الياس فرحات

اليـاس فرحـات
1893م-1973

وُلِدَ الياس بن حبيب بن جرجس فرحات في اليوم الثّامن من شهر كانون الأوّل، في قرية كفرشيما الواقعة في الجنوب الشّرقي من مدينة بيروت، ويرجع نسبه إلى أسرة حيدر أو أبي حيدر في بِسكنتا. ولقرية كفرشيما الصّغيرة في تاريخ الأدب العربي الحديث ذكر ممتاز؛ فمِنها بزغت نجوم آل الشّميل وآل تقلا واليازجي وكسباني وغيرهم.

تعلّم في مدرسة الدّير القراءة عند أحد القسوس. ترك المدرسة وله من العمر عشر سنين، ولم يدخل بعدها مدرسةٍ. اشتهر منذ صغره بقول الزّجل المعروف بالقرادي، وامتهن في أوّل أمره صناعة تقشيش الكراسي، أي نسج مقاعدها، ثم تردّد واشتغل تارةً في معمل نجارةٍ عربيّةٍ وطورًا في معمل نجارةٍ افرنجيّةٍ. واتّسعت دائرة شهرته كزجّال، فكان شباب القرية يأخذونه إلى مجالس الطّرب والأفراح لينازل فحول القوّالين.

دخل مستخدماً ينضد الحروف في جريدة “الوطن”، لصاحبها الشّاعر شبلي ملاط؛ تعلّم صفّ الحروف، ثم اشتغل في جريدة “الحقيقة”، لصاحبها الشّيخ أحمد عبّاس الأزهري، واستفاد من معاشرة الأدباء ومطالعة الكتب والمجلاّت.

في سنة 1909، زار دمشق ولبث فيها نصف سنةٍ، قضى معظمها في الفراش لورمٍ ألمّ برجليه فتعذّر عليه المشي، ثم رجع إلى كفرشيما.

وفي 27 تشرين الثاني سنة 1910، وصل إلى البرازيل وعاش مع أخويه وديع وأسعد، وكلّه آمالٍ بأن يبقى مدّة سنتين أو ثلاث، ثم يعود بالنّقود ويتحقّق حلمه بالزّواج ممّن أحبّ. ولكن ما كلّ ما يتمنى المرء يدركه، فقد تزوّجت حبيبته وصارت أماً، وما زالت ذكريات حبّه تجول بخاطره.

إستُخدِمَ فرحات في محلاّتٍ تجاريّةٍ، ثم تعاطى مع أخويه نجيب ورشيد صُنع الصّناديق الخشبيّة، ثم رحل إلى بلدة “ديقينو بولس” ومنها أرسل أوّل قصيدةٍ للنّشر في جريدة “أبو الهول” التي كانت تصدر في سان باولو، وكان قد أخذ ينظم الشّعر الفصيح. نظم قصيدةً في وصف حفلات المرافع، فنالت الإستحسان مع تقريظٍ زَعم فيه كاتبه أنّه، وإن كان الشّاعر فرحات غير متعلّمٍ، إلاّ أنّ شعره قد بزّ المُتعلّمين.

ضاقت عليه ولاية ميناس فرحل إلى سان باولو وبعث به صديقه شكري الخوري لجباية بدلات اشتراكات الجريدة. ثم فارقه لإختلاف النّزعات والعقيدة فيما بينهما، لأنّه ما كادت فرنسا تظهر على مسرح السّياسة السّورية حتى استحال احتلالياً فرنسياً من الطّراز الأوّل.

تعرّف الياس في سان باولو بالشّاعر القروي وكان يُسمعه شعره فيقول له: “إنّ أحسن ما في شعرك أنّك تُنظّمه ولا تعرف أن تقرأه…” ، ذلك لأنّه كان يجهل أبسط قواعد الإعراب.

اشترك الشّاعر مع توفيق ضعون على إصدار مجلة “الجريد” ولم يطِل عمر هذه الشّراكة.

في أواخر الحرب العالمية الأولى، ابتدأ الجهاد ضدّ الإستعمار الفرنسي والإنكليزي، وأخذ النّزاع يتفاقم بين أماني السّوريين ومطامع الإستعماريين. وكانت صحافة الجالية كلّها تقريباً إلى جانب فرنسا ومع الصِّحافة معظم المهاجرين. وكانت العِزّة الوطنية تظهر في جريدتين اثنتين في كل البرازيل، وهما “الزهراوي” -لجورج أطلس، و”المقرعة” -وهي لأوّل شهداء الوطنيّة في المهجر، سليم اللّبكي. وانضمّ الشّاعر فرحات والأستاذ توفيق ضعون لتحريرها، وأصبحت جريدة “الأحرار”. كانت الصِّحافة العربية الأخرى تشيد بفضل فرنسا على السّوريين وعلى العرب وعلى الدّنيا كلّها؛ وكان على هذه الجريدة أن تحاربها حرباً لا هوّادة فيها، داحضين حججها ومُظهرين فسادها ومُبطلين مزاعمتها. ولم يرق لأخصامهم أن تكون نزعة الجريدة وطنية، فكانت مؤامرة دُبِّرَت لإغتيال صاحب الجريدة المرحوم سليم اللبكي، إذ إغتاله المدعو الياس مسرّة غدراً بالرّصاص. وكان مأتم الشّهيد على جانبٍ عظيمٍ من الأهميّة، وقد أبّنه الشاعر فرحات، فقال: “إنّ الشاعر لم يعُد يستطيع البقاء في سان باولو بعد أن أُنذِرَ بالقتل، وهي المدينة التي شقي فيها وتعذّب ونام اللّيالي من دون عشاء. ومع هذا، فقد كان يريد أن يبقى فيها قريباً من أصدقائه الأدباء. سافر إلى ولاية ماطو غروسو كمتجوّلٍ تجاريٍ لمحلّ السّيدين سليم وابراهيم طعمة.

ولما اندلعت نيران الثّورة في سوريا، كان ينظم قصائده الوطنيّة وينشرها في جريدة “الأفكار”؛ ونقلتها جريدة “القِبْلَة” التي كانت تصدر في مكّة مع تقريظٍ لها بقلم المغفور له الملك حسين. وأرسله المرحوم الملك فيصل، إثر نظمه قصيدةٍ بدخول الجيش العربي، إلى دمشق.

تزوّج سنة 1920 من ابنة مغتربٍ لبنانيٍّ، وأقاما في مدينة كوبروتيبا، وهنا بدأ بنظم الرّباعيات. وفي سنة 1925، طبع ديوانه بإسم “رباعيّات فرحات”. وفي سنة 1932، تألّفت لجنة من أدباء سان باولو لطبع “ديوان فرحات”- وكان يريد طبعه في جزأين، فأبت عليه اللّجنة ذلك. وصدر في عام 1951 ديوانه “أحلام الرّاعي” عن دار “مجلّة الشّرق” بالبرازيل التي وزّعته هديةً على مشتركيها.

لم يكن فرحات ينظم الشّعر إلاّ عندما يَرِدُ عليه من الخواطر السّانحة، وينظم ماشياً في السّوق أو مسافراً في الحافلة أو في القطار أو نائماً.