حكاية الحكماء أصحاب الطاووس والبوق والفرس

حكاية الحكماء أصحاب الطاووس والبوق والفرس

ومما يحكى أنه كان في قديم الزمان ملك عظيم ذو خطر جسيم وكأن له ثلاث بنات مثل الدور السافرة والرياض الزاهرة وولد ذكر كأنه القمر فبينما الملك جالس على كرسي مملكته يوماً من الأيام إذ دخل عليه ثلاثة من الحكماء مع أحدهم طاووس من ذهب ومع الثاني بوق من نحاس ومع الثالث فرس من عاج وآبنوس فقال لهم الملك: ما هذه الأشياء وما منافعها؟ فقال صاحب الطاووس: إن منفعة هذا الطاووس أنه كلما مضت ساعة من ليل أو نهار يصفق بأجنحته ويزعق وقال صاحب البوق: إنه إذا وضع هذا البوق على باب المدينة يكون كالمحافظ عليها فإذا دخل تلك المدينة عدو يزعق عليه هذا البوق فيعرف ويمسك باليد، وقال صاحب الفرس: يا مولاي إن منفعة هذا الفرس أنه إذا ركبها إنسان توصله إلى أي بلاد أراد.

فقال الملك: لا انعم عليكم حتى أجرب منافع هذه الصور ثم إنه جرب الطاووس فوجده كما قال صاحبه وجرب البوق فوجده كما قال صاحبه فقال الملك للحكيمين: تمنيا علي فقالا نتمنى عليك أن تزوج كل واحد منا بنتاً من بناتك ثم تقدم الحكيم الثالث صاحب الفرس وقبل الأرض بين يدي الملك وقال له: يا ملك الزمان أنعم علي كما أنعمت على أصحابي فقال له الملك: حتى أجرب ما أتيت به فعند ذلك تقدم ابن الملك وقال: يا والدي أنا أركب هذه الفرس وأجربها وأختبر منفعتها فقال الملك: يا ولدي جربها كما تحب فقام ابن الملك وركب الفرس وحرك رجليه فلم تتحرك من مكانها فقال: يا حكيم أين الذي ادعيته من سيرها؟ فعند ذلك جاء الحكيم إلى ابن الملك وأراه لولب الصعود. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الرابعة والثمانين بعد الثلاثمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الحكيم عرف ابن الملك لولب الصعود وقال له: افرك هذا اللولب ففركه ابن الملك وإذا بالفرس قد تحرك وطار بابن الملك إلى عنان السماء ولم يزل طائراً حتى غاب عن الأعين فعند ذلك احتار ابن الملك في أمره وندم على ركوبه الفرس ثم قال: إن الحكيم قد عمل حيلة على هلاكي فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ثم إنه جعل يتأمل في جميع أعضاء الفرس. فبينما هو يتأمل وقع نظره على شيء مثل رأس الديك على كتف الفرس الأيمن وكذلك الأيسر فقال ابن الملك: ما أرى فيه أثراً غير هذين الزرين ففرك الزر الذي على الكتف الأيمن فازدادت به الفرس طيراً طالعة إلى الجو. فتركه ثم نظر إلى الكتف الأيسر فرأى ذلك الزر ففركه فتناقصت حركات الفرس من الصعود إلى الهبوط ولم تزل هابطة به إلى الأرض قليلاً قليلاً وهو محترس على نفسه.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الخامسة والثمانين بعد الثلاثمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن ابن الملك لما فرك الزر الأيسر تناقصت حركات الفرس من الصعود إلى الهبوط ولم تزل هابطة إلى الأرض قليلاً قليلاً وهو محترس على نفسه فلما نظر ابن الملك ذلك وعرف منافع الفرس امتلأ قلبه فرحاً وسروراً وشكر الله تعالى على ما أنعم به عليه حيث أنقذه من الهلاك ولم يزل هابطاً طول نهاره لأنه كان حال صعوده بعدت عنه الأرض وجعل يدور وجه الفرس كما يريد وهي هابطة به وإذا شاء نزل بها وإذا شاء طلع بها. فلما أتم له من الفرس ما يريد أقبل بها إلى جهة الأرض وصار ينظر إلى ما فيها من البلاد والمدن التي لا يعرفها لأنه لم يرها طول عمره وكان من جملة ما رآه مدينة مبنية بأحسن البنيان وهي في وسط الأرض خضراء ناضرة ذات أشجار وأنهار فتفكر في نفسه وقال: يا ليت شعري ما اسم هذه المدينة وفي أي الأقاليم هي ثم جعل يطوف حول تلك المدينة ويتأملها يميناً وشمالاً وكان النهار قد ولى ودنت الشمس للمغيب فقال في نفسه: إني لا أجد موضعاً للمبيت أحسن من هذه المدينة فأنا أبيت فيها الليلة وعند الصباح أتوجه إلى أهلي ومحل ملكي وأعلم أهلي ووالدي بما جرى لي وأخبره بما نظرت عيناي وصار يفتش على موضع يأمن فيه على نفسه ولا يراه أحد.

فبينما هو كذلك وإذا به قد نظر في وسط المدينة قصراً شاهقاً في الهواء وقد أحاط بذلك القصر سور متسع بشرفات عاليات فقال ابن الملك في نفسه: إن الموضع مليح وجعل يحرك الزر الذي يهبط به الفرس ولم يزل هابطاً به حتى نزل مستوياً على سطح القصر ثم نزل من فوق الفرس وحمد الله تعالى وجعل يدور الفرس ويتأملها ويقول: والله إن الذي عملك بهذه الصفة لحكيم ماهر فإن مد الله تعالى في أجلي وردني إلى بلادي وأهلي سالماً وجمع بيني وبين والدي لأحسنن إلى هذا الحكيم كل الإحسان ولأنعمن عليه غاية الإنعام ثم جلس فوق سطح القصر حتى علم أن الناس قد ناموا وقد أضر به الجوع والعطش لأنه منذ فارق والده لم يأكل طعاماً.

