الشريف المرتضى

الشـريف المرتضـى
تو. 436 هـ / 1044 م

هو أبو القاسم علي بن السيد أبي احمد الحسين بن موسى بن محمد بن موسى بن إبراهيم بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبى طالب.

نقيب العلويين في بغداد. فقيه ومحدث وشاعر.

كان شريف العراق والمجتهد على الإطلاق ومرجع فضلاء الآفاق، وقد نهل من علمه علماء الأمامية من زمانه حتى زماننا، كان ركنا للعلم ومعلماً للعلماء، وكتب كتباً كثيرة. قيل عنه بأنه أعلم الناس بالعربية. قال الصفدي إنه: كان السيد المرتضى فاضلاً ماهراً أديباً متكلماً.

وقال السيوطي: أن المرتضى توحد في علوم كثيرة مجمع على فضله مثل الكلام والفقه وأصول الفقه والأدب من النحو والشعر ومعانيه واللغة وغير ذلك وله تصانيف، وعن السيد علي خان الشيرازي قال: كان الشريف المرتضى أوحد أهل زمانه فضلاً وعلماً وكلاماً وحديثاً وشعراً وخطابة وجاهاً وكرماً إلى غير ذلك.

وقال الشيخ الطوسي في حقه أيضاً: أكثر زمانه أدباً وفضلاً متكلم فقيه جامع للعلوم كلها مد الله في عمره. وعن الشيخ أبي جعفر الحمصي أنه قال: قد كان شيخنا عز الدين أحمد بن مقبل يقول لو حلف إنسان أن السيد المرتضى كان أعلم بالعربية من العرب لكان محقاً.

يقال أنه صنف رسالة في رد اعتبار العدد في الشهور، وصلت في ترجمة فارسية.

شعره في غاية الجودة وحكي عن جامع ديوانه أنه قال: سمعت بعض شيوخنا يقول ليس لشعر المرتضى عيب إلا كون الرضي أخاه فانه إذا أفرد بشعر له كان أشعر أهل عصره ومن شعره قوله:

وطرقنني وهناً بأجـــــواز الربـا                 وطروقهن على النوى تخييـل
في ليلة وافى بها متمنــــــــع                ودنت بعيدات وجاد بخيـــل
يا ليت زائرنا بغاصمة الدجـــــى               لم يأت إلا والصباح رســول
فقليله وضح الضحى مستكثـــــر             وكثيره غلس الظـلام قليــل

وقوله أيضاً:

تجاف من الأعداء بقيا فربمــا               كفيت فلم تجرح بناب ولا ظفر
ولا تبر منهم كل عود تخافـــه              فإن الاعادي ينبتون من الدهر

مصنفاته

كانت مصنفات السيد المرتضى غير مسبوقة من قبل من تقدمه من العلماء الأعلام، فقد كتب في الأصول، والرسائل، وأجوبة المسائل، والتفسير، والعقائد، والحديث. وكان من السابقين إلى فتح باب الاجتهاد، وأول الذين كتبوا في الفقه المقارن، ويعتبر السيد المرتضى أول واضع لأصول الفقه، لذلك يعد من المجددين للمذهب الشيعي، وله مؤلفات كثيرة تجاوزن الثمانين مصنفاً منها مخطوط ومنها مطبوع نذكر جملة منها:

الشافي في الإمامة. تنزيه الأنبياء والأئمة. المقنع في الغيبة. الذريعة في الأصول. الأمالي ويسمى الغرر والدرر. شرح القصيدة المذهبة . شرح الخطبة الشقشقية . النصرة لأهل الرؤية . المسائل الناصرية . فنون القرآن. تفسير الحمد والبقرة . الانتصار . مسألة في أصول الدين . المسائل الطرابلسية . المسائل الموصلية . المسائل الصيداوية . المسائل الحلبية . المسائل المصرية . المسائل الجرجانية . المسائل الديلمية . المسائل الطوسية . المسائل الدمشقية . المسائل الرازية . الخلاف في أصول الفقه . ديوان شعره (اكثر من عشرين الف بيت ) . المسائل المفردة في أصول الفقه .

توفي الشريف في مدينة الكاظمية ودفن أولاً في داره ثم نقل إلى كربلاء ودفن إلى جوار جدّه الإمام الحسين في مقبرة أبيه وأخيه .

وورد في “وفيات الأعيان” لابن خلكان:  الشريف المرتضى أبو القاسم علي بن الطاهر ذي المناقب أبي أحمد الحسين بن موسى بن محمد بن موسى بن إبراهيم بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب، رضي الله عنه؛ كان نقيب الطالبيين وكان إماماً في علم الكلام والأدب والشعر، وهو أخو الشريف الرضي – وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى – وله تصانيف على مذهب الشيعة ومقالة في أصول الدين، وله ديوان شعر كبير، وإذا وصف الطيف أجاد فيه، وقد استعمله في كثير من المواضع. وقد اختلف الناس في كتاب ” نهج البلاغة ” المجموع من كلام الإمام علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، هل هو جمعه أم جمع أخيه الرضي؟ وقد قيل: إنه ليس من كلام علي، وإنما الذي جمعه ونسبه إليه هو الذي وضعه، والله أعلم. وله الكتاب الذي سماه ” الغرر والدرر ” وهي مجالس أملاها تشتمل على فنون من معاني الأدب تكلم فيها على النحو واللغة وغير ذلك، وهو كتاب ممتع يدل على فضل كثير، وتوسع في الاطلاع على العلوم.

