حكاية أحمد الدنف وحسن شومان مع الدليلة المحتالة وبنتها زينب النصابة

حكاية أحمد الدنف وحسن شومان مع الدليلة المحتالة وبنتها زينب النصابة

وحكي أيضاً أيها الملك السعيد أنه كان في زمن هارون الرشيد رجل يسمى أحمد الدنف وآخر يسمى حسن شومان وكانا صاحبي مكر وحيل ولهما أفعال عجيبة فبسبب ذلك خلعلا الخليفة على أحمد الدنف خلعة وجعله مقدم الميمنة، وخلع على حسن شومان خلعة مقدم الميسرة، وجعل لكل منهما جامكية في كل شهر ألف دينار، وكان لكل واحد منهما أربعون رجلاً من تحت يده، وكان مكتوباً على أحمد الدنف درك البر فنزل أحمد الدنف ومعه حسن شومان والذين من تحت أيديهما راكبين والأمير خالد الوالي بصحبتهم والمنادي ينادي حسبما رسم الخليفة أنه لا مقدم ببغداد في الميمنة إلا المقدم أحمد الدنف، ولا مقدم ببغداد في الميسرة إلا حسن شومان وأنهما مسموعا الكلمة واجبا الحرمة وكان في البلدة عجوز تسمى الدليلة المحتالة ولها بنت تسمى زينب النصابة فسمعتا المناداة بذلك فقالت زينب لأمها الدليلة: انظري يا أمي هذا أحمد الدنف جاء من مصر مطروداً ولعب مناصف في بغداد، إلى أن تقرب عند الخليفة وبقي مقدم الميمنة وهذا الولد الأقرع حسن شومان مقدم الميسرة، وله سماط في الغداء وسماط في العشاء ولهما جوامك لكل واحد منهما ألف دينار في كل شهر ونحن معطلون في هذا البيت لا مقام لنا ولا حرمة وليس لنا من يسأل عنا وكان زوج الدليلة مقدم بغداد سابقاً وكان له عند الخليفة في كل شهر ألف دينار فمات عن بنتين بنت متزوجة ومعها ولد يسمى أحمد اللقيط، وبنت عازبة تسمى زينب النصابة وكانت الدليلة صاحبة حيل وخداع ومناصف، وكانت تتحيل على الثعبان حتى تطلعه من وكره وكان إبليس يتعلم منها المكر وكان زوجها براجاً عند الخليفة وكان له جامكية في كل شهر ألف دينار وكان يربي حمام البطاقة الذي يسافر بالكتب والرسائل وكان عند الخليفة كل طير لوقت حاجته أعز من واحد من أولاده، فقالت بغداد، وتكون لنا جامكية أبينا.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة السادسة والأربعين بعد الستمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن زينب النصابة لما قالت لأمها: قومي اعملي لنا حيلاً ومناصف لعل بذلك يشيع لنا صيت في بغداد فتكون لنا جامكية أبينا فقالت لها: وحياتك يا بنتي لألعبن في بغداد مناصف أقوى من مناصف أحمد الدنف وحسن شومان، فقامت وضربت لثاماً ولبست لباس الفقراء من الصوفية ولبست لباساً نازلاً لكعبها وجبة صوف، وتحزمت بمنطقة عريضة، وأخذت إبريقاً وملأته ماء لرقبته وحطت في فمه ثلاثة دنانير وغطت فم الإبريق بليفة وتقلدت بسج قدر حملة حطب وأخذت راية في يدا وفيها شراطيط حمر وصفر، وطلعت تقول: الله الله واللسان ناطق بالتسبيح والقلب راكض في ميدان القبيح وصارت تتلمج لمنصف تلعبه في البلد فسارت من زقاق إلى زقاق حتى وصلت إلى زقاق مكنوس مرشوش وبالرخام مفروش فرأت باباً مقوصراً بعتبته من مرمر ورجلاً مغربياً واقفاً بالباب وكانت تلك الدار لرئيس الشاويشية عند الخليفة وكان صاحب الدار ذا زرع وبلاد جامكية واسعة وكان يسمى حسن شر الطريق وما سموه بذلك إلا لكون ضربته تسبق كلمته وكان متزوجاً بصبية مليحة، وكان يحبها وكانت ليلة دخلته بها حلفته أنه لا يتزوج عليها ولا يبيت في غير بيته إلى أن طلع زوجها يوماً من الأيام إلى الديوان فرأى كل أمير معه ولداً وولدان وكان قد دخل الحمام ورأى وجهه في المرآة فرأى بياض شعر ذقنه غطى سوادها، فقال في نفسه هل الذي أخذ أباك لا يرزقك ولداً؟ ثم دخل على زوجته وهو مغتاظ، فقالت له: مساء الخير فقال لها: روحي من قدامي من يوم رأيتك ما رأيت خيراً فقالت له: لأي شيء؟ فقال لها: ليلة دخلت عليك حلفتيني أني ما أتزوج عليك ففي هذا اليوم رأيت الأمراء كل واحد معه ولد وبعضهم معه ولدان فتذكرت الموت وأنا ما رزقت بولد ولا بنت ومن لا ذكر له لا يذكر وهذا سبب غيظي فإنك عاقر لا تحبلين مني.

فقالت له: اسم الله عليك أنا خرقت الأهوان من دق الصوف والعقاقير، وأنا ما لي ذنب والعاقة منك لأنك بغل أفطس، وبيضك رائق لا يحبل ولا يجيء بأولاد فقال لها: لما أرجع من السفر أتزوج عليك، فقالت له: نصيبي على الله تعالى وطلع من عندها وندما على معاضرة بعضهما فبينما زوجته تطل من طاقتها وهي كأنها عروسة كنز من المصاغ الذي عليها وإذا بدليلة واقفة فرأتها فنظرت عليها صغية وثياباً ثمينة، فقالت في نفسها: يا دليلة لا أصنع من أن تأخذي هذه الصبية من بيت زوجها وتعريها من المصاغ والثياب وتأخذي جميع ذلك فوقفت وذكرت تحت شباك القصر وقالت: الله الله! فرأت الصبية هذه العجوز وهي لابسة من الثياب البيض ما يشبه قبة من نور متهيئة بهيئة الصوفية وهي تقول: أحضروا يا أولياء الله، فطلت النساء من النوافذ وقالت شيء لله من المدد هذه شيخة طالع من وجهها النور، فبكت خاتون زوجة الأمير حسن وقالت لجاريتها: انزلي قبلي يد الشيخ أبو علي البواب، وقولي له خليه يدخل الشيخة لنتبرك بها، فنزلت وقبلت يده وقالت: سيدتي تقول لك خل هذه الشيخة تدخل إلى سيدتي لنتبرك بها.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة السابعة والأربعين بعد الستمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الجارية لما نزلت للبواب وقالت له سيدتي تقول لك خل هذه الشيخة تدخل لنتبرك بها لعل بركتها تعم علينا فتقدم البواب وقبل يدها، فمنعته وقالت له ابعد عني لئلا تنقض وضوئي أنت الآخر مجذوب ومحلوظ من أولياء الله، الله يعتقك من هذه الخدمة يا أبا علي وكان للبواب أجرة ثلاثة أشهر على الأمير، وكان معسراً ولم يعرف أن يخلصها من ذلك الأمير.

فقال لها يا أمي اسقيني من إبريقك لأتبرك بك فأخذت الإبريق من على كتفها وبرمت به في الهواء وهزت يدها حتى طارت الليفة من فم الإبريق، فنزلت الثلاثة دنانير على الأرض فنظرها البواب والتقطها وقال في نفسه شيء لله هذه الشيخة من أصحاب التصرف، فإنها كاشفت علي وعرفت أني محتاج للمصروف فتصرفت لي في حصول ثلاثة الدنانير التي وقعت على الأرض من إبريقك. فقالت له العجوز: ابعدها عني فإني من ناس لا يشتغلون بدنيا أبداً خذها ووسع بها على نفسك عوضاً عن الذي لك عند الأمير، فقال شيء لله من المدد وهذا من باب الكشف وإذا بالجارية قبلت يدها وأطلعتها لسيدتها فلما دخلت رأت سيدة الجارية كأنها كنز انفكت عنه الطلاسم، فرحبت بها وقبلت يدها فقالت لها يا ابنتي أنا ما جئتك إلا بمشورة فقدمت لها الأكل، فقالت لها: يا ابنتي أنا ما آكل إلا من مأكل الجنة وأديم صيامي فلا أفطر إلا خمسة أيام في السنة، ولكن يا بنتي أنا أنظرك مكدرة ومرادي أن تقولي لي على سبب تكديرك.

فقالت يا أمي في ليلة ما دخلت حلفت زوجي أنه لا يتزوج غيري فرأى الأولاد فتشوق إليهم فقال لي: أنت عاقر، فقلت له: أنت بغل لا تحبل فخرج غضبان وقال لي لما أرجع من السفر أتزوج عليك، وأنا خائفة يا أمي أن يطلقني ويتزوج غيري فإن له بلاداً وزروعاً وجامكية واسعة، فإذ جاء أولاد من غيري يملكون المال والبلاد مني فقالت لها يا بنتي هل أنت عمياء عن شيخي أبي الحملات، فكل من كان مديوناً وزاره قضى الله دينه، وإن زارته عاقر فإنها تحبل فقالت يا أمي أنا من يوم دخلت ما خرجت لا معزية ولا مهنية، فقالت لها العجوز: يا بنتي أنا آخذك معي وأورك أبا الحملات وأرمي حملتك عليه وانذري له نذراً عسى أن يجيء زوجك من السفر ويجامعك فتحبلي منه ببنت أو ولد وكل شيء ولدتيه إن كان أنثى أو ذكر يبقى درويش الشيخ أبي الحملات فقامت الصبية ولبست مصاغها جميعه ولبست أفخر ما كان عندها من الثياب وقالت للجارية ألقي نظرك على البيت فقالت سمعاً وطاعة يا سيدتي.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الثامنة والأربعين بعد الستمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الصبية لما قالت للجارية: ألقي نظرك على البيت قالت سمعاً وطاعة ثم نزلت فقابلت الشيخ أبو علي البواب فقال لها إلى أين يا سيدتي فقالت أنا رائحة لأزور الشيخ أبو الحملات فقال البواب صوم العام يلزمني إن هذه من الأولياء وملآنة بالولاية وهي يا سيدتي من أصحاب التصريف لأنها أعطتني ثلاثة دنانير من الذهب الأحمر وكاشفت علي من غير أن أسألها وعلمت أني محتاج فخرجت العجوز والصبية زوجة الأمير حسن شر الطريق معه، والعجوز الدليلة المحتالة تقول للصبية إن شاء الله يا بنتي لما تزورين الشيخ أبا الحملات يحصل لك جبر الخاطر، وتحبلين بإذن الله تعالى ويحبك زوجك الأمير حسن ببركة هذا الشيخ ولا يسمعك كلمة تؤذي خاطرك بعد ذلك فقالت لها أزوره يا أمي، ثم قالت العجوز في نفسها إني أغريها وآخذ ثيابها والناس رائحة وغادية فقالت لها يا بنتي إذا مشيت فامشي ورائي على قدر ما تنظرينني لأن أمك صاحبة حمل كثيرة وكل من كان عليه حمل يرميها علي وكل من كان معه نذر يعطيه لي ويقبل يدي، فمشت الصبية وراءها بعيداً عنها والعجوز قدامها إلى أن وصلتا سوق التجار والخلخال يرن والعقوص تشن على دكان ابن تاجر يسمى سيدي حسن وكان مليحاً جداً لا نبات بعرضيه فرأى الصبية مقبلة فصار يلحظها شزراً، فلما لحظت ذلك العجوز، غمزت الصبية وقالت لها اقعدي في هذا الدكان حتى أجيء إليك فامتثلت أمرها وقعدت قدام دكان ابن التاجر، فنظرها ابن التاجر نظرة أعقبته ألف حسرة، ثم أتته العجوز وسلمت عليه وقالت له هل أنت اسمك سيدي حسن ابن التاجر محسن، فقال لها نعم من أعلمك باسمي، فقالت دلني عليك أهل الخير واعلم أن هذه الصبية بنتي، وكان أبوها تاجراً فمات وخلف لها مالاً كثيراً وهي بالغة وقالت العقلاء أخطب لبنتك ولا تخطب لابنك وعمرها ما خرجت إلا في هذا اليوم وقد جاءت الإشارة ونويت في سري أن أزوجك بها وإن كنت فقيراً أعطيتك رأس المال وأفتح لك عوض الدكان اثنين، فقال ابن التاجر في نفسه قد سألت الله عروسة فمن علي بثرثة أشياء كيس وكس وكساء، ثم قال لها: يا أمي ما شرت به علي فإن أمي طالما قالت فقالت له: قم على قدميك واتبعني وأنا أريها لك عريانة فقام معها وأخذ معه ألف دينار وقال في نفسه ربما نحتاج إلى شيء فنشتريه.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة التاسعة والأربعين بعد الستمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن العجوز قالت لحسن ابن التاجر محسن قم واتبعني وأنا أريها لك عريانة، فقام معها وأخذ ألف ديار وقال في نفسه ربما نحتاج إلى شيء فنشتريه ونحط معلوم العقد ثم قالت له العجوز كن ماشياً بعيداً عنها على قدر ما تنظرها بالعين، وقالت العجوز في نفسها أين تروحين بابن التاجر وقد قفل دكانه فتعريه هو والصبية، ثم مشت والصبية تابعة لها وابن التاجر تابع للصبية إلى أن أقبلت على مصبغة وكان بها واحد معلم يسمى الحاج محمد وكان مثل سكين القلاقسي يقطع الذكر والأنثى يحب أكل التين والرمان فسمع الخلخال يرن فرفع عينه فرأى الصبية والغلام وإذا بالعجوز قعدت عنده وسلمت عليه وقالت له أنت الحاج محمد الصباغ فقال لها نعم أنا الحاج محمد أي شيء تطلبين فقالت له أنا دلني عليك أهل الخير فانظر هذه الصبية المليحة بنتي وهذا الشاب الأمرد المليح ابني وأنا ربيتهما وصرفت عليهما أموالاً كثيرة واعلم أن لي بيتاً كبيراً قد خسع وصلبته على خشب وقال لي المهندس اسكني في مطرح غيره لربما يقع عليك حتى تعمريه، وبعد ذلك ارجعي إليه واسكني فيه طلعت أفتش لي على مكان فدلني عليك أهل الخير ومرادي أن أسكن عندك بنتي وابني فقال الصباغ في نفسه قد جاءتك زبدة على فطيرة، فقال لها إن لي بيتاً وقاعة وطبقة ولكن أنا ما أستغني عن مكان منها للضيوف والفلاحين أصحاب النبلة، فقالت له يا ابني معظمه شهر أو شهرين حتى نعمر البيت، ونحن ناس غرباء فاجعل مكان الضيوف مشتركاً بيننا وبينك وحياتك يا ابني إن طلبت أن ضيوفك تكون ضيوفنا فمرحباً بهم نأكل معهم وننام معهم، فأعطاها المفاتحي واحداً كبيراً وآخر صغيراً ومفتاح أعوج وقال لها المفتاح الكبير للبيت والأعوج للقاعة والصغير للطبقة فأخذت المفاتيح وتبعتها الصبية ووراءها ابن التاجر إلى أن أقبلت على زقاق فرأت الباب ففتحته ودخلت، ودخلت الصبية وراءها وقالت لها: يا بنتي هذا بيت الشيخ أبي الحملات وأشارت لها إلى القاعة ولكن اطلعي الطبقة وحلي أزرارك حتى أجيء إليك فدخلت الصبية في الطبقة وقعدت فأقبل ابن التاجر فاستقبلته العجوز، وقالت له اقعد في القاعة حتى أجيء إليك ببنتي لتنظرها.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الخمسين بعد الستمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن العجوز استقبلت ابن التاجر وقالت اقعد في القاعة حتى أجيء إليك فدخل وقعد في القاعة، ودخلت العجوز على الصبية فقالت لها الصبية أنا مرادي أن أزور أبا الحملات قبل أن يجيء الناس فقالت لها يا بنتي يخشى عليك فقالت لها: من أي شيء فقالت لها هناك ولدي أهبل لا يعرف صيفاً من شتاء دائماً عريان وهو نقيب الشيخ فإن دخلت بنت ملك مثلك لتزور الشيخ يأخذ حلقها ويشرم أذنها ويقطع ثيابها الحرير فأنت تقلعين صيغتك وثيابك لأحفظها لك حتى تزوري، فقلعت الصبية الصيغة والثياب وأعطت العجوز إياها، وقالت لها إني أضعها لك على ستر الشيخ فتحصل لك البركة، ثم أخذتها العجوز وطلعت وخلتها بالقميص واللباس وخبأتها في محل السلالم ثم دخلت العجوز على ابن التاجرفوجدته في انتظار الصبية، فقال لها أين بنتك حتى أنظرها فلطمت على صدرها فقال لها: مالك، فقالت له: لا عاش جيران السوء ولا كان جيران يحسدون، لأنهم رؤوك داخلاً معي فسألوني عنك فقلت أنا خطبت لبنتي هذا العريس، فحسدوني عليك فقالوا لبنتي هل أمك تعبت من مؤنتك حتى تزوجك لواحد مبتلي فحلفت لها أني ما أخليها تنظرك إلا وأنت عريان، فقال أعوذ بالله من الحاسدين وكشف عن ذراعيه فرأتهما مثل الفضة فقالت له لا تخشى من شيء فإني أدعك تنظرها عريانة مثل ما تنظرك عرياناً، فقال لها خليها تجيء لتنظرني وقلع الفروة السمور والحياطة والكسين وجميع الثياب حتى صار بالقميص واللباس وحط الألف دينار في الحوائج فقالت له هات حوائجك حتى أحفظها لك وأخذتها ووضعتها على حوائج الصبية، وحملت جميع ذلك وخرجت به من الباب وقفلته عليهما وراحت إلى حال سبيلها.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الواحدة والخمسين بعد الستمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن العجوز لما أخذت حوائج ابن التاجر وحوائج الصبية وقفلت الباب عليهما وراحت إلى حال سبيلها وأودعت الذي كان معها عند رجل عطار وراحت إلى الصباغ فرأته قاعداً في انتظارها، فقال لها إن شاء الله يكون البيت أعجبكم فقالت فيه بركة وأنا رائحة أجيء بالحمالين يحملون حوائجنا وفرشنا وأولادي قد اشتهوا علي عيشاً بلحم فأنت تأخذ هذا الدينار وتعمل لهما عيشاً بلحم وتروح تتغدى معهم، فقال الصباغ ومن يحرس المصبغة وحوائج الناس فيها فقالت صبيك قال وهو كذلك، ثم أخذ صحناً ومكبة معه وراح يعمل الغداء هذا ما كان من أمر الصباغ وله كلام يأتي.

