الخليع الشاعر

الخليع الشاعر
توفي 250 هـ

أبو علي الحسين بن الضحاك بن ياسر الباهلي بالولاء  ، البصري  ، الخراساني  ، المعروف بالخليع أو الخالع  ، والمشهور بالأشقر.

من كبار ومشاهير ادباء وشعراء العراق في العصر العباسي  ، وكان متصرفاً في فنون الشعر  ، جيد الشعر  ، ظريفاً  ، وهو من الطبقة الاولى من الشعراء المجيدين  .

ولد بالبصرة سنة 162 هـ  ، وقيل قبل سنة 162 هـ  ، ونشأ وتأدب بها  ، ثم انتقل إلى بغداد ونادَمَ بها بعض ملوك الدولة العباسية كالرشيد والأمين ومن بعده من الملوك حتى أيام المستعين  ، وكان يجالسهم وينال جوائزهم  .

ورد في “وفيات الأعيان” لابن خلكان:

“أبو علي الحسين بن الضحاك بن ياسر الشاعر البصري المعروف بالخليع، مولى لولد سلمان بن ربيعة الباهلي الصحابي رضي الله عنه، وأصله من خراسان؛ وهو شاعر ماجن مطبوع حسن الافتنان في ضروب الشعر وأنواعه، واتصل في مجالسه الخلفاء إلى ما لم يتصل إليه إلا إسحاق بن إبراهيم النديم الموصلي، فإنه قاربه في ذلك أو ساواه، وأول من صحب منهم الأمين محمد بن هارون الرشيد، وكان اتصاله به في سنة ثمان وتسعين ومائة وهي السنة التي قتل فيها الأمين، ولم يزل مع الخلفاء بعده إلى أيام المستعين، ما عدا المأمون، فإنه لم يدخل عليه ولم يختلط به وذلك لأنه رثى الأمين فقال:

هلا بقيت لسـد فـاقـتـنـا                 أبداً وكان لغيرك الـتـلـف

وقد كان فيك لمن مضى خلف          فاليوم أعوز بعدك الخـلـف

فلما ورد المأمون بغداد أمر أن يكتب من يصلح لمنادمته من أهل الأدب فأثبت له قوم وذكر فيهم الحسين بن الضحاك فقال: أليس القائل: وكان لغيرك التلف؟ والله لا أرى وجهه على الطريق؛ فلم يحظ في أيام المأمون بشيء.

وقد كان وقت خدمته للمتوكل ضعف كبراً فكتب إليه يستعفيه من الخدمة بأبيات:

أسلفت أسلافك من خدمـتـي                      في مدتي إحدى وسـتـينـا

وكنت ابن عشرين وخمس وقد         وفيت بضعـاً وثـمـانـينـا

إني لمعروف بضعف القـوى               وإن تـجـلـدت أحـايينـا

فإن تحملت على كـبـرتـي                          خدمة أبنـاء الـثـلاثـينـا

هدت قواي ووهت أعظمـي             وصرت في العلة عـزونـا

وعزون هذا كان نديماً للمعتصم ثم للمتوكل.

وهو في الطبقة الأولى من الشعراء المجيدية وبينه وبين أبي نواس ماجريات لطيفة ووقائع حلوة. وسمي بالخليع لكثرة مجونه وخلاعته. ذكره ابن المنجم في كتابه “البارع” وأبو الفرج الأصبهاني في “الأغاني” وكل منهما أورد طرفاً من محاسن شعره، فمن ذلك قوله:

صل بخدي تلق عـجـيبـا                 من معان يحار فيها الضمير

فبخديك لـلـربـيع رياض                    وبخدي للـدمـوع غـدير

وله أيضاً:

أيا من طرفه سحـر                        ويا من ريقه خمـر

تجاسرت فكـاشـف                        ك لما غلب الصبر

وما أحسن في مثـل                      ك أن ينتهك الستـر

فإن عنفني الـنـاس                       ففي وجهك لي عذر

وله:

لا وحبـيك لا أصـا               فح بالدمع مدمـعـا

من بكى شجوه استرا       ح وإن كان موجعا

كبدي ف يهواك أس           قم من أن تقطـعـا

لم تدع صورة الضنى          في السقم موضعـا

وذكر في كتاب “الأغاني” أن هذه الأبيات أوردها أبو العباس ثعلب النحوي-المقدم ذكره-للخليع المذكور وقال: ما بقي من يحسن أن يقول مثل هذا: وله:

إذا خنتم بالغيب عهدي فمـالـكـم       تدلون إدلال المقيم على العـهـد

صلوا وافعلوا فعل المدل بوصلـه         وإلا فصدوا وافعلوا فعل ذي الصد

وله من قصيدة:

سقى الله عصراً لم أبت فيه لـيلة     من الدهر إلا من حبيب على وعد

وذكر أبو عبد الله ابن حمدون عن الحسين بن الضحاك قال: كان يألفني فتى من أهل الشام عجيب الخلقة والشكل غليظ جلف جاف، فكنت أحتمل ذلك منه وكان حظي التعجبن منه، وكان يأتيني بكتب عشقية له ما رأيت كتبا أحلى منها ولا أظرف ولا أشكل من معانيها، ويسألني أن أجيب عنها فأجهد نفسي في الجوابات وأصرف عنايتي إليها على علمي أن الشامي بجهله لا يميز بين الخطإ والصواب، ولا يفرق بين الابتداء والجواب، فلما طال ذلك علي حسدته وتنبهت على إفساد حاله عندها فسألته عن اسمها فقال: بصبص، فكتبت إليها عنه في جواب كتاب منها كان جاءني به:

أرقصني حبنك يا بصبص                  والحب يا سيدتي يرقص

أرمصت أجفاني لطول البكا             فما لأجفانك لا تـرمـص

أوحشني وجهك كذاك الذي             كأنه من حسنه عصعـص

قال: فجاءني بعد ذلك فقال: يا أبا علي ما كان ذنبي إليك وما أردت بما صنعت بي؟ فقلت له: وما ذاك عافاك الله؟ فقال: ما هو إلا أن وصل إليها ذلك الكتاب حتى بعثت إلي: إني مشتاقة إليك والكتاب لا ينوب عن الرؤية، فتعالى إلى الروشن الذي بالقرب من بابنا، فقف بحياله حتى أراك؛ فتزينت بأحسن ما قدرت عليه وصرت إلى الموضع، فبينا أنا واقف أنتظر مكلماً لي أو مشيراً إلي وإذا شيء قد صب علي فملأني من فرقي إلى قدمي فأفسد ثيابي وسرجي وصبرني وجميع ما علي ودابتي في نهاية السواد والنتن والقذر، وإذا هو ماء قد خلط ببول وسواد وسرجين، وانصرفت بخزى وكان ما مر بي من الصبيان وسائر من مررت به من الطنز والضحك والصياح أعظم مما جرى علي ولحقني من أهلي ومن منزلي، وشر من ذلك وأعظم من كل ما ذكرت أن رسلها انقطعت عني جملة، قال: فجعلت أعتذر إليه وأقول: إن الآفة أنها لم تفهم الشعر لجودته، وأنا أحمد الله على ما ناله وأسر بالشماتة به.

حدث محمد بن جعفر بن قدامة عن محمد بن عبد الملك قال: كنا في مجلس ومعنا الحسين بن الضحاك ونحن على شراب وعندنا مغنية فعبث الخليع بالمغنية وجمشها فصاحت بالحسين واستخفت به، فأنشأ الخليع يقول:

لها في خدها عكن                       وثلثا وجهها ذقـن

وأسنان كريش البط                       بين أصولها عفن

قال: فضحكنا وبكت المغنية حتى قلنا إنها عميت وما انتفعنا بها بقية يومنا؛ وشاع هذان البيتان فكسدت من أجلهما، وكانت إذا حضرت في مجلس أنشدوا البيتين فتجن؛ ثم إنها هربت من سر من رأى فما عرفنا لها بعد ذلك خبراً.