فقال في نفسه: إن مثل هذا القصر لا يخلو من الرزق فترك الفرس في مكان ونزل يتمشى لينظر شيء يأكله فوجد سلم فنزل منه إلى أسفل فوجد ساحة مفروشة بالرخام فتعجب من ذلك المكان ومن حسن بنيانه لكنه لم يجد في ذلك القصر حس حسيس ولا أنس فوقف متحيراً وصار ينظر يميناً وشمالاً وهو لا يعرف أين يتجه ثم قال في نفسه: ليس لي أحسن من أرجع إلى المكان الذي فيه فرسي وأبيت عندها فإذا أصبح الصباح ركبتها وسرت. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة السادسة والثمانين بعد الثلاثمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن ابن الملك قال في نفسه: ليس لي أحسن من البيات عند فرسي فإذا أصبح الصباح ركبتها وسرت فبينما هو واقف يحدث نفسه بهذا إذ نظر إلى نور مقبل إلى ذلك المحل الذي الذي هو فيه فتأمل ذلك النور فوجده مع جماعة من الجواري وبينهن صبية ألفية بهية تحاكي البدر الزاهر كما قال الشاعر:

               جاءت بلا موعد في ظلمة الغـسـق    كأنها البدر فـي داج مـن الأفـق

               هيفاء من البرايا من يشـابـهـهـا        في بهجة الحسن أو في رونق الخلق

               ناديت لما رأت عيني محـاسـنـهـا      سبحان من خلق الإنسان من علـق

               أعيذها من عيون النـاس كـلـهـم       بقول أعوذ برب الناس والـفـلـق

وكانت تلك الصبية بنت ملك هذه المدينة وكان أبوها يحبها حباً شديداً ومن محبته إياها بنى لها هذا القصر فكانت كلما ضاق صدرها تجيء إليه وجواريها تقيم فيه يوماً أو يومين أو أكثر ثم تعود إلى سرايتها فاتفق أنها قد أتت الليلة من أجل الفرجة والانشراح وصارت ماشية بين الجواري ومعها خادم مقلد بسيف فلما دخلوا ذلك القصر فرشوا الفرش وأطلقوا مجامر البخور ولعبوا وانشرحوا فبينما هم في لعب وانشراح إذ هجم ابن الملك على ذلك الخادم ولطمه لطمة فبطحه وأخذ السيف من يده وهجم على الجواري اللاتي مع ابنة الملك فشتتهم يميناً وشمالاً.

فلما نظرت ابنة الملك حسنه وجماله قالت: لعلك أنت الذي خطبتني من والدي بالأمس وردك وزعم انك قبيح المنظر والله لقد كذب أبي كيف قال ذلك الكلام فما أنت إلا مليح وكان ابن ملك الهند قد خطبها من أبيها فرده لأنه بشع المنظر فظنت أنه هو الذي خطبها ثم أقبلت عليه وعانقته وقبلته ورقدت هي وإياه. فقالت لها الجواري: يا سيدتي هذا ما هو الذي خطبك من أبيك لأن ذلك قبيح وهذا مليح وما يصلح الذي خطبك من أبيك ورده أن يكون خادماً لهذا ولكن يا سيدتي إن هذا الفتى له شأن عظيم ثم توجهت الجواري إلى الخادم المبطوح وأيقظنه فوثب مرعوباً وفتش على سيفه فلم يجده بيده فقالت له الجواري: الذي أخذ سيفك وبطحك جالس مع ابنة الملك، وكان ذلك الخادم قد وكله الملك بالمحافظة على ابنته خوفاً عليها من نوائب الزمان وطوارق الحدثان فقام ذلك الخادم وتوجه إلى الستر ورفعه فرأى ابنة الملك جالسة مع ابن الملك وهما يتحدثان.

فلما نطرهما الخادم قال لابن الملك: يا سيدي هل أنت إنسي أو جني فقال له ابن الملك: ويلك يا أنجس العبيد كيف تجعل أولاد الملوك الأكاسرة من الشياطين الكافرة ثم إنه أخذ السيف بيده وقال له: أنا صهر الملك وقد زوجني بابنته وأمرني بالدخول عليها فلما سمع الخادم منه ذلك الكلام قال له: يا سيدي إن كنت من الإنس كما زعمت فإنها ما تصلح إلا لك وأنت أحق بها من غيرك. ثم إن الخادم توجه إلى الملك وهو صارخ وقد شق ثيابه وحثا التراب على رأسه.

فلما سمع الملك صياحه قال له: ما الذي دهاك فقد رجفت فؤادي أخبرني بسرعة وأوجز في الكلام فقال له الخادم: أدرك ابنتك فإنها قد استولى عليا شيطان من الجن في زي الإنس مصور بصورة أولاد الملوك، فدونك وإياه فلما سمع الملك منه هذا الكلام هم بقتله، وقال له: كيف تغافلت عن ابنتي حتى لحقها هذا العارض ثم إن الملك توجه إلى القصر الذي فيه ابنته، فلما وصل إليه وجد الجواري قائمات فقال لهن: ما الذي جرى لابنتي؟ قلت له: أيها الملك بينما نحن جالسات معها لم نشعر إلا وقد هجم علينا هذا الغلام كأنه البدر التمام ولم نر أحسن منه وجهاً وبيده سيف مسلول فسألناه عن حاله فزعم أنك قد زوجته ابنتك ونحن لا نعلم شيئاً غير هذا ولا نعرف هل هو إنسي أو جني ولكنه عفيف أديب لا يتعاطى القبيح.

فلما سمع الملك مقالتهن برد ما به ثم أنه رفع الستر قليلاً ونظر فرأى ابن الملك جالساً مع ابنته يتحدثان وهو في أحسن التصوير ووجهه كالبدر المنير فلم يقدر أن يمسك نفسه من غيرته على ابنته فرفع الستر ودخل وبيده سيف مسلول وهجم عليهما كأنه الغول فلما نظره ابن الملك قال لها: أهذا أبوك؟ قالت: نعم. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة السابعة والثمانين بعد الثلاثمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن ابن الملك لما رأى الملك بيده سيف مسلول وقد هجم عليهما كأنه الغول قال لها: أهذا أبوك؟ قالت: نعم فعند ذلك وثب قائماً على قدميه وتناول سيفه بيده وصاح على الملك صيحة منكرة فأدهشه وهم أن يجمل عليه بالسيف فعلم الملك أنه أوثب منه فأغمد سيفه ثم وقف حتى انتهى إليه ابن الملك فقابله بملاطفة وقال: يا فتى هل أنت إنسي أم جني؟ فقال ابن الملك: لولا أني أرعى ذمامك وحرمة ابنتك لسفكت دمك كيف تنسبني إللى الشياطين وأنا من أولاد الملوك الأكاسرة الذي لو شاءوا لأخذوا ملكك وزلزلوك عن عزك وسلطانك، وسلبوا عنك جميع ما في أوطانك.