وأما ما كان من أمر العجوز فإنها أخذت من العطار حوائج الصبية وابن التاجر ودخلت المصبغة وقالت لصبي الصباغ: الحق معلمك وأنا لا أبرح حتى تأتياني فقال لها سمعاً وطاعة، ثم أخذت جميع ما فيها وإذا برجل حمار حشاش له أسبوع وهو بطال فقالت له العجوز: تعال يا حمار فجاءها فقالت له: هل أنت تعرف ابني الصباغ، قال لها: أعرفه قالت له: هذا مسكين قد أفلس وبقي عليه ديون، ولكما يحبس أطلقه ومرادنا أن نثبت إعساره وأنا رائحة أعطي الحوائج لأصحابها ومرادي أن تعطيني الحمار حتى أحمل عليه الحوائج للناس وخذ هذا الدينار كراءة وبعد أن أروح تأخذ الدسترة وتنزح بها الذي في الخوابي ثم تكسر الخوابي والدنان لأجل إذا نزل كشف من طرف القاضي لا يجد شيء في المصبغة فقال لها: إن المعلم فضله علي وأعمل شيء لله، فأخذت الحوائج وحملتها فوق الحمار وستر عليها الستار وعمدت إلى بيتها فدخلت على بنتها زينب فقالت لها: قلبي عندك يا أمي أي شيء عملت من المناصف؟ فقالت لها: أنا لعبت أربع مناصف على أربعة أشخاص ابن التاجر وامرأة شاويش وصباغ وحمار وجئت لك بجميع حوائجهم على حمار الحمار فقالت لها: يا أمي ما بقيت تقدري أن تشقي في البلد من الشاويش الذي أخذت حوائج امرأته وابن التاجر الذي عريته، والصابغ الذي أخذت حوائج الناس من مصبغته والحمار صاحب الحمار، فقالت: آه يا بنتي أنا ما أحسب إلا حساب الحمار فإنه يعرفني.

وأما ما كان من أمر المعلم الصباغ فإنه جهز العيش باللحم وحمله على رأس خادمه، وفات على المصبغة فرأى الحمار يكسر في الخوابي ولم يبق فيها قماش ولا حوائج ورأى المصبغة خراباً، فقال له: ارفع يدك يا حمار فرفع يده وقال له الحمار: الحمد لله على السلامة يا معلم قبلي عليك فقال له: لأي شيء وما حصل لي: فقال له: صرت مفلساً وكتبوا حجة إعسارك، فقال له: ومن قال لك؟ فقال: أمك قالت لي وأمرتني بكسر الخوابي ونزح الدكان خوفاً من الكشاف إذا جاء ربما يجد في المصبغة شيء فقال: الله يخيب البعيد إن أمي ماتت من زمان ودق صدره بيده وقال: يا ضياع مالي ومال الناس، فبكى الحمار وقال: يا ضيعة حماري، ثم قال للصباغ: يا صباغ هات لي حماري من أمك، فتعلق الصباغ بالحمار وصار يكلمه ويقول: أحضر لي العجوز فقال له: أحضر لي الحمار فاجتمعت عليهما الخلائق.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الثانية والخمسين بعد الستمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الصباغ تعلق بالحمار والحمار تعلق بالصباغ وتضاربا وصار كل واحد منهما يدعي على صاحبه فاجتمعت عليهما الخلائق فقال واحد: أي شيء الحكاية يا معلم محمد؟ قال له الحمار: أنا أحكي لكم الحكاية وحدثهم بما جرى له وقال: إني أظن أني مشكور عند المعلم، فدق صدره وقال لي: أمي ماتت وأنا الآخر أطلب حماري منه لأنه عمل علي هذا المنصف لأجل أن يضيع حماري فقالت الناس: يا معلم محمد وهذه أنت تعرفها لأنك استأمنتها على المصبغة والذي فيها فقال: لا أعرفها وإنما سكنت عندي في هذا اليوم هي وابنتها فقال واحد: في ذمتي إن الحمار في عهدة الصباغ فقيل له ما أصله فقال لأن الحمار ما اطمأن وأعطى العجوز حماره إلا لما رأى الصباغ استأمن العجوز على المصبغة والذي فيها فقال واحد: يا معلم لما سكنتها عندك وجب عليك أنك تجيء له بحماره ثم تمشوا قاصدين البيت لهم كلام يأتي. وأما ابن التاجر فإنه انتظر مجيء العجوز حتى تجيء ببنتها، وأما الصبية فإنها انتظرت العجوز حتى تجيء لها بإذن من ابنها المجذوب الذي هو نقيب الشيخ أبي الحملات فلم ترجع إليها فقامت لتزوره وإذا بابن التاجر يقول لها: حين دخلت تعالي أين أمك التي جاءت بي لأتزوج بك؟ فقالت: إن أمي ماتت فهل أنت ابنها المجذوب نقيب الشيخ أبي الحملات؟ فقال: ما هذه ما هي أمي هذه عجوز نصابة نصبت علي حتى أخذت ثيابي والألف دينار فقالت له الصبية: وأنا الأخرى نصبت علي وجاءت بي لأزور أبا الحملات وعرتني فصار ابن التاجر يقول للصبية أنا ما أعرف ثيابي والألف دينار إلا منك، والصبية تقول له: أنا ما أعرف حوائجي وصيغتي إلا منك فأحضر لي أمك وإذا بالصباغ داخل عليهما فرأى ابن التاجر عرياناً والصبية عريانة، فقال: قولا لي أين أمكما؟ فحكت الصبية جميع ما وقع لها وحكى ابن التاجر جميع ما جرى له، فقال الصباغ: يا صباغ مالي ومال الناس وقال الحمار: يا ضياع حماري فقال الصباغ: هذه عجوز نصابة اطلعوا حتى أقفل الباب، فقال ابن التاجر: يكون عيباً عليك أن ندخل بيتك لابسين ونخرج منه عريانين.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الثالثة والخمسين بعد الستمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن ابن التاجر قال للصباغ يكون عيب عليك أن ندخل بيتك لابسين ونخرج عريانين فكساه وكسى الصبية وروحها بيتها ولها كلام يأتي بعد قدوم زوجها من السفر.

وأما ما كان من أمر الصباغ فإنه قفل المصبغة وقال لابن التاجر اذهب بنا لنفتش على العجوز ونسلمها للوالي فراح معه وصحبهما الحمار فحكوا له ما جرى لهم قوال: كم عجوز في البلد روحوا فتشوا عليها وأمسكوها وأنا أقررها لكم فداروا يفتشون عليها ولهم كلام يأتي.

وأما العجوز الدليلة المحتالة فإنها قالت لبنتها زينب: يا بنتي أنا أريد أن أعمل منصفاً فقالت لها: يا أمي أنا اخاف عليك فقالت لها: أنا مثل سقط الفول عاص على الماء والنار، فقامت ولبست ثياب خادمة من خدام الأكابر وطلعت تتلمح لمنصف تعمله فمرت على زقاق مفروش فيه قماش ومعلق فيه قناديل وسمعت فيه أغاني ونقر دفوف، ورأت جارية على كتفها ولد بلباس مطرز بالفضة وعليه ثياب جميلة وعلى رأسه طربوش مكلل باللؤلؤ وفي رقبته طوق ذهب مجوهر وعليه عباءة من قطيفة وكان هذا البيت لشاه بندر التجار ببغداد والولد ابنه وله أيضاً بنت بكر مخطوبة وهم يعملون أملاكها في ذلك اليوم وكان عند أمها جملة نساء ومغنيات فكلما تطلع أمه وتنزل يشبط معها الولد فنادت الجارية وقالت لها خدي سيدك لاعبيه حتى ينفض المجلس، ثم إن العجوز دليلة لما دخلت رأت الولد على كتف الجارية، فقالت لها: أي شيء عند سيدتك اليوم من الفرح؟ فقالت: تعمل أملاك بنتها وعندها المغنيات فقالت في نفسها: يا دليلة ما منصف إلا أخذ هذا الولد من هذه الجارية.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الرابعة والخمسين بعد الستمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن العجوز لما قالت لنفسها يا دليلة ما منصف إلا أخذ هذا الولد من هذه الجارية قالت بعد ذلك: يا فضيحة الشوم ثم أطلعت من جيبها برقة صغيرة من الصفر مثل الدينار وكانت الجارية غشيمة ثم قالت العجوز للجارية: خذي هذا الدينار وادخلي لسيدتك وقولي لها: أم الخير فرحت لك وفضلك عليها ويوم المحضر تجيء هي وبناتها وينعمن على المواشط بالنقوط فقالت الجارية يا أمي وسيدي هذا كلما ينظر أمه يتعلق بها فقالت: هاتيه معي حتى تروحي وتجيئي فأخذت الجارية البرقة ودخلت، وأما العجوز فإنها أخذت الولد وراحت إلى زقاق قفعته الصيغة والثياب الي عليه وقالت لنفسها: يا دليلة ما شطارة إلا مثل ما لعبت على الجارية وأخذتيه منها أن تعملي منصفاً وتجعليه رهناً على شيء بألف دينار ثم ذهبت إلى سوق الجواهرجية، فرأت يهودياً صائغاً وقدامه قفص ملآن صيغة فقالت في نفسها ما شطارة إلا أن تحتالي على هذا اليهودي وتأخذي منه صيغة بألف دينار وتحطي الولد رهناً عنده عليها، فنظر اليهودي بعينه فرأى الولد مع العجوز فعرف أنه ابن شاه بندر التجار، وكان اليهودي صاحب مال كثير وكان يحسد جاره إذا باع بيعة ولم يبع هو فقال لها: أي شيء تطلبين يا سيدتي؟ فقالت له: أنت المعلم عذرة اليهودي لأنها سألت عن اسمه فقال لها نعم فقالت له: أخت هذا الولد بنت شاه بندر التجار مخطوبة وفي هذا اليوم عملوا أملاكها وهي محتاجة لصيغة فأت لنا بزوجين خلاخل ذهباً وزوج أساور ذهباً وحلق لؤلؤ وحياطة وخنجر وخاتم فأخذت منه شيئاً بألف دينار وقالت له: أنا آخذ هذا المصاغ على المشاورة فالذي يعجبهم يأخذونه وآتي إليك بثمنه وخذ هذا الولد عندك فقال: الأمر كما تريدين، فأخذت الصيغة وراحت بيتها فقالت لها بنتها: أي شيء فعلت من المناصف؟ فقالت لها: لعبت منصفا فأخذت ابن شاه بندر التجار وعريته ثم رحت رهنته على مصاغ بألف دينار فأخذتها من يهودي فقالت لها ابنتها: ما بقيت تقدري أن تمشي في البلد.

