تأبط شراً

تأبط شراً
تو. نحو 530م

تأبط شراً لقب لثابت بن جابر بن سفيان الفهمي . جاءه هذا اللقب من أمه التي رأته مرة يخرج حاملاً سيفه فقالت لمن سألها عنه : تأبط شراً وخرج .

إشتهر تأبط شراً بالشجاعة . فكان يغير في الليل والنهار وحيداَ ، مترجلاً في أغلب الاحيان على قدميه بدون ان يدركه احد من شدة كره وفره وسرعة عدوه . وقالت روايات إنه كان صديق الوعول ورفيق الغزلان .

التحمت شخصية تأبط شراً بالاسطورة وشاعت اخباره بين العرب. فقد تمكن من أن يوحّد بين الحياة ولذة المغامرة ، وقال شعراً يقارب الشعر الملحمي التمردي . وتميز هذا الشعر بنبرة الواقعية والنزعة التصويرية الطبيعية ، مع رؤيا حيوية للوجود . فيه وفي شعره بعض فنان لوّن الخيال وجبله بدفق الاحساس وجمال الوقائع الانسانية . وفي شخصيته الكثير من العفوية والسذاجة الصادقة ، كما فيها من الفارس نزعة التحدي وجماح القوة الطاغية .

إلتبست بعض قصائد تأبط شراً باشعار سواه من شعراء الصعاليك . فقد نسبت اليه ، مثلاً ، قصيدة لامرىء القيس . وهذا التقارب بينه وبين شعراء الصعاليك ، وبالاخص امرىء القيس والشنفري وعمرو بن برّاق يوحي بالمستوى الفني العالي الذي بلغه هذا الشاعر الصعلوك. فهو كما نرى في شعره ، قد تمتع بموهبة خصبة في جعل الفاظ اللغة أشبه بصور ولوحات مشبعة بالحروف الموسيقية الدالة على معانيها . وكانت هذه المعاني مستقاة من الانفعال بالصحراء والمغامرة .

مضت حياة تأبط كعاصفة من الشعر والمجد والنشوة بالخطر والتحدي الى ان قضى مذبوحاً في فخ نصبته له قبيلة طالما روعتها غزواته وهجماته على احيائها وانعامها .

وجاء في “الأغاني” لأبي الفرج الأصفهاني: هو ثابت بن جابر بن سفيان بن عميثل بن عدي بن كعب بن حزن. وقيل: حرب بن تميم بن سعد بن فهم بن عمرو بن قيس عيلان بن مضر بن نزار.

وأمه امرأة يقال لها: أميمة، يقال: إنها من بني القين بطن من، فهم ولدت خمسة نفر: تأبط شراً، وريش بلغب، وريش نسر، وكعب جدر، ولا بواكي له، وقيل: إنها ولدت سادساً اسمه عمرو.

وتبأبط شراً لقب لقب به، ذكر الرواة أنه كان رأى كبشاً في الصحراء، فاحتمله تحت إبطه، فجعل يبول عليه طول طريقه، فلما قرب من الحي ثقل عليه الكبش، فلم يقله فرمى به فإذا هو الغول، فقال له قومه: ما تأبطت يا ثابت؟ قال: الغول، قالوا: لقد تأبطت شراً فسمي بذلك.

وقيل: بل قالت له أمه: كل إخوتك يأتيني بشيء إذا راح غيرك، فقال لها: سآتيك الليلة بشيء، ومضى فصاد أفاعي كثيرة من أكبر ما قدر عليه، فلما راح أتى بهن في جراب متأبطاً له، فألقاه بين يديها، ففتحته، فتساعين في بيتها، فوثبت، وخرجت، فقال لها نساء الحي: ماذا أتاك به ثابت؟ فقالت: أتاني بأفاع في جراب، قلن: وكيف حملها؟ قالت: تأبطها، قلن: لقد تأبط شراً، فلزمه تأبط شراً.

حدثني عمي قال حدثني علي بن الحسن بن عبد الأعلى عن أبي محلم بمثل هذه الحكاية وزاد فيها: أن أمه قالت له في زمن الكمأة: ألا ترى غلمان الحي يجتنون لأهليهم الكمأة، فيروحون بها؟ فقال أعطيني جرابك، حتى أجتني لك فيه، فأعطته، فملأه لها أفاعي، وذكر باقي الخبر مثل ما تقدم.