فلما سمع الملك كلامه هابه وخاف على نفسه منه وقال له: إن كنت من أولاد الملوك، كما زعمت فكيف دخلت قصري بغير إذني وهتكت حرمتي، ووصلت إلى بنتي وزعمت أنك بعلها وادعيت أني قد زوجتك بها وأنا قد قتلت الملوك وأبناء الملوك حين خطبوها مني ومن ينجيك من سطوتي وأنا إن صحت على عبيدي وغلماني وأمرتهم بقتلك لقتلوك في الحال فمن يخلصك من يدي فلما سمع ابن الملك منه ذلك الكلام قال للملك: إني لأعجب منك ومن قلة بصيرتك هل تطمع لابنتك في بعل أحسن مني، وهل رأيت أحداً أثبت جناناً وأكثر مكافأة وأعز سلطاناً وجنوداً وأعواناً مني.

فقال له الملك: لا والله ولكن وددت يا فتى أن تكون خاطباً لها على رؤوس الأشهاد حتى أزوجك بها وأما إذا زوجتك بها خفية فإنك تفضحني فيها فقال له ابن الملك: لقد أحسنت في قولك ولكن أيها الملك إذا اجتمعت عبيدك وخدمك وجنودك علي وقتلوني كما زعمت فإنك تفضح نفسك وتبقى الناس فيك بين مصدق ومكذب ومن الرأي عندي أن ترجع أيها الملك إلى ما أشير به عليك. فقال له الملك: هات حديثك فقال له ابن الملك: الذي أحدثك به إما أن تبارزني أنا وأنت خاصة فمن قتل صاحبه كان أحق وأولى بالملك وأما أن تتركني في هذه الليلة وإذا كان الصباح فأخرج إلى عسكرك وجنودك وغلمانك وأخبرني بعدتهم، فقال له الملك إن عدتهم أربعون ألف فارس غير العبيد الذين لي وغير أتباعهم وهم مثلهم في العدد، فقال ابن الملك إذا كان طلوع النهار فأخرجه إلي وقل لهم. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الثامنة والثمانين بعد الثلاثمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن ابن الملك قال له: إذا كان طلوع النهار فأخرجهم إلي وقل لهم هذا خطيب ابنتي على شرط أن يبارزكم جميعاً وادعى أنه يغلبكم ويقهركم وأنكم لا تقدرون عليه ثم اتركني معهم أبارزهم، فإذا قتلوني فذلك أخفى لسرك وأصون لعرضك وإن غلبتهم وقهرتهم فمثلي يرغب الملك في مصاهرته فلما سمع الملك كلامه استحسن رأيه وقبل رأيه، مع ما استعظمه من قوله وما هاله من أمره في عزمه على مبارزة جميع عسكره الذين وصفهم له. ثم جلسا يتحدثان وبعد ذلك دعا الملم بالخادم وأمره أن يخرج من وقته وساعته إلى وزيره ويأمره أن يجمع العساكر ويأمرهم بحمل أسلحتهم وأن يركبوا خيولهم فسار الخادم إلى الوزير وأعلمه بما أمره به الملك فعند ذلك طلب الوزير نقباء الجيش وأكابر الدولة وأمرهم أن يركبوا خيولهم ويخرجوا لابسين آلات الحرب. هذا ما كان من أمرهم.

وأما ما كان من أمر الملك فإنه ما زال يتحدث مع الغلام حيث أعجبه حديثه وعقله وأدبه فبينما يتحدثان وإذا بالصبح قد أصبح فقام الملك وتوجه إلى يخته وأمر جيشه بالركوب وقدم لابن الملك فرساً جيداً من خيار خيله فقال له: لا يعجبني شيء من خيلك ولا أركب إلا الفرس التي جئت راكباً عليها فقال له الملك: وأين فرسك؟ فقال له: هي فوق قصرك فقال له: في أي موضع في قصري فقال: على السطح. فلما سمع كلامه قال له: هذا أول ما ظهر من خيالك يا ويلك كيف تكون الفرس فوق السطح ولكن في هذا الوقت يظهر صدقك من كذبك ثم إن الملك التفت إلى بعض خواصه وقال له: امض إلى قصري واحضر الذي تجده فوق السطح فصار الناس متعجبين من قول الفتى ويقول بعضهم لبعض: كيف ينزل هذا الفرس من سلالم السطح إن هذا شيء ما سمعنا بمثله، ثم إن الذي أرسله الملك إلى القصر صعد إلى أعلاه فرأى الفرس قائماً ولم ير أحسن منه فتقدم إليه وتأمله فوجده من الآبنوس والعاج وكان بعض خواً الملك طلع معه أيضاً، فلما نظروا إلى الفرس تضاحكوا وقالوا وعلى مثل هذا الفرس يكون ما ذكره الفتى فما أظنه إلا مجنوناً ولكن سوف يظهر لنا أمره.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة التاسعة والثمانين بعد الثلاثمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن خواً الملك لما نظروا الفرس تضاحكوا وقالوا وعلى مثل هذا الفرس يكون ما ذكره الفتى فما أظنه إلا مجنوناً ولكن سوف يظهر لنا أمره وربما يكون له شأن عظيم ثم إنهم رفعوا الفرس على أيديهم ولم يزالوا حاملين لها حتى وصلوا إلى قدام الملك وأوقفوها بين يديه فاجتمع عليها الناس ينظرون من حسن صنعتها، وحسن سرجها ولجامها واستحسنها الملك أيضاً وتعجب منها غاية العجب، ثم قال لبن الملك: يا فتى أهذه فرسك فقال: نعم أيها الملك هذه فرسي وسوف ترى منها العجب. فقال له الملك: خذ فرسك واركبها قال: لا أركبها إلا إذا بعد عنها العساكر فأمر الملك العسكر الذين حوله أن يبتعدوا عنها مقدار رمية السهم فقال له: أيها الملك هاأنا رائح أركب فرسي وأحمل على جيشك فأفرقهم يميناً وشمالاً وأصدع قلوبهم فقال له الملك: افعل ما تريد ولا تبق عليهم فإنهم لا يبقون عليك ثم إن ابن الملك توجه إلى فرسه وركبها واصطفت له الجيوش وقال بعضهم لبعض: إذا وصل الغلام بين الصفوف نأخذه بأسنة الرماح وشفار الصفاح. فقال واحد منهم: والله غنها مصيبة كيف نقتل هذا الغلام صلحب الوجه المليح والقد الرجيح فقال واحد آخر: والله لن تصلوا إليه إلا بعد أمر عظيم وما فعل الفتى هذه الفعال إلا لما علم من شجاعة نفسه وبراعته، فلما استوى ابن الملك على فرسه فرك لولب الصعود فتطاولت إليه الأبصار لينظروا ماذا يريد أن يفعل فماجت فرسه واضطربت حتى عملت أغرب حركات تعملها الخيل وامتلأ جوفها بالهواء ثم ارتفعت وصعدت في الجو.