وأما الجارية فإنها دخلت لسيدتها وقالت: يا سيدتي أم الخير تسلم عليك وفرحت لك ويوم المحضر تجيء هي وبناتها ويعطين النقوط فقالت لها سيدتها: وأين سيدك؟ فقالت لها: خليته عندها خوفاً أن يتعلق بك وأعطتني نقوطاً للمغنيات فقالت لرئيسة المغنيات: خذي نقوطك، فأخذته فوجدته برقة من الصفر فقالت لها سيدتها: انزلي يا عاهرة انظري سيدك، فنزلت الجارية فلم تجد الولد ولا العجوز فصرخت وانقلبت على وجهها وتبدل فرحهم حزن.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الخامسة والخمسين بعد الستمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الجارية لما نزلت لتنظر سيدها والعجوز فلم تجدهما فصرخت وانقلبت على وجهها وأخبرت سيدتها فتبدل فرحهم بحزن وإذا بشاه بندر التجار أقبل فحكت له زوجته جميع ما جرى فطلع يفتش عليه وصار كل تاجر يفتش من طريق، ولم يزل شاه بندر التجار يفتش على ابنه حتى رأى ابنه عرياناً على دكان اليهودي فقال: هذا ولدي، فقال اليهودي: نعم فأخذه أبوه ولم يسأل عن ثيابه لشدة فرحه به، وأما اليهودي فإنه لما رأى التاجر أخذ ابنه تعلق به وقال: الله ينصر فيك الخليفة فقال له التاجر: ما بالك يا يهودي؟ فقال اليهودي: إن العجوز أخذت مني صيغة لبنتك بألف دينار ورهنت هذا الولد عندي وما أعطيتها إلا لأنها تركت هذا الولد عندي رهناً على الذي أخذته وما ائتمنها إلا لكوني أعرف أن هذا الولد ولدك، فقال التاجر: إن ابنتي لا تحتاج إلى صيغة فأحضر لي ثياب الولد، فصرخ اليهودي وقال: أدركوني يا مسلمين، وإذا بالحمار والصباغ وابن التاجر دائرون يفتشون على العجوز فسألوا التاجر واليهودي عن سبب خناقهما، فحكيا لهم ما حصل فقالوا: إن هذه عجوز نصابة ونصبت علينا قبلكما وحكوا جميع ما جرى لهم معها، فقال شاه بندر التجار: لما لقيت ولدي فالثياب فداه إن وقعت العجوز طلبت الثياب منها فتوجه شاه بندر التجار بابنه لأمه ففرحت بسلامته وأما اليهودي فإنه لحق الثلاثة وقال لهم: أين تذهبون أنتم؟ فقالوا له: إننا نريد أن نفتش عليها فقال لهم: خذوني معكم، ثم قال لهم: هل فيكم من يعرفها؟ قال الحمار: أنا أعرفها فقال لهم اليهودي: إن طلعنا سواء لا يمكن أن نجدها وتهرب منا، ولكن كل واحد منا يروح من طريق ويكون اجتماعنا على دكان الحاج مسعود المزين المغربي فتوجه كل واحد من طريق، وإذا هي طلعت لتعمل منصفاً فرآها الحمار فعرفها فتعلق بها، وقال لها: ويلك إلك زمان على هذا الأمر قال لها: حماري هاتيه، فقالت له: استر ما ستر الله يا ابني أنت طالب حمارك وإلا حوائج الناس؟ فقال: طالب حماري فقط فقالت له: أنا رأيتك فقيراً وحمارك أودعته لك عند المزين المغربي فقف بعيداً حتى أصل إليه وأقول له بلطافة أن يعطيك إياه، وتقدمت للمغربي وقبلت يده وبكت فقال لها: مابالك؟ فقالت له: انظر ولدي الذي واقف كان ضعيفاً واستهوى فأفسد الهواء عقله وكان يقني الحمير فإن قام يقول حماري وإن قعد يقول حماري وإن مشى يقول حماري، فقال لي حكيم من الحكماء إنه اختل في عقله ولا يطيبه إلا قلع ضرسين ويكوى في أصداغه مرتين، فخذ هذا الدينار وناده وقل له: حمارك عندي، فقال المغربي: صوم رمضان يلزمني لأعطيه حماره في كفه وكان عنده اثنان صناعية فقال لواحد منهما رح احم مسمارين، ثم نادر الحمار والعجوز راحت إلى حال سبيلها.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة السادسة والخمسين بعد الستمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن المغربي قال لصانعه: احم مسمارين وناد الحمار والعجوز راحت إلى حال سبيلها فلما جاء قال له: حمارك عندي يا مسكين تعال خذه وحياتي لأعطيك إياه في كفك، ثم أخذه ودخل به في قاعة مظلمة وإذا بالمغربي لكمه فوقع فسحبوه وربطوا يديه ورجليه، وقام المغربي قلع له ضرسين وكواه على صدغه كيين ثم تركه فقام وقال: يا مغربي لأي شيء عملت معي هذا الأمر؟ فقال له: إن أمك أخبرتني أنك مختل العقل لأنك استهويت وأنت مريض، وإن قمت تقول حماري وإن قعدت تقول حماري وإن مشيت تقول حماري وهذا حمارك في يدك، فقال له: تلقى من الله بسبب تقليعك أضراسي فقال له: إن أمك قالت لي وحكي له جميع ما قالت فقال: الله ينكد عليها وذهب الحمار هو والمغربي يتخاصمان وتركا الدكان، فلما رجع المغربي إلى دكانه لم يجد فيها شيئاً وكانت العجوز حين راح المغربي هو والحمار، أخذت جميع ما في دكانه وراحت لبنتها زينب وحكت جميع ما وقع لها وما فعلت. وأما المزين فإنه لما رأى دكانه خالية تعلق بالحمار، وقال له: أحضر أمك فقال له: ما هي أمي وإنما هي نصابة نصبت على ناس كثيرين وأخذت حماري وإذا بالصباغ واليهودي وابن التاجر مقبلون، فرأوا المغربي متعلقاً بالحمار والحمار مكوي على أصداغه فقالوا له: ما جرى لك يا حمار؟ فحكى لهم جميع ما جرى وكذلك المغربي حكى قصته فقالوا له: إن هذه عجوز نصابة نصبت علينا وحكوا له ما وقع، فقفل دكانه وراح معهم إلى بيت الوالي، وقالوا للوالي: ما نعرف حالنا وما لنا إلا منك فقال الوالي: وكم عجائز في البلد؟ هل فيكم من يعرفها؟ فقال الحمار: أنا أعرفها ولكن أعطنا عشرة من أتباعك، فخرج الحمار بأتباع الوالي والباقي وراءهم ودار الحمار بالجميع، وإذا بالعجوز دليلة مقبلة فقبضها هو وأتباع الوالي وراحوا بها إلى الوالي فوقفوا تحت شباك القصر حتى يخرج الوالي، ثم إن أتباع الوالي ناموا من كثرة سهرهم مع الوالي فجعلت العجوز نفسها نائمة فنام الحمار ورفقاؤه كذلك فانسلت منهم ودخلت إلى حريم الوالي فقبلت يدي سيدة الحريم وقالت لها: أين الوالي؟ فقالت: نائم، أي شيء تطلبين؟ فقالت: إن زوجي يبيع الرقيق فأعطاني خمسة مماليك أبيعهم وهو مسافر فقابلني الوالي بألف دينار ومائتين لي وقال لي: أرسليهم إلى البيت فأنا جئت بهم.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة السابعة والخمسين بعد الستمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن العجوز لما طلعت إلى حريم الوالي قالت لزوجته: إن الوالي فصل مني المماليك بألف دينار، وقال: وصليهم إلى البيت وكان الوالي عنده ألف دينار، وقال لزوجته احفظيها حتى نشتري بها مماليك فلما سمعت من العجوز هذا الكلام تحققت من زوجها ذلك، فقالت: وأين المماليك؟ قالت: يا سيدتي هم نائمون تحت شباك القصر الذي أنت فيه فطلت السيدة من الشباك، فرأت المغربي لابسا لبس المماليك وابن التجار في صورة مملوك والصباغ والحمار واليهودي في صورة المماليك الحليق، فقالت زوجة الوالي: هؤلاء كل مملوك أحسن من ألف دينار ففتحت الصندوق وأعطت العجوز الألف دينار، وقالت لها: اصبري حتى يفيق الوالي من النوم ونأخذ لك منه المائتي دينار، فقالت لها: يا سيدتي منهما مائة دينار لك في نظير الشراب الذي شربته والمائة الأخرى احفظيها لي عندك حتى أحضر، ثم قالت: يا سيدتي اطلعيني من باب السر فأطلعتها منه وستر عليها الستار، وراحت لبنتها فقالت لها: يا أمي ما فعلت، فقالت: يا بنتي لعبت منصفاً وأخذت منه هذا الألف دينار من زوجة الوالي، وبعت الخمسة رجال لها الحمار واليهودي والصباغ والمزين وابن التاجر وجعلتهم مماليك ولكن يا بنتي ما علي أضر من الحمار فإنه يعرفني، فقالت لها: يا أمي اقعدي يكفي ما فعلت فما كل مرة تسلم الجرة.

وأما الوالي فإنه لما قام من النوم قالت له زوجته: فرحت لك بالخمسة مماليك الذين اشتريتهم من العجوز، فقال لها: أي مماليك؟ فقالت: لأي شيء تنكر مني إن شاء الله يصيرون مثلك أصحاب مناصب فقال لها وحياة رأسي ما اشتريت مماليك من قال ذلك؟ فقالت: العجوز الدلالة التي فصلتهم منها وواعدتها أنك تعطيها حقهم ألف دينار ومائتين لها فقال لها: وهل أعطيتها المال؟ قالت له: نعم وأنا رأيت المماليك بعيني كل واحد عليه بدلة تساوي ألف دينار وأرسلت وصيت عليهم المقدمين، فنزل الوالي فرأى اليهودي والحمار والمغربي والصباغ وابن التاجر.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الثامنة والخمسين بعد الستمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الوالي لما نزل ورأى اليهودي والحمار والمغربي والصباغ وابن التاجر فقال: يا مقدمين أين الخمسة مماليك الذين اشتريناهم من العجوز بألف دينار؟ فقالوا: ما هنا مماليك وما رأينا إلا هؤلاء الخمسة الذين أمسكوا العجوز وقبضوا عليها فنمنا كلنا ثم إنها انسلت ودخلت الحريم وأتت الجارية تقول: هل الخمسة الذين جاءت بهم العجوز عندكم؟ فقلنا: نعم فقال الوالي: والله إن هذا أكبر منصف والخمسة يقولون ما نعرف حوائجنا إلا منك فقال لهم: إن العجوز صاحبتكم باعتكم لي بألف دينار، فقالوا: ما يحل من الله نحن أحرار لا نباع ونحن وإياك للخليفة، فقال لهم: ما عرف العجوز طريق البيت إلا أنتم ولكن أنا أبيعكم للأغراب كل واحد بمائتي دينار فبينما هم كذلك وإذا بالأمير حسن شر الطريق جاء من سفره ورأى زوجته عريانة وحكت له جميع ما جرى لها، فقال لها: أنا ما خصمي إلا الوالي فدخل عليه وقال له: هل أنت تأذن للعجائز أن تدور في البلد وتنصب على الناس وتأخذ أموالهم؟ هذا عهدتك ولا أعرف حوائج زوجتي إلا منك ثم قال للخمسة: ما خبركم؟ فحكوا جميع ما جرى فقال لهم: أنتم مظلومون، والتفت إلى الوالي وقال له: لأي شيء تسجنهم؟ فقال له: ما أعرف العجوز طريق بيتي إلا هؤلاء الخمسة حتى أخذت مالي الألف دينار وباعتهم للحريم، فقال: يا أمير امرأتك عندي وضمان العجوز علي ولكن من يعرفها منكم؟ قالوا كلهم: نحن نعرفها أرسل معنا عشرة مقدمين ونحن نمسكها فأعطاهم عشرة مقدمين فقال لهم الحمار: اتبعوني فإني أعرفها بعيون زرق، وإذا بالعجوز دليلة مقبلة من زقاق وإذا بهم قبضوا عليها وساروا بها إلى بيت الوالي.

فلما رآها الوالي قال: أين حوائج الناس؟ فقالت: لا أخذت ولا رأيت فقال للسجان: احبسها عندك للغد، قال السجان: أنا لا آخذها ولا أسجنها مخافة أن تعمل منصفاً وأصير أنا ملزوماً بها فركب الوالي وأخذ بصلبها من شعرها فسحبها المشاعلي في البكر واستحفظ عليها عشرة من الناس وتوجه الوالي لبيته إلى أن أقبل الظلام وغلب النوم على المحافظين وإذا برجل بدوي سمع رجل يقول لرفيقه: الحمد لله على السلامة أين هذه الغيبة؟ فقال له: في بغداد وتغديت زلابية بعسل، فقال البدوي: لابد من دخولي بغداد وآكل فيها زلابية بعسل وكان عمره ما أكلها زين وذمة العرب ما آكل إلا زلابية بعسل.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة التاسعة والخمسين بعد الستمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن البدوي لما ركب حصانه وأراد دخول بغداد سار وهو يقول لنفسه: أكل الزلابية زين وذمة العرب أنا لا آكل إلا زلابية بعسل إلى أن وصل عند مصلب دليلة فسمعته يقول لنفسه هذا الكلام فأقبل عليها وقال لها: أي شيء أنت؟ فقالت له: أنا في جيرتك يا شيخ العرب فقال لها: إن الله قد أجارك ولكن ما سبب صلبك؟ فقالت له: عدو لي زيات يقلي الزلابية فوقفت أشتري منه شيئاً فبزقت فوقعت بزقتي على الزلابية فاشتكاني للحاكم، فأمر الحاكم بصلبي وقال: خذوا لها عشرة أرطال زلابية بعسل وأطعموها إياها وهي مصلوبة فإن أكلتها فحلوها وإن لم تأكلها فخلوها مصلوبة وأنا نفسي ما تقبل الحلو، فقال البدوي: وذمة العرب ما جئت من النجع إلا لآكل الزلابية بالعسل وأنا آكلها عوضاً عنك، فقالت له: هذه ما يأكلها إلا الذي يتعلق موضعي فانطبقت عليه الحيلة فحلها وربطته موضعها بعدما قلعته الثياب التي كانت عليه، ثم إنها لبست ثيابه وتعممت بعمامته وركبت حصانه وراحت لبنتها، فقالت لها بنتها: ما هذا الحال؟ فقالت لها: صلبوني وحكت لها ما وقع لها من البدوي هذا ما كان من أمرها. وأما ما كان من أمر المحافظين فإنه لما صحى واحد منهم نبه جماعته فرأوا النهار قد طلع فرفع واحد منهم عينيه وقال دليلة، فأجابه البدوي وقال: والله ما نأكل بليلة هل أحضرتم الزلابية بالعسل؟ فقالوا: هذا رجل بدوي فقالوا له: يا بدوي أين دليلة ومن فكها؟ قال: أنا فككتها ما تأكل الزلابية بالعسل غضباً لأن نفسها لا تقبلها، فعرفوا أن البدوي جاهل بحالها فلعبت عليه منصفاً وقالوا لبعضهم: هل نهرب أو نستمر حتى نستوفي ما كتبه الله علينا وإذا بالوالي مقبل ومعه الجماعة الذين نصبت عليهم فقال الوالي للمقدمين: قوموا فكوا دليلة فقال البدوي: ما نأكل بليلة هل أحضرتم الزلابية بعسل فرفع الوالي عينيه إلى المصلب فرأى بدوياً بدل العجوز فقال للمقدمين: ما هذا؟ فقالوا: الأمان يا سيدي.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الستين بعد الستمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن المحافظين قالوا للوالي: الأمان يا سيدي فقال لهم: احكوا لي ما جرى فقالوا: نحن كنا سهرنا معك في الليل وقلنا دليلة مصلوبة ونعسنا فلما صحونا رأينا هذا البدوي مصلوباً ونحن بين يديك فقال: يا ناس هذه نصابة وأمان الله عليكم فحلوا البدوي فتعلق البدوي بالوالي وقال: الله ينصر فيك الخليفة أنا ما أعرف حصاني وثيابي إلا منك، فسأله الوالي فحكى له البدوي قصته فتعجب الوالي، وقال له: لأي شيء حللتها، فقال له: ما عندي خبر أنها نصابة، فقال للجماعة: نحن ما نعرف حوائجنا إلا منك يا والي فإننا سلمناها إليك وصارت في عهدتك ونحن وإياك إلى ديوان الخليفة، وكان حسن شر الطريق طلع الديوان وإذا بالوالي والبدوي والخمسة مقبلون وهم يقولون: إننا مظلومون فقال الخليفة: من ظلمكم؟ فتقدم كل واحد منهم وحكى له ما جرى عليه حتى الوالي قال: يا أمير المؤمنين إنها نصبت علي وباعت لي هؤلاء الخمسة بألف دينار مع أنهم أحرار، فقال الخليفة: جميع ما ضاع لكم عندي وقال للوالي: ألزمتك بالعجوز فنفض الوالي طوقه وقال: لا ألتزم بذلك بعدما علقتها في المصلب، فلعبت على هذا البدوي حتى خلصها وعلقته في موضعها وأخذت حصانه وثيابه فقال الخليفة: الزم بها غيرك فقال: الزم بها أحمد الدنف فإن له في كل شهر ألف دينار ولأحمد الدنف من الأتباع واحد وأربعون لكل واحد في كل شهر مائة دينار فقال الخليفة: يا مقدم أحمد قال: لبيك يا أمير المؤمنين قال له: ألزمتك بحضور العجوز فقال: ضمانها علي ثم إن الخليفة حجز الخمسة والبدوي عنده.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الواحدة والستين بعد الستمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الخليفة لما ألزم المقدم أحمد الدنف بإحضار العجوز قال له: ضمانها علي يا أمير المؤمنين، ثم نزل هو وأتباعه إلى القاعة فقالوا لبعضهم: كيف يكون قبضنا عليها وكم من عجائز في البلد؟ فقال واحد منهم يقال له علي كتف الجمل لأحمد الدنف: على أي شيء تشاورون حسن شومان وهل حسن شومان أمر عظيم؟ فقال حسن: يا علي كيف تستقلني والاسم الأعظم لا أرافقكم في هذه المرة وقام غضبان فقال أحمد الدنف: يا شبان كل قيم يأخذ عشرة ويتوجه بهم إلى حارة ليفتشوا على دليلة فذهب علي كتف الجمل بعشرة وكذلك كل قيم وتوجهت كل جماعة إلى حارة وقالوا قبل توجههم وافتراقهم: يكون اجتماعنا في الحارة الفلانية في الزقاق الفلاني فشاع في البلد أن أحمد الدنف التزم بالقبض على الدليلة المحتالة، فقالت زينب: يا أمي إن كنت شاطرة تلعبي على أحمد الدنف وجماعته فقالت: يا بنتي أنا ما أخاف إلا من حسن شومان فقالت البنت: وحياة مقصوصي لآخذ لك ثياب الواحد وأربعين، ثم قامت ولبست بدلة وتبرقعت وأقبلت على واحد عطار له قاعة ببابين فسلمت عليه وأعطته ديناراً وقالت له: خذ هذا الدينار حلوان قاعتك وأعطنيها إلى آخر النهار فأعطاها المفاتيح وراحت أخذت فرشاً على حمار الحمار وفرشت القاعة وحطت في كل ليوان سفرة طعام ومدام ووقفت على الباب مكشوفة الوجه وإذا بعلي كتف الجمل وجماعته مقبلون، فقبلت يده فرآها صبية مليحة فحبها وقال لها: أي شيء تطلبين؟ فقالت له: هل أنت المقدم أحمد الدنف؟ فقال: لا بل أنا من جماعته واسمي علي كتف الجمل فقالت لهم: أين تذهبون؟ فقال: نحن دائرون نفتش على عجوز نصابة أخذت أرزاق الناس ومرادنا أن نقبض عليها، ولكن من أنت وما شأنك؟ فقالت: إن أبي كان خماراً في الموصلي فمات وخلف لي مالاً كثيراً فجئت هذه البلدة خوفاً من الحكام وسألت الناس من يحميني فقالوا لي: ما يحميك إلا المقدم أحمد الدنف، فقال لها جماعته: اليوم تجمعين به فقالت لهم: اقصدوا جبر خاطري بلقمة وشربة ماء.