ومن ذكر أنه إنما جاءها بالغول يحتج بكثرة أشعاره في هذا المعنى، فإنه يصف لقاءه إياها في شعره كثيراً، فمن ذلك قوله:

فأصبحت الغول لي جارة

 

فيا جارتا لك ما أهـولا

فطالبتها بضعها فالتـوت

 

علي وحاولت أن أفعـلا

فمن كان يسأل عن جارتي

 

فإن لها باللوى مـنـزلا

كان أحد العدائين المعدودين: أخبرني عمي عن الحزنبل عن عمرو بن أبي عمرو الشيباني قال: نزلت على حي من فهم إخوة بني عدوان من قيس، فسألتهم عن خبر تأبط شراً، فقال لي بعضهم: وما سؤالك عنه، أتريد أن تكون لصاً؟ قلت: لا، ولكن أريد أن أعرف أخبار هؤلاء العدائين، فأتحدث بها، فقالوا: نحدثك بخبره: إن تأبط شراً كان أعدى ذي رجلين وذي ساقين وذي عينين، وكان إذا جاع لم تقم له قائمة، فكان ينظر إلى الظباء فينتقي على نظره أسمنها، ثم يجري خلفه فلا يفوته، حتى يأخذه، فيذبحه بسيفه، ثم يشويه فيأكله.

يصف غولاً افترسها: وإنما سمي تأبط شراً لأنه – فيما حكي لنا – لقي الغول في ليلة ظلماء في موضع يقال له رحى بطسان في بلاد هذيل، فأخذت عليه الطريق فلم يزل بها، حتى قتلها، وبات عليها فلما أصبح حملها تحت إبطه وجاء بها إلى أصحابه، فقالوا له: لقد تأبطت شراً، فقال في ذلك:

تأبط شراً ثم راح أو اغـتـدى

 

يوائم غنماً أو يشيف على ذحل

يوائم: يوافق، ويشيف: يقتدر. وقال أيضاً في ذلك:

ألا من مبلغ فـتـيان فـهـم

 

بما لاقيت عند رحى بطـان

وأني قد لقيت الغول تهـوي

 

بسهب كالصحيفة صحصحان

فقلت لها: كلانـا نـضـوأين

 

أخو سفر فخلي لي مكانـي

فشدت شدة نحوي فـأهـوى

 

لها كفي بمصقول يمـانـي

فأضربها بلا دهش فخـرت

 

صريعاً لليدين ولـلـجـران

فقالت: عد، فقلت لها: رويداً

 

مكانك إنني ثبت الـجـنـان

فلم أنفك متـكـئاً عـلـيهـا

 

لأنظر مصبحاً ماذا أتـانـي

إذا عينان فـي رأس قـبـيح

 

كرأس الهر مشقوق اللسـان

وساقا مخدج وشواة كـلـب

 

وثوب من عباء أو شـنـان

لم لا تنهشه الحيات؟ أخبرنا الحسين بن يحيى: قال: قرأت على حماد: وحدثك أبوك عن حمزة بن عتبة اللهبي: قال: قيل لتأبط شراً: هذه الرجال غلبتها، فكيف لا تنهشك الحيات في سراك؟ فقال: إني لأسرى البردين. يعني أول الليل، لأنها تمور خارجة من حجرتها، وآخر الليل تمور مقبلة إليها.

محاولة قتله هو وأصحابه بالسم: قال الأثرم: قال أبو عمرو في هذه الرواية: وخرج تأبط شراً يريد أن يغزو هذيلاً في رهط، فنزل على الأحل بن قنصل – رجل من بجيلة – وكان بينهما حلف، فأنزلهم ورحب بهم، ثم إنه ابتغى لهم الذراريح ليسقيهم فيستريح منهم، ففطن له تأبط شراً، فقام إلى أصحابه، فقال: إني أحب ألا يعلم أنا قد فطنا له، ولكن سابوه حتى نحلف ألا نأكل من طعامه، ثم أغتره فأقتله لأنه إن علم حذرني – وقد كان مالأ ابن قنصل رجل منهم يقال له لكيز قتلت فهم أخاه – فاعتل عليه وعلى أصحابه فسبوه وحلفوا ألا يذوقوا من طعامه ولا من شرابه، ثم خرج في وجهه، وأخذ في بططن واد فيه النمور، وهي لا يكاد يسلم منها أحد، والعرب تسمي النمر ذا اللونين، وبعضهم يسميه السبنتي، فنزل في بطنه وقال لأصحابه: انطلقوا جميعاً فتصيدوا، فهذا الوادي كثير الأروى، فخرجوا وصادوا، وتركوه في بطن الوادي فجاءوا فوجدوه قد قتل نمراً وحده، وغزا هذيلا فغنم وأصاب، فقال تأبط شراً في ذلك:

أقسمت لا أنسى وإن طال عيشنا

 

صنيع لكيز والأحل بن قنصـل

نزلنا به يوماً فساء صبـاحـنـا

 

فإنك عمري قد ترى أي منزل

بكى إذ رآنا نازلـين بـبـابـه

 

وكيف بكاء ذي القليل المعـيل

فلا وأبيك ما نزلنـا بـعـامـر

 

ولا عامر ولا الرئيس ابن قوقل

ولا بالشليل رب مروان قاعداً

 

بأحسن عيش والنفاثي نوفل

يتخذ من العسل مزلقاً على الجبل فينجو من موت محقق: وقال أيضاً في هذه الرواية: كان تأبط شراً يشتار عسلاً في غار من بلاد هذيل، يأتيه كل عام، وأن هذيلاً ذكرته، فرصدوه لإبان ذلك، حتى إذا جاء هو وأصحابه تدلى، فدخل الغار، وقد أغاروا عليهم فأنفروهم، فسبقوهم ووقفوا على الغار، فحركوا الحبل، فأطلع تأبط شراً رأسه، فقالوا: أصعد، فقال: ألا أراكم، قالوا: بلى قد رأيتنا. فقال: فعلام أصعد، أعلى الطلاقة أم الفداء؟ قالوا: لا شرط لك، قال: فأراكم قاتلي وآكلي جناي، لا والله لا أفعل، قال: وكان قبل ذلك نقب في الغار نقباً أعده للهرب، فجعل يسيل العسل من الغار ويثريقه، ثم عمد إلى الزق فشده على صدره ثم لصق بالعسل فلم يبرح ينزلق عليه حتى خرج سليماً وفاتهم، وبين موضعه الذي وقع فيه وبين القوم مسيرة ثلاث، فقال تأبط شراً في ذلك:

أقول للحيان وقد صفـرت لـهـم

 

وطابي ويومي ضيق الحجر معور

هما خطـتـا إمـا إسـار ومـنة

 

وإما دم والقتل بـالـحـر أجـدر

وأخرى أصادي النفس عنها وإنهـا

 

لمورد حزم إن ظفرت ومصـدر

فرشت لها صدري فزل عن الصفا

 

به جؤجؤ صلب ومتن مخـصـر

فخالط سهل الأرض لم يكدح الصفا

 

به كدحه والموت خزيان ينـظـر

فأبت إلى فهم ومـا كـنـت آئبـاً

 

وكم مثلها فارقتها وهي تصـفـر

إذا المرء لم يحتل وقد جـد جـده

 

أضاع وقاسى أمره وهو مـدبـر

ولكن أخو الحزم الذي ليس نـازلاً

 

به الأمر إلا وهو للحزم مبصـر

فذاك قريع الدهر ما كـان حـولاً

 

إذا سد منه منخر جاش منـخـر

فإنك لو قايست باللصب حيلـتـي

 