فلما رآه الملك قد ارتفع وصعد على جيشه قال: ويلكم خذوه قبل أن تفوتكم فعند ذلك قال له وزرائه ونوابه: أيها الملك هل أحد يلحق الطير الطائر وما هذا إلا سحر عظيم قد نجاك الله منه فاحمد الله تعالى على خلاصك من يده فرجع الملك إلى قصره بعدما رأى من ابن الملك ما رأى ولما وصل إلى قصره ذهب إلى ابنته وأخبرها بما جرى له مع ابن الملك في الميدان فوجدها كثيرة التأسف عليه وعلى فراقه ثم أنها مرضت مرضاً شديداً، ولزمت الوساد.

فلما رآها أبوها على تلك الحالة ضمها وقبلها بين عينيها وقال لها: يا ابنتي احمدي الله تعالى واشكريه حيث خلصنا من هذا الساحر الماكر وجعل يكرر عليها ما رآه من ابن الملك ويذكر لها صفة صعوده في الهواء وهي لا تصغي إلى شيء من قول أبيها واشتد بكاؤها ونحيبها ثم قالت في نفسها: والله لا آكل طعاماً وأشرب شراباً حتى يجمع الله بيني وبينه فحصل لأبيها الملك هم عظيم من أجل ذلك وشق عليه حال ابنته وصار حزين القلب عليها وكلما يلاطفها لا تزداد إلا شغفاً به. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة التسعين بعد الثلاثمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الملك صار حزين القلب على ابنته وكلما يلاطفها لا تزداد إلا شغفاً به هذا ما كان من أمر الملك وابنته.

وأما ما كان من أمر ابن الملك فإنه لما صعد في الجو اختلى بنفسه وتذكر حسن الجارية وجمالها وكان قد سأل أصحاب الملك عن اسم المدينة واسم الملك واسم ابنته وكانت تلك المدينة صنعاء ثم أنه جد في السيرحتى أشرف على مدينة أبيه ودار حول المدينة ثم توجه إلى قصر أبيه ونزل فوق السطح وترك فرسه هناك ونزل إلى والده ودخل عليه فوجده حزيناً كئيباً لأجل فراقه فلما رآه والده قام إليه واعتنقه وضمه إلى صدره وفرح به فرحاً شديداً ثم أنه لما اجتمع بوالده وسأله عن الحكيم الذي عمل الفرس وقال: يا والدي ما فعل الدهر به فقال له والده: لا بارك الله في الحكيم ولا في الساعة التي رأيته فيها لأنه هو الذي كان سبباً لفراقك منا وهو مسجون يا ولدي من يوم غبت عنا فأمر ابن الملك بالإفراج عنه وإخراجه من السجن وإحضاره بين يديه.

فلما حضر بين يديه خلع عليه وأحسن إليه غاية الإحسان إلا أنه لم يزوجه ابنته فغضب الحكيم من أجل ذلك غضباً شديداً وندم على ما فعل وعلم أن ابن الملك قد عرف سر الفرس وكيفية سيرها ثم أن الملك قال لابنه: الرأي عندي أنك لا تقرب هذا الفرس بعد ذلك ولا تركبها أبداً بعد يومك هذا لأنك لا تعرف أحوالها فأنت منها على غرور وكان ابن الملك قد حدث أباه بما جرى له مع ابنة الملك صاحب نلك المدينة وما جرى له مع أبيها.

فقال له أبوه: لو أراد الملك قتلك لقتلك ولكن في أجلك تأخير ثم إن ابن الملك هاجت بلابله بحب الجارية ابنة الملك صاحب صنعاء فقام إلى الفرس وركبها وفرك لولب الصعود فطارت به في الهواء وعلت به إلى عنان السماء فلما أصبح الصباح افتقده أبوه فلم يجده فطلع إلى أعلى القصر وهو ملهوف فنظر إلى ابنه وهو صاعد في الهواء فتأسف على فراقه وندم كل الندم حيث لم يأخذ الفرس ويخفي أمره، ثم قال في نفسه: والله إن رجع إلي ولدي ما بقيت أخلي هذا الفرس لأجل أن يطمئن قلبي على ولدي ثم إنه عاد إلى بكائه ونحيبه. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

 وفي الليلة الحادية والتسعين بعد الثلاثمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الملك عاد إلى بكائه ونحيبه من حزنه على ولده، هذا ما كان من أمره.

وأما ما كان من أمر ابنه فإنه لم يزل سائراً في الجو حتى وقف على مدينة صنعاء ونزل في المكان الذي كان فيه أولاً ومشى مستخفياً حتى وصل إلى محل ابنة الملك فلم يجدها لا هي ولا جواريها ولا الخادم الذي كان محافظاً عليها فعظم عليه ذلك ثم إنه دار يفتش عليها في القصر فوجدها في مجلس آخر غير محلها الذي اجتمع معها فيه وقد لزمت الوساد وحولها الجواري والدايات فدخل عليهن وسلم عليهن.

فلما سمعت الجارية كلامه قامت إليه واعتنقته وجعلت تقبله بين عينيه وتضمه إلى صدرها فقال لها: يا سيدتي أوحشتيني هذه المدة فقالت له: أنت الذي أوحشتني ولو طالت غيبتك عني لكنت هلكت بلا شك، فقال لها: يا سيدتي كيف رأيت حالي مع أبيك وما صنع بي ولولا محبتك يا فتنة العالمين لقتلته وجعلته عبرة للناظرين ولكن أحبه من أجلك فقالت له: كيف تغيب عني وهل تطيب حياتي بعدك فقال لها: أتطيعيني وتصغي إلى قولي، فقالت له: قل ما شئت فإني أجيبك إلى ما تدعوني إليه ولا أخالفك في شيء فقال لها: سيري معي إلى بلادي وملكي فقالت له: حباً وكرامة.