فلما أجابوها أدخلتهم فأكلوا وسكروا وحطت لهم البنج فبنجتهم وقلعتهم حوائجهم ومثل ما عملت فيهم عملت في الباقي فدار أحمد الدنف يفتش على دليلة فلم يجدها ولم ير من أتباعه أحد إلى أن أقبل على الصبية فقبلت يده فرآها فحبها فقالت له: أنت المقدم أحمد الدنف؟ فقال لها: نعم ومن أنت؟ قالت: غريبة من الموصل وأبي كان خماراً ومات وخلف لي مالاً كثيراً وجئت به إلى هنا خوفاً من الحكام، ففتحت هذه الخمارة فجعل الوالي علي قانوناً ومرادي أن أكون في حمايتك والذي يأخذه الوالي أنت أولى به فقال أحمد الدنف: لا تعطيه شيئاً ومرحباً بك فقالت له: اقصد جبر خاطري وكل طعامي، فدخل وأكل وشرب مداماً فانقلب من السكر فبنجته وأخذت ثيابه وحملت الجميع على فرس البدوي وحمار الحمار وأيقظت علياً كتف الجمل وراحت، فلما أفاق رأى نفسه عرياناً ورأى أحمد الدنف والجماعة مبنجين فأيقظهم بضد البنج فلما أفاقوا رأوا أنفسهم عرايا، فقال أحمد الدنف: ما هذا الحال يا شباب نحن دائرون لنصطادها فاصطادتنا هذه العاهرة يا فرحة حسن شومان فينا ولكن اصبر حتى تدخل العتمة ونروح، وكان حسن شومان قال للنقيب: أين الجماعة فبينما هو يسأل عنهم وإذا بهم قد أقبلوا وهم عرايا فأنشد حسن شومان هذين البيتين:

والناس مشتبهون في ايرادهـم

 

وتباين الأقوال في الأصـدار

ومن الرجال معالم ومجاهـل

 

ومن النجوم غوامض ودراري

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الثانية والستين بعد الستمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن حسن شومان قال للجماعة: من لعب عليكم وأعراكم؟ فقالوا: تعهدنا بعجوز نفتش عليها ولا أعرانا إلا صبية مليحة، فقال حسن شومان: نعم ما فعلت بكم فقالوا: هل أنت تعرفها يا حسن، فقال: أعرفها وأعرف العجوز، فقالوا له: أي شيء تقول عند الخليفة؟ فقال شومان: يا دنف نفض طوقك قدامه فإن قال لك لأي شيء ما قبضت عليها فقل أنا ما أعرفها والزم بها حسن شومان فإن ألزمني بها فأنا أقبضها وباتوا فلما أصبحوا طلعوا ديوان الخليفة فقبلوا الأرض بين يديه، فقال الخليفة: أين العجوز يا مقدم أحمد؟ فنفض طوقه فقال: لأي شيء فقال: أنا ما أعرفها والزم بها حسن شومان فإنه يعرفها هي وبنتها، وقال: إنها ما عملت هذه الملاعب طمعاً في حوائج الناس ولكن بيان شطارتها وشطارة بنتها لأجل أن ترتب لها راتب زوجها ولبنتها مثل راتب أبيها فشفع فيها شومان من القتل وهو يأتي بها فقال الخليفة: وحياة أجدادي إن أعادت حوائج الناس عليها الأمان وهي في شفاعتك فقال شومان أعطني الأمان يا أمير المؤمنين فقال له: هي في شفاعتك وأعطاه منديل الأمان، فقال الخليفة هي في كرامتك تعالي يا عجوز ما اسمك؟ فقالت: لها: أين أمك؟ فقالت: موجودة، فقال: قولي لها تجيء بحوائج الناس وتذهب معي لتقابل الخليفة وقد جئت لها بمنديل الأمان فإن كانت لا تجيء حوائج الناس مع حمار الحمار وفرس البدوي، فقال لها شومان: احضري ثياب كبيري وثياب جماعته فقالت والاسم الأعظم أني ما أعريتهم، فقال: صدقت ولكن هذا منصف بنتك زينب وهذه جميلة معك، وسار وهي معه إلى ديوان الخليفة فتقدم حسن وعرض حوائج الناس على الخليفة، وقدم دليلة بين يديه فلما رآها أمر برميها في بقعة الدم، فقالت: أنا في جيرتك يا شومان فقام شومان وقبل أيادي الخليفة وقال له: العفو أنت أعطيتها الأمان، فنزل شومان وراح إلى دليلة فصاح عليها فجاوبته بنتها زينب فقال اسمي دليلة فقالت: ما أنت إلا حيالة محتالة فلقبت بدليلة المحتالة، ثم قال لها: لأي شيء عملت هذه المناصف وأتعبت قلوبنا؟ فقالت: أنا ما فعلت هذه الفعال بقصد الطمع في متاع الناس ولكن سمعت بمناصف أحمد الدنف التي لعبها في بغداد ومناصف حسن شومان فقلت: أنا الأخرى أعمل مثلها وقد رددت حوائج الناس إليهم فقام الحمار وقال: شرع الله بيني وبينها فإنها ما كفاها أخذ حماري حتى سلطت علي المزين المغربي فقلع أضراسي وكواني في أصداغي كيين.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الثالثة والستين بعد الستمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الحمار لما قام وقال: شرع الله بيني وبينها فإنها ما كفاها أخذ حماري، حتى سلطت المزين المغربي فقلع أضراسي وكواني في أصداغي كيين، أمر الخليفة للحمار بمائة دينار وللصباغ بمائة دينار وقال: انزل عمر مصبغك فدعوا للخليفة ونزلا وأخذ البدوي حوائجه وحصانه وقال: حرام علي دخول بغداد وأكل الزلابية بالعسل وكل من كان له شيء أخذه وانفضوا كلهم. هذا ما جرى لدليلة المحتالة في مدينة بغداد. وأما ما كان من أمر علي الزيبق المصري فإنه كان شاطراً بمصر في زمن رجل يسمى صلاح المصري مقدم ديوان مصر وكان له أربعون تابعاً وكان أتباع صلاح المصري يعملون للشاطر علي ويظنون أنه يقع فيها فيفتشون عليه فيجدونه قد هرب كما يهرب الزيبق، فمن أجل ذلك لقبوه بالزيبق المصري ثم إن الشاطر علي كان جالساً يوماً من الأيام في قاعة بين أتباعه فانقبض عليه وضاق صدره فرآه نقيب القاعة قاعداً عابس الوجه فقال له مالك يا كبيري إن ضاق صدرك فشق شقة في مصر فإنه يزول عنك الهم إذا مشيت في أسواقها فقام وخرج ليشق في مصر فازداد غماً وهماً فمر على خمارة فقال لنفسه ادخل وأسكر فدخل فرأى في الخمارة سبعة صفوف من الخلق فقال: يا خمار أنا ما أقعد إلا وحدي فأجلسه الخمار في طبقة وحده وأحضر له المدام فشرب حتى غاب عن الوجود ثم طلع من الخمارة وسار في مصر، ولم يزل سائراً في شوارعها حتى وصل إلى الدرب الأحمر وخلت الطريق قدامه من الناس هيبة له فالتفت فرأى رجل سقاء يسقي بالكوز، ويقول في الطريق: يا معوض ما شراب إلا من زبيب ولا وصال إلا من حبيب ولا يجلس في الصدر إلا لبيب فقال له: تعال اسقني فنظر إليه السقاء وأعطاه الكوز فطل في الكوز وخضه وكبه على الأرض فقال له السقاء: أما تشرب؟ فقال: اسقني فملأه وخضه وكبه في الأرض وثالث مرة كذلك، فقال له: إن كنت ما تشرب أروح فقال: اسقني فملأ الكوز وأعطاه إياه فأخذه منه وشرب، ثم أعطاه ديناراً وإذا بالسقاء نظر إليه واستقل به وقال له: أنعم بك يا غلام صغار قوم كبار آخرين.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الرابعة والستين بعد الستمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الشاطر علي لما أعطى السقاء ديناراً نظر إليه واستقل به وقال له: انعم بك صغار قوم كبار قوم آخرين فنهض الشاطر علي وقبض على جلاليب السقاء وسحب عليه خنجراً مثمناً كما قيل في هذين البيتين:

اضرب بخنجرك العنيد ولا تخف

 

أحداً سوى من سطوة الخـلاق

وتجنب الخلق الذميم ولا تـكـن

 

أبداً بغير مـكـارم الأخـلاق

فقال: يا شيخ كلمني بمعقول فإن قربتك إن غلا ثمنها يبلغ ثلاثة دراهم والكوزان اللذان دلقتهما على الأرض مقدار رطل من الماء قال له: نعم قال له: فأنا أعطيتك ديناراً من الذهب ولأي شيء تستقل بي فهل رأيت أحداً أشجع مني أو أكرم مني؟ فقال له: رأيت أشجع منك، فإنه ما دامت النساء تلد على الدنيا لا شجاع ولا كريم فقال له: من الذي رأيت أشجع مني وأكرم مني؟ فقال له: اعلم أن لي واقعة من العجب وذلك أن أبي كان شيخ السقائين بالشرابية في مصر فمات وخلف لي خمسة جمال وبغلاً ودكاناً وبيتاً، ولكن الفقير لا يستغني وإذا استغنى مات فقلت في نفسي: أنا أطلع الحجاز فأخذت قطار جمال ومازلت أقترض حتى صار علي خمسمائة دينار وضاع مني جميع ذلك في الحج فقلت في نفسي: إن رجعت إلى مصر تحبسني الناس على أموالهم فتوجهت إلى الحج الشامي حتى وصلت إلى حلب وتوجهت من حلب إلى بغداد ثم سألت عن شيخ السقاءين ببغداد فدلوني عليه، فدخلت وقرأت الفاتحة، فسألني عن حالي فحكيت له جميع ما جرى لي، فأخلى دكاناً وأعطاني قربة وعدة وسرحت على باب الله، وطفت في البلد فأعطيت واحدا الكوز ليشرب فقال لي: لم آكل شيء حتى أشرب عليه لأنه مر علي بخيل في هذا اليوم وجاءني بقلتين بين يديه.

فقلت له: يا ابن الخسيس هل أطعمتني شيئاً حتى تسقيني عليه فرح يا سقاء حتى آكل شيئا وبعد ذلك اسقني فجئت للثاني فقال: الله يرزقك فصرت على هذا الحال إلى وقت الظهر ولم يعطني أحد شيء فقلت: يا ليتني ما جئت إلى بغداد وإذا أنا بناس يسرعون في الجري فتبعتهم فرأيت موكباً عظيماً منجراً اثنين اثنين وكلهم بالطواقي والشدود والبرانس واللبد والفولاذ فقلت لواحد: هذا موكب من؟ فقال: موكب المقدام أحمد الدنف.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الخامسة والستين بعد الستمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن أن السقاء قال: فسألت واحداً من الموكب فقال لأحمد الدنف فقلت له: أي شيء رتبته؟ فقال: مقدم الديوان ومقدم بغداد وعليه درك البر وله على الخليفة في كل شهر ألف دينار وهم نازلون من الديوان إلى قاعتهم وإذا بأحمد الدنف رآني فقال: تعال اسقني فملأت الكوز وأعطيته إياه، فخضه وكبه وثاني مرة كذلك وثالث مرة شرب رشفة مثلك وقال: يا سقاء من أين أنت؟ فقلت له: من مصر فقال: حيا الله مصر وأهلها وما سبب مجيئك إلى هذه المدينة؟ فحكيت له قصتي وأفهمته أني مديون وهربان من الدين والعيلة فقال: مرحباً بك ثم أعطاني خمسة دنانير وقال لأتباعه: اقصدوا وجه الله وأحسنوا إليه فأعطاني كل واحد دينار وقال: يا شيخ ما دمت في بغداد ذلك علينا لك كلما أسقيتنا، فصرت أتردد عليهم وصار يأتيني الخير من الناس ثم بعد أيام أحصيت الذي اكتسبته منهم فوجدته ألف دينار، فقلت في نفسي: صار رواحك إلى البلاد أصوب فرحت له القاعة وقبلت يديه فقال: أي شيء تطلب؟ فقلت له: أريد السفر، وأنشدته هذين البيتين:

اقامات الغريب بـكـل أرض

 

كبنيان القصور على الـرياح

يهب الريح تهـدم الـبـنـايا

 

لقد عزم الغريب على الرواح

وقلت له: إن القافلة متوجهة إلى مصر ومرادي أن أروح إلى عيالي فأعطاني بغلة ومائة دينار وقال: غرضنا أن نرسل معك أمانة يا شيخ فهل أنت تعرف أهل مصر؟ فقلت له: نعم.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة السادسة والستين بعد الستمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن السقاء لما قال: إن أحمد الدنف أعطاني بغلة ومائة دينار وقال: غرضنا أن نرسل معك أمانة فهل أنت تعرف أهل مصر؟ قال السقاء: نعم فقال: خذ هذا الكتاب وأوصله إلى علي الزيبق المصري، وقل له: كبيرك يسلم عليك وهو الآن عند الخليفة، فأخذت منه الكتاب وسافرت حتى دخلت مصر فرآني أرباب الديون فأعطيتهم الذي علي ثم عملت سقاء ولم أوصل الكتاب لأني لم أعرف قاعة علي الزيبق المصري، فقال له: يا شيخ طب نفساً وقر عيناً فأنا علي الزيبق المصري أول صبيان المقدم أحمد الدنف فهات الكتاب فأعطاه إياه، فلما فتحه وقرأه رأى فيه هذين البيتين:

كتبت إلـيك يا زين الـمـلاح

 

على ورق يسير مع الـرياح

ولو أني أطير لطرت شـوقـا

 

وكيف يطير مقصوص الجناح

وبعد فالسلام من المقدم أحمد الدنف إلى أكبر أولاده علي الزيبق المصري والذي نعلمك به أني تقصدت صلاح الدين المصري ولعبت معه مناصف حتى دفتنته بالحياة وأطاعتني صبيانه ومن جملتهم علي كتف الجمل وتوليت مقدم مدينة بغداد في ديوان الخليفة ومكتوب على درك البر، فإن كنت ترعى العهد الذي بيني وبينك فأت عندي لعلك تلعب منصفاً في بغداد يقربك من خدمة الخليفة، فيكتب لك جامكية وجراية ويعمل لك قاعة وهذا هو المرام والسلام. فلما قرأ الكتاب قبله وحطه على رأسه وأعطى السقاء عشرة دنانير بشارة ثم توجه إلى القاعة ودخل على صبيانه، وأعلمهم بالخبر وقال لهم: أوصيكم ببعضكم ثم قلع ما كان عليه ولبس مشلحاً وطربوشاً وأخذ عليه فيها مزراق من عود القناطر له أربعة وعشرون ذرعاً وهو معشق في بعضه، فقال له النقيب: أتسافر والمخزن قد فرغ؟ فقال له: إذا وصلت إلى الام أرسل إليكم ما يكفيكم وسار إلى حال سبيله فلحق ركباً مسافراً فرأى فيه شاه بندر التجار ومعه أربعون تاجراً قد حملوا حمولهم وحمول شاه بندر التجار على الأرض ورأى مقدمه رجلاً شامياً وهو يقول للبغالين: واحد منكم يساعدني فسبوه وشتموه فقال في نفسه: لا يحسن سفري إلا مع هذا المقدم، وكان علي أمرداً مليحاً فتقدم إليه وسلم عليه فرحب به وقال له: أي شيء تطلب؟ فقال له: يا عمي رأيتك وحيداً وحمولتك أربعون بغلاً ولأي شيء ما جئت لك بناس يساعدونك؟ فقال: يا ولدي قد اكتريت ولدين وكسوتهما ووضعت لكل واحد في جيبه مائتي دينار فساعداني إلى الخانكة وهربا، فقال له: وإلى أين تذهبون؟ قال: إلى حلب فقال له: أنا أساعدك فحملوا الحمول وساروا وركب شاه بندر التجار بغلته وسار ففرح المقدم الشامي بعلي وعشقه إلى أن أقبل الليل فنزلوا وأكلوا وشربوا فجاء وقت النوم فحط علي جنبه وجعل نفسه نائماً فنام المقدم قريباً منه، فقام علي من مكانه وقعد على باب صيوان التاجر فانقلب المقدم وأراد أن يأخذ علياً في حضنه فلم يجده، فقال في نفسه: لعله واعد واحداً فأخذه ولكن أنا أولى وفي غير هذه الليلة أحجزه، وأما علي فإنه لم يزل على باب صيوان التاجر إلى أن قرب الفجر فجاء ورقد عند المقدم.