وذكره ابن بسام الأندلسي في أواخر كتاب ” الذخيرة ” فقال: كان هذا الشريف إمام أئمة العراق، بين الاختلاف والاتفاق، إليه فزع علماؤها، وعنه أخذ عظماؤها، صاحب مدارسها، وجماع شاردها وآنسها، ممن سارت أخباره، وعرفت له أشعاره، وحمدت في ذات الله مآثره وآثاره، إلى تواليفه في الدين، وتصانيفه في أحكام المسلمين، مما يشهد أنه فرع تلك الأصول، ومن أهل ذلك البيت الجليل، وأورد له عدة مقاطيع، فمن ذلك قوله:

ضن عني بالنزر إذ أنا يقظا

 

ن وأعطى كثيره في المنام

والتقينا كما اشتهينا ولا عـي

 

ب سوى أن ذاك في الأحلام

وإذا كانت المـلاقـاة لـيلاً

 

فالليالـي خـيرٌ مـن الأيام

قلت: وهذا من قول أبي تمام الطائي:

استزارته فكرتي في المنام

 

فأتاني في خفية واكتتـام

يا لها زورةً تلـذذت الأر

 

واح فيها سراً من الأجسام

مجلسٌ لم يكن لنا فيه عيب

 

غير أنا في دعوة الأحلام

ومن شعره أيضاً:

يا خليلـي مـن ذؤابة قـيسٍ

 

في التصابي رياضة الأخلاق

عللاني بذكرهم تطـربـانـي

 

واسقياني دمعي بكأسٍ دهاق

وخذا النوم من جفوني فإنـي

 

قد خلعت الكرى على العشاق

فلما وصلت هذه الأبيات إلى البصروي الشاعر قال:المرتضى قد خلع ما لا يملك على من لا يقبل.

ومن شعره أيضاً:

ولما تفرقنا كما شاءت النوى

 

تبين ودٌ خـالـصٌ وتـودد

كأني وقد سار الخليط عشيةً

 

أخو جنةً مما أقوم وأقعـد

ومعنى البيت الأول مأخوذ من قول المتنبي في مديح عضد الدولة بن بويه من جملة قصيدته الكافية التي ودعه بها لما عاد من خدمته من شيراز إلى العراق وقتل في الطريق، كما هو مشروح في ترجمة المتنبي وهو:

وفي الأحباب مختصٌ بوجدٍ

 

وآخر يدعي معه اشتراكا

إذا اشتبهت دموعٌ في خدودٍ

 

تبين من بكى ممن تباكى

ونقلت من كتاب ” جنان الجنان ورياض الأذهان ” الذي صنفه القاضي الرشيد أبو الحسين أحمد المعروف بابن الزبير الغساني – المقدم ذكره – ما نسبه إلى الشريف المرتضى المذكور، وهو:

بينـي وبـين عـواذلـي

 

في الحب أطراف الرماح

أنا خارجيٌّ في الـهـوى

 

لا حكـم إلا لـلـمـلاح

ونسب إليه أيضاً:

مولاي يا بـدر كـل داجـية

 

خذ بيدي قد وقعت في اللجج

حسنك ما تنقضي عجـائبـه

 

كالبحر حدث عنه بلا حرج

بحق من خط عارضيك ومن

 

سلط سلطانها على المهـج

مد يديك الكريمتين مـعـي

 

ثم ادع لي من هواك بالفرج

وذكر له أيضاً:

قل لمن خده من اللحـظ دامٍ

 

رق لي من جوانح فيك تدمى

يا سقيم الجفون من غير سقم

 

لا تلمني إن مت منهن سقما

أنا خاطرت في هواك بقلـبٍ

 

ركب البحر فيك إمـا وإمـا

وحكى الخطيب أبو زكرياء يحيى بن علي التبريزي اللغوي أن أبا الحسن علي ابن أحمد بن علي بن سلك الفالي الأديب كانت له نسخة بكتاب ” الجمهرة ” لابن دريد في غاية الجودة، فدعته الحاجة إلى بيعها فباعها واشتراها الشريف المرتضى أبو القاسم المذكور بستين ديناراً، وتصفحها فوجد بها أبياتاً بخط بائعها أبي الحسن الفالي وهي:

أنست بها عشرين حولاً وبعتها

 

لقد طال وجدي بعدها وحنيني

وما كان ظني أنني سأبيعـهـا

 

ولو خلدتني في السجون ديوني

ولكن لضعفٍ وافتقارٍ وصبـيةٍ

 