فلما سمع ابن الملك كلامها، فرح فرحاً شديداً وأخذ بيدها وعاهدها بعهد الله تعالى على ذلك، ثم صعد بها إلى أعلى سطح القصر وركب فرسه وأركبها خلفه، ثم ضمها إليه وشدها شداً وثيقاً وحرك لولب الصعود الذي في كتف الفرس فصعدت بهما إلى الجو، فعند ذلك زعقت الجواري وأعلمن الملك أباها وأمها فصعدا مبادرين إلى سطح القصر، والتفت الملك إلى الجو فرأى الفرس الآبنوس وهي طائرة بهما في الهواء فعند ذلك انزعج الملك وزاد انزعاجه وقال: يا ابن الملك سألتك بالله أن ترحمني وترحم زوجتي، ولا تفرق بيننا وبين بنتنا فلم يجبه ابن الملك.

ثم أن ابن الملك ظن في نفسه أن الجارية ندمت على فراق أمها وأبيها، فقال لها: يا فتنة الزمان هل لك أن أردك إلى أمك وأبيك فقالت له: يا سيدي والله ما مرادي ذلك إنما مرادي أن أكون معك أينما تكون لأنني مشغولة بمحبتك عن كل شيء حتى أبي وأمي.

فلما سمع ابن الملك كلامها فرح بذلك فرحاً شديداً وجعل يسير الفرس بهما سيراً لطيفاً لكيلا يزعجها ولم يزل يسير بها حتى نظر إلى مرج أخضر وفيه عين جارية فنزلا هناك وأكلا وشربا ثم أن ابن الملك ركب فرسه وأردفها خلفه وأوثقها بالرباط خوفاً عليها وسار بها ولم يزل في الهواء حتى وصل إلى مدينة أبيه فاشتد فرحه.

ثم أراد أن يظهر للجارية محل سلطانه وملك أبيه ويعرفها أن ملك أبيه أعظم من ملك أبيها فأنزلها في بعض البساتين التي يتفرج فيها والده وأدخلها في المقصورة المعدة لأبيه واوقف الفرس الآبنوس على باب تلك المقصورة، وأوصى الجارية بالمحافظة على الفرس وقال لها اقعدي ههنا حتى أرسل إليك رسولي فإني متوجه إلى أبي لأجل أن أهيء لك قصراً وأظهر لك ملكي ففرحت الجارية عندما سمعت منه هذا الكلام، وقالت له: افعل ما تريد. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الثانية والتسعين بعد الثلاثمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الجارية فرحت عندما سمعت منه هذا الكلام، وقالت له: افعل ما تريد، ثم خطر ببالها أنها لا تدخل إلا بالتبجيل والتشريف كما يصلح لأمثالها، ثم أن ابن الملك تركها وسار حتى وصل إلى المدينة ودخل على أبيه فلما رأى أبوه فرح بقدومه وتلقاه ورحب به، ثم أن ابن الملك قال لوالده: اعلم أنني أتيت ببنت الملك التي كنت أعلمتك بها وقد تركتها خارج المدينة في بعض البساتين وجئت أعلمك بها لأجل أن تهيء الموكب وتخرج لملاقاتها وتظهر لها ملكك واعوانك وجنودك. فقال له الملك: حباً وكرامة، ثم أمر من وقته وساعته أهل المدينة أن يزينوا المدينة أحسن زينة وركب في أكمل هيبة وأحسن زينة هو وجميع عساكره وأكابر دولته وسائر مملكته وخدمه، وأخرج ابن الملك من قصره الحلي والحلل وما تدخره الملوك وهيأ لها عمارة من الديباج الأخضر والأحمر والأصفر وأجلس على تلك العمارة الهنديات والروميات والحبشيات وأظهر من الذخائر شيئاً عجيباً. ثم أن ابن الملك ترك العمارة بمن فيها وسبق إلى البستان ودخل المقصورة التي تركها فيها وفتش فيها فلم يجدها ولم يجد الفرس، فعند ذلك لطم على وجهه ومزق ثيابه وجعل يطوف في البستان وهو مدهوش العقل، ثم بعد ذلك رجع إلى عقله وقال في نفسه: كيف علمت بسر هذا الفرس وأنا لم أعلمها بشيء من ذلك ولعل الحكيم الفارسي الذي عمل الفرس قد وقع عليها وأخذها جزاء ما عمله والدي معه، ثم أن ابن الملك طلب حراس البستان وسألهم عمن مر بهم وقال لهم: هل نظرتم أحداً مر بكم ودخل هذا البستان؟ فقالوا: ما رأينا أحداً دخل البستان سوى الحكيم الفارسي فإنه دخل ليجمع الحشائش النافعة، فلما سمع كلامهم صح عندهم أن الذي أخذ الجارية هو ذلك الحكيم. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الثالثة والتسعين بعد الثلاثمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن ابن الملك لما سمع كلامهم صح عنده أن الذي أخذ الجارية هو ذلك الحكيم، وكان بالأمر المقدر أن ابن الملك لما ترك الجارية في المقصورة التي فيها البستان وذهب إلى قصر أبيه ليهيء أمره دخل الحكيم الفارسي البستان ليجمع شيئاً من الحشيش النافع فشم رائحة المسك الطيب التي عبق منها المكان وكان ذلك الطيب من رائحة ابنة الملك فقصد الحكيم تلك الرائحة حتى وصل إلى تلك المقصورة فرأى الفرس التي صنعها بيده على باب المقصورة.