بلقمان لم يقصر بي الدهر مقصر

ينهزم أمام النساء: قال: وخرج تأبط في سرية من قومه، فيهم عمرو بن برّاق، ومرة بن خليف، والمسيب بن كلاب، وعامر بن الأخنس، وهو رأس القوم، وكعب حدار، وريش كعب، والسمع وشريس بنو جابر إخوة تأبط شراً، وسعد ومالك ابنا الأقرع، حتى مروا ببني نفاثة بن الديل وهم يريدون الغارة عليهم، فباتوا في جبل مطل عليهم، فلما كان في وجه السحر أخذ عامر بن الأخنس قوسه، فوجد وترها مسترخياً، فجعل يوترها ويقول له تأبط: بعض حطيط وترك يا عامر، وسمعه شيخ من بني نفاثة، فقال لبنات له: أنصتن فهذه والله غارة لبني ليث – وكان الذي بينهم يومئذ متفاقماً في قتل حميصة بن قيس أخي بلعاء، وكانوا أصابوه خطأ – وكانت بنو نفاثة في غموة والحي خلوف وليس عندهم غير أشياخ وغلمان لا طباخ بهم، فقالت امراة منهم: اجهروا الكلام، والبسوا السلاح، فإن لنا عدة فواللات ما هم إلا تأبط وأصحابه. فبرزن مع نوفق وأصحابه، فلما بصر بهم قال: انصرفوا فإن القوم قد نذروا بكم، فأبوا عليه إلا الغارة فسل تأبط سيفه وقال: لئن أغرتم عليهم لأتكئن على سيفي حتى أنفذه من ظهري، فانصرفوا ولا يحسبون إلا أن النساء رجال، حتى مروا بإبل البلعاء بن قيس بقرب المنازل فأطردوها، فلحقهم غلام من بني جندع بن ليث؟ فقال: يا عامر بن الخنس، أتهاب نساء بني نفاثة وتغير على رجال بني ليث؟ هذه والله إبل لبلعاء بن قيس. فقال له عامر: أو كان رجالهم خلوفاً؟ قال: نعم، قال: أقرئ بلعاء مني السلام، وأخبره بردي إبله، وأعلمه أني قد حبست منها بكراً لأصحابي، فإنا قد أرملنا، فقال الغلام: لئن حبست منها هلبة لأعلمنه، ولا أطرد منها بعيراً أبداً. فحمل عليه تأبط فقتله، ومضوا بالإبل إلى قومهم؛ فقال في ذلك تأبط:

ألا عجب الفـتـيان مـن أم مـالـك

 

تقول: أراك اليوم أشـعـث أغـبـرا

تبوعـاً لآثـار الـسـرية بـعـدمـا

 

رأيتك بـراق الـمـفـارق أيسـرا

فقـلـت لـهـا: يومـان يوم إقـامة

 

أهز به غصناً من البـان أخـضـرا

ويوم أهز السـيف فـي جـيد أغـيد

 

له نسوة لم تلـق مـثـلـي أنـكـرا

يخفن علـيه وهـو ينـزع نـفـسـه

 

لقد كنت أبـاء الـظـلامة قـسـورا

وقد صحت في آثار حـوم كـأنـهـا

 

عذارى عقيل أو بـكـارة حـمـيرا

أبـعـد الـنـفـاثـيين آمـل طـرقة

 

وآسى علـى شـيء إذا هـو أدبـرا

أكفكف عنهم صحبـتـي وإخـالـهـم

 

من الذل يعرا بـالـتـلاعة أعـفـرا

فلو نالت الكفان أصـحـاب نـوفـل

 

بمهمهة من بطن ظرء فـعـرعـرا

ولما أبى الـلـيثـي إلا تـهـكـمـاً

 

بعرضي وكان العرض عرضي أوفرا

فقلت له: حـق الـثـنـاء فـإنـنـي

 

سأذهب حتى لـم أجـد مـتـأخـرا

ولما رأيت الـجـهـل زاد لـجـاجة

 

يقـول فـلا يألـوك أن تـتـشـورا

دنوت له حـتـى كـأن قـمـيصـه

 

تشرب من نضح الأخادع عصـفـرا

فمن مبلغ ليث بـن بـكـر بـأنـنـا

 

تركنا أخاهـم يوم قـرن مـعـفـرا

قال: غزا تأبط بني نفاثة بن الديل بن بكر بن عبد مناة بن كنانة وهم خلوف، ليس في دارهم رجل، وكان الخبر قد أتى تأبط، فأشرف فوق جبل ينظر إلى الحي وهم أسفل منه، فرأته امرأة فطرح نفسه، فعلمت المرأة أنه تأبط، وكانت عاقلة، فأمرت النساء فلبسن لبسة الرجال، ثم خرجن كأنهن يطلبن الضالة، وكان أصحابه يتفلتون ويقولون: أغز، وإنما كان في سرية من بين الستة إلى السبعة، فأبى أن يدعهم، وخرج يريد هذيلاً، وانصرف عن النفاثيين، فبينا هو يتردد في تلك الجبال إذ لقي حليفاً له من هذيل، فقال له: العجب لك يا تأبط، قال: وما هو؟ قال: إن رجال بني نفاثة كانوا خلوفاً فمكرت بك امرأة، وأنهم قد رجعوا.