فلما استيقظ المقدم وجده فقال في نفسه: إن قلت له أين كنت يتركني ويروح ولم يزل يخادعه إلى أن أقبلوا إلى مغارة في غابة وفي تلك الغابة سبع كاسر، وكلما تمر قافلة يعملون القرعة بينهم فكل من خرجت عليه القرعة يرمونه للسبع فعملوا القرعة فلم تخرج إلا على شاه بندر التجار، وإذا بالسبع قطع عليهم الطريق ينتظر الذي يأخذه من القافلة فصار شاه بندر التجار في كرب شديد وقال للمقدم: الله يخيب كعبك وسفرتك ولكن وصيتك بعد موتي أن تعطي أولادي حمولي، فقال الشاطر علي: ما سبب هذه الحكاية؟ فأخبروه بالقصة.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة السابعة والستين بعد الستمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن التجار أخبروا علي المصري بالقصة فقال: ولأي شيء تهربون من قط البر؟ فأنا ألتزم لكم بقتله، فراح المقدم إلى التاجر وأخبره فقال: إن قتله أعطيته ألف دينار وقال بقية التجار: ونحن كذلك نعطيه، فقام علي وخلع المشلح فبان عليه عدة من بولاد فأخذ شريط بولاد وفرك لولبه وانفرد قدام السبع وصرخ عليه فهجم عليه السبع فضربه علي المصري بالسيف بين عينيه فقسمه نصفين، والمقدم والتجار ينظرونه قال للمقدم: لا تخف يا عمي فقال: يا ولدي أنا بقيت صبيك، فقام التاجر واحتضنه وقبله بين عينيه وأعطاه الألف دينار وكل تاجر أعطاه عشرين ديناراً، فحط جميع المال عند التاجر وباتوا وأصبحوا عامدين إلى بغداد فوصلوا إلى غابة الأساد ووادي الكلاب وإذا فيه رجل بدوي عاص قاطع الطريق ومعه قبيلة فطلع عليهم فولت الناس من بين أيديهم، فقال التاجر: ضاع مالي وإذا بعلي أقبل عليهم وهو لابس جلد ملآناً جلاجل واطلع المزارق وركب عقله في بعضها واختلس حصاناً من خيل البدوي وركبه وقال للبدوي: بازني بالرمح وهز الجلاجل فجفلت فرس البدوي من الجلاجل وضرب مزارق البدوي فكسره وضربه على رقبته فرمى دماغه فنظره قومه فانطبقوا على علي فقال: الله أكبر ومال عليهم فهزمهم وولوا هاربين، ثم رفع دماغ البدوي على رمح وأنعم عليه التجار وسافروا حتى وصلوا إلى بغداد فطلب الشاطر علي المال من التاجر، فأعطاه إياه فسلمه إلى المقدم وقال له: حين تروح مصر اسأل عن قاعتي وأعط المال لنقيب القاعة، ثم بات علي ولما أصبح دخل المدينة وشق فيها وسأل عن قاعة أحمد الدنف فلم يدله أحد عليها ثم تمشى حتى وصل إلى ساحة النفض فرأى أولاداً يلعبون وفيهم ولد يسمى أحمد اللقيط فقال علي: لا تأخذ أخبارهم إلا من صغارهم. فالتفت علي فرأى حلوانياً فاشترى منه حلاوة وصاح على الأولاد وإذا بأحمد اللقيط طرد الأولاد عنه ثم تقدم هو وقال لعلي: أي شيء تطلب؟ قال له: أنا كان معي ولد مات فرأيته في المنام يطلب حلاوة فاشتريتها فأريد أن أعطي لكل ولد قطعة فنظرها فرأى فيها ديناراً لاصقاً بها فقال له: رح أنا ما عندي فاحشة واسأل عني فقال: يا ولدي ما يأخذ الكراء إلا شاطر وأنا درت في البلد أفتش عن قاعة أحمد الدنف فلم يدلني عليها أحد وهذا الدينار كرائك، فقال له:أنا أروح أجري قدامك وأنت تجري ورائي إلى أن أصل القاعة فآخذ في رجلي حصوة فأرمها على الباب فتعرفها فجرى الولد وجرى علي وراءه إلى أن أخذ الحصوة برجله ورماها على باب القاعة فعرفها.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الثامنة والستين بعد الستمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن أحمد اللقيط لما جرى قدام الشاطر علي وأراه القاعة وعرفها قبض على الولد وأراد أن يخلص منه الدينار فلم يقدر فقال له: رح تستاهل الإكرام لأنك ذكي كامل العقل والشجاعة وإن شاء الله تعالى إن عملت مقدماً عند الخليفة أجعلك من صبياني فراح الولد، وأما علي الزيبق المصري فإنه أقبل على القاعة وطرق الباب، فقال أحمد الدنف: يا نقيب افتح الباب هذه طرقة علي الزيبق المصري، ففتح له الباب ودخل على أحمد الدنف وسلم وقابله بالعناق وسلم عليه الأربعون ثم إن أحمد الدنف ألبسه حلة وقال له: إني لما ولاني الخليفة مقدماً عنده كسى صبياني فأبقيت لك هذه الحلة، ثم أجلسوه في صدر المجلس بينهم وأحضروا له الطعام فأكلوا والشراب فشربوا وسكروا إلى الصباح، ثم قال أحمد الدنف لعلي المصري: إياك أن تشق في بغداد بل استمر جالساً في هذه القاعة، فقال له: لأي شيء فهل جئت لأحبس أنا ما جئت إلا لأجل أن أتفرج.

فقال له: يا ولدي لا تحسب أن بغداد مثل مصر هذه بغداد محل الخلافة وفيها شطارى كثيرون وتنبت فيها الشطارة كما ينبت البقل في الأرض فأقام علي في القاعة ثلاثة أيام، فقال أحمد الدنف لعلي المصري: أريد أن أقربك عند الخليفة لأجل أن يكتب لك جامكية فقال له: حتى يؤون الأوان فترك سبيله ثم إن علياً كان قاعداً في القاعة يوماً من الأيام فانقبض قلبه وضاق صدره فقال لنفسه: قم شق في بغداد وينشرح صدرك فخرج وسار من زقاق إلى زقاق فرأى في وسط السوق دكاناً فدخل وتغدى فيه وطلع يغسل يديه وإذا بأربعين عبداً بالشريطات البولاد واللبد وهم سائرون اثنين اثنين وآخر الكل دليلة المحتالة راكبة فوق بغلة وعلى رأسها خوذة مطلية بالذهب وبيضة من بولاد وزردية وما يناسب ذلك، وكانت دليلة نازلة من الديوان ذاهبة إلى الخان. فلما رأت علياً الزيبق المصري تأملت فيه فرأته يشبه أحمد الدنف في طوله وعرضه وعليه عباء وبرنص وشريط من بولاد ونحو ذلك والشجاعة لائحة عليه تشهد له ولا تشهد عليه فسارت في الخان واجتمعت ببنتها زينب وأحضرت تخت رمل فضربت الرمل فطلع لها اسمه علي المصري وسعده غالب على سعدها وسعد بنتها زينب، فقالت لها: أي شيء ظهر لك حين ضربت هذا التخت؟ فقالت: أنا رأيت اليوم شاباً يشبه أحمد الدنف وخائفة أن يسمع أنك أعريت أحمد الدنف وصبيانه فيدخل الخان ويلعب معنا منصفا لأجل أن يخلص ثأر كبيره وثأر الأربعين، وأظن أنه نازل في قاعة أحمد الدنف فقالت لها بنتها زينب: أي شيء هذا أظن أنك حسبت حسابه ثم لبست بدلة من أفخر ما عندها وخرجت تشق في البلد.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة التاسعة والستين بعد الستمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن زينب بنت الدليلة المحتالة خرجت تشق البلد فلما رآها الناس يتعشقون فيها وهي توعد وتخلف وتسمع وتسطح وسارت من سوق إلى سوق حتى رأت علياً المصري مقبلاً عليها فزاحمته بكتفها والتفتت وقالت: الله يحيي أهل النظر فقال لها: أنت متزوجة أو عازبة؟ فقالت: متزوجة فقال لها: عندي أو عندك؟ فقالت: أنا بنت تاجر وزوجي تاجر وعمري ما خرجت إلا في هذا اليوم وما ذاك إلا أني طبخت طعاماً وأردت أن آكل فما لقيت لي نفساً ولما رأيتك وقعت محبتك في قلبي فهل يمكن أن تقصد جبر قلبي وتأكل عندي لقمة؟ فقال لها: من دعي فليجيب، ومشت وتبعها من زقاق إلى زقاق، ثم قال في نفسه وهو ماش خلفها: كيف تفعل وأنت غريب وقد ورد من زنى في غربته رده الله خائباً ولكن ادفعها عنك بلطف، ثم قال: خذي هذا الدينار واجعلي الوقت غير هذا فقالت له: والاسم الأعظم ما يمكن إلا أن تروح معي هذا البيت وأستضيفك فتبعها إلى أن وصلت باب دار عليها بوابة عالية والضبة مغلقة، فقالت له افتح هذه الضبة فقال لها: وأين مفتاحها؟ فقالت له: ضاع فقال لها: كل من فتح ضبة بغير مفتاح يكون مجرماً وعلى الحاكم تأديبه وأنا لا أعرف شيئاً حتى أفتحها بلا مفتاح فكشف الإزار عن وجهها فنظرها نظرة أعقبته ألف حسرة ثم أسبلت ازارها في الضبة وقرأت أسماء موسى ففتحها بلا مفتاح. ودخلت فتبعها فرأى سيوفاً وأسلحة من البولاد ثم إنها خلعت الازار وقعدت معه فقال في نفسه استوف ما قدره الله عليك ثم مال عليها يأخذ قبلة من خدها فوضعت كفها على خدها وقالت له: ما صفاء إلا في الليل وأحضرت سفرة طعام ومدام فأكلا وشربا وقامت ملأت الإبريق من البئر وكبت على يديه فغسلهما فبينما هما كذلك وإذا بها دقت على صدرها وقالت: إن زوجي كان عنده خاتم من ياقوت مرهون على خمسمائة دينار فلبسته فجاء واسعاً فضيقته بشمعة، فلما أدليت الدلو سقط الخاتم في البئر، ولكن التفت إلى جهة الباب حتى أتعرى وأنزل البئر لأجيء به، فقال لها: عيب علي أن تنزلي وأنا موجود فما ينزل إلا أنا فقلع ثيابه وربط نفسه في السلة وأدلته في البئر وكان الماء فيه غزيراً، ثم قالت له: إن السلة قد قصرت مني ولكن فك نفسك وانزل، ففك ونزل في الماء وغطس فيه قامات ولم يحصل قرار البئر، وأما هي فإنها لبست إزارها وأخذت ثيابه وراحت إلى أمها.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة السبعين بعد الستمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن علياً المصري لما نزل في البئر وزينب أخذت ثيابه راحت إلى أمها وقالت لها: قد أعريت علياً المصري وأوقعته في بئر الأمير حسن صاحب الدار وهيهات أن يخلص وأما الأمير حسن صاحب الدار فإنه كان في وقتها غائباً في الديوان، فلما أقبل رأى بيته مفتوحاً فقال للسائس: لأي شيء ما أغلقت الضبة؟ فقال: يا سيدي إني أغلقتها بيدي فقال: وحياة راسي إن بيتي قد دخله حرامي، ثم دخل الأمير حسن وتلفت في البيت فلم يجد أحداً، فقال للسائس املأ الإبريق حتى أتوضأ فأخذ السائس الدلو وأدلاه، فلما سحبه وجده ثقيلاً فطل في البئر فرأى شيئاً قاعدا في السطل فلقاه في البئر ثانياً ونادى وقال: يا سيدي قد طلع لي عفريت من البئر. فقال له الأمير حسن: رح هات أربعة فقهاء يقرؤون القرآن عليه حتى ينصرف فلما أحضر الفقهاء، قال لهم: احتاطوا بهذا البئر واقرؤوا على هذا العفريت ثم جاء العبد والسائس وأنزلا الدلو وإذا بعلي المصري تعلق به وخبأ نفسه في الدلو وصبر حتى صار قريباً منهم ووثب من الدلو وقعد بين الفقهاء فصاروا يلطشون بعضهم بعضاً ويقولون: عفريت، عفريت فرآه الأمير حسن غلاماً إنسياً فقال له: هل أنت حرامي؟ فقال: لا، فقال: ما سبب نزولك في البئر؟ فقال له: أنا نمت واحتلمت فنزلت لأغتسل في بحر الدجلة فغطست فجذبني الماء تحت الأرض حتى خرجت من هذا البئر فقال له: قل الصدق فحكى له جميع ما جرى له فأخرج من البيت بثوب قديم، فتوجه إلى قاعة أحمد الدنف وحكى له ما وقع له فقال: ما قلت لك إن بغداد فيها نساء تلعب على الرجال فقال علي كتف الجمل: بحق الاسم الأعظم أن تخبرني كيف تكون رئيس فتيان مصر وتعريك صبية فصعب عليه ذلك وندم فكساه أحمد الدنف بدلة غيرها، ثم قال له حسن شومان: هل أنت تعرف الصبية؟ فقال: لا، فقال: هذه زينب بنت الدليلة المحتالة بوابة خان الخليفة فهل وقعت في شبكتها يا علي؟ قال: نعم، فقال له: يا علي إن هذه أخذت ثياب كبيرك وثياب جميع صبيانه، فقال: هذا عار عليكم، فقال له: وأي شيء مرادك؟ فقال: مرادي أن أتزوج بها فقال له: هيهات سل فؤادك عنها.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الواحدة والسبعين بعد الستمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن حسن شومان قال لعلي المصري هيهات سل فؤادك عنها فقال له: وما حيلتي في زواجها يا شومان؟ فقال مرحباً بك إن كنت تشرب من كفي وتمشي تحت رايتي بلغت مرادك منها، فقال له: نعم، فقال له: يا علي اقلع ثيابك فقلع ثيابه وأخذ قدراً وغلى فيه شيئاً مثل الزفت ودهنه به فصار مثل العبد الأسود ودهن شفتيه وخديه وكحله بكحل أحمر وألبسه ثياب خدام وأحضر عنده سفرة كباب ومدام، وقال له: إن في الخان عبداً طباخاً وأنت صرت شبيهه ولايحتاج من السوق إلا اللحمة والخضار فتوجه إليه بلطف وكلمه بكلام العبيد وسلم عليه، وقل له: أنا من زمان ما اجتمعت بك في البوظة فيقول لك: أنا مشغول وفي رقبتي أربعون عبداً أطبخ لهم سماطاً في الغداء وسماطاً في العشاء وأطعم الكلاب وسفرة لدليلة وسفرة لبنتها زينب، ثم قال له: تعال نأكل كباباً ونشرب بوظة وادخل وإياه القاعة واسكره، ثم اسأله عن الذي يطبخه كم لون هو وعن أكل الكلاب وعن مفتاح المطبخ وعن مفتاح الكوار فإنه يخبرك لأن السكران يخبر بجميع ما يكتمه في حال صحوه، وبعد ذلك بنجه والبس ثيابه وخذ السكاكين في وسطك وخذ مقطف الخضار واذهب إلى السوق واشتر اللحم والخضار، ثم ادخل المطبخ والكرار واطبخ الطبيخ ثم اغرفه وخذ الطعام وادخل به على دليلة في الخان وحط البنج في الطعام حتى تبنج الكلاب والعبيد ودليلة وبنتها زينب ثم اطلع القصر وائت بجميع الثياب منه، وإن كان مرادك أن تتزوج بزينب تجيء معك بالأربعين طيراً التي تحمل الرسائل فطلع فرأى العبد الطباخ فسلم عليه وقال له: مر زمان ما اجتمعنا بك في البوظة فقال له: أنا مشغول بالطبيخ للعبيد والكلاب فأخذه وأسكره وسأله عن الطبيخ كم لون هو فقال له: كل يوم خمسة ألوان في العشاء، وطلبوا مني أمس لوناً سادساً وهو الزردة ولوناً سابعاً وهو طبيخ حب الرمان، فقال: وأي شيء حال السفرة التي تعملها؟ فقال: أودي السفرة إلى زينب، وبعدها أودي سفرة لدليلة وأعشي العبيد وبعدهم أعشي الكلاب وأطعم كل واحد كفايته من اللحم، وأقل ما يكفيه رطل وأنسته المقادير أن يسأله عن المفاتيح ثم قلعه ثيابه ولبسها هو وأخذ المقطف وراح إلى السوق وأخذ اللحم والخضار.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الثانية والسبعين بعد الستمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن علياً المصري لما بنج العبد الطباخ أخذ السكاكين وحطها في حزامه وأخذ مقطف الخضار، ثم ذهب إلى السوق واشترى اللحم والخضار، ثم رجع ودخل الخان فرأى دليلة قاعدة تنفذ الداخل والخارج ورأى الأربعين عبداً مسلحين فقوي قلبه، فما رأته دليلة عرفته فقالت له: ارجع يا رئيس الحرامية أتعمل علي منصفاً في الخان، فالتفت علي المصري وهو في صورة العبد إلى دليلة وقال لها: ما تقولين يا بوابة؟ فقالت له: ماذا صنعت بالعبد الطباخ؟ وأي شيء فعلت فيه فهل قتلته أو بنجته؟ فقال لها: أي طباخ فهل هناك طباخ غيري؟ فقالت: تكذب أنت يا علي الزيبق المصري فقال لها بلغة العبيد: هل المصريين بيضاً أو سوداً أنا ما بقيت أخدم، فقال العبيد: ما لك يا ابن عمنا فقالت دليلة: ماذا هو ابن عمك هذا علي الزيبق المصري وكأنه بنج ابن عمكم أو قتله، فقالوا: هذا ابن عمنا سعد الله الطباخ، فقالت لهم: ما هو ابن عمكم بل هو علي المصري وصبغ جلده فقال لها: من علي؟ أنا سعد الله فقالت: إن عندي دهان الاختبار وجاءت بدهان فدهنت به ذراعيه وحكته فلم يطلع السواد فقال العبيد: خليه يروح ليعمل لنا الغداء فقالت لهم: إن كان ابن عمكم يعرف أي شيء طلبتم منه ليلة أمس، ويعرف كم لون يطبخ في كل يوم فسألوه عن الألوان وعما طلبوه ليلة أمس فقال: عدس وأرز وشربة ويخني وماء وردية ولون سابع وهو حب الرمان وفي العشاء مثلها فقال العبيد: صدقت فقالت لهم: ادخلوا معه فإن عرف المطبخ والكرار فهو ابن عمكم وإلا فاقتلوه لأن الطباخ قد ربى قطاف كلما يدخل الطباخ يقف القط على باب المطبخ ثم ينط على أكتافه إذا دخل.