فلما رأى الحكيم الفرس امتلأ قلبه فرحاً وسروراً إلا أنه كان كثير التأسف على الفرس حيث خرجت من يده فتقدم إلى الفرس وافتقد جميع أجزائها فوجدها سالمة، ولما أراد أن يركبها ويسير قال في نفسه: لا بد أن أنظر ما جاء به ابن الملك وتركه مع الفرس ههنا، فدخل المقصورة فوجد الجارية جالسة وهي كالشمس الصاحية في السماء الصافية، ثم توجه إلى المدينة ليجيء لها بموكب ويدخلها المدينة فقالت له: من أنت فقال لها: يا سيدتي أنا رسول الملك قد أرسلني إليك وأمرني أن أنقلك إلى بستان آخر قريب من المدينة. فلما سمعت الجارية منه ذلك الكلام دخل في عقلها فصدقته وقامت معه. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الرابعة والتسعين بعد الثلاثمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الحكيم الفارس لما أخبر الجارية بأحوال ابن الملك صدقت كلامه ودخل في عقلها وقامت معه ووضعت يدها في يده ثم قالت له: يا والدي ما الذي جئت لي به معك حتى أركبه فقال: يا سيدتي الفر سالتي جئت عليها تركبينها فقالت له: أنا لا أقدر على ركوبها وحدي، فتبسم الحكيم عندما سمع ذلك وعلم أنه قد ظفر بها فقال لها: أنا أركب معك بنفسي، ثم ركب وأركب الجارية خلفه وضمها إليه وشد وثاقها وهي لا تعلم ما يريد بها، ثم إنه حرك لولب الصعود فامتلأ جوف الفرس بالهواء وتحركت وماجت ثم ارتفعت صاعدة في الجو ولم تزل سائرة بهما حتى غابت عن المدينة. فقالت له الصبية: يا هذا أين الذي قلته عن ابن الملك حيث زعمت أنه أرسلك إلي، فقال لها الحكيم: قبح الله ابن الملك فإنه خبيث لئيم، فقالت له: يا ويلك كيف تخالف أمر مولاك فيما أمرك به فقال لها: ليس هو مولاي فهل تعرفين من أنا؟ فقالت: لا أعرفك إلا بما عرفتني به عن نفسك فقال لها: إنما إخباري لك بهذا الخبر حيلة مني عليك وعلى ابن الملك، ولقد كنت متأسفاً طول عمري على هذه الفرس التي تحتك فإنها صناعتي وكان قد استولى عليها والآن قد ظفرت بها وبك أيضاً، وقد أحرقت قلبه كما أحرق قلبي ولا يتمكن منها بعد ذلك أبداً فطيبي قلباً وقري عيناً فأنا لك أنفع منه.

فلما سمعت الجارية كلامه لطمت على وجهها ونادت: يا أسفاه لا حصلت حبيبي ولا بقيت عند أبي وأمي، وبكت بكاءً شديداً على ما حل بها ولم يزل الحكيم سائراً بها إلى بلاد الروم حتى نزل بها في مرج أخضر ذي أنهار وأشجار واكن ذلك المرج بالقرب من مدينة وفي تلك المدينة ملك عظيم الشأن، فاتفق في ذلك اليوم أن ملك تلك المدينة خرج إلى الصيد والنزهة فجاز على ذلك المرج فرأى الحكيم واقفاً والفرس والجارية بجانبه، فلم يشعر الحكيم إلا وقد هجم عليه عبيد الملك وأخذوه هو والجارية والفرس وأوقفوا الجميع بين يدي الملك، فلما نظر إلى قبح منظره وبشاعته ونظر إلى حسن الجارية وجمالها قال لها: يا سيدتي ما نسبة هذا الشيخ منك، فبادر الحكيم بالجواب وقال: هي زوجتي وابنة عمي، كذبته الجارية عندما سمعت قوله وقالت: أيها الملك والله لا أعرفه ولا هو بعلي بل أخذني قهراً بالحيلة.

فلما سمع الملك مقالها أمر بضربه فضربوه حتى كاد أن يموت، ثم أمر الملك أن يحملوه إلى المدينة ويطرحوه في السجن ففعلوا به ذلك، ثم إن الملك أخذ الجارية والفرس منه ولكنه لم يعلم بأمر الفرس ولا بكيفية سرها. هذا ما كان من أمر الحكيم والجارية.

وأما ما كان من أمر ابن الملك فإنه لبس ثياب السفر وأخذ ما يحتاج إليه من المال وسافر وهو في أسوأ حال وسار مسرعاً يقتص الأثر في طلبهما من بلد إلى بلد ومن مدينة إلى مدينة ويسأل عن الفرس الآبنوس وكل من سمع منه خبر الفرس الآبنوس يتعجب منه ويستعظم ذلك منه، فأقام على هذا الحال مدة من الزمان ومع كثرة السؤال والتفتيش عليهما لم يقع لهما على خبر، ثم إنه سار إلى مدينة أبي الجارية وسأل هناك فلم يسمع لها بخبر ووجد أباها حزيناً على فقدها فرجع وقصد بلاد الروم وجعل يقتص أثرهما ويسأل عنهما. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الخامسة والتسعين بعد الثلاثمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن ابن الملك قصد بلاد الروم وجعل يقتص أثرهما ويسأل عنهما، فاتفق أنه نزل في خان من الخانات فرأى جماعة من التجار جالسين يتحدثون فجلس قريباً منهم فسمع أحدهم يقول: لقد رأيت عجباً من العجائب فقالوا: وما هو؟ قال: إني كنت في بعض الجهات من مدينة كذا وذكر اسم المدينة التي فيها الجارية فسمعت أهلها يتحدثون بحديث غريب وهو أن ملك المدينة خرج يوماً من الأيام إلى الصيد والقنص ومعه جماعة من أصحابه وأكابر دولته. فلما طلعوا إلى البرية جازوا على مرج أخضر فوجدوا هناك رجلاً واقفاً وإلى جانبه امرأة جالسة ومعه فرس من آبنوس فاما الرجل فإنه قبيح المنظر مهول الصورة جداً وأما المرأة فإنها صبية ذات حسن وجمال وبهاء وكمال وقد واعتدال وأما الفرس فإنها من العجائب التي لم ير الراؤون أحسن منها ولا أجمل من صنعتها فقال له الحاضرون: فما فعل الملك بهم؟ فقال: أما الرجل فإنه أخذه الملك وسأله عن الجارية فادعى أنها زوجته وابنة عمه واما الجارية فإنها كذبته في قوله فاخذها الملك منه وامر بضربه وطرحه السجن وأما الفرس الآبنوس فما لي بها علم.