حدث الصولي عن أحمد بن حمدون قال: أمر المتوكل بأن ينادمه الحسين بن الضحاك ويلازمه فلم يطق ذلك لكبر سنه، فقيل له: هو يطيق الذهاب إلى القرى والمواخير فيشرب فيها ويعجز عن خدمتك، فبلغه ذلك؛ قال ابن حمدون: فدفع إلي أبياتاً فأوصلتها إلى المتوكل وهي قوله:

أما فـي ثـمـانـين وفـيتـهـا               عذير وإن أنـا لـم أعـتــذر

فكيف وقد جـزتـهـا صـاعـداً               مع الصاعدين بـتـسـع أخـر

وقـد رفـع الـلـه أقـلامــه                  عن ابن ثمانـين دون الـبـشـر

سوى من أصر عـلـى فـتـنة             وألحـد فـي دينـه أو كـفـر

وإنـي لـمـنـأسـراء الإلــه                 في الأرض نصب صروف القدر

فإن يقض لي عمـلاً صـالـحـاً                        أناب وإن يقض سـوءاً غـفـر

وقد بـسـط الـلـه لـي عـذره             فمـن ذا يلـوم إذا مـا عــذر

ومـا لـلـحـسـود وأشـياعـه              وكذب بـالـوحـي إلا حـجـر

قال ابن حمدون: فلما أوصلتها شفعتها بكلام أعتذر وأقول: لو أطاق خدمة أمير المؤمنين لكان أسعد بها، فقال المتوكل: صدقت، خذ له عشرة آلاف درهم فاحملها إليه، فأخذتها وحملته.

حدث أبو العيناء قال: حج الحسين بن الضحاك فمر في منصرفه على موضع يعرف بالقريتين، وإذا جارية كأنها القمر في ليلة التم تتطلع من تحت ثيابها وتنظر إلى حرها ثم تضربه بيدها وهي تقول: ما أضيعني وأضيعك، فأنشأ الحسين يقول:

مررت بالقريتـين مـنـصـرفـاً              من حيث يقضي ذوو الهوى النسكا

إذا فـتـاة كـأنـهـا قـمـــر                     للتم لمـا تـوسـط الـفـلـكـا

واضعة كفهـا عـلـى حـرهـا               تقول واضيعتي وضـيعـتـكـا

قال: فلما سمعت قوله ضحكت وغطت وجهها وقالت: وافضيحتاه وقد سمعت ما قلت! وقال الحسين بن الضحاك: كنت جالساً في داري في يوم شات وقد أفطر المأمون وأمر الناس بالإفطار فجاءتني رقعة الحسن بن رجاء يقول فيها:

هززتك للصبوح وقد نهاني                أمير المؤمنين عن الصـيام

وعندي من قيان الكرخ عشر                        يطيب بها مصافحة المـدام

ومن أمثالهن إذا انتـشـينـا              ترانا نجتني ثمر الـحـرام

فكن أنت الجواب فليس شيء                     أحب إلي من حذف الكـلام

فوردت رقعته وقد أرسل إلى محمد بن الحارث غلاماً له نظيف الوجه ومعه ثلاثة غلمان حسان، ومعه رقعة منشورة قد ختم أسفلها مثل المناشير فيها:

سر على اسم الله يا أحسن من غصن لجين              في ثلاث من بني الروم إلى دار حسين

فاسخص الكهل إلى مولاك يا قرة عيني                     أره العنف إن استعصى وطالبه بدين

ودع اللفظ وكلمه بغمز الحاجبين                  واحذر الرجعة من وجهك في خفي حنين

قال: فمضيت مع غلمان محمد بن الحارث وتركت الحسن.

وكانت وفاته سنة خمسين ومائتين وقد قارب مائة سنة، رحمه الله تعالى. وقال الخطيب في “تاريخ بغداد”، يقال: إنه ولد في سنة اثنتين وستين ومائة”.

وفي “سير أعلام النبلاء” ورد عن الخليع”

” الشاعر المفلق أبو علي الحسين بن الضحاك الباهلي مولاهم البصري الخليع.

مدح الخلفاء وسار شعره وعمر دهراً وكان يذكر موت شعبة وكان ذا ظرف ومجون وتفنن في بديع النظم وكان نديماً مع إسحاق الموصلي.

مات سنة خمسين ومائتين وله بضع وتسعون سنة وشهر بالخليع لمجونه وهناته وهو القائل:

ولا وحبيك لا أصـا              فح بالدمع مدمعـا

من بكى شجوه استرا       ح وإن كان موجعا

كبدي في هواك أس          قم من أن يقطـعـا

لم تدع سورة الضنى         في للسقم موضعـا

وله:

صل بخدي خديك تلق عجيبا             من معان يحار فيها الضمير

فبخديك لـلـرياض ربـيع                   وبخدي للـدمـوع غـدير.