صغارٍ عليهم تستهل شؤونـي

فقلت ولم أملك سوابق عبـرةٍ

 

مقالة مكوي الفـؤاد حـزين:

“وقد تخرج الحاجات يا أم مالك

 

كرائم من ربٍ بهن ضنـين “

وهذا الفالي منسوب إلى فالة – بالفاء – وهي بلدة بخوزستان قريبة من إيذج، أقام بالبصرة لمدة طويلة، وسمع بها من أبي عمرو ابن عبد الواحد الهاشمي وأبي الحسن ابن النجاد وشيوخ ذلك الوقت، وقدم بغداد واستوطنها وحدث بها. وأما جده سلك فهو بفتح السين المهملة وتشديد اللام وفتحها وبعدها كاف، هكذا وجدته مقيداً، ورأيت في موضع آخر بكسر السين وسكون اللام، والله أعلم بالصواب.

وملح الشريف المرتضى وفضائله كثيرة. وكانت ولادته في سنة خمس وخمسين وثلثمائة. وتوفي يوم الأحد الخامس والعشرين من شهر ربيع الأول سنة ست وثلاثين وأربعمائة ببغداد، ودفن في داره عشية ذلك النهار، رحمه الله تعالى.

وكانت وفاة أبي الحسن الفالي المذكور في ذي القعدة سنة ثمان وأربعين وأربعمائة ليلة الجمعة ثامن الشهر المذكور، ودفن في مقبرة جامع المنصور، وكان أديباً شاعراً. روى عنه الخطيب أبو بكر صاحب ” تاريخ بغداد “، وأبو الحسين ابن الطيوري وغيرهما، رحمهم الله أجمعين.

من قصائده: ..

أراعكَ ما راعني من ردى ؟
ألا ماذا يَريبُكَ مِن همومي
لقد ضلَّ مَن يسترقُّ الهوَى
خليلي ألا عجبتما بالقلائص
نادِ امرءاً غُيِّبَ خلفَ النَّقا
ألاّ أرِقْتَ لضوءِ برقٍ أَوْمضا
أَأُسْقَى نَميرَ الماءِ ثمَّ يَلَذُّ لي
هل مجير من غصة ٍ ماتقضى
أظنك من جدوى الأحبة قانطا
كأنَّ مُعَقِّري مُهَجٍ كرامٍ
لعلّ زماناً بالثوية راجع
لغيرِ الغواني ماتُجِنُّ الأضالعُ
أَبالبارقِ النَّجديِّ طرفُك مُولَعُ
كم ذا نخيبُ وتكذبُ الأطماعُ
أبا بكر تعرضتِ المنايا
صبرتَ ومثلُك لا يجزعُ
سائلْ بيثربَ هل ثوى الرَّكبُ
أمِنْ أجلِ أن أعفاك دهرُكَ تطمَعُ
على مثل هذا اليوم تُحنى الرَّواجبُ
ليتَ أنّا لمّا فَقَدْنا الهُجوعا
ما أساء الزمان فيك الصنّيعا
شعرٌ ناصِعٌ ووجهٌ كئيبُ
حلّ ذاك الكِناسَ ظبيٌ ربيبُ
ليسَ للقلبِ في السُّلوِّ نصيبُ
قل لعيني لاتملأ الدموعا
ما في السُّلوّ لنا نصيبٌ يُطلبُ
أذمُّ إليكِ كَلْمًا ليس يُؤسَى
ضَمِنَتْ مجدَك العُلا والمساعي
عجبتُ من الأيام كيف تروعني
من أين زرت خيالَ ذاتِ البرقعِ
تُطالبُني نفسي بما غَيرُهُ الرِّضا
شُدَّ “غُروضَ” المطيّ مُغترباً
فلو أنني أنصفتُ نفسي لصنتها
أما آنَ للسَّلوانِ أنْ يردَعَ الصَّبّا
حُيِّيتَ يارَبْعَ اللِّوَى من مَرْبَعِ
إنيّ الشجاع وقد جزعتُ كما ترى
إياباً أيها المولى إيابا
أيُّ ناع نعاهُ لي أيُّ ناعِ
دعوا اليومَ ما عوّدتمُ من تصبّرٍ
من ذا الطبيبُ لأدوائى وأوجاعى
إذا ساءَلْتَني فخذ الجوابا
أسْخَطْتَني فرضِيتُ مِن كَلَفٍ
عجبتُ لقلبي كيفَ يَصْبو ويَكلَفُ
عادت إليّ بغيضة ٌ فتودّدت
أبى الزّمانُ سوى ما يكره الشّرفُ
لنا من ثناياكِ الغَرِيضُ المُرَشَّفُ
خذوا من جفونى ماءها فهى ذرّفُ
ألا يا لَقومي لاعْتنانِ النَّوائبِ
عتابٌ لدهرٍ لا يَمَلُّ عتابي
أعلى العهدِ منزلٌ بالجنابِ