ففي ذلك يقول:

ألا عجب الفتيان من أم مـالـك

 

تقول: لقد أصبحت اشعث أغبرا

مصرعه على يد غلام دون المحتلم: فلما رجع تأبط وبلغه ما لقي أصحابه قال: والله ما يمس رأسي غسل ولا دهن حتى أثأر بهم. فخرج في نفر من قومه، حتى عرض لهم بيتع من هذيل بين صوى جبل، فقال: اغنموا هذا البيت أولاً، قالوا: لا والله، ما لنا فيه أرب، ولئن كانت فيه غنيمة ما نستطيع أن نسوقها. فقال: إني أتفاءل أن أنزل، ووقف، وأتت به ضبع من يساره، فكرهها، وعاف على غير الذي رأى، فقال: أبشري أشبعك من القوم غداً. فقال له أصحابه: ويحك، انطلق، فوالله ما نرى أن نقيم عليها. قال: لا والله لا أريم حتى أصبح. وأتت به ضبع عن يساره فقال: أشبعك من القوم غداً. فقال أحد القوم: والله إني أرى هاتين غداً بك، فقال: لا والله لا أريم حتى أصبح. فبات، حتى إذا كان في وجه الصبح، وقد رأى أهل البيت وعدهم على النار، وأبصر سواد غلام من القوم دون المحتلم، وغدوا على القوم، فقتلوا شيخاً وعجوزاً، وحازوا جاريتين وإبلاً. ثم قال تأبط: إني قد رأيت معهم غلاماً؛ فأين الغلام الذي كان معهم؟ فأبصر أثره فاتبعه، فقال له أصحابه: ويلك دعه فإنك لا تريد منه شيئاً، فاتبعه، واستتر الغلام بقتادة إلى جنب صخرة، وأقبل تأبط يقصه وفوق الغلام سهماً حين رأى أنه لا ينجيه شيء، وأمهله حتى إذا دنا منه قفز قفزة، فوثب على الصخرة، وأرسل السهم، فلم يسمع تأبط إلا الحبضة فرفع رأسه، فانتظم السهم قلبه، وأقبل نحوه وهو يقول: لا بأس، فقال الغلام: لا بأس، والله لقد وضعته حيث تكره، وغشية تأبط بالسيف وجعل الغلام يلوذ بالقتادة، ويضربها تأبط بحشاشته، فيأخذ ما أصابت الضربة منها، حتى خلص إليه، فقتله، ثم نزل إلى أصحابه يجر رجله، فلما رأوه وثبوا، ولم يدروا ما أصابه، فقالوا: مالك؟ فلم ينطق، ومات في أيديهم، فانطلقوا وتركوه، فجعل لا يأكل منه سبع ولا طائر إلا مات، فاحتملته هذيل، فألقته في غار يقال له غار رخمان، فقالت ريطة أخته وهي يومئذ متزوجة في بني الديل:

نعم الفتى غادرتم برخمان

 

ثابت بن جابر بن سفيان

وقال مرة بن خليف يرثيه:

إن العزيمة والـعـزاء قـد ثـويا

 

أكفان ميت غداً في غار رخمـان

إلا يكن كرسف كـفـنـت جـيده

 

ولا يكن كفن من ثـوب كـتـان

فإن حراً من الأنسـاب ألـبـسـه

 

ريش الندى، والندى من خير أكفان

وليلة رأس أفعاها إلـى حـجـر

 

ويوم أور من الـجـوزاء رنـان

أمضيت أول رهط عـنـد آخـره

 

في إثر عـادية أو إثـر فـتـيان

وقالت أم تأبط ترثيه:

وابناه وابن الليل

من قصائده:

إذا المرءُ لم يحتل وقد جدَّ جِدُّهُ
أغَرَّكَ مِنِّي يَا بْنَ فَعْلَة َ عِلَّتِي
تقولُ سُليمى لجاراتِها