فلما سمع ابن الملك هذا الكلام من التاجر دنا منه وصار يسأله برفق وتلطف حتى أخبره اسم المدينة واسم ملكها فلما عرف ابن الملك اسم المدينة واسم ملكها بات ليلته مسرور فلما أصبح الصباح خرج وسافر ولم يزل مسافراً حتى وصل إلى تلك المدينة فلما أراد أن يدخلها أخذه البوابون وأرادوا إحضاره قدام الملك ليسأله عن حاله وعن سبب مجيئه إلى تلك المدينة وعما يحسنه من الصنائع وكانت هذه عادة الملك من سؤال الغرباء عن أحوالهم وصنائعهم وكان وصول ابن الملك إلى تلك المدينة في وقت لا يمكن الدخول فيه على الملك ولا المشاورة عليه فأخذه البوابون وأتوا به إلى السجن ليضعوه فيه. فلما نظر السجانون إلى حسنه وجماله لم يهن عليهم أن يدخلوه السجن بل أجلسوه معهم خارج السجن فلما جاءهم الطعام أكل معهم بحسب الكفاية فلما فرغوا من الأكل جعلوا يتحدثون ثم أقبلوا على ابن الملك وقالوا له: من أي البلاد أنت؟ فقال: أنا من بلاد فارس بلاد الكاسرة فلما سمعوا كلامه ضحكوا وقال بعضهم: يا كسروى لقد سمعت حديث الناس وأخبارهم وشاهدت احوالهم فما رأيت أكذب من هذا الكسروى الذي عندنا في السجن فقال آخر: ولا رأيت أقبح من خلقته ولا أبشع من صورته فقال لهم: ما الذي بان لكم من كذبه. فقالوا: زعم أنه حكيم وكان الملك قد رآه في طريقه وهو ذاهب إلى الصيد ومعه امرأة بديعة الحسن والجمال والبهاء والكمال والقد والإعتدال ومعه أيضاً فرس من الآبنوس الأسود مارأينا قط أحسن منها، فأما المرأة فهي عند الملك وهو لها محب ولكن تلك المرأة مجنونة ولو كان ذلك الرجل حكيماً لداواها والملك مجتهد في علاجها وغرضه مداواتها مما هي فيه، وأما الفرس الآبنوس فإنها في خزانة الملك، واما الرجل القبيح المنظر الذي كان معها فإنه عندنا في السجن فإذا جن الليل يبكي وينتحب أسفاً على نفسه ولا يدعنا ننام. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة السادسة والتسعين بعد الثلاثمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن المزكلين في السجن لما اخبروه بخبر الحكيم الفارسي الذي عندهم في السجن وبما هو فيه من البكاء والنحيب خطر بباله أن يدبر تدبيراً ليبلغ غرضه فلما أراد البوابون النوم أدخلوهالسجن وأغلقوا عليه الباب فسمع الحكيم يبكي وينوح على نفسه بالفارسية ويقول في نوحه: الويل لي بما جنيت على نفسي وعلى ابن الملك وبما فعلت بالجارية حيث لم أتركها ولم أظفر بمرادي وذلك كله من سوء تدبيري فإني طلبت لنفسي ما لا أستحقه وما لا يصلح لمثلي ومن طلب ما لا يصلح له وقع في مثل ما وقعت فيه.

فلما سمع ابن الملك كلام الحكيم كلمه بالفارسية وقال له: إلى كم هذا البكاء والعويل هل ترى أنه أصابك ما لم يصب غيرك فلما سمع الحكيم كلامه أنس به وشكا إليه حاله مما يجده من المشقة فلما أصبح الصباح أخذ البوابون ابن الملك واتوا به إلى ملكهم وأعلموه أنه وصل إلى المدينة بالأمس في وقت لا يمكن الدخول فيه على الملك فسأله الملك وقال له: من أي البلاد وما اسمك وما صنعتك وما سبب مجيئك إلى هذه المدينة؟ فقال ابن الملك أما اسمي فإنه بالفارسية حرجة وأما بلادي فهي بلاد فارس وانا من اهل العلم وخصوصاً علم الطب فإني أداوي المرضى والمجانين ولهذا أطوف في الأقاليم والمدن لأستفيد علماً على علمي وإذا رأيت مريضاً فإني أداويه فهذه صنعتي.