فلما دخل ورآه القط نط على أكتافه، فرماه فجرى قدامه إلى المطبخ فلحظ أن القط ما وقف إلا على باب المطبخ فأخذ المفاتحي فرأى مفتاحاً عليه أثر الريش فعرف أنه مفتاح المطبخ ففتحه وحط الخضار وخرج فجرى القط قدامه وعمد إلى باب الكرار فلحظ أنه الكرار فأخذ المفاتيح فرأى مفتاحاً عليه أثر الدهان فعرف أنه مفتاح الكرار ففتحه، فقال العبيد: يا دليلة لو كان غريباً ما عرف المطبخ والكرار، ولا يعرف مفتاح كل مكان من بين المفاتيح وإنما هذا ابن عمنا سعد الله.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الثالثة والسبعين بعد الستمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن العبيد قالوا لدليلة المحتالة: هذا ابن عمنا سعد الله فقالت: إنما عرف الأماكن فقط وميز المفاتيح من بعضها بالقرينة وهذا الأمر لا يدخل علي ثم إنه دخل المطبخ وطبخ الطعام وطلع سفرة إلى زينب فرأى جميع الثياب في قصرها ثم نزل وطلع سفرة لدليلة وغدى العبيد وأطعم الكلاب وفي العشاء كذلك وكان الباب يفتح ولا يقبل إلا في الغداة والعشاء، ثم إن علياً قادم ونادى في الخان يا سكان الخان قد سهرت العبيد للحرس وأطلقنا الكلاب وكل من يطلع لا يلوم إلا نفسه، وكان علي قد أحضر العشاء للكلاب وحط فيه السم، ثم قدمه إليها فلما أكلته ماتت وبنج جميع العبيد ودليلة وبنتها زينب، ثم طلع فأخذ جميع الثياب وحمام البطاقة وفتح الخان وخرج وسار إلى أن وصل إلى القاعة، فرآه حسن شومان فقال له: أي شيء فعلت؟ فحكى له جميع ما كان فشكره، ثم إنه قام إلى ثيابه وغلى الماء وغسله فعاد أبيض كما كان، وراح إلى العبد وألبسه ثيابه وأيقظه من البنج فقام العبد وذهب إلى الخضري فأخذ الخضار ورجع إلى الخان، هذا ما كان من أمر علي الزيبق المصري.

وأما ما كان من أمر الدليلة المحتالة فإنه طلع من طبقها رجل تاجر من السكان عندما لاح الفجر فرأى باب الخان مفتوحاً والعبيد مبنجة والكلاب ميتة فنزل إلى دليلة فرآها مبنجة وفي رقبتها ورقة ورأى عند رأسها سفنجة ضد البنج فحطها على مناخيرها فأفاقت، فلما أفاقت قالت: أين أنا؟ فقال لها التاجر: أنا نزلت فرأيت باب الخان مفتوحاً ورأيتك مبنجة، وكذلك العبيد أما الكلاب فرأيتها ميتة فأخذت الورقة فرأيت فيها ما عمل هذا إلا علي المصري ثم قالت للعبيد: اكتموا هذا الأمر وقالت لبنتها: كم قلت إن علياً ما بخلي ثأره وقد عمل هذا العمل في نظير ما فعلت معه وكان قادراً أن يفعل معك شيء غير هذا، ولكنه اقتصر على هذا إبقاء للمعروف وطالباً للمحبة بيننا، ثم إن دليلة خلعت لباس الفتوة ولبست لباس النساء وربطت المحرمة في رقبتها وقصدت قاعة أحمد الدنف وكان علي حين دخل القاعة بالثياب وحمام الرسائل قام شومان وأعطى للنقيب حق أربعين حمامة فاشتراها وطبخها بين الرجال وإذا بدليلة تدق الباب، فقال أحمد الدنف: هذه دقة دليلة قم افتح لها يا نقيب فقام وفتح لها فدخلت دليلة.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الرابعة والسبعين بعد الستمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن النقيب لما فتح القاعة لدليلة دخلت فقال لها شومان: ما جاء بك هنا يا عجوز النحس وقد تحزبت أنت وأخوك زريق السماك؟ فقالت: يا مقدم إن الحق علي على هذه رقبتي بين يديك ولكن الفتى الذي عملي معي هذا المنصف من هو منكم؟ فقال أحمد الدنف: هو أول صبياني فقالت له: أنت سياق الله عليه أنه يجيء لي بحمام الرسائل وغيره ونجعل ذلك إنعاماً علي، فقال حسن شومان: الله يقابلك بالجزاء يا علي لأي شيء طبخت ذلك الحمام؟ فقال عليك ليس عندي خبر أنه حمام رسائل، ثم قال أحمد الدنف: يا نقيب هات نائبها فأعطاها قطعة من حمامة ومضغتها فقالت: هاذا ما هو لحم طير الرسائل فإني أعلفه حب المسك ويبقى لحمه كالمسك، فقال لها شومان: إن كان مرادك أن تأخذي حمام الرسائل فأقضي حاجة علي المصري، فقالت: أي شيء حاجته؟ فقال لها: أن تزوجيه بنتك زينب، فقالت: أنا ما أحكم عليها إلا بالمعروف، فقال حسن لعلي المصري: أعطها الحمام فأعطاها إياه، فأخذته وفرحت به فقال شومان: لابد أن تردي علينا جواباً كافياً.

فقالت: إن كان مراده أن يتزوج بها فهذا المنصف الذي عمله ما هو شطارة والشطارة أن يخطبها من خالها المقدم زريق فإنه كان وكيلها الذي ينادي: يا رطل سمك بجديدين وقد علق في دكانه كيساً حط فيه من الذهب ألفين، فعندما سمعوها تقول ذلك قاموا وقالوا: ما هذا الكلام يا عاهرة إنما أردت أن تعدمينا أخانا علياً المصري، ثم إنها راحت من عندهم إلى الخان فقالت لبنتها: قد خطبك مني علي المصري، ففرحت لأنها أحبته لعفته عنها وسألتها عما جرى فحكت لها ما وقع وقالت: شرطت عليه أن يخطبك من خالك، وأوقعته في الهلاك.

وأما علي المصري فإنه التفت إليهم وقال إليهم ما شأن زريق وأي شيء يكون هو؟ فقالوا: هو رئيس فتيان أرض العراق يكاد أن ينقب الجبل ويتناول النجم ويأخذ الكحل من العين وهو في هذا الأمر ليس له نظير ولكنه تاب عن ذلك وفتح دكان سمك، فجمع من السماكة ألف دينار ووضعها في كيس وربط في الكيس قيطاناً من حرير ووضع في القيطان جلاجلاً وأجراساً من نحاس وربطه في وتد من داخل باب الدكان متصلاً بالكيس وكلما يفتح الدكان يعلق الكيس وينادي: أين أنتم يا شطار مصر ويا فتيان العراق ويا مهرة بلاد العجم زريق السماك علق كيس على وجه الدكان كل من يدعي الشطارة ويأخذه بحيلة فإنه يكون له فتأتي الفتيان من رصاص وهو يقلي ويوقد النار، فإذا جاء الطماع ليساهيه ويأخذه يضربه برغيف من رصاص فيتلفه أو يقتله، فيا علي إذا تعرضت له تكون كمن يلطم في الجنازة ولا يعرف من مات فما لك على مقارعته فإنه يخشى عليك منه ولا حاجة لك بزواجك زينب ومن ترك شيئاً عاش بلاه.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الخامسة والسبعين بعد الستمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن حسن شومان ومن معه صاروا ينهون علي المصري بالعدول على زواج زينب بنت الدليلة المحتالة، فقال: هذا عيب يا رجال فلابد لي من أخذ الكيس ولكن هاتوا لي لبس صبية فأحضروا له لبس صبية فلبسه وتحنى وأرخى لثاماً وذبح خروفاً وأخذ دمه وطلع المصران ونظفه وعقده من تحت وملأه بالدم وربطه على فخذه ولبس عليه اللباس والخف وعمل نهدين من حواصل الطير وملأها باللبن وربط على بطنه بعض قماش ووضع بينه وبين بطنه قطناً وتحزم عليه بفوطة كلها نشاء قصار كل من ينظر يقول: ما أحسن هذا الكفل وإذا بحمار مقبل فأعطاه ديناراً وركب الحمار وسار به في جهة دكان زريق السماك فرأى الكيس معلقاً ورأى الذهب ظاهراً منه وكان زريق يقلي السمك، فقال علي: يا حمار ما هذه الرائحة؟ فقال له: رائحة سمك زريق فقال له: أنا امرأة حامل والرائحة تضرني هات لي منه قطعة سمك.

فقال الحمار لزريق: هل أصبحت تفوح الرائحة على النساء الحوامل أنا معي زوجة الأمير حسن شر الطريق قد شمت الرائحة وهي حامل فهات لها قطعة سمك لأن الجنين تحرك في بطنها، فقال زريق: يا ستار اللهم اكفنا شر هذا النهار، وأخذ قطعة سمك وأراد أن يقليها فانطفأت النار فدخل ليوقد النار وكان علي المصري قاعداً فاتكأ على المصران فقطعه فساح الدم من بين رجليه فقال: آه يا جنبي يا ظهري فالتفت الحمار فرأى الدم سائحاً فقال لها: ما لك يا سيدتي؟ فقال له وهو في صورة المرأة قد أسقطت الجنين فطل زريق فرأى الدم فهرب من الدكان وهو خائف فقال له الحمار: الله ينكد عليك يا زريق إن الصبية قد أسقطت الجنين وإنك ما تقدر على زوجها فلأي شيء أصبحت تفوح الرائحة وأنا أقول لك هات لها قطعة سمك فما ترضى، ثم أخذ الحمار حماره وتوجه إلى حال سبيله وحين هرب زريق داخل الدكان مد علي المصري يده إلى الكيس، فلما حصله خشخش الذهب الذي فيه وصلصلت الجلاجل والأجراس والحلق.

