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الجارية بعدما أنشدت بيتين من الشعر غلبها البكاء ورمت العود وقطعت الغناء فتنغص القوم ووقعت أنا مغشياً علي فظن القوم أني قد صرعت فصار بعضهم يقرأ في أذني ولم يزالوا يلاطفونها ويطلبون منها الغناء إلى أن أصلحت العود وأخذت تغني فأنشدت:

             فوقفت أندب طاعنين تحمـلـوا       هم في الفؤاد وأن نأوا وترجلوا

وقالت أيضاً:

             ووقفت بالأطلال أسأل عنهم       والدار قفر والمنازل بلقع

ثم وقعت مغشياً عليها وارتفع البكاء من الناس وصرخت أنا ووقعت مغشياً علي وضح الملاحون مني فقال بعض غلمان الهاشمي: كيف حملتم هذا الجنون؟ ثم قال بعضهم لبعض: إذا وصتلم إلى بعض القرى فأخرجوه وأريحونا منه فحصل لي من ذك همٌ عظيمٌ وعذابٌ أليمٌ فتجلدت غاية الجلد وقلت في نفسي: لا حيلة لي في الخلاص من أيديهم إلا أن أعلمهم بمكاني من السفينة لتمنع من إخراجي ثم صرنا حتى وصلنا إلى قرب ضيعةٍ فقال صاحب السفينة: اصعدوا بنا الشاطئ فطلع القوم وكان ذلك وقت المساء فقمت حتى صرت خلف الستارة وأخذت العود وغيرت الطرق طريقةً بعد طريقة، وضربت على الطريقة التي تعلمتها مني ورجعت إلى موضعي من السفينة.وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة السابعة والثمانين بعد الثمانمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الفتى قال: ثم رجعت إلى موضعي من السفينة وبعد ذلك نزل القوم من الشاطئ ورجعوا إلى مواضعهم في السفينة وقد انبسط القمر على البر والبحر فقال الهاشمي للجارية: بالله عليك لا تنغصي علينا عيشنا فأخذت العود وجسته بيدها وشهقت، فظنوا أن روحها قد خرجت ثم قالت: والله إن أستاذي معنا في هذه السفينة فقال الهاشمي: والله لو كان معنا ما ضيعته من معاشرتنا لأنه ربما كان يخفف ما بك فننتفع بغنائك ولكن كونه في السفينة أمر بعيد فقالت: لا أقدر على ضرب العود وتقليب الأهوية ومولاي معنا، قال الهاشمي: نسأل الملاحين فقالت: أفعل، فسألهم وقال: هل حملتم معكم أحداً؟ فقالوا له: لا، فخفت أن ينقطع السؤال فضحكت وقلت: نعم أنا أستاذها وعلمتها حين كنت سيدها فقالت: والله إن هذا كلام مزري فجاءني الغلمان وأخذوني إلى الهاشمي فلما رآني عرفني فقال: ويحك ما هذا الذي أنت فيه وما أصابك حتى صرت في هذه الحالة؟ فحكيت له ما جرى من أمري وبكيت وعلا نحيب الجارية من خلف الستارة، وبكى الهاشمي هو وأخوته بكاءً شديداً رأفةً بي ثم قال: والله ما دنوت من هذه الجارية ولا وطئتها ولا سمعت لها غناء إلا اليوم وأنا رجلٌ قد وسع الله علي وإنما وردت بغداد لسماع الغناء وطلب أرزاقي من أمير المؤمنين وقد بلغت الأمرين، ولما أردت الرجوع إلى بلادي أحببتن أن اصطحب معي جاريةً من عندكم لكي أسمع شيئاً من غناء بغداد فاشتريت هذه الجارية ولم أعلم أنكما على هذه الحالة فأنا أشهد الله على أن هذه الجارية إذا وصلت إلى البصرة أعتقها وأزوجك إياها وأجري لكما ما يكفيكما وزيادة ولكن على شرط أني إذا أردت السماع يضرب لها ستارة وتغني من خلف الستارة وأنت من جملة أخواني وندمائي ففرحت بذلك ثم أن الهاشمي أدخل رأسه في الستارة وقال لها: أيرضيك ذلك؟ فأخذت تدعو له وتشكره.

ثم استدعى بغلام له وقال له: خذ بيد هذا الشاب وانزع ثيابه وألبسه ثياباً فاخرةً وبخره وقدمه إلينا فأخذني الغلام وفعل بي ما أمره به سيده وقدمني إليه فوضع بين يدي الشراب مثل ما وضعه بين أيديهما ثم اندفعت الجارية تغني بأحسن النغمات وتنشد هذه الأبيات:

                     عيروني بأن سكبـت دمـوعـي        حين جاء الحبـيب لـلـتـوديع

                     لم يذوقوا طعم الـفـراق ولا مـا       أحرقت لوعة الأسى من ضلوعي

                     إنمـا يعـرف الـغـرام كـئيبٌ          ساقط القلب بين تلـك الـربـوع

قال: فطرب القوم من ذلك طرباً شديداً وزاد فرح الفتى بذلك ثم أخذ العود من الجارية وضرب به على أحسن النغمات وأنشد هذه الأبيات:

                   اسأل العرف أن سألت كريماً       لم يزل يعرف الغني واليسارا

                   فسؤال الكـريم يورث عـزاً         وسؤال اللـئيم يورث عـارا

                   وإذا لم يكن مـن الـذل بـدٌ          فالق بالذل إن سألت الكبـارا

                   ليس إجلالك الـكـريم بـذلٍ          إنما الذل أن أتجل الصغـارا

ففرح القوم بي وزاد فرحهم ولم يزالوا في فرحٍ سرورٍ، وأنا أغني ساعةٍ والجارية ساعة إلى أن جئنا إلى بعض السواحل فرست السفينة هناك وصعد كل من فيها وصعدت أنا أيضاً وكنت سكراناً فعدت أبول فغلبني النوم فنمت ورجعت الركاب إلى السفينة وانحدرت بهم ولم يعلموا بي لأنهم كانوا سكارى وكنت دفعت النفقة إلى الجارية ولم يبق معي شيءٌ ووصلوا إلى البصرة ولم انتبه إلا من حر الشمس فقمت من ذلك المكان فما رأيت أحدا ونسيت أن اسأل الهاشمي عن اسمه وأين داره بالبصرة وبأي شيءٍ يعرف وبقيت حيراناً وكأن ما كنت فيه من الفرح بلقاء الجارية منام ولم أزل متحيراً حتى اجتازت بي ومكثت معي فقلت فيها ودخلت البصرة وما أعرف بها أحداً ولا أعرف بيت الهاشمي فجئت إلى بقال وأخذت منه دواةً وورقة.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الثامنة والثمانين بعد الثمانمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن البغدادي صاحب الجارية لما دخل البصرة صار حيران وهو لا يعرف أحداً ولا يعرف دار الهاشمي قال: فجئت إلى بقال وأخذت منه دواةً وورقةً وقعدت أكتب فاستحسن خطي ورأى ثوبي دنساً فسألني عن أمري فأخبرته أني غريبٌ فقيرٌ فقال: أتقيم عندي ولك في كل يوم نصف درهم وأكلك وكسوتك وتضبط لي حساب دكاني؟ فقلت: نعم، وأقمت عنده وضبطت أمره ودبرت له دخله وخرجه فلما كان بعد شهر رأى الرجل دخله زائداً وخرجه ناقصاً فشكرني على ذلك ثم أنه جعل لي في كل يوم درهماً إلى أن حال الحول فدعاني أن أتزوج ابنته ويشاركني في الدكان فأجبته إلى ذلك ودخلت بزوجتي ولزمت الدكان إلا أني منكسر الخاطر والقلب ظاهر الحزن فمكثت على تلك الحالة مدة سنتين فبينما أنا في الدكان وإذا بجماعةٍ معهم طعامٌ وشرابٌ فسألت البقال عن القضية فقال: هذا يوم المتنعمين يخرج فيه أهل الطرب واللعب والفتيان من ذوي النعمة إلى شاطئ البحر يأكلون ويشربون بين الأشجار على نهر الآيلة فدعتني نفسي إلى الفرجة على هذا الأمر وقلت في نفسي: لعلي إذ شاهدت هؤلاء الناس اجتمع بمن أحب فقلت للبقال: إني أريد ذلك.

فقال: شأنك والخروج معهم ثم جهز لي طعاماً وشراباً وسرت حتى وصلت إلى نهر الآيلة، فإذا الناس ينصرفون فأردت الإنصراف معهم وإذا برئيس السفينة التي كان فيها الهاشمي والجارية بعينها وهو سائر في نهر الآيلة فصحت عليهم فعرفني هو ومن معه وأخذوني عندهم وقالوا لي: هل أنت حيٌ وعانقوني وسألوني عن قصتي فأخبرتهم بها فقالوا: إنا ظننا أنه قوي عليك السكر، وغرقت في الماء فسألتهم عن حال الجارية فقالوا: إنها لما علمت بفقدك مزقت ثيابها وأحرقت العود وأقامت على اللطم والنحيب فلما رجعنا مع الهاشمي إلى البصرة قلنا لها: اتركي هذا البكاء والحزن فقالت: أنا ألبس السواد وأجعل لي قبراً في جانب هذه الدار فأقيم عند ذلك القبر وأتوب عن الغناء فمكناها من ذلك وهي في تلك الحالة إلى الآن ثم أخذوني معهم.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة التاسعة والثمانين بعد الثمانمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن البغدادي قال: فأخذوني معهم فلما وصلت إلى الدار رأيتها على تلك الحالة فلما رأتني شهقت شهقةً عظيمةً حتى ظننتها أنها ماتت فاعتنقتها عناقاً طويلاً.

ثم قال لي الهاشمي: خذها فقلت: نعم ولكن أعتقها كما وعدتني وزوجني بها ففعل ذلك ودفع إلينا أمتعةً نفيسةً وثياباً كثيرةً وفرشاً وخمسمائة دينارٍ، وقال: هذا مقدار ما أردت إعطائه لكما في كل شهرٍ، ولكن بشرط المنادمة وسماع الجارية ثم أخلى لنا دار وأمر بأن ينقل إليها جميع ما نحتاج إليه فلما توجهت إلى تلك الدار وجدتها قد غمرت بالفرش والقماش وحملت إليها الجارية ثم أنني جئت إلى البقال وأخبرته بجميع ما حصل لي وسألته أن يجعلني في حلٍ من طلاق ابنته من غير ذنبٍ ودفعت إليها ما يلزمني وأقمت مع الهاشمي على ذلك سنتين وصرت صاحب نعمةٍ عظيمةٍ وعادت لي حالتي التي كنت فيها أنا والجارية في بغداد وقد فرج الله الكريم عنا وأسبغ جزيل النعم علينا وجعل مآل صبرنا إلى الظفر بالمراد فلله الحمد في المبدأ والمعاد، والله أعلم.