فلما سمع الملك كلامه فرح به فرحاً شديداً وقال له: أيها الحكيم الفاضل لقد وصلت إلينا في وقت الحاجة إليك ثم أخبره بخبر الجارية وقال له: إن داويتها وأبرأتها من جنونها فلك عندي جميع ما تطلبه فلما سمع كلام الملك قال له: أعز الله الملك صف لي كل شيء رأيته من جنوني وأخبرني منذ كم يوم عرض لها هذ الجنون وكيف أخذتها هي والفرس والحكيم، فأخبره بالخبر من أوله إلى آخره ثم قال له: إن الحكيم في السجن فقال له: أيها الملك السعيد ما فعلت بالفرس التي كانت معهما؟ فقال له: باقية عندي إلى الآن في بعض المقاصير.
فقال ابن الملك في نفسه: إن من الرأي عندي أن اتفقد الفرس وأنظرها قبل كل شيء فإن كانت سالمة لم يحدث فيها أمر فقد تم لي كل ما أريد وإن رأيتها قد بطلت حركتها تحيلت بحيلة في خلاص مهجتي ثم التفت إلى الملك وقال له: ينبغي أن أنظر الفرس المذكور لعلي أجد شيئاً يعينني على برء الجارية فقال له الملك: حباً وكرامة ثم قام الملك وأخذه بيده ودخل معه إلى الفرس فجعل ابن الملك يطوف حول الفرس ويتفقدها وينظر أحوالها فوجدها سالمة لم يعبها شيء ففرح ابن الملك بذلك فرحاً شديداً وقال: أعز الله الملك إني أريد الدخول على الجارية حتى أنظر ما يكون منها وأرجو الله أن يكون برؤها على يدي بسبب الفرس إن شاء الله تعالى ثم أمر بالمحافظة على الفرس ومضى به الملك إلى البيت الذي فيه الجارية. فلما دخل عليها ابن الملك وجدها تتخبط وتنصرع على عادتها ولم يكن بها جنون وإنما تفعل ذلك حتى لا يقربها أحد فلما رآها ابن الملك على هذه الحالة قال لها: لا بأس عليك يا فتنة العالمين ثم أنه جعل يرفق بها ويلاطفها إلى أن عرفها بنفسه فلما عرفته صاحت صيحة عظيمة حتى غشي عليها من شدة ما حصل لها من الفرح فظن الملك أن هذه الصرعة من فزعها منه ثم إن ابن الملك وضع فمه على أذنها وقال لها: يا فتنة العالمين احقني دمي ودمك واصبري وتجلدي فقالت له: سمعاً وطاعة، ثم إنه خرج من عندها وتوجه إلى الملك فرحاً مسروراً وقال: أيها الملك السعيد قد عرفت بسعادتك داءها ودواءها وقد داويتها لك فقم الآن وادخل إليها ولين كلامك لها وترفق بها وعدها بما يسرها فإنه يتم لك كل ما تريد منها. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة السابعة والتسعين بعد الثلاثمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن ابن الملك لما جعل نفسه حكيماً، ودخل على الجارية وأعلمها بنفسه وأخبرها بالتدبير الذي يدبره فقالت له: سمعاً وطاعة ثم خرج من عندها وتوجه إلى الملك وقال له: قم ادخل عليها ولين كلامك لها وترفق بها وعدها بما يسرها فإنه يتم لك كل ما تريد منها فقام الملك ودخل عليها، فلما رأته قامت إليه وقبلت الأرض بين يديه ورحبت به ففرح الملك بذلك فرحاً شديداً ثم أمر الجواري والخدم أن يقوموا بخدمتها ويدخلوها الحمام ويجهزوا لها الحلي والحلل فدخلوا إليها وسلموا عليها فردت عليهم السلام بألطف منطق وأحسن كلام ثم ألبسوها حللاً منملابس الملوك ووضعوا في عنقها عقداً من الجواهر وساروا بها إلى الحمام وخدموها ثم أخرجوها من الحمام كأنها بدر التمام ولما وصلت إلى الملك سلمت عليه وقلبت الأرض بين يديه فحصل للملك بها سرور عظيم وقال لابن الملك كل ذلك ببركتك زادنا الله من نفحاتك. فقال له ابن الملك: إن تمام برئها وكمال أمرها أنك تخرج أنت وكل من معك من أعوانك وعسكرك إلى المحل الذي كنت وجدتها فيه وتكون صحبتك الفرس الآبنوس التي كانت معها لأجل أن أعقد عنها العارض هناك وأسجنه وأقتله فلا يعود إليها أبداً فقال له الملك: حباً وكرامة، ثم أخرج الفرس الآبنوس إلى المرج الذي وجدها فيه هي والجارية والحكيم الفارسي وركب الملك مع جيشه وأخذ الجارية معه وهم لا يدرون ما يريد أن يفعل، فلما وصل إلى ذلك المرج أمر ابن الملك الذي جعل نفسه حكيماً أن توضع الجارية والفرس بعيداً عن الملك والعساكر بمقدار مد البصر وقال للملك: دستور عن إذنك أنا أريد أن أطلق البخور، وأتلو العزيمة وأسجن العارض هنا حتى لا يعود إليها أبداً، ثم بعد ذلك أركب الفرس الآبنوس وأركب الجارية خلفي فإذا فعلت ذلك الفرس تضطرب وتمشي حتى تصل إليك وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الثامنة والتسعين بعد الثلاثمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن ابن الملك لما قال لملك الروم: حتى تصل إليك فعند ذلك يتم الأمر فافعل بها بعد ذلك ما تريد فلما سمع الملك كلامه فرح فرحاً شديداً ثم أن ابن الملك ركب الفرس ووضع الصبية خلفه وصار الملك وجميع عساكره ينظرون إليه ثم إنه ضمها إليه وشد وثاقها وبعد ذلك فرك ابن الملك لولب الصعود فصعدت بهما الفرس في الهواء والعساكر تنظر إليه حتى غاب عن اعينهم ومكث الملك نصف يوم ينتظر عودته إليه، فلم يعد فيئس منه وندم ندماً عظيماً وتأسف على فراق الجارية ثم أخذ عسكره وعاد إلى مدينته. هذا ما كان من أمره.

وأما ما كان من أمر ابن الملك فإنه قصد مدينة أبيه فرحاً مسروراً ولم يزل سائراً إلى أن نزل على قصره وأنزل الجارية في القصر وامن عليها ثم ذهب إلى أبيه وأمه فسلم عليهما وأعلمهما بقدوم الجارية ففرحا بذلك فرحاً شديداً. هذا ما كان من أمر ابن الملك والفرس والجارية.

وأما ماكان من أمر ملك الروم فإنه لما عاد إلى مدينته احتجب في قصره حزيناً كئيباً فدخل عليه وزراؤه وجعلوا يسلونه ويقولون له أن الذي أخذ الجارية ساحراً والحمد لله الذي نجاك من سحره ومكره وما زالوا به حتى تسلى عنها، وأما ابن الملك فإنه عمل الولائم العظيمة لأهل المدينة. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة التاسعة والتسعين بعد الثلاثمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن ابن الملك عمل الولائم العظيمة لأهل المدينة وأقاموا في الفرح شهراً كاملاً، ثم دخل على الجارية وفرحا ببعضهما فرحاً شديداً هذا ما كان من أمره وأما ما كان من أمر والده فإنه كسر الفرس الآبنوس وأبطل حركاتها، ثم إن ابن الملك كتب كتاباً إلى أبي الجارية وذكر له فيها حالها وأخبره أنه تزوج بها، وهي عنده في أحسن حال وأرسله إليه مع الرسول وصحبته هدايا وتحفاً نفيسة فلما وصل الرسول إلى مدينة أبي الجارية وهي صنعاء اليمن اوصل الكتاب والهدايا إلى ذلك الملك. فلما قرأ الكتاب فرح فرحاً شديداً وقبل الهدايا واكرم الرسول ثم جهز هدية سنية لصهره ابن الملك وأرسلها إليه مع ذلك الرسول فرجع بها إلى ابن الملك وأعلمه بفرح الملك أبي الجارية حين بلغه خبر ابنته فحصل له سرور عظيم وصار ابن الملك في كل سنة يكاتب صهره ويهاديه ولم يزالوا كذلك حتى توفي الملك أبو الغلام وتولى هو بعده في المملكة فعدل في الرعية وسار فيهم بسيرة مرضية فدانت له البلاد واطاعته البلاد واستمروا على هذه الحالة في ألذ عيش وأهنأه وأرغده إلى أن أتاهم هازم اللذات ومفرق الجماعات ومخرب القصور ومعمر القبور فسبحان الذي لا يموت وبيده الملك والملكوت.