فقال زريق: ظهر خداعك يا علي أتعمل منصفاً علي وأنت في صورة صبية ولكن خذ ما جاءك وضربه برغيف من رصاص، فراح خائباً وحط يده في غيره فقام عليه الناس وقالوا: هل أنت سوق وإلا مضارب فإن كنت سوقياً فنزل الكيس واكف الناس شرك فقال لهم: باسم الله على الرأس، وأما علي فإنه راح إلى القاعة فقال له شومان: ما فعلت؟ فحكى له جميع ما وقع له ثم قلع لبس النساء وقال: يا شومان أحضر لي ثياب سائس فأحضرها له فأخذها ولبسها ثم أخذ صحناً وخمسة دراهم وراح لزريق السماك، فقال له: أي شيء تطلب يا أسطا؟ فأراه الدراهم في يده فأراد أن يعطي له من السمك الذي على الطبلية، فقال له: أنا ما آخذ إلا سمكاً سخناً فحط الطاجن وأراد أن يقليه فانطفأت النار فدخل ليوقدها فمد علي المصري يده ليأخذ الكيس فحصل طرفه فخشخشت الأجراس والحلق والجلاجل فقال له زريق: ما دخل على منصفك ولو جئتني في صورة سائس وأنا عرفتك من قبض يدك على الفلوس والصحن.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة السادسة والسبعين بعد الستمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن علياً المصري لما مد يده ليأخذ الكيس خشخشت الأجراس والحلق، فقال له زريق: ما دخل علي منصفك ولو جئتني في صورة سائس فأنا عرفتك من قبض يدك على الفلوس والصحن وضربه رغيف من رصاص فزاغ عنه علي المصري، فلم ينزل الرغيف إلا في طاجن ملآن باللحم الساخن فانكسر ونزل بمرقته على كتف القاضي وهو سائر ونزل الجميع في عب القاضي حتى وصل إلى محاشمه فقال القاضي: يا محاشمي ما أقبحك يا شقي من عمل معي هذه العملة؟ فقال له الناس: يا مولانا هذا ولد صغير رجم بحجر فوقع في الطاجن ما دفع الله كان أعظم ثم التفتوا فوجدوا الرغيف الرصاص والذي رماه إنما زريق السماك فقاموا عليه وقالوا: ما يحل منك يا زريق نزل الكيس أحسن لك فقال: إن شاء الله أنزله، وأما علي المصري فإنه راح إلى القاعة ودخل على الرجال فقالوا له: أين الكيس؟ فحكى لهم جيمع ما جرى له فقالوا له: أنت أضعت ثلثي شطارته، فقلع ما عليه ولبس بدلة تاجر وخرج فرأى حاوياً معه جراب فيه ثعابين وجربندية فيها أمتعته، فقال له: يا حاوي مرادي أن تفرج أولادي وتأخذ إحساناً فأتى به إلى القاعة وأطعمه وبنجه ولبس بدلته وراح إلى زريق السماك وأقبل عليه وزمر بالزمارة فقال له: الله يرزقك وغذا به طلع الثعابين ورماها قدامه وكان زريق يخاف من الثعابين فهرب منها داخل الدكان فأخذ الثعابين ووضعها في الجراب ومد يده إلى الكيس فحصل طرفه فشن الحلق والجلاجل والأجراس فقال له: مازلت تعمل علي المناصف حتى عملت حاوياً، ورماه برغيف من رصاص وإذا بواحد جندي سائر ووراءه السائس، فوقع الرغيف على راس السائس فبطحه.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة السابعة والسبعين بعد الستمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن زريق لما رمى الرغيف الرصاص وقع على السائس فبطحه فقال الجندي: من بطحه؟ فقال له الناس: هذا حجر نزل من السقف فسار الجندي والتفتوا فرأوا رغيف الرصاص فقاموا عليه وقالوا له: نزل الكيس فقال: إن شاء الله أنزله في هذه الليلة وما زال علي يلعب مع زريق حتى عمل معه سبعة مناصف ولم يأخذ الكيس، ثم إنه أرجع ثياب الحاوي ومتاعه إليه وأعطاه إحساناً ورجع إلى دكان زريق، فسمعه يقول: أنا إن بيت الكيس في الدكان نقب عليه وأخذه ولكن آخذه معي إلى البيت، ثم قام زريق وعزل الدكان ونزل الكيس وحطه في عبه، فتبعه علي إلى أن قرب من البيت فرأى زريق جاره عنده فرح، فقال زريق في نفسه: أروح البيت وأعطي زوجتي الكيس وألبس حوائجي، ثم أعود إلى الفرح، ومشى وعلي تابعه وكان زريق متزوجاً بجارية سوداء من معاتيق الوزير جعفر ورزق منها بولد وسماه عبد الله، وكان يوعدها أن يطاهر الولد بالكيس ويزوجه ويصرفه في فرحه، ثم دخل زريق على زوجته وهو عابس الوجه، فقالت: ما سبب عبوسك؟ فقال لها: ربي بلاني بشاطر لعب معي سبعة مناصف على أنه يأخذ الكيس فما قدر أن يأخذه فقالت: هاته حتى أدخره لفرح الولد فأعطاها إياه، وأما علي المصري فإنه تخبأ في مخدع وصار يسمع ويرى فقام زريق وخلع ا عليه ولبس بدلته وقال لها: احفظي الكيس يا أم عبد الله وأنا رائح إلى الفرح، فقالت له: نم لك ساعة فنام، فقام علي ومشى على أطراف أصابعه وأخذ الكيس وتوجه إلى بيت الفرح ووقف يتفرج. وأما زريق فإنه رأى في منامه أن الكيس أخذه طائر فأفاق مرعوباً وقال لأم عبد الله: قومي انظري الكيس، فقامت تنظره فما وجدته فلطمت وجهها وقالت: يا سواد حظك يا أم عبد الله الكيس أخذه الشاطر فقال: والله ما أخذه إلا الشاطر علي وما أحد غيره أخذ الكيس ولابد أني أجيء به، فقالت إن لم تجئ به قفلت عليك الباب وتركتك تبيت في الحارة فأقبل زريق على الفرح فرأى الشاطر علياً يتفرج، فقال: هذا الذي أخذ الكيس ولكنه نازل في قاعة أحمد الدنف فسبقه زريق إلى القاعة وطلع على ظهرها فرآهم نائمين وإذا بعلي أقبل ودق الباب، فقال زريق: من بالباب؟ فقال علي المصري فقال له: هل جئت بالكيس؟ فظن أنه شومان فقال له: لا يمكن أن أفتح لك حتى أنظره فإنه وقع بيني وبين كبيرك رهان فقال له: مد يدك فمد يده من جنب عقب الباب فأعطاه الكيس فأخذه زريق وطلع من الموضع الذي نزل منه وراح إلى الفرح وأما علي فإنه لم يزل واقفاً على الباب ولم يفتح له أحد فطرق الباب طرقة مزعجة فصحا الرجال وقالوا: هذه طرقة علي المصري، ففتح له النقيب وقال له: هل جئت بالكيس: فقال: يكفي مزاحاً يا شومان أنا أعطيتك إياه من جنب عقب الباب، وقلت لي: أنا حالف لا أفتح لك الباب حتى تريني الكيس فقال: والله ما أخذته وإنما زريق هو الذي أخذه منك فقال له: لابد أن أجيء به، ثم خرج علي المصري متوجهاً إلى الفرح فسمع الخلبوص يقول: شوبش يا أبا عبد الله العاقبة عندك لولدك فقال علي: أنا صاحب السعد.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الثامنة والسبعين بعد الستمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن علي قال: أنا صاحب السعد ثم إنه توجه إلى بيت زريق، وطلع من فوق ظهر البيت ونزل فرأى الجارية نائمة فبنجها ولبس بدلتها وأخذ الولد في حجره ودار يفتش فرأى مقطفاً فيه كعك العيد من بخل زريق، ثم إن زريقاً أقبل إلى البيت وطرق الباب فجاوبه الشاطر علي وجعل نفسه الجارية وقال له: من بالباب؟ فقال: أبو عبد الله فقال: أنا حلفت ما أفتح لك الباب حتى تجيء بالكيس فقال: هذا هو معي، فقالت: هاته قبل فتح الباب، فقال: أدلي المقطف وخذيه فيه فأدلى المقطف فحطه فيه ثم أخذه الشاطر علي وبنج الولد وأيقظ الجارية ونزل من الموضع الذي طلع منه وقصد القاعة فدخل على الرجال وأراهم الكيس والولد معه فشكرهم وأعطاهم الكعك فأكلوه وقال: يا شومان هذا الولد ابن زريق فأخفه عندك، فأخذه وأخفاه وأتى بخروف فذبحه وأعطاه للنقيب فطبخه قممة وكفنه وجعله كالميت وأما زريق فإنه لم يزل واقفاً على الباب ثم دق الباب دقة مزعجة فقالت له الجارية: هل جئت بالكيس؟ فقال لها ما أخذتيه من المقطف الذي أدليته؟ فقالت: أنا ما أدليت مقطفاً ولا رأيت كيساً ولا أخذته فقال: والله إن الشاطر علي سبقني وأخذه ونظر في البيت، فرأى الكعك معدوماً والولد مفقوداً فقال: وا ولداه فدقت الجارية على صدرها وقالت: أنا وإياك للوزير ما قتل ابني إلا الشاطر الذي يفعل معك المناصف وهذا بسببك فقال لها: ضمانة علي، ثم طلع زريق وربط المحرمة في رقبته وراح إلى قاعة أحمد الدنف ودق الباب ففتح له النقيب ودخل على الرجال فقال شومان: ما جاء بك؟ فقال: أنتم سياق على علي المصري ليعطيني ولدي وأنا أسامحه في كيس الذهب فقال زريق: أي شيء جرى عليه؟ فقال شومان: أطعمناه زبيباً فشرق ومات وهو هذا فقال زريق: واولداه ماذا أقول لأمه؟ ثم قام وفك الكفن فرآه قممة فقال له: اطربتني يا علي ثم إنهم أعطوه ابنه، فقال أحمد الدنف: أنت كنت معلقاً الكيس لكل من كان شاطراً يأخذه فإن أخذه شاطر يكون حقه وإنه صار حق علي المصري فقال: وأنا وهبته له فقال له علي الزيبق المصري: اقبله من شأن بنت أختك زينب فقال له: قبلته فقالوا: نحن خطبناها لعلي المصري، فقال: أنا ما أحكم عليها إلا بالمعروف ثم إنه أخذ ابنه وأخذ الكيس، فقال شومان: هل قبلت منا الخطبة؟ فقال: قبلتها ممن كان يقدر على مهرها فقال له: وأي شيء مهرها؟ فقال: إنها حالفة أن لا يركب صدرها إلا من يجيء لها ببدلة قمر بنت عذرة اليهودي وباقي حوائجها.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة التاسعة والسبعين بعد الستمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن زريقاً قال لشومان: إن زينب حالفة أن لا يركب صدرها إلا الذي يجيء لها ببدلة قمر بنت عذرة اليهودي والتاج والحياصة والناموسة الذهب فقال علي المصري: إن لم اجئ ببدلتها في هذه الليلة لا حق لي في الخطبة فقالوا له: عذرة اليهودي ساحر مكار غدار يستخدم الجن وله قصر خارج المملكة حيطانه طوبة من ذهب وطوبة من فضة، وذلك القصر ظاهر للناس ما دام قاعداً فيه ومتى خرج منه فإنه يختفي ورزق ببنت اسمها قمر وجاء لها بهذه البدلة من كنز فيضع البدلة في صينية من الذهب ويفتح شبابيك القصر وينادي على شطار مصر وفتيان العراق ومهرة العجم كل من أخذ البدلة تكون له محاولة بالمناصف سائر الفتيان فلم يقدروا أن يأخذوها وسحرهم قروداً وحميراً، فقال علي: لابد من أخذها وتنجلي بها زينب بنت الدليلة المحتالة ثم توجه علي المصري إلى دكان اليهودي فرآه فظاً غليظاً وعنده ميزان وصنج وذهب وفضة ومناقد ورأى عنده بغلة، فقام اليهودي وقفل الدكان وحط الذهب والفضة في كيسين وحطهما في خرج وحطة على البغلة وركب وسار إلى أن وصل خارج البلد وعلي المصري وراءه وهو لم يشعر ثم اطلع اليهودي تراباً من كيس في جيبه وعزم عليه ونثره في الهواء، فرأى الشاطر قصراً ما له نظير ثم طلعت البغلة باليهودي في السلالم وإذا بالبغة عون يستخدمه اليهودي فنزل الخرج عن البغلة وراحت البغلة واختفت وأما اليهودي فإنه قعد في القصر وعلي ينظر فعله فأحضر اليهودي قصبة من ذهب وعلق فيها صينية من ذهب بسلاسل من ذهب وحط البدلة في الصينية فرآها علي من خلف الباب ونادى اليهودي: أين شطار مصر وفتيان العراق ومهرة العجم من أخذ هذه البدلة بشطارته فهي له وبعد ذلك عزم، فوضعت سفرة طعام فأكل.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الثمانين بعد الستمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن اليهودي لما عزم وضعت سفرة طعام فأكل ثم رفعت السفرة بنفسها، وعزم مرة أخرى فوضعت بين يديه سفرة مدام فشرب فقال علي: أنت لا تأخذ هذه البدلة إلا وهو يسكر، فجاءه من خلفه وسحب شريط البولاد في يده، فالتفت اليهودي وعزم وقال ليده: قفي بالسيف فوقفت يده بالسيف في الهواء، فمد يده الشمال فوقفت في الهواء وكذلك رجله اليمنى وصار واقفاً على رجل ثم إن اليهودي صرف عنه الطلسم فعاد علي المصري كما كان أولاً. ثم إن اليهودي ضرب تخت رمله فطلع له أن اسمه علي الزيبق المصري، فالتفت إليه وقال له: تعال من أنت وما شأنك؟ فقال: أنا علي المصري صبي أحمد الدنف وقد خطبت زينب بنت الدليلة المحتالة وعملوا علي مهرها بدلة بنتك فأنت تعطيها إلي إن أردت السلامة وتسلم، فقال له: بعد موتك فإن أناساً كثيرين عملوا علي مناصف من شأن أخذ البدلة فلم يقدروا أن يأخذوها مني فإن كنت تقبل النصيحة تسلم بنفسك فإنهم ما طلبوا منك البدلة إلا لأجل هلاكك ولولا إني رأيت سعدك غالباً على سعدي لكنت رميت رقبتك ففرح علي لكون اليهودي رأى سعده غالباً على سعده فقال له: لابد لي من أخذ البدلة وتسلم فقال له: هل هذا مرادك ولابد؟ قال: نعم فأخذ اليهودي طاسة وملأها ماء وعزم عليها وقال: اخرج من الهيئة البشرية إلى هيئة حمار ورشه منها فصار حماراً بحوافر وأذان طوال وصار ينهق مثل الحمير ثم ضرب عليه دائرة فصارت عليه سوراً وصار اليهودي يسكر إلى الصباح فقال له: أنا أركبك وأريح البغلة ثم إن اليهودي وضع البدلة والصينية والقصبة والسلاسل في خشخاشة ثم طلع وعزم عليه فتبعه وحط على ظهره وركب عليه واختفى القصر عن الأعين وسار وه راكبه إلى أن نزل على دكانه وفرغ الكيس الذهب والكيس الفضة في المتقد قدامه، وأما علي فإنه مربوط في هيئة حمار ولكنه يسمع ويعقل ولا يقدر أن يتكلم، وإذا برجل ابن تاجر جار عليه الزمن فلم يجد له صنعة خفيفة إلا السقاية فأخذ أساور زوجته وأتى إلى اليهودي وقال له: أعطني ثمن هذه الأساور لأشتري لي به حماراً فقال اليهودي: تحمل عليه أي شيء؟ فقال له: يا معلم املأ عليه ماء من البحر واقتات بثمنه. فقال له اليهودي: خذ مني حماري هذا فباع له الأساور وأخذ ثمنها ثمن الحمار وأعطاه اليهودي الباقي وسار بعلي المصري وهو مسحور إلى بيته فقال علي لنفسه: متى ما أحط عليك الحمال الخشب والقربة واذهب بك عشرة مشاوير أعدمك العافية وتموت.

فتقدمت امرأة السقاء تحط له عليقه وإذا به لطشها بدماغه فانقلبت على ظهرها ونط عليها ودق بفمه في دماغها وأدلى الذي خلفه له الوالد فصاحت فأدركها الجيران فضربوه ورفعوه عن صدرها وإذا بزوجها الذي أراد أن يعمل سقاء جاء إلى البيت، فقالت له: إما أن تطلقني وإما أن ترد الحمار إلى صاحبه فقال لها: أي شيء جرى؟ فقالت له: هذا شيطان في صفة حمار فإنه نط علي ولولا الجيران رفعوه من فوق صدري لفعل بي القبيح فأخذه وراح إلى اليهودي فقال له اليهودي: لأي شيء رددته؟ فقال له: هذا فعل مع زوجتي فعلاً قبيحاً فأعطاه دراهمه وراح، وأما اليهودي فإنه التفت إلى علي وقال له: أتدخل باب المكر يا مشؤوم حتى ردك إلي.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الواحدة والثمانين بعد الستمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن اليهودي لما رد له السقاء الحمار أعطاه دراهمه والتفت إلى علي المصري وقال: أتدخل باب المكر يا مشؤوم حتى ردك إلي، ولكن حينما رضيت أن تكون حماراً أنا أخليك فرجة للكبار والصغار وأخذ الحمار وركبه وسار إلى خارج البلد وأخرج الرماد وعزم عليه ونثره في الهواء وإذا بالقصر ظهر فطلع القصر ونزل بالخرج من على ظهر الحمار وأخذ الكيسين المال وأخرج القصبة وعلق الصينية بالبدلة ونادى مثل ما ينادي كل يوم: أين الفتيان من جميع الأقطار من يقدر أن يأخذ هذه البدلة وعزم مثل الأول، فوضع له سماط فأكل وعزم فحضر المدام بين يديه فسكر وأخرج طاسة فيها ماء وعزم عليها ورش منها على الحمار وقال له: انقلب من هذه الصورة إلى صورتك الأولى فعاد إنساناً كما كان أولاً، فقال له: يا علي اقبل النصيحة واكتف شري، ولا حاجة لك بزواج زينب وأخذ بدلة ابنتي فإنها ما هي سهلة عليك وترك الطمع أولى وإلا أسحرك دباً أو قرداً أو أسلط عليك عوناً يرميك خلف جبل قثاف فقال له: يا عذرة أنا التزمت بأخذ البدلة ولابد من أخذها وتسلم وإلا أقتلك، فقال له: يا علي أنت مثل الجوز لو لم تنكسر لم تؤكل وأخذ طاسة فيها ماء وعزم عليها ورش منها عليه وقال: كن في صورة دبا في الحال وحط الطوق في رقبته وربط فمه ودق له وتداً من حديد وصار يأكل ويرمي له بعض لقم ويدلق عليه فضل الكأس فلما أصبح الصباح قام اليهودي ورفع الصينية والبدلة وعزم على الدب فتبعه إلى دكانه.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الثانية والثمانين بعد الستمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن اليهودي رفع الصينية والبدلة وعزم على الدب فتبعه إلى دكانه ثم قعد في الدكان وفرغ الذهب والفضة في المنقد وربط السلسلة التي في رقبة الدب في الدكان، فصار علي يسمع ويعقل ولا يقدر أن ينطق وإذا برجل تاجر أقبل على اليهودي وقال: يا معلم أتبيعني هذا الدب فإن لي زوجة وهي بنت عمي، وقد وصفوا لها أن تأكل لحم دب وتدهن بطنها ففرح اليهودي وقال في نفسه: أبيعه لأجل أن يذبحه ونرتاح منه، فقال علي في نفسه: والله إن هذا يريد أن يذبحني والخلاص عند الله، فقال اليهودي: هو من عندي هدية فأخذه التاجر ومر به على جزار فقال له: هات العدة وتعال معي فأخذ السكاكين وتبعه ثم تقدم الجزار وربطه وصار يسن السكين وأراد أن يذبحه فلما رآه علي المصري قاصده فر من بين يديه وطار بين السماء والأرض ولم يزل طائراً حتى نزل في القصر عند اليهودي وكان السبب في ذلك أن اليهودي ذهب إلى القصر بعد أن أعطى التاجر الدب فسألته بنته فحكى لها جميع ما وقع فقالت له: احضر عوناً واسأله عن علي المصري هل هو هذا أو رجل غيره يعمل منصفاً، فعزم وأحضر عوناً فاختطفه العون وجاءبه وقال: هذا هو علي المصري بعينه، فإن الجزار كتفه وسن السكين وشرع في ذبحه فخطفته من بين يديه وجئت به، فأخذ اليهودي طاسة فيها ماء وعزم عليها ورشه منها، وقال له: ارجع إلى صورتك البشرية فعاد كما كان أولاً.

فرأته قمر بنت اليهودي شاباً مليحاً فوقعت محبته في قلبها ووقعت محبتها قلبه، فقالت له: يا مشؤوم لأي شيء تطلب بدلتي حتى يفعل بك أبي هذه الفعال؟ فقال: أنا التزمت بأخذها لزينب النصابة لأجل أن أتزوجها، فقالت له: غيرك لعب مع أبي مناصف لأجل أخذ بدلتي فلم يتمكن، ثم قالت له: اترك الطمع فقال: لابد من أخذها ويسلم أبوك وإلا أقتله، فقال لها أبوها: انظري يا بنتي هذا المشؤوم كيف يطلب هلاك نفسه ثم قال له: أنا أسحرك كلب وأخذ طاسة مكتوبة وفيها ماء وعزم عليها ورشه منها، وقال له: كن في صورة كلب فصار كلباً وصار اليهودي يسكر هو وبنته إلى الصبح، ثم قام ورفع البدلة والصينية وركب البغلة، وعزم على الكلب فتبعه وصارت الكلاب تنبح عليه فمر على دكان سقطي، فقام السقطي منع عنه الكلاب فنام قدامه والتفت اليهودي فلم يجده فقام السقطي وعزل دكانه وراح بيته والكلب تابعه فدخل السقطي داره، ياأبي أتجيء بالرجل الأجبني وتدخله علينا.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الثالثة والثمانين بعد الستمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن بنت السقطي لما رأت الكلب غطت وجهها وقالت لأبيها: أجيء بالرجل الأجنبي وتدخله علينا، فقال: يا بنتي هذا كلب فقالت له: هذا علي المصري سحره اليهودي، فالتفت إليه وقال له: هل أنت علي المصري؟ فأشار له برأسه نعم فقال لها أبوها لأي شيء سحره اليهودي، قالت له: بسبب بدلة بنته قمر وأنا أقدر أن أخلصه. فقال: إن كان خيراً فهذا وقته فقالت إن كان يتزوج بي خلصته، فأشار لها رأسه نعم، فأخذت طاسة مكتوبة وعزمت عليها وإذا بصرخة والطاسة وقعت من يدها فالتفتت فرأت جارية أبيها هي التي صرخت، وقالت لها: يا سيدتي أهذا هو العهد الذي بيني وبينك وما أحد علمك هذا الفن إلا أنا واتفقت معي أنك لا تفعلين شيئاً إلا بمشورتي والذي يتزوج بك يتزوجني وتكون لي ليلة ولك ليلة قالت: نعم، فلما سمع السقطي ذلك الكلام من الجارية، قال لبنته: ومن علم هذه الجارية؟ قالت له: يا أبي هي التي علمتني واسألها من الذي علمها فسأل الجارية فقالت له: اعلم يا سيدي أني لما كنت عند عذرة اليهودي كنت أتسلل عليه وهو يتلو العزيمة، وحين يذهب إلى الدكان افتح الكتب واقرأ فيها إلى أن عرفت علم الروحاني فسكر اليهودي يوماً من الأيام فطلبني للفراش فأبيت وقلت: لا أمكنك من ذلك حتى تسم فأبى، وأخذني لسوق السلطان فباعني لك وأتيت إلى منزلك فعلمت سيدتي واشترطت عليها أن لا تفعل منه شيئاً إلا بمشورتي والذي يتزوج بها يتزوجني ولي ليلة ولها ليلة وأخذت الجارية طاسة فيها ماء وعزمت عليها ورشت منها الكلب وقالت له: ارجع إلى صورتك البشرية فعاد إنساناً كما كان أولاً، فسلم عليه السقطي وسأله عن سبب سحره، فحكى له جميع ما وقع له.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الرابعة والثمانين بعد الستمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن السقطي لما سلم على علي المصري وسأله عن سبب سحره وما وقع له حكي له جميع ما جرى له، فقال له: أتكفيك بنتي والجارية؟ فقال: لابد من أخذ زينب وإذا بدق يدق الباب فقالت الجارية: من بالباب؟ فقالت: قمر بنت اليهودي، هل علي المصري عندكم؟ فقالت لها بنت السقطي: يا ابنة اليهودي وإذا كان عندنا أي شيء تفعلين به؟ انزلي يا جارية افتحي الباب ففتحت لها الباب فدخلت، فلما رأت علياً ورآها قال لها: ما جاء بك هنا يا بنت الكلب، فقالت: أنا أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله، فأسلمت وقالت له: هل الرجال في دين الإسلام يمهرون النساء أو النساء تمهر الرجال؟ فقال لها: الرجال يمهرون النساء، فقالت: وأنا جئت أمهر نفسي لك بالبدلة والقصبة والسلاسل ودماغ أبي عدوك وعدو الله، ورمت دماغ أبيها قدامه وقالت: هذا رأس أبي عدوك وعدو الله، وسبب قتلها أباها أنه لما سحر علياً كلباً رأت في المنام قائلاً يقول لها: أسلمي فأسلمت فلما انتبهت عرضت على أبيها الإسلام فأبى الإسلام فبنجته وقتلته. فأخذ علي الأمتعة وقال للسقطي: في الغد نجتمع عند الخليفة لأجل أن أتزوج بنتك والجارية، وطلع وهو فرحان قاصد القاعة ومعه الأمتعة، وإذا برجل حلواني يخبط على يديه ويقول: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، الناس صار كدرهم حراماً لا يروح إلا في الغش، سألتك بالله أن تذوق هذه الحلاوة فأخذ منه قطعة وأكلها، وإذا فيها البنج فبنجه وأخذ منه البدلة والقصبة والسلاسل وحطها داخل صندوق الحلاوة، وحمل الصندوق وطبق الحلاوة وسار، وغذا بقاض يصيح عليه ويقول له: تعال يا حلواني فوقف له وحط القاعدة والطبق فوقها وقال: أي شيء تطلب؟ فقال له: حلاوة وملبساً ثم أخذ منهما بيده شيئاً وقال: إن هذه الحلاوة والملبس مغشوشان، وأخرج القاضي حلاوة من عبه وقال للحلواني انظر هذه الصنعة ما أحسنها فكل منها واعمل نظيرها فأخذها الحلواني فأكل منها، وإذا فيها البنج فبنجه وأخذ القاعدة والصندوق والبدلة وغيرها وحط الحلواني في داخل القاعدة وحمل الجميع وتوجه إلى القاعة التي فيها أحمد الدنف، وكان القاضي حسن شومان وسبب ذلك أن علياً لما التزم بالبدلة وخرج في طلبها لم يسمعوا عنه خبراً. فقال أحمد الدنف: يا شباب اطلعوا فتشوا على أخيكم علي المصري فطلعوا يفتشون عليه في المدينة، فطلع حسن شومان في صفة قاض فقابل الحلواني فعرف أنه أحمد اللقيط فبنجه وأخذه وصحبته البدلة وسار به إلى القاعة، وأما الأربعون فإنهم داروا يفتشون في شوارع البلد، فخرج علي كتف الجمل من بين أصحابه فرأى زحمة وقصد الناس المزدحمين فرأى علي المصري بينهم مبنجاً فأيقظه من البنج فلما أفاق رأى الناس مجتمعين عليه فقال علي كتف الجمل: أفق لنفسك فقال: أين أنا؟ فقال له علي كتف الجمل وأصحابه: نحن رأناك مبنجاً ولم نعرف من بنجك، فقال: بنجني واحد حلواني وأخذ مني الأمتعة ولكن أين ذهب؟ وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الخامسة والثمانين بعد الستمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن علي المصري قال لعلي كتف الجمل ورفقاؤه: بنجني واحد حلواني وأخذ مني الأمتعة ولكن أين ذهب؟ فقالوا له: ما رأينا أحد ولكن تعال رح بنا القاعة فتوجهوا إلى القاعة ودخلوا فوجدوا أحمد الدنف فسلم عليهم وقال: يا علي هل جئت بالبدلة؟ فقال: جئت بها وبغيرها وجئت برأس اليهودي وقابلني حلواني فبنجني وأخذها مني، وحكى له جميع ما جرى له وقال: لو رايت الحلواني لجزيته، وإذا بحسن شومان طلع من مخدع، فقال: هل جئت بالأمتعة يا علي؟ فقال له: جئت بها وجئت برأس اليهودي فقابلني حلواني فبنجني وأخذ البدلة وغيرها ولم أعرف أين ذهب ولو عرفت مكانه لقتلته فهل تعرف أين ذهب ذلك فأيقظه من البنج ففتح عينيه فرأى نفسه قدام علي المصري وأحمد الدنف والأربعون فانصرع وقال: أين أنا ومن قبضني؟ فقال له شومان: أنا الذي قبضتك فقال له علي المصري: يا ماكر أتفعل هذه الأفعال وأراد أن يذبحه فقال له حسن شومان: ارفع يدك هذا صار صهرك فقال: صهري من أين؟ فقال له أحمد اللقيط ابن أخت زينب. فقال علي: لأي شيء هذا يا لقيط؟ فقال له: أمرتني به جدتي الدليلة المحتالة وما ذاك إلا أن زريقاً السماك اجتمع بجدتي الدليلة المحتالة وقال لها: إن علياً المصري شاطر بارع في الشطارة ولابد أن يقتل اليهودي ويجيء بالبدلة، فأحظرتني وقالت لي: يا أحمد هل تعرف علياً المصري؟ فقلت: أعرفه وكنت أرشدته إلى قاعة أحمد الدنف فقالتلي: رح انصب له شركك فإن كان جاء بالأمتعة فاعمل عليه منصفا وخذ منه الأمتعة، فطفت في شوارع المدينة حتى رأيت حلوانياً أعطيته عشرة دنانير وأخذت بدلته وعدته وجرى ما جرى، ثم إن علياً المصري قال لأحمد اللقيط رح إلى جدتك وإلى زريق السماك وأعلمهما بأني جئت بالأمتعة ورأس اليهودي وقل لهما: غداً قابلاه في ديوان الخليفة وخذا منه مهر زينب، ثم إن أحمد الدنف فرح بذلك وقال: لا خابت فيك التربية يا علي، فلما أصبح الصباح أخذ علي المصري البدلة والصينية والقصبة والسلاسل الذهب ورأس عذرة اليهودي على مزراق وطلع إلى الديوان مع عمه وصبيانه وقبلوا الأرض بين يدي الخليفة.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة السادسة والثمانين بعد الستمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن علياً لما طلع الديوان مع عمه أحمد الدنف وصبيانه قبلوا الأرض بين يدي الخليفة فالتفت الخليفة فرأى شاباً ما في الرجال أشجع منه فسأل الرجال عنه فقال أحمد الدنف: يا أمير المؤمنين هذا علي الزيبق المصري رئيس فتيان مصر وهو أول صبياني، فلما رآه الخليفة حبه لكونه رأى الشجاعة لائحة بين عينيه تشهد له لا عليه فقام علي ورمى دماغ اليهودي بين يدي الخليفة وقال له: عدوك مثل هذا يا أمير المؤمنين، فقال له الخليفة دماغ من هذا؟ فقال له: دماغ عذرة اليهودي فقال الخليفة: ومن قتله؟ فحكى له علي المصري ما جرى من الأول إلى الآخر. فقال الخليفة: ما ظننت أنك قتلته لأنه كان ساحراً؟ فقال له: يا أمير المؤمنين قدرني ربي على قتله فأرسل الخليفة الوالي إلى القصر فرأى اليهودي بلا رأس فأخذوه في تابوت وأحضروه بين يدي الخليفة، فأمر بحرقه وإذا بقمر بنت اليهودي أقبلت وقبلت الأرض بين يدي الخليفة، وأعلمته بأنها ابنة عذرة اليهودي وأنها أسلمت، ثم جددت إسلامها ثانياً بين يدي الخليفة وقالت له: أنت سياق على الشاطر علي الزيبق المصري أن يتزوجني ووكلت الخليفة في زواجها بعلي، فوهب الخليفة لعلي المصري قصر اليهودي بما فيه وقال له: تمن علي فقال: تمنيت عليك أن أقف على بساطك وآكل من سماطك، فقال الخليفة: أرسل إليهم ليجيئوا من مصر، ثم قال الخليفة: يا علي هل لك قاعة؟ قال: لا فقال حسن شومان: قد وهبت له قاعتي بما فيها يا أمير المؤمنين فقال الخليفة: قاعتك لك يا حسن، وأمر الخازندار أن يعطي لمعمار عشرة آلاف دينار ليبني له قاعة بأربع لواوين وأربعين مخدعاً لصبيانه، وقال الخليفة: يا علي هل بقي لك حاجة فآمر لك بقضائها؟ فقال: يا ملك الزمان أن تكون سياقاً على الدليلة المحتالة أن تزوجني بنتها زينب وتأخذ بدلة بنت اليهودي وأمتعتها في مهرها، فقبلت دليلة سياق الخليفة وأخذت الصينية والبدلة والقصبة والسلاسل الذهب وكتب كتابها عليه وكتبوا أيضاً كتاب بنت السقطي والجارية وقمر بنت اليهودي عليه، ورتب له الخليفة جامكية، وجعل له سماطاً في الغذاء وسماطاً في العشاء وجارية وعلوفة ومسموحاً وشرع علي المصري في الفرح حتى كمل مدة ثلاثين يوماً ثم إن علي المصري أرسل إلى صبيانه بمصر كتاباً يذكر لهم فيه ما حصل له من الإكرام عند الخليفة وقال لهم في المكتوب: لابد من حضوركم لأجل أن تحصلوا الفرح لأني تزوجت بأربع بنات، فبعد مدة يسيرة حضر صبيانه الأربعون وحصلوا الفرح فوطنهم في القاعة وأكرمهم غاية الإكرام ثم أعرضهم على الخليفة فخلع عليهم وجلت المواشط زينب بالبدلة على علي المصري ودخل عليها فوجدها درة ما ثقبت ومهرة لغيره ما ركبت وبعدها دخل على الثلاث بنات فوجدهن كاملات الحسن والجمال، ثم بعد ذلك اتفق أن علياً المصري سهر عند الخليفة ليلة من الليالي، فقال له الخليفة: مرادي يا علي أن تحكي لي جميع ما جرى لك من الأول إلى الآخر، فحكى له جميع ما جرى له من الدليلة المحتالة وزينب النصابة وزريق السماك، فأمر الخليفة بكتابة ذلك وأن يجعلوه في خزانة الملك ويكتبوا جميع ما وقع له وجعلوه من جملة السير لأمة خير البشر صلى الله عليه وسلم، ثم قعدوا في أرغد عيش وأهنأه إلى أن أتاهم هادم اللذات ومفرق الجماعات والله سبحانه وتعالى